← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 13020

الرحلة في طلب الحديث - ت عتر

الخطيب البغدادي

Полный текст (178 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون". "قرآن كريم" "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة". "حديث شريف"

стр. 2

الإهداء إلى العلامة الكبير المجاهد، فضيلة أستاذنا الجليل الشيخ مصطفى مجاهد، الذي أفدت منه في علم الحديث وفقهه، في رحلاتي العلمية إلى كعبة علوم الإسلام: الجامع الأزهر. لقد كنت لنا أستاذا عظيما، ومرشدا ناصحا وأسوة حسنة. وكنت مثالا في الجهر بالحق وإعلاء كلمته، غرست فينا روح العلم والعمل في مجالس المذاكرة التي خصصتنا بها. وقد أكرمك ربك بنشر العلم على أعلى مستوياته، في أول الحرمين أقدس البلاد، ثم اصطفاك لرحمته في أكرم جوار، جوار رسوله الأعظم ﷺ ، تكريما لجهادك فيه، ولحبك لنبيه ﵌. نور الدين

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. وبعد: فان الله تعالى قد جعل الأمة الاسلامية هادية مهتدية، تحمل لواء العلم وتجلو ظلمات الجهل، وقد قام ورثة الأنبياء فيها من أئمة الدين بإضاءة منار العلم بما بحثوه في حلقاتهم العلمية، وما صنفوه من المصادر الجليلة، التي خلدها التاريخ مفخرة للمسلمين ونبراسا يهتدون به في تجديد ما درس من حضارتهم، وإحياء ما غطى عليه الجهل من معارف كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ . وقد أخذنا على عاتقنا نشر مجموعة من هذا المصادر لها أهميتها ومكانها في مكتبة العلوم الاسلامية، تحت هذا العنوان " سلسلة روائع تراثنا الاسلامي "، راجين من الله تعالى أن يتفضل بالتيسير والقبول. وهذا كتاب " الرحلة في طلب الحديث " ننشره بين يدي هذه المجموعة تشجيعا لطلاب العلم بل لكل المسلمين وترغيبا في طلب العلم وبذل غاية الوسع والطاقة من أجله أسوة بما كان عليه سلفهم الصالح حيث كان الواحد منهم يرحل المسافات الشاسعة ويجتاز الفيافي والقفار، يأدتم كسر

стр. 4

الخبز اليابس، ويكتفى بالطعام الجلف، ويلبس خلق الثياب ويعاني الأهوال للفوز بطلب العلم، بل لطلب مسألة من العلم، أو لسماع حديث واحد. وقد جمع الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب الرحلة هذا أخبارا عجيبة وتحفا نادرة من أخبار رحلاتهم هي رحلاتهم من أجل الحديث الواحد فقط، ثم قام محققة فضيلة الدكتور الشيخ نور الدين عتر رئيس قمس علوم القرآن والسنة بجامعة دمشق بجلاء هذه المأثرة الجليلة من مآثر مجدنا العلمي وأبرز حيويتها ونضارتها بما قدم به لهذا الكتاب من دراسة قيمة واسعة عن الرحلة من منبعها وهو الاعجاز العلمي للقرآن الكريم، ثم برد كيد الكائدين لهذه الأمة من متعصبة المستشرفين الذين حاولوا زحزحة المسلمين عن مفاخرهم وأمجادهم، وكذلك فيما علقه على الكتاب من تعليقات حافلة بالفوائد، ثم بهذا الاستدراك الذي ذيل به الكتاب وذكر فيه جملة من أخبار الرحلة في الحديث الواحد، تعادل أخبار الكتاب الأصل، استخرجها من بين عشرات الآلاف من التراجم، مما يدل على ما بذله من الجهد وما لديه من الاطلاع الذي قدم لنا تلك المجموعة من أخبار الرحلة في طلب الحديث الواحد. وإنا لنأمل أن يوفقنا الله إلى خدمة التراث العلمي الاسلامي وأن نقوم بقسطنا من الواجب نحو هذه الأمة وهو سبحانه ولي التوفيق. الناشر أمين دمج

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نور السماوات والأرض، أنار قلوب عباده بالعلم والعرفان. وصلى الله على سيدنا محمد منقذ الانسان من ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور العلم والايمان. أما بعد: فان المرء ليعجب لما يحدثنا به التاريخ عن علماء الاسلام عامة والمحدثين خاصة من أنباء رحلاتهم المضنية التي قاموا بها من أجل العلم، رغم أبعاد السفر الشاسعة، ومشقاته في أيامهم يجتازون العقبات ويستهينون بالصعوبات في سبيل العلم، لا يطمحون من وراء ذلك إلى جاه أو وظيفة يشغلونها، ولا يطمعون في دنيا يصيبونها. وإن كتاب " الرحلة في طلب الحديث " للامام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، برهان عظيم وآية كبرى في إثبات ما بلغه علماؤنا العظام من علو الهمة وسمو القصد، وشرف الغاية والوسيلة نقدمه للقراء اليوم نستنهض به هم شبابنا المثقف وحمية طلبة العلم ليسلكوا سبيل أساتذتهم الأوائل علماء أمتهم الخالدين ويعيدوا للعالم أشرف سياحة عرفها، هي السياحة للقاء العلماء والتزود من توجيهاتهم والإفادة من معينهم العلمي والروحي العظيم.

стр. 6

عثرت على هذا الكتاب في أثناء تطوافي بين مخطوطات " دار الكتب الظاهرية " العامرة، فلفت نظري طرافة موضوعة، ثم طالعته فجدبني إليه حسن اختيار مادته ومضمونه، حيث خصص الامام الخطيب كتابه هذا للرحلة في طلب الحديث الواحد فقط، لا لطلب الحديث جملة. فاستنسخت الكتاب ثم قابلته بالنسختين الخطيتين بالدار، توطئة لتحقيقه، وتقديمه لشبابنا المثقف، بل لأهل العلم في كافة الأقطار (١). وقد قدمت للكتاب بتمهيد موجز عن إعجاز النبوة العلمي، لأن مجدنا العلمي والحضاري، بل مجد العالم إنما هو فرع لما ابتنت عليه هذه الدعوة، وتمرة لما قامت عليه من تحرير الفكر والعلم من الأغلال. وشرحت عناية المسلمين بالمحافظة على الأصل الموجه لهذه الحضارة، أعني القرآن والحديث، وما اختصهم الله به من علم لم يعرفه غيرهم، أعني علم نقد الروايات، وما بذلوا من أجله من جهود تفوق الوصف والبيان. وعرفت بالخطيب البغدادي ومنهجه العلمي تعريفا موجزا، يبرز جانب العبرة التي نقصدها من نشر هذا الكتاب. ويرد على أعداء المحدثين من المستشرقين ومن يقلدهم في بعض مزاعمهم. ثم في التعليق على الكتاب خرجت الأحاديث النبوية، وتكلمت على أسانيدها مراعيا جانب الإيجاز، ورجعت في ذلك إلى المراجع الأصلية المطبوعة والمخطوطة، وكان لذلك فائدة كبيرة في جلاء رتبة أحاديث الكتاب وحالها من الصحة أو الضعف، وفي تحقيق نصها أيضا، فقد _________ (١) وسنعرفك بهاتين النسختين وبطريقة التحقيق التي سلكناها في آخر التقديم للكتاب إن شاء الله.

стр. 7

استطعت بذلك إزالة الاشكال عن رواية الخطيب لبعض الأحاديث، حيث وجدت أصول المراجع تشتمل على زيادة تجلو الأمر وتزيل اللبس. كما أني أوضحت الألفاظ التي تحتاج للتفسير في الاسناد أو المتن، لجلاء معاني الكتاب. ثم جعلت خاتمة ذلك زيادة أحاديث وأخبار كثيرة أضفتها إلى الكتاب، مما لم يذكره الخطيب البغدادي ﵀. وهكذا جاء عملنا - إن شاء الله - شاملا جوانب الكتاب، مكملا لفوائده، وإنا لنرجو أن نكون قد وفقنا إلى ما نقصده من جلاء هذه المأثرة العظيمة من روائع مجدنا العلمي. واستنهاض همم شبابنا المثقف، وحمية طلبة العلم. وهو سبحانه سندنا ونعم الوكيل. وكتب نور الدين عتر

стр. 8

إعجاز النبوة العلمي من المعجزات العظمى للنبي محمد بن عبد الله ﷺ معجزاته العلمية ذلك أن النبي ﷺ أمي لا يعلم قراءة ولا كتابة، ولم يتلق عن أحد علما من علوم الدين أو علوم الدنيا، وقومه العرب في الجزيرة أميون، عدمت فيهم القراءة والكتابة، إلا ما وجد على قلة وندرة من مبادئ يسيرة جدا للكتابة نقلتها عنهم الآثار. ومع ذلك فقد جاء بالعلم وبعثت بالمعرفة. حتى كانت أول آيات تنزل عليه هي: " اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم ". ومن معجزات هذا النبي الكريم، أنه في دعوته القوية الصافية، يأتي بأدلة العقل المستبصرة من الفكر الصحيح، ومن حقائق الكون الراسخة، فالقرآن الكريم يتحدث عن حقائق الكون حديث الخبير بها، ويأتي بها شواهد صدق تعرف العباد بربهم سبحانه، ولذلك فان الانسانية على مر العصور وتقدمها في العلوم لا تخرج عما قرره القرآن من قواعد الكون العامة التي تدل على أن القرآن لا يمكن أن يصدر إلا من الله، وأن علوم محمد لا يمكن أن تأتي إلا من الله.

стр. 9

وخلاصة تلك الأصول الكونية: ١ - أن كل هذه المكونات في الطبيعة في الأرض أو السماء مخلوقة لله، مقهورة لسلطانه مسيرة ذليلة لقدرته وإرادته. وبهذا بطل ما كان يعتقده أهل الأديان في بعض الجمادات الأرضية أو الكواكب من تأثير في حياة الانسان، وتحرر الانسان من العبودية لها والخوف منها. ٢ - أنها تدل على وجود الله ووحدانيته، وصفاته العليا، بما أودع فيها من عجائب الصنع وآيات الابداع. فأمر بالتفكر فيها والبحث عن مكنوناتها، وهو بهذا يفتح باب البحث في علوم الكون على مصراعيه، بل يكلف الناس بهذا، في الوقت الذي كان العالم كله يعتقد أن ذلك أمر محظور، وأنه مناوأة لله . ٣ - أن كل شئ في العالم يسير بنظام دقيق " الشمس والقمر بحسبان "، " وكل شئ عنده بمقدار ". ٤ - أن كل هذه الكائنات خلقت لمنفعة الانسان، بل إنها مسخرة له، علويها وسفليها، كما قال الله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو بكل شئ عليم " البقرة: الآية: ٢٩. وقال أيضا: " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه … " الجاثية: الآية: ١٣ ولقد حملت هذه الأمة مشعل العلم والحضارة، وأضاءت بهما العالم كله، دهرا طويلا حيث كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس، وكان الفكر العلمي فيها رهن السجون والاغلال، بل كان الفكر العلمي نهب القتل والاغتيال، حتى تلمذت على المسلمين،

стр. 10

وتلقفت منهم حقائق العلم، والثقة بالعلم، والتضحية من أجل العلم فتحررت بفضل ذلك وعرفت الطريق نحو الحضارة. وإذا كانت البشرية قد وصلت اليوم إلى القمر والكواكب، فإنها مدينة في ذلك لما قرره القرآن في الآيات التي تلوناها، وفي أمثالها، بل إن القرآن ليقرر ما هو أبعد من مجرد الوصول إلى القمر!، يقرر تسخير هذه الكواكب لصالح هذا الإنسان. ويضرب النبي ﷺ المثل الأعلى في الحفاظ على الحقيقة العلمية والأمانة، حين كسفت الشمس يوم موت عظيم، أو ولادته. فقال الناس: والكسوف يقعان بسبب موت عظيم، أو ولادته. فقال الناس: خسفت الشمس لموت إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وإذا بالنبي ﷺ يجمع الناس يصلي بهم ركعتين سنة الكسوف ثم يخطب فيهم يقول: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا … " (١). ولقد كان المصاب فاجعا بالنسبة للنبي ﷺ ، حزن من أجله حزنا عظيما حتى ذرفت عيناه ووقف يقول هو يردع ولده: " إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". ومن ذا الذي يرزأ بمثل هذا الخطب ثم لا يرى الدنيا مكتسية ثوب الحداد لرزئه وأن الشمس والقمر تشاركانه الأسى لمصابه. لكن محمدا الأمين ﷺ يراعي قبل هذا كله، وفوق هذا كله الحقيقة العلمية التي اطلعه الله عليها، وإذا به يخطب في الناس ليحطم _________ (١) متفق عليه، البخاري بلفظه في الصلاة: ٢: ٣٤. ومواضع أخرى. ومسلم: ٣: ٢٧.

стр. 11

هذه الخرافة التي قيلت مواساة له وتسلية لا حزانه. فكان العلم بالكون وبالطبيعة مدينا لهذا النبي الذي فتح العيون على حقائق الأمور الدينية ومهد السبيل لتقديم العلوم الطبيعية والكونية، فاستنارت القلوب بدعوته، وازدهرت الحضارة بشريعته، وتقدمت علوم الطبيعة والكون بتوجيهات رسالته (١). اعتناء المسلمين بالحديث والاسناد: بهذه الروح العلمية النابعة من الاسلام والقرآن حفظت هذه الأمة كتاب الله المنزل إليها، فنقلته بحفظ الصدور تلقيا عن رسول الله ﷺ بأمانة وثقة وتواتر، كما نقلته أيضا بحفظ السطور أخذا من الصحف التي دونت بين يدي رسول الله ﷺ . فأدت القرآن إلى العالم بغاية الدقة في تبليغ نصه وكيفية أدائه وتلاوته في كلماته وحروفه، وإدغاماته وإظهاراته وغناته، ومداته، ووقوفه ووصله … حتى وصل إلينا عبر القرون غضا طريا كما أقرأه رسول الله ﷺ أصحابه، مما لم يقدر لكتاب غيره. ثم ذبت الكذب والحلل عن الحديث النبوي بما وضعته من قوانين للرواية هي أصح وأدق طريق علمي في نقل الروايات واختبارها. وكان من أهم هذه القوانين البحث في إسناد الحديث، وفحص أحوال الرواة. وقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث، وعلى التثبث من أحوال الرواة وأن لا يأخذوا من الحديث إلا حديث من يوثق به دينا وحفظا، حتى شاعت لذي كافة الناس هذه القاعدة عن الصحابة: _________ (١) انظر التوسع في شرح حديث الكسوف وما يسن فيه وصفة صلاة الكسوف في كتابنا " هدي النبي ﵌ في الصلوات الخاصة " ص ١٦٧ - ١٧٥.

стр. 12

" إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها (١) " فبعد معرفة رواة الخبر يمكن تفحص أحوالهم، ومعرفة صحة الخبر من سقمه، متأثر بذلك علم ميزان الرجال: " الجرح والتعديل " الذي هو عمود أصول الحديث. ولقد كان علم السند هذا ابتكارا في قوانين الرواية وفق الله إليه المسلمين وخصهم به دون الأمم السابقة. يقول الإمام علي بن حزم (٢): " نقل الثقة عن الثقة مع الاتصال حتى يبلغ النبي ﷺ خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور … ". ويقول الحافظ أبو علي الجياني: " خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب " (٣). الرحلة في طلب الحديث ولما كان الحديث النبوي هو المصدر الثاني للاسلام، وكان منه بهذه المثابة فقد أعطاه العلماء غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة، على بعد الشقة وعظم _________ (١) اخرج ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ١/ ١/ ١٥ بأسانيده عن عدد من التابعين بلفظ: " كان يقال إنما هذه الأحاديث … الخ ". وانظر تفصيل ذلك وبيان موقعه من منهج السلف العلمي في كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث " ص ٤٧ وما بعد. (٢) في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل: ج ٢ ص ٨٢. (٣) تقريب الراوي ص ٣٥٩.

стр. 13

المشقة، طلبا للحديث وبحثا عن أسانيد الأحاديث، بل عن إسناد الحديث الواحد. امتثالا لأمر الله تعالى، وتحقيقا لما حث عليه النبي ﷺ المسلمين: قال تعالى: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ". وقال ﷺ : " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ". (١) وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي. قال الإمام ابن الصلاح (٢): " وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره ". وقال يحيى بن معين: " أربعة لا تؤنس منهم رشدا: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث (٣) ". ويبدو أثر الرحلة للناظر في أسانيد الأحاديث واضحا جليا، إذا ما تناولنا أي اسناد منها ودرسنا تاريخ رواته نجد في أغلب الأحيان أنهم ينتمون إلى أكثر من موطن، بل ربما وجدنا كل واحد منهم من بلدة، جمعت الرحلة في طلب الحديث شتاتهم وقربت بعد ما بينهم حتى تسلسلوا في قرن واحد في سند الحديث الواحد … ! أهداف الرحلة عند المحدثين: وللرحلة أهداف ومقاصد جليلة لدي أهل الحديث نوضح أهمها فيما يلي: _________ (١) من حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره. (٢) في كتابه علوم الحديث ص ٢٢٢ بتحقيقنا. (٣) المرجع السابق ص ٢٢٣.

стр. 14

١ - تحصيل الحديث: ولعل هذا أول أسباب الرحلة، خصوصا في عهود الاسلام الأولى ومنه جاءت رحلات الصحابة (١) ثم التابعين، وهكذا … وذلك أن الصحابة ﵃ تفرقوا في البلاد ومع كل واحد منهم علم حمله عن النبي ﷺ ، وإن كان هناك عدد منهم نستطيع أن نقول إنهم كانوا يحملون جملة الحديث، وهم الذين كان الخلفاء يرسلونهم إلى البلاد دعاة ومعلمين، مثل عبد الله بن مسعود في العراق، وأبي الدرداء في الشام … ثم انتشر علم الصحابة في تلامذتهم التابعين وتفرق بينهم، فاحتاج العلماء إلى تحصيل الحديث من صدور حملته استكمالا لعلم السنة النبوية. وقد ضرب المسلمون في ذلك مثلا عاليا، وبلغوا شأوا عزيز المال، حتى رحلوا في طلب الحديث الواحد، وها هو ذا كتاب الرحلة الذي بين أيدينا بينة واضحة على هذا المقصد الجليل. ٢ - التثبت من الحديث: وهذا كان مقصد أبي أيوب ﵁ في رحلته من المدينة المنورة إلى مصر ليثبت من حديث سمعه من النبي ﷺ لم يبق أحد سمعه غيره وغير عقبة بن عامر (٢). وكذلك رحل شعبة بن الحجاج من أجل اسناد لحديث فضل _________ (١) رحلاتهم إلى النبي ﷺ كما أثبتناه في مطلع استدراكنا على كتاب الرحلة، وكذا رحلاتهم إلى بعضهم البعض مما ذكره الخطيب. (٢) انظر حديث في الرحلة رقم ٣٤ - ٣٨.

стр. 15

الوضوء والذكر بعده، فإن أبا إسحاق السبيعي الذي سمع منه شعبة هذا الحديث مدلس، ولم يكشف لشعبة عن حقيقة أمر السند، وكان شعبة كثير العناية بتتبع المدلسين، فرحل تلك الرحلة المضنية حتى توصل إلى نتيجة مؤسفة هي سقوط رواة من السند أحدهم مطعون فيه، فلم يملك نفسه أن قال: " دمر علي هذا الحديث، لو صح لي هذا الحديث كان أحب إلي من أهلي ومن مالي ومن الدنيا كلها " (١). ومن التثبت من الحديث أن يكون عند المحدث أحاديث يرويها فيسمع في رحلته بعض هذه الأحاديث بأسناد تلتقي مع إسناده وتتفق في صيغة المتن المروي أو معناه (٢) أو يسمع أحاديث أخرى في معني ما يرويه (٣) فيطمئن المحدث ويتقوى الحديث حتى يحتج به إن كان فيه ضعف من قبل (٤)، أو يزداد صحة إن كان من قبل صحيحا (٥). كما أن تتبع الروايات والأسانيد قد يسفر عن خلل يسقط حديثا كان يظنه من قبل صحيحا (٦). _________ (١) انظر الحديث وتعليقنا الحافل عليه في الرحلة برقم ٥٩ و ٦٠. (٢) وهو ما يسمى بالتابع أو المتابع والمتابعة. (٣) ويسميه المحدثون الشاهد. انظر تفصيل البحث في التابع والشاهد في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث رقم عام ٧٤ - ٧٥ ص ٣٩٤ - ٣٩٨. (٤) وهو الحديث الحسن لغيره، انظر تعريفه وشروطه في كتابنا منهج النقد رقم عام ٣٩ - ص ٢٩٤ - ٢٥٢. (٥) وقد بحثنا أنواع الحديث الناشئة من تعدد السند مع اتفاق الرواة في كتابنا الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص ١٢٦ - ١٣٢ وزدنا هذا البحث توسعا في كتاب منهج النقد المبحث الثاني من الباب السابع ص ٣٨٠ - ٣٩٨. (٦) انظر أنواع الحديث الناشئة من اختلاف الرواة في رواية الحديث في فصل جامع من كتابنا الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص ١٣٢ - ١٥٠ وكتابنا منهج النقد المبحث الثالث من الباب السابع ص ٣٩٩ - ٤٣٢. وفيه زيادة توسع وتفصيل.

стр. 16

٣ - طلب العلو في السند: والعلو هو قلة عدد الوسائط في سند الحديث مع اتصال السند. ويحصل العلو بأن يسمع المحدث حديثا من راو عن شيخ موجود " فيذهب المحدث إلى ذلك الشيخ ويسمعه منه. وهكذا يقل عدد وسائط النقل في السند. وللعلو فائدة عظيمة هي أنه يبعد الاسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله قد يحتمل أن يقع من جهته خلل في النقل، فإذا قلت الوسائط تقل جهات الاحتمال للخلل، فيكون علو السند قوة للحديث (١). لذلك عني المحدثون بالعلو عناية كبيرة، وألفوا فيه المصنفات وتجشموا لتحصيله المشقات، حتى رحلوا إلى الأقطار النائية سعيا وراء علو السند، ما إن يسمع أحدهم بحديث عن محدث في عصره حتى يرحل إليه ليسمعه منه مباشرة. قال الحافظ أبو الفضل المقدسي (٢): " أجمع أهل النقل على طلبهم العلو ومدحه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم ". وقال الإمام أحمد بن حنبل: " طلب الاسناد العالي سنة عمن سلف ". وقيل ليحيى بن معين في مرض موته: " ما تشتهي؟ ". قال: " بيت خالي، وإسناد عالي! (٣) ". _________ (١) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٣١ وانظر منهج النقد في علوم الحديث ص ٣٣٥ رقم عام ٥٩. (٢) هو محمد بن طاهر، انظر كلمته هذه في " مسألة العلو والنزول " ق ٥/ آ. (٣) علوم الحديث ص ٢٣١.

стр. 17

وقيل للإمام أحمد بن حنبل: أيرحل الرجل في طلب العلو؟ فقال: " بلى والله شديدا، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر ﵁ فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه (١) ". وقال أبو العالية: " كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ ونحن بالبصرة فما نرضي حتى نركب إلى المدينة فنمعها من أفواههم … " (٢). وغير ذلك كثير جدا. ٤ - البحث عن أحوال الرواة: وذلك لأن معرفة أداء الراوي للحديث كما سمعه هو المقصد الذي عليه مدار هذا العلم، ومن أجله بذلت كل الجهود، ووضعت قواعد النقد، فكان لابد من تقصي أحوال الرواة وأخبارهم حتى يتميز مقبولهم من مردودهم، وقد قلنا في كتابنا " منهج النقد " (٣): " ولولا ما بذله الأئمة النقاد في هذا الشأن من الجهود في البحث عن عدالة الرواة واختبار حفظهم وتيقظهم حتى رحلوا في سبيل ذلك وتكبدوا المشاق ثم قاموا في الناس بالتحذير من الكذابين والضعفاء المخلطين لاشتبه أمر الإسلام واستولت الزنادقة ولخرج الدجالون ". وحسبنا دليلا على أهمية هذا البحث تلك العلوم الكثيرة التي تبحث _________ (١) المرجع السابق ٢٢٣، وانظر المستدرك على الرحلة رقم ٩٢. (٢) أخرجه الخطيب في الرحلة برقم ٢١. (٣) ص ٨٤ رقم عام/ ٢/.

стр. 18

في الرواة من كل جهات البحث فيهم، والتي بلغت أصولها ثلاثين علما (١)!! ومن أمثلة الرحلة لهذا الغرض سعي الإمام يحيى بن معين إلى أبي نعيم الفضل بن دكين ليختبر حفظه وتيقظه حتى شهد له انه قد بلغ الغاية في ذلك (٢). ولو أن الناس وطلبة العلم عنوا في هذا العصر بهذين المقصدين (الثالث والرابع) في حق المؤلفات الحديثة، ورجعوا إلى (المؤلف) مصدر الفكرة المنشورة، يبحثون حاله كما كان السلف يفعلون لوجدوا كثيرا من أصحاب الكتب لا يستحق القراءة له، ولاكتفوا شرا كثيرا (٣) لكنه القعود والاخلاد إلى الراحة جعل للمطبعة ولدعاية الناشرين التجارية قوة لم تكن تكسب من قبل بالشهرة المفتعلة أو الألقاب المصطنعة، حيث كانت الرحلة للقي الرجال تكشف خباياهم. ٥ - مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها: وهو فن جليل يحتاج إلى عمق النظر وتقصي الأسانيد والروايات، لذلك قال العلماء إن التعمق فيه وتحصيل الملكة العلمية لا يتم إلا بالمجالة والمذاكرة ولقاء جهابذة الفن. _________ (١) وقد جمعناها مبوبة مفصلة إلى أقسامها بحسب جهة البحث في الرواة وتقسيمها تقسيما مبتكرا في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث ص ٦٦ - ١٧٣ فانظر دراسة قواعدها فيه. (٢) انظر خبر هذه الرحلة الطريف في المستدرك على الرحلة برقم ١٠٦. (٣) لذلك نرى أن يحتاط المسلم وطالب العلم لدينه من كتاب لم يتوثق من ورع مؤلفه ورسوخه العلمي، وأن يحرص على التلقي المباشر من العلماء الذين عرف من ورعهم وعلمهم ما يجعلهم أهلا للقدوة، فإن الأمر خطير، جد خطير.

стр. 19

قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية (١) " ولو كان حكم المتصل والمرسل واحدا لما ارتحل كتبة الحديث وتكلفوا مشاق الأسقار إلى ما بعد من الأقطار، للقاء العلماء والسماع منهم في سائر الآفاق … ". وكان سفيان بن عيينة بمكة يرحل إليه علي ين المديني من العراق للمذاكرة في ذلك، فقال ابن عيينة: " يلومونني على حب علي ابن المديني والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني … " وقال يحيى القطان: " أنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم مني ". وكان الإمام أحمد بن حنبل يصلي من الليل مائة ركعة وأكثر، فإذا زاره يحيى بن معين اكتفي بالقليل من النافلة وجلس للمذاكرة مع يحيى، فقال له ابنه في ذلك؟ فقال: " يا بني إن ما يفوت من النافلة يدرك، لكن إذا فات ما عند هذا الفتى لا يدرك ". ومن روائع نتائج الرحلة ما أفاده الامام الترمذي في علل الحديث من الامام البخاري، وهذا كتابه " العلل الكبير " شاهد صدق بذلك لكثرة نقوله عن الامام البخاري في معظم أحاديث الكتاب. وقد صرح الترمذي في آخر جامعه بإفادته من هذه المباحثة فقال: " وما كان فيه - يعني الجامع - من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد ابن إسماعيل - يعني البخاري - … " (٢). _________ (١) ص ٤٠٢ - ٤٠٣ طبع الهند. (٢) آخر جامع الترمذي المشهور ب " سنن الترمذي ". وانظر كتابنا الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص ١٧ - ١٨، و ٢٦٧.

стр. 20

فوائد الرحلة وهي فوائد عامة نضيفها إلى ما سبق من أغراض الرحلة عند المحدثين نستشير بها عزائم الشباب حتى يتخطوا الصعاب، وتخف عليهم أعباؤها المالية ومشقاتها: من هذه الفوائد: ١ - التمكن من الجوانب العلمية: وذلك أن الانسان يتأثر ببيئته ومحيطه، وقد تتحكم فيه المألوفات التي عاش بينها، فإذا رحل إلى بيئة أخرى ألقى مشاكل جديدة تبحث، أو آراء جديدة في مسائل سبق له أن درسها، فيتسع أفقه واجتهاده بدراسة الجديد من المسائل أو الجديد من الآراء، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى تغيير في آرائه واجتهاداته بعد أن كان سار عليها زمنا لا يجيد عنها، وهذا الفقه الشافعي برهان ساطع على ذلك، فإن من المعروف المشهور أن للامام الشافعي مذهبان: المذهب القديم، والمذهب الجديد، والمذهب الجديد يختلف في مسائل جوهرية كثيرة عن القديم، وقد صار إليه الشافعي بعد رحلته إلى العراق، حيث لقي الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، ولقي تلامذة أبي حنيفة، وغيرهم من العلماء. وقد أبان العلامة ابن خلدون هذه المزية في فصل خاص مختصر (١) نسوقه بنصه. وهو: أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم. _________ (١) هو الفصل الرابع والثلاثون - من مقدمة ابن خلدون - (من أقسام الفصل السادس من الكتاب الأول) في أن الرحلة في طلب العلوم … " … إلى آخره ص ٤٧٨.

стр. 21

والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علما وتعليما والقاء، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقي أشد استحكاما وأقوى رسوخا، فعلي قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها. والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين، فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات وتصح معارفه وتميزها عن سواها، مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم. وهذا لمن يسر الله عليه طرق العلم والهداية، فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ". انتهى. ٢ - نشر العلم الذي حصله العالم: وذلك أن العالم كثيرا ما ينبغ في بلد يضيق عن حمل نبوغه، لعدم توفر الكفاءات أو لقلة اهتمام أهل البلد بهذا الفن أو الاختصاص، فيرحل إلى مدينة تكون أوسع مجالا للآراء الخطيرة، أو أشد حاجة، فتعظم مكانته ويكثر الانتفاع بحكمته، ولولا الرحلة لما عظم شأنه ولما كثرت ثمرات نبوغه، وهذا الشيخ عز الدين بن عبد السلام مر عند خروجه من الشام بالكرك فتلقاه صاحباه وسأله الإقامة عنده، فقال له الشيخ: "بلدك صغير عن علمي". وتوجه إلى القاهرة.

стр. 22

وقد تكون رحلة العالم أو الأديب من أسباب ظهور علمه أو أدبه وانتشاره في الآفاق. قال الأديب أبو بكر المعروف بابن بقي: ولي همم ستقذف بي بلادا … نأت إما العراقَ أو الشآما لكيما تحمل الركبان شعري … بوادي الطلح أو وادي الخزاما وكيما تعلم الفصحاء أنَّي … خطيب علَّم السجعَ الحماما وقد أطلعتُهُن بكل أرضٍ … بدورا لا يفارقْنَ التماما ٣ - اتساع الثقافة العامة: وذلك لكثرة احتكاك الانسان بالجديد عليه من الناس وما لديهم من عادات وثقافة وحكم وأمثال ونوادر، فيتأثر بذلك وينطبع في نفسه حتى تتكون لديه من كل رحلة ولقاء فائدة أو يحفظ حكمة أو نكتة، أو تقع له حادثة طريفة، فيحفظ ذلك كله ويصبح له زادا يجتذب إليه الناس بالحديث عنه، وفي الناس حب التطلع لأخبار غيرهم ومعرفة ما لم يألفوه من أحوالهم، لذلك احتل الرحالون مراكز الصدارة في المجالس واجتذبوا الناس إليهم بما يحكمون من أنباء رحلاتهم العلمية، وما يذكرون من أحوال مشايخهم وأخبار أساتذتهم. ومن مشاهداتهم الاجتماعية، ولطائف الحكم وطرائف النكت التي سمعوها، والوقائع العجيبة التي صادفوها. ٤ - تنمية الفضائل والكمالات في النفس: وقد كان هذا غرضا يرحل إليه الراحلون، يقصدون أهل الفضل للتأسي بأحوالهم وصفاتهم. قال الامام العالم الحافظ الزاهد أحمد بن فرح الإشبيلي (١) في الامام النووي: _________ (١) انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي ص ١٤٨٦.

стр. 23

" الامام محيي الدين قد صار إلى ثلاث مراتب، كل مرتبة لو كانت لشخص لشدت إليه الرحال: العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (١). ورحل الإمام الكبير الحافظ يحيى بن يحيى بن بكير التميمي (٢) إلى الامام مالك بن أنس للسماع منه، وبعد أن أتم ذلك بقي عند مالك، وقال: " أقمت لأستفيد من شمائله ". كما أن الانسان في الرحلة تتغير مألوفاته وعاداته، فيكتسب بمواجهة ذلك أخلاقا طيبة تغرسها الرحلة في النفس، مثل خلق الصبر لكثرة ما يلاقيه الراحل من متاعب بدنية وآلام نفسية لفراق الأحبة، ومثل أدب المداراة، فإن البعيد عن وطنه أشد شعورا بالحاجة إلى هذا الأدب ممن يعيش بين قوم يعرفون من حسبه ومكانة بيته ما يجعل صراحته خفيفة على أسماعهم. وهذا التلقي الفضائل من الأكابر يفتح رحاب الصدر للاختلاف، حيث يعذر كل واحد الآخر في خطته أو في اجتهاداته وآرائه، ولا يتسرع للحط من مخالفه أو الطعن عليه بالابتداع أو الضلال … !! ٥ - كسب صداقات جديدة خالصة: والصداقة الخالصة من ألذ ما يتمتع به الانسان في الدنيا، وقد ذكر الله تعالى من نعيم أهل الجنة أن متعهم بمحبة بعضهم لبعض " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا … ". _________ (١) انظر المرجع السابق ص ١٤٧٠ - ١٤٨٦، وانظر دراسة عن النووي في كتابنا " دراسات تطبيقية في الحديث النبوي " ص ٣٧٦ وما بعد. (٢) انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ص ٤١٥.

стр. 24

والرحلة وسيلة نافعة في كسب أصدقاء جدد يتعرف عليهم، ويعرف بهم أهل بلده، ويتحدث عن فضائلهم ومحاسنهم في مجالسه، فيؤدي ذلك إلى تعارف الشعوب وتحاببها، وقد كان المسلمون على غاية التحابب، والتعاون حيث كانت البلاد الاسلامية كلها مفتوحة للمسلم، لا تضيق به الدنيا، ولا تعسر عليه المعيشة، ولا ينتهى مدى جناحه على الأرض. وهذه مصادر الأدب فيها الكثير من مراسلات الأصدقاء النثرية وقصائدهم الشعرية (١). وغير ذلك من فوائد يستزيد من تعدادها المجرب ويذوق حلاوتها لما فيها من تجديد في الشخصية، وفي رؤية الحياة: إن السفر كنز العبر فارحل ترى الآفاق أبهج منظرا وترى الربيع البكر يرتاد القُرى وسنا الشباب بنبض روحك قد سرى (٢) وما أحسن قول الشاعر الحكيم أبي تمام: وطول مقام المرء في الحيِّ مخْلِقٌ … لديباجَتَيْه فاغتربْ تتجددِ فاني رأيتُ الشمس زيدت محبة … إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ _________ (١) انظر رسائل الاصطلاح لفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الأسبق الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ ج ٢ ص ١٩٠ وما بعد. وانظر مناظرة حول الرحلة في كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي ص ٢١٦ وما بعد. (٢) عن قصيدة " شيخ الغجر" (ص ٦١) من ديوان " عودة الغائب " للشاعر الأستاذ محمد الحسناوي.

стр. 25

آداب الرحلة وهي أصول ينبغي مراعاتها حتى تؤتي الرحلة ثمارها وتتحقق أهدافها أيا كان العلم الذي يرحل فيه الطالب، ونجمل لك أهمها فيما يلي: ١ - أن يقدّم السماع من علماء بلده على الرحلة للآفاق، فهو أيسر وأقل كافة، وأمكن له في التثبت مما يسمع وتدوينه وضبطه ومراجعة ما يشكل منه، ولا يستخفن طالب العلم بأساتذة بلده، شأن بعض الغافلين يرى أحدهم الدرهم في بيت جاره خيرا من الدينار في بيته. فإذا فرغ من التلقي عن علماء بلده عزم على الرحلة وسلك سبيلها (١). ٢ - حسن اختيار أماكن الرحلة، بأن تكون عامرة ببعض العلماء أو الفضلاء ممن يفاد منهم. وكان العلماء يعتنون بذلك ويستشيرون فيه، كما ستراه في تقديمنا هذا من استشارة الخطيب شيخه أبا بكر البرقاني في الرحلة، ويأتي في كتاب الرحلة (٢) عن أحمد بن حنبل وقال له رجل: عمن ترى أن يُكْتَبَ الحديثُ؟ فقال له: " أخرج إلى أحمد بن يوسف فإنه شيخ الإسلام ". وعن معمر قال: قال لي أيوب: " إن كنت راحلا إلى أحد فارحل إلى ابن طاوس وإلا فالزم تجارتك " (٣). ٣ - أن يهتم بكثرة المادة العلمية المتلقاة، وكثرة المسموع مما ليس عنده من الأسانيد والمتون، ويقدم ذلك على الاستكثار من الأساتذة، _________ (١) كما صرح المحدثون بذلك، انظر علوم الحديث ص ٢٢٢، وشرح النخبة ص ١٥٤ بحاشية لقط الدرر وشرح الشرح ص ٢٦٦. (٢) برقم ١٨. (٣) كما في الرحلة أيضا رقم ١٩.

стр. 26

قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (١): " ثم يرحل فيحصل في الرحلة ما ليس عنده، ويكون اعتناؤه بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ ". وفي شرح الشرح (٢): " ويكون اعتناؤه أي وينبغي أن يكون اهتمام الطالب بتكثير المسموع أي في الحديث أكثر من اعتنائه بتكثير الشيوخ، أي والأسانيد، لأن المقصود الأصلي أولى هو الدراية لا مجرد الرواية، نعم قد يحتاج إلى تكثير الرواية لتصحيح الدراية ". ٤ - أن يعتني بالمذاكرة مع المحققين لتمكين التعمق في العلم، وذلك بأن يحضر ما توصل إليه من آراه أو علاج لمشكلات العلم، فيلقيه على أهل التحقيق والدقة، ويعرض عليهم ما وقع له من استشكال، فيكسب بذلك آراءا جديدة تزيده تمكنا وتعمقا، أو تزيح ما وقع له من إشكال، وهي فائدة هامة يكمل بها العالم ويسمو. وينبغي عدم التساهل في ذلك، وأن يستكثر من الأساتذة الذين يعرض عليهم هذه الأمور إن اقتضى الأمر، كما يستكثر الباحث من الرجوع إلى المصادر المكتوبة في المسائل العويصة حتى يحلها، والمصادر الحية (الأساتذة) أهم من الكتب لعلاج المشاكل فيما لمسناه، لأنها تقدر على تتبع الخواطر ومناقشاتها إلى النهاية. ٥ - مراعاة الآداب العامة في السفر: وهي مطلوبة من كل مسافر خصوصا صاحب الرحلة لطلب العلم، أو لتحصيل شئ من خصال _________ (١) ص ١٥٤ نسخة لقط الدرر. (٢) للشيخ علي القاري ص ٢٦٦، ونحوه في لقط الدرر نفس المكان.

стр. 27

الخير، فهو أحرى بمراعاتها وأجدر. ومن أهمها المداومة على الطاعات والعبادات وذكر الله تعالى، والسخاء بالمال، ثم تحمل متاعب السفر والطريق والصبر على الرفاق، وغير ذلك من آداب وسنن لا نطل بذكرها هنا (١) لكنا نذكر بتأكيدها لما لها من أثر كبير في النفس يهذبها ويكسبها فضائل تسمو بها، حتى كان كثير من الأكابر يرحلون لمجاهدة أنفسهم على تلك الخصال. تاريخ الرحلة في طلب الحديث سلك المسلمون سنن الرحلة في طلب العلم والحديث من وقت مبكر جدا، بدأ منذ بمصر النبوة، وكتاب الرحلة هذا وثيقة هامة تثبت ذلك بما أخرج فيه الخطيب البغدادي من الأحاديث الصحيحة في ذلك ثم بما خرجناه في المستدرك عليه. الأمر الذي يدل على الأهمية البالغة للرحلة في طلب العلم، وطلب الحديث خاصة، ويدل على تلك القوة الدينية الإيمانية العظيمة التي دفعت المسلم إلى أن يزعج نفسه ويجشمها أعظم المشقات في سبيل الحديث ابتغاء رضوان الله تعالى. لكن بعض المستشرقين مثل (جولد تسهير) وتابعه (ليون بورشيه) يؤرخ الرحلة تأريخا مختلفا تماما عما أثبتته الوثائق والدلائل العلمية. يقول بورشيه في تلخيص لكلام جولد تسهير (٢). _________ (١) ذكرنا مهمات منها في كتابنا " الحج والعمرة في الفقه الاسلامي "، في موضوع " مستحبات السفر وأدعيته " من فصل " كيفية الحج والعمرة … " ص ١٨٧ - ١٩١. (٢) في كتاب " دراسات في السنة الاسلامية " تاريخ العصر الأموي الفقرة رقم ٣.

стр. 28

" الطابع الدنيوي الخالص للسيطرة الأموية: يسمى هذا الطابع " الملك " وقد اعتبره الأتقياء موقفا سيئا، وبما أن الأشخاص الأتقياء كانوا قد عزلوا عن الحياة العامة من قبل القادة فإنهم قد أعطوا كل ما عندهم للدراسة المتعمقة للشريعة الإسلامية، وفتشوا عن سنة النبي في أي مكان يمكن أن توجد فيه، وهذه بداية الرحلات في طلب الحديث " انتهي. والواقع أن دلائل كثيرة جدا تثبت بطلان هذا الزعم، نذكر منها: ١ - ما أشرنا إليه من رحلة الصحابة إلى النبي ﷺ ، مثل ضمام ابن ثعلبة، فان التحقيق في خبره يدل على أن الاسلام دخل قلبه قبل لقائه للنبي ﷺ لكنه جاء ليسمع من النبي ﷺ ما كان بلغه عنه. ٢ - ما هو ثابت من رحلات التابعين في عصر صدر الخلافة الراشدة، كما سبق (١) أن ذكرنا من " أن علقمة والأسود كانا يبلغهما الحديث عن عمر ﵁ فلا يقنعها حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه " وهو أثر صحيح ظاهر الدلالة على أن الرحلة في طلب الحديث الواحد وجدت قبل عصر الأمويين بزمن بعيد، فكيف بطلب مجموعات من الحديث، وقد احتج بهذا الأثر الإمام المحدث الحافظ الجليل أبو عمرو بن الصلاح على سنية الرحلة وأهميتها في طلب الحديث (٢). _________ (١) في صفحة ٢١ وانظر آثارا أخرى تأتي في الرحلة برقم ٢٠ و ٢١ (٢) أذكر أنني التقيت في مطلع الربيع ١٩٧٣ في المجمع العلمي في دمشق بالمستشرق الدكتور " يوسف وان إس " رئيس قسم اللغة العربية بجامعة نوبتجن بألمانيا، وهو من كبار المستشرقين العصريين، وله إشراف على عدد من رسائل الدكتوراه لطلاب عرب!! وأفادني بعض الأصدقاء أنه يعتبر الآن عميد المستشرقين. وقد قلت للدكتور يوسف وان إس: إنني أرى من اللازم أن لا يقلد المستشرقون الآن ما كتبه أسلافهم عن الإسلام وخصوصا " جولد تسيهر " الذي لحظنا له أثرا كبيرا بين المستشرقين وذلك لأن الدراسات العلمية تثبت وقوعه في أخطاء كثيرة واضحة … فتساءل عن ذلك؟ قلت له: " أذكر على سبيل المثال بمناسبة هذا اللقاء أن جولد تسيهر أرخ الرحلة في طلب الحديث بوقت متأخر في عصر الأمويين لظروف سياسية … " مع أن ثمة دلائل صحيحة ثابتة تبرهن على خلاف ذلك وتثبت أن الرحلة في طلب الحديث كانت قبل ذلك بكثير ". وألقيت عليه هذا الاستدلال برحلة علقمة والأسود للسماع من عمر ﵁، فحملق في الدكتور يوسف، وقال: أهذا صحيح؟! قلت: نعم، وهو ثابت في كتاب علوم الحديث للإمام ابن الصلاح. فلم يجب. وأسجل بهذه المناسبة أمنيتي هذه تأكيدا لما ذكرت به الدكتور وان إس بضرورة تحرر المستشرقين من تقليد سابقيهم إذا أرادوا الحقيقة العلمية. فهل تتحقق هذه الأمنية؟!!.

стр. 29

٣ - ان وقوع الرحلة منذ عهد سابق على الأمويين (على زعم أن الأتقياء عزلوا عن القيادة في عصر الأمويين وهو زعم غير مسلم به) يدل على أنه لا صلة لهذه القضية بانتزاع القيادة من الأتقياء كما زعم، وإنما هو الدافع العلمي الديني لخدمة الاسلام والتورع في استخراج أحكامه ورواية أحاديث النبي ﷺ . ٤ - أن جولد تسيهر ومن تبعه في هذا الزعم الفاسد قد خلط في فهم الانتقاد للحكام الذي يبلغ أحيانا درجة من الشدة، والذي كان أئمة المسلمين

стр. 30

يقومون به، فجعل ذلك سعيا للوصول إلى السلطة ومنافسة على المنصب، من أناس عزلوا عن المناصب، وإنما كان العلماء العاملون يفعلون ذلك قياما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فرضه الله على المسلمين، وبلغوا به رتبة الأفضلية على الأمم، كما قال ﵎: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ". لكن جولد تسيهر تجاهل مجموعة النصوص الضخمة في القرآن والسنة حول هذه الفريضة ليجعل هذا النقد ذا صبغة دنيوية سياسية، وكأنه في ذلك يخضع لقيمه الشخصية المادية أو بيئته. ٥ - أن أعلام الرحلة في طلب الحديث منذ عصر الصحابة وما بعده من العصور كانوا بعيدين أشد البعد عن المطامح السياسية أو محاولة انتزاع السلطة، بل كانوا أبعد الناس عن التطلع إلى الدنيا ومتاعها أو مناصبها وهذه أسماؤهم في أخبار الرحلة لطلب الحديث الواحد قد عرفنا بهم في تعليقنا على الكتاب تدل أبلغ دلالة على أنه لاصله لمسألة الرحلة في طلب الحديث بشئ من مؤثرات الدنيا، وإنما هو وهم نسجه خيال أوروبي لا يؤمن بشئ غير النفع الدنيوي، … !! أولا يصبر على ثبوت فضيلة للمسلمين!! ٦ - أن طلب العلم الشرعي عامة وطلب الحديث خاصة عبادة عظيمة، وقربة إلى الله . وقد حض الله وحض النبي ﷺ علي طلب العلم وعلى الرحلة من أجله، ورغب بجزيل الأجر ورفيع المنازل والدرجات عند الله، ومعلوم ما كان المسلمون عليه من الحرص

стр. 31

الشديد على مصلحة دينهم والتقرب إلى ربهم فكيف يكون طلبهم للحديث مشوبا بنزعات النفس، وأطماعها الدنيوية؟!، خصوصا وقد وردت النصوص الكثيرة جدا في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية (١) في التحذير من الرياء والتخويف الشديد منه، وأنه يحبط الأعمال، بل يعرض صاحبه لشديد العذاب عند الله: قال تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ". وقال يصف المنافقين: " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ". وقال أيضا: " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ". وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت! ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت! ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت _________ (١) انظر تفصيل البحث في خطورة الرياء في كتاب احياء علوم الدين للامام الغزالي ج ٣ ص ٢٨٥ - ٣٢٦.

стр. 32

القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ". أخرجه مسلم (١). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار ". أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم عالما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعني ريحها. أخرجه أبو داود وابن ماجة (٣). _________ (١) في الإمارة (باب من قائل للرياء والسمعة استحق النار) ج ٦ ص ٤٧. (٢) ابن ماجة برقم ٢٥٤، وموارد الظمآن ص ٥١، والمستدرك ج ١ ص ٨١ وقد اختلف في إرساله ووصله، والراجح وصله لثقة راويه يحيى بن أيوب، وقد أخرج الحاكم وابن ماجة ما يشهد لوصله. وانظر المغني في الضعفاء رقم ٦٩٣١، وكتابنا منهج النقد في علوم الحديث رقم عام ٦٨ ص ٣٧٥، فقد تكلمنا فيهما على سنده. (٣) أبو داود في العلم (باب طلب العلم لغير الله تعالى) ج ٣ ص ٣٦١، وسكت عليه وما سكت عليه أبو داود فهو صالح. وابن ماجة (باب الانتفاع بالعلم والعمل به) ص ٩٢ - رقم ٢٥٢ ونحوه قريبا منه عند الترمذي عن ابن عمر ج ٥ ص ٣٣، وابن ماجة. وغير ذلك أحاديث كثيرة جدا في مصادر السنة اكتفينا منها بما وقع لنا سريعا.

стр. 33

الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب هو الإمام المحدث الحافظ الحجة الثبت المؤرخ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة هجرية في بيت علم ودعوة، فقد كان والده أحد حفاظ القرآن، تولى الإمامة والخطابة على المنبر بقرية " درزيجان " قرب بغداد (١). وقد حرص على ولده وتعهده وبث فيه روح العلم والتقى فعلمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن والقراءات، ثم أخذه ليسمع الحديث سنة ٤٠٣ هـ في جامع بغداد. لكن الخطيب انصرف بعد هذا إلى الفقه، فتفقه بكبار الفقهاء الشافعية، كأبي حامد الأسفرائيني، وأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وأحمد بن محمد المحاملي. ثم لم يلبث أن عاود مجالس الحديث، وهو في الثامنة عشرة من عمره. وأكب على شيوخ الحديث ببغداد يكتب عنهم، لا يدع منهم أحدا، ثم أخذ في الرحلة، فرحل إلى البصرة عام ٤١٢ وسمع مشايخها، وأخذ عن أهل الكوفة ما عندهم من الحديث. وعاد إلى بغداد وقد ظهر نبله وفضله، وأصبح محل ثقة علمائها وثنائهم، لكنه لم يرض إلا أن يستمر في التزود من العلم، فعزم على الرحلة إلى البلدان القاصية. وكان في بغداد شيخه الإمام المحدث أبو بكر البرقاني فاستشاره في أمره. قال الخطيب: _________ (١) وهي قرية كبيرة جنوب غربي بغداد.

стр. 34

" أول ما سمعت في المحرم سنة ثلاث، واستشرت البرقاني في الرحلة إلى عبد الرحمن بن النحاس بمصر، أو أخرج إلى نيسابور؟ فقال: إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، إن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة إن فاتك واحد أدركت من بقي، فخرجت إلى نيسابور … وكنت كثيرا أذاكر البرقاني بالأحاديث فيكتبها عني ويضمنها جموعه، وحدث عني وأنا أسمع ". ولم تحدد لنا المراجع التي بين أيدينا مدة هذه الرحلة، لكنا نقدر أنها استمرت أربع سنوات إلى سنة ٤١٩. لأنهم ذكروا أنه في هذه السنة ذاكر ببغداد شيخه الكبير الامام البرقاني بعض ما يرويه، وكانت رحلته رحلة واسعة غزيرة الفوائد طوف فيها على العلماء في نيسابور وغيرها من بلدان ذلك الإقليم، فدخل الري وخراسان ورحل إلى أصبهان وهمذان والجبال والدينور. وحصل في رحلته هذه علما كثيرا بذكائه وحافظته الفذة وجده ودأبه، حتى رجع وقد أصبح إماما كبيرا في العلم بالحديث. وأقام ببغداد يسمع الناس حديث رسول الله ﷺ . ويأخذ عنه العلماء والكبار حتى أن شيوخه قد أخذوا عنه كالبرقاني وغيره. قال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ (١) يعدد أشهر شيوخه: "سمع أبا الحسن بن الصلت الأهوازي وأبا عمر بن مهدي وأبا الحسين ابن المتيم والحسين بن الحسين الجواليقي وابن رزقويه وابن أبي الفوارس وهلال الحفار وإبراهيم بن مخلد الباخرجي والموجودين ببغداد. وارتحل سنة اثنتي عشرة إلى البصرة فسمع أبا عمر القاسم بن جعفر _________ (١) ص ١١٣٦.

стр. 35

الهاشمي رواية السنن، وعلي بن القاسم الشاهد، والحسن بن علي النيسابوري، وسمع بنيسابور أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج والقاضي أبا بكر الحيري وطبقتهما. وسمع بأصبهان أبا الحسن بن عبد كويه ومحمد بن عبد الله ابن شهريار وأبا نعيم الحافظ وطبقتهم. وسمع بالدينور أبا نصر الكسار وطائفة. وبهمذان محمد بن عيسى وطائفة. وبالكوفة، والري، والحرمين، ودمشق، والقدس وصور وغير ذلك ". ثم قال الذهبي يذكر أعلاما من تلامذة الخطيب: "روى عنه البرقاني شيخه، وأبو الفضل بن خيرون والفقيه نصر المقدسي، وأبو عبد الله الحميدي وعبد العزيز الكتاني وأبو نصر بن ماكولا وعبد الله بن أحمد السمرقندي والمبارك بن الطيوري، ومحمد بن مرزوق الزعفراني وأبو بكر بن الخاضبة وأبي النرسي وأبو القاسم النسيب وهبة الله ابن الأكفاني وعلي بن أحمد بن قيس الغساني ومحمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي، وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي وعبد الكريم بن حمزة وطاهر بن سهل الأسفرائيني وهبة الله بن عبد الله الشروطي وأبو السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وعبد الرحمن بن محمد الشيباني القزاز وأبو منصور ابن خيرون المقرئ ويوسف بن أيوب الهمذاني نزيل مصر … وخلق يطول عددهم … ". انتهى. وعلى الرغم مما حصل للخطيب من العلم الغزير ظل حريصا على الازدياد من فوائده، فكان يسعى السعي الحثيث لعلو الاسناد. وفي سنة ٤٤٤ خرج من بغداد إلى الحج فعرف الناس منه في

стр. 36

طريقه غاية التعبد والحرص على نشر العلم، قال أبو الفرج الأسفرائيني: " كان الخطيب معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم ". وغلبته في طريقه غريزة المحدثين في السماع، فدخل دمشق سنة ٤٤٥ وسمع بها، ثم دخل صور فسمع بها أيضا على بعض الشيوخ (١). وفي مكة سمع من القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزية، وكان سماعها لهذا الكتاب أقدم سماع في عصرها. وذكر الخطيب عن نفسه أنه لما حج شرب ما ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ثلاث حاجات أخذا بالحديث: " ماء زمزم لما شرب له " (٢) فالحاجة الأولى: أن يحدث بكتابه تاريخ بغداد في نفس مدينة بغداد، الثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور، الثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي. وقد قضى الله له ذلك وأجاب دعاءه. إمامته وتصدره مجالس الحديث: في إثر عودة الخطيب إلى بغداد أذن له الخليفة أن يملي الحديث بجامع _________ (١) كتاب الخطيب البغدادي ص ١٢٧ نقلا عن ابن قاضي شهبة في المنتخل من تاريخ بغداد ١٣٨/ ١ و ١٣٦/ ٢ و ١٣٧/ ١. (٢) الحديث أخرجه ابن ماجة عن جابر ص ١٠١٨ رقم ٣٠٦٢، والحاكم في المستدرك: ١: ٤٧٣ عن ابن عباس بأطول من هذا، وأخرجه غيرهما أيضا. وقد روى الحديث من طرق كثيرة لم يخل شئ منها من القدح. لكن الحفاظ حسنوه لتعدد طرقه. منهم الحافظ ابن حجر، وصححه بعضهم: كالمنذري والدمياطي والسيوطي، انظر نيل الأوطار ج ٥ ص ٨٧، وتدريب الراوي ص ٨٠ وشرح الجامع الصغير للمناوي ج ٥ ص ٤٠٤.

стр. 37

المنصور، فاجتمع عليه في المسجد خلق عظيم يكتبون عنه ويسمعون منه، وقرأ تاريخ بغداد في مدينة بغداد كما طلب من ربه ودعاه. وانقطع الخطيب وقد اكتمل في العلم، وبلغ سن الحكمة، انقطع للتصنيف يعمل بجد متواصل، ورغبة شديدة، يستكمل ما بدأ تصنيفه من قبل، أو يراجع ما صنفه، أو يصنف كتبا جديدة حتى أنهي القسم الأعظم من تآليفه وأعدها للنشر والاملاء في مجالس التحديث. وقد جاوزت تآليفه عشرة آلاف ورقة، وقدرت بسبعين مجلد من المجلدات الكبار. وبينا كان الخطيب على ذلك إذا بالاحداث تتغير فجأة لتضطره إلى الرحلة من بغداد والفرار منها. حدثت في بغداد آنذاك فتنة الباسيري ومحاولته قلب الخلافة العباسية، وتشوش حال الناس وأمنهم، واستولى على الأمور من لا يؤمن على الأنفس والأموال، مما أتاح لبعض خصومه إيذاءه والكيد له بشتى الوسائل، فخشي أبو بكر الخطيب على نفسه وخرج من بغداد مصطحبا تصانيفه وكتبه وسماعاته، حتى أتى دمشق فاستوطنها، وظل مقيما فيها رغم علمه بهدوء الحال في بغداد وعودة الأمور إلى نصابها. وقد اتخذ لنفسه في دمشق حلقة كبيرة في المسجد الأموي تغص بالناس، وكان ذا صوت جهوري يدوي في أرجاء المسجد حتى يسمعه آخر من في المسجد. ولهذه الرحلة الفضل فيما ظفرت به دمشق من كتب الخطيب القيمة التي لا يزال قسم كبير منها في دار الكتب الظاهرية حرسها الله تعالى. وفي سنة ٤٥٩ قلبت له الأيام ظهر المجن - شأنها مع أولي الفضل -،

стр. 38

بسبب سعاية الوشاة الخبثاء حتى أمر الوالي بقتله، وكاد ينفذ فيه ذلك لولا أن الشريف العلوي أبا القاسم علي بن إبراهيم وهو من أهل العلم عرف للخطيب فضله، فاحتال له وشفع فيه حتى انتهت الحادثة دون أن يمس الخطيب بأذى، لكن أمر بمغادرة دمشق، وألا يقيم فيها، فخرج وأقام في مدينة صور حتى سنة اثنتين وستين وأربعمائة. ثم لم يلبث بعد ذلك أن اشتد به الحنين إلى بلدته بغداد، فشد رحله إليها، وخرج من صور عن طريق الساحل السوري إلى طرابلس، ثم إلى حلب وهكذا حتى بلغ بغداد، وكان كلما مر ببلدة أقام أياما، وعقد مجلسا للعلم، وباحث العلماء وناظرهم. وما إن وصل بغداد حتى اجتمع حوله العلماء، يسمعون منه كتابه الذي تمنى على الله قراءته في هذه البلدة " تاريخ بغداد " ويسمعون غيره من الكتب حتى وافته منيته ضحى يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وحقق الله أمنيته الأخيرة التي دعا بها عند زمزم فتخلى له الشيخ الصوفي أبو بكر أحمد ابن علي الطريثيثي عن قبر أعده لنفسه بجوار بشر الحافي، وكان الطريثيثي يتردد على القبر وينام فيه ويختم فيه القرآن كل أسبوع، ثم تخلى عنه للخطيب كي يدفن فيه إيثارا لعلم الخطيب وفضله ﵀ ورضي عنه. ولعل من المكافأة الإلهية للطريثيثي أن أطال الله حياته، فعمر بعد ذلك ثلاثين سنة رحمه الله تعالى. شخصية الخطيب البغدادي: يتمتع الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب بشخصية قوية، جمعت أطرافا من من كمال الإيمان، والعلم، والتقي، وحسن الخلق، ودقة النظام.

стр. 39

كان في درجة الكمال خلقا وهيئة ومنظرا، وكان إلى جانب عنايته بمظهره " حسن الخط كثير الضبط، وهذا مما يعني به المحدثون أكثر من غيرهم، كما كان يراعي آداب المحدث في القراءة المفصحة فكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته من كان في آخر الجامع، وكان يقرأ مع هذا معربا صحيحا ". وكان حريصا على العلم لا يفارق المطالعة لحظة، قال ابن الآبنوسي: " كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه " وكان كثير التعبد تاليا للقرآن، حتى ذكر من رافقه في السفر " أنه كان يختم كل يوم ختمة إلى قرب المغيب قراءة ترتيل ". وكان على عفة وترفع عن الدنيا، ابتعد عن الدخول إلى السلطان والتقرب إليه، كما ابتعد عن السياسة، وهذا أمر حسن يتيح للعالم التفرغ لنشر العلم، وينفع الناس به نفعا كثيرا. عرف الدنيا وزخرفها الباطل وغرورها الخادع، فترفع عنها، ومن قوله في ذلك هذه الأبيات من الشعر: لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها … ولا بلذة وقت عجلت فرحا فالدهر أسرع شئ في تقلبه … وفعله بين للخلق قد وضحا كم شارب عسلا فيه منيته … وكم تقلد سيفا من به ذبحا ومن كان على هذه المعرفة بالدنيا كان واثقا بالآخرة عاملا لها متورعا تقيا، يتجنب ما فيه شبهة ويجتهد في القربات بالعبادة والدعاء، والذكر والقرآن، والصدقات. ثم إن التواضع من شيم العلماء البارزة التي تدل على علو كعبهم في العلم،

стр. 40

ورجاحة عقلهم، وتماسك شخصيتهم، فالعالم الكثير العلم كثير التواضع لا يعرف الافتخار، ولا التبجح، ولا الدعوى ولا الدعاية، إنما هي سبيل من قل حظه في العلم، وفقد التماسك في شخصيته، فلا يجد ما يدلي به إلا التبجح، ودعوى العندية الزائفة، وتشامخ الغرور الكاذب. ولقد كان الخطيب البغدادي مثلا يحتذي به، وأسوة يقتدي به في هذه الخليفة الرفيعة، كان جم التواضع لين الجانب، قال سعيد المؤدب: قلت للخطيب عند لقائي له: " أنت الحافظ أبو بكر؟ " فقال: " أنا أحمد بن علي الخطيب، انتهى الحفظ إلى الدارقطني ". وهذه تآليفه أكبر شاهد على تواضعه، وهضم شهواته الدنيئة لحب الظهور والتعاظم، فكل تأليف منها ينبئ عن غزارة علمه واطلاعه، وعن ابتكاره الناطق بإمامته. لكنك لا تجد فيها ما يشعرك بأنه يدل بذلك أو ينوه به، فضلا عن المفاخرة والتباهي … وما أحسن قوله ﵀: إن كنت تبغي الرشاد محضا … لأمر دنيا والمعاد فخالف النفس في هواها … إن الهوى جامع الفساد مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: تبوأ الخطيب البغدادي مكانة علمية عالية عند العلماء، فكان محل ثنائهم ومدحهم وثقتهم، قال أبو نصر بن ماكولا: " كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظا وإتقانا، وضبطا لحديث رسول الله ﷺ وتفننا في علله وأسانيده، وعلما بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، ومطروحه … ولم يكن لبغداد بعد الدارقطني مثله ".
следующие страницы →