طريقه غاية التعبد والحرص على نشر العلم، قال أبو الفرج الأسفرائيني: " كان الخطيب معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون حدثنا فيحدثهم ".
وغلبته في طريقه غريزة المحدثين في السماع، فدخل دمشق سنة ٤٤٥ وسمع بها، ثم دخل صور فسمع بها أيضا على بعض الشيوخ (١).
وفي مكة سمع من القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزية، وكان سماعها لهذا الكتاب أقدم سماع في عصرها. وذكر الخطيب عن نفسه أنه لما حج شرب ما ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ثلاث حاجات أخذا بالحديث: " ماء زمزم لما شرب له " (٢) فالحاجة الأولى: أن يحدث بكتابه تاريخ بغداد في نفس مدينة بغداد، الثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور، الثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي. وقد قضى الله له ذلك وأجاب دعاءه.
إمامته وتصدره مجالس الحديث:
في إثر عودة الخطيب إلى بغداد أذن له الخليفة أن يملي الحديث بجامع
_________
(١) كتاب الخطيب البغدادي ص ١٢٧ نقلا عن ابن قاضي شهبة في المنتخل من تاريخ بغداد ١٣٨/ ١ و ١٣٦/ ٢ و ١٣٧/ ١.
(٢) الحديث أخرجه ابن ماجة عن جابر ص ١٠١٨ رقم ٣٠٦٢، والحاكم في المستدرك: ١: ٤٧٣ عن ابن عباس بأطول من هذا، وأخرجه غيرهما أيضا. وقد روى الحديث من طرق كثيرة لم يخل شئ منها من القدح. لكن الحفاظ حسنوه لتعدد طرقه. منهم الحافظ ابن حجر، وصححه بعضهم: كالمنذري والدمياطي والسيوطي، انظر نيل الأوطار ج ٥ ص ٨٧، وتدريب الراوي ص ٨٠ وشرح الجامع الصغير للمناوي ج ٥ ص ٤٠٤.
стр. 37
المنصور، فاجتمع عليه في المسجد خلق عظيم يكتبون عنه ويسمعون منه، وقرأ تاريخ بغداد في مدينة بغداد كما طلب من ربه ودعاه.
وانقطع الخطيب وقد اكتمل في العلم، وبلغ سن الحكمة، انقطع للتصنيف يعمل بجد متواصل، ورغبة شديدة، يستكمل ما بدأ تصنيفه من قبل، أو يراجع ما صنفه، أو يصنف كتبا جديدة حتى أنهي القسم الأعظم من تآليفه وأعدها للنشر والاملاء في مجالس التحديث. وقد جاوزت تآليفه عشرة آلاف ورقة، وقدرت بسبعين مجلد من المجلدات الكبار.
وبينا كان الخطيب على ذلك إذا بالاحداث تتغير فجأة لتضطره إلى الرحلة من بغداد والفرار منها.
حدثت في بغداد آنذاك فتنة الباسيري ومحاولته قلب الخلافة العباسية، وتشوش حال الناس وأمنهم، واستولى على الأمور من لا يؤمن على الأنفس والأموال، مما أتاح لبعض خصومه إيذاءه والكيد له بشتى الوسائل، فخشي أبو بكر الخطيب على نفسه وخرج من بغداد مصطحبا تصانيفه وكتبه وسماعاته، حتى أتى دمشق فاستوطنها، وظل مقيما فيها رغم علمه بهدوء الحال في بغداد وعودة الأمور إلى نصابها.
وقد اتخذ لنفسه في دمشق حلقة كبيرة في المسجد الأموي تغص بالناس، وكان ذا صوت جهوري يدوي في أرجاء المسجد حتى يسمعه آخر من في المسجد.
ولهذه الرحلة الفضل فيما ظفرت به دمشق من كتب الخطيب القيمة التي لا يزال قسم كبير منها في دار الكتب الظاهرية حرسها الله تعالى.
وفي سنة ٤٥٩ قلبت له الأيام ظهر المجن - شأنها مع أولي الفضل -،
стр. 38
بسبب سعاية الوشاة الخبثاء حتى أمر الوالي بقتله، وكاد ينفذ فيه ذلك لولا أن الشريف العلوي أبا القاسم علي بن إبراهيم وهو من أهل العلم عرف للخطيب فضله، فاحتال له وشفع فيه حتى انتهت الحادثة دون أن يمس الخطيب بأذى، لكن أمر بمغادرة دمشق، وألا يقيم فيها، فخرج وأقام في مدينة صور حتى سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
ثم لم يلبث بعد ذلك أن اشتد به الحنين إلى بلدته بغداد، فشد رحله إليها، وخرج من صور عن طريق الساحل السوري إلى طرابلس، ثم إلى حلب وهكذا حتى بلغ بغداد، وكان كلما مر ببلدة أقام أياما، وعقد مجلسا للعلم، وباحث العلماء وناظرهم. وما إن وصل بغداد حتى اجتمع حوله العلماء، يسمعون منه كتابه الذي تمنى على الله قراءته في هذه البلدة " تاريخ بغداد " ويسمعون غيره من الكتب حتى وافته منيته ضحى يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وحقق الله أمنيته الأخيرة التي دعا بها عند زمزم فتخلى له الشيخ الصوفي أبو بكر أحمد ابن علي الطريثيثي عن قبر أعده لنفسه بجوار بشر الحافي، وكان الطريثيثي يتردد على القبر وينام فيه ويختم فيه القرآن كل أسبوع، ثم تخلى عنه للخطيب كي يدفن فيه إيثارا لعلم الخطيب وفضله ﵀ ورضي عنه.
ولعل من المكافأة الإلهية للطريثيثي أن أطال الله حياته، فعمر بعد ذلك ثلاثين سنة رحمه الله تعالى.
شخصية الخطيب البغدادي:
يتمتع الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب بشخصية قوية، جمعت أطرافا من من كمال الإيمان، والعلم، والتقي، وحسن الخلق، ودقة النظام.
стр. 39
كان في درجة الكمال خلقا وهيئة ومنظرا، وكان إلى جانب عنايته بمظهره " حسن الخط كثير الضبط، وهذا مما يعني به المحدثون أكثر من غيرهم، كما كان يراعي آداب المحدث في القراءة المفصحة فكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته من كان في آخر الجامع، وكان يقرأ مع هذا معربا صحيحا ".
وكان حريصا على العلم لا يفارق المطالعة لحظة، قال ابن الآبنوسي: " كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه " وكان كثير التعبد تاليا للقرآن، حتى ذكر من رافقه في السفر " أنه كان يختم كل يوم ختمة إلى قرب المغيب قراءة ترتيل ".
وكان على عفة وترفع عن الدنيا، ابتعد عن الدخول إلى السلطان والتقرب إليه، كما ابتعد عن السياسة، وهذا أمر حسن يتيح للعالم التفرغ لنشر العلم، وينفع الناس به نفعا كثيرا.
عرف الدنيا وزخرفها الباطل وغرورها الخادع، فترفع عنها، ومن قوله في ذلك هذه الأبيات من الشعر:
لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها … ولا بلذة وقت عجلت فرحا
فالدهر أسرع شئ في تقلبه … وفعله بين للخلق قد وضحا
كم شارب عسلا فيه منيته … وكم تقلد سيفا من به ذبحا
ومن كان على هذه المعرفة بالدنيا كان واثقا بالآخرة عاملا لها متورعا تقيا، يتجنب ما فيه شبهة ويجتهد في القربات بالعبادة والدعاء، والذكر والقرآن، والصدقات.
ثم إن التواضع من شيم العلماء البارزة التي تدل على علو كعبهم في العلم،
стр. 40
ورجاحة عقلهم، وتماسك شخصيتهم، فالعالم الكثير العلم كثير التواضع لا يعرف الافتخار، ولا التبجح، ولا الدعوى ولا الدعاية، إنما هي سبيل من قل حظه في العلم، وفقد التماسك في شخصيته، فلا يجد ما يدلي به إلا التبجح، ودعوى العندية الزائفة، وتشامخ الغرور الكاذب.
ولقد كان الخطيب البغدادي مثلا يحتذي به، وأسوة يقتدي به في هذه الخليفة الرفيعة، كان جم التواضع لين الجانب، قال سعيد المؤدب: قلت للخطيب عند لقائي له: " أنت الحافظ أبو بكر؟ " فقال: " أنا أحمد بن علي الخطيب، انتهى الحفظ إلى الدارقطني ".
وهذه تآليفه أكبر شاهد على تواضعه، وهضم شهواته الدنيئة لحب الظهور والتعاظم، فكل تأليف منها ينبئ عن غزارة علمه واطلاعه، وعن ابتكاره الناطق بإمامته. لكنك لا تجد فيها ما يشعرك بأنه يدل بذلك أو ينوه به، فضلا عن المفاخرة والتباهي …
وما أحسن قوله ﵀:
إن كنت تبغي الرشاد محضا … لأمر دنيا والمعاد
فخالف النفس في هواها … إن الهوى جامع الفساد
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
تبوأ الخطيب البغدادي مكانة علمية عالية عند العلماء، فكان محل ثنائهم ومدحهم وثقتهم، قال أبو نصر بن ماكولا: " كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظا وإتقانا، وضبطا لحديث رسول الله ﷺ وتفننا في علله وأسانيده، وعلما بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، ومطروحه … ولم يكن لبغداد بعد الدارقطني مثله ".
стр. 41
وقال مؤتمن الساجي: " ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني مثل الخطيب ".
وقال أبو سعيد السمعاني: " كان الخطيب مهيبا وقورا، ثقة متحريا، حسن الخط كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفاظ ".
وقال ابن شافع: " انتهى إليه الحفظ والاتقان، والقيام بعلوم الحديث ".
وقال الامام السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: " ثم أقام ببغداد، وألقى عصا السفر إلى حين وفاته، فما طاف سورها على نظيره يروي عن أفصح من نطق بالضاد، ولا أحاط جوانبها بمثله وإن طفح ماء دجلتها وروى كل صاد … ".
وحسبه في ذلك أن يصبح رئيس أصحاب الحديث يتولى الاشراف على رواية الحديث فلا يحدث الخطباء والوعاظ بحديث إلا إذا كان يقره.
نقل الحافظ الذهبي عن أبي الحسن الهمذاني قال: " كان رئيس الرؤساء تقدم إلى الوعاظ والخطباء ألا يرووا حديثا حتى يعرضوه على أبي بكر (١) ".
_________
(١) انظر ترجمة الخطيب في تذكرة الحفاظ للذهبي ص ١١٣٥ وما بعدها، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج ٤ ص ٢٩ وما بعدها، ووفيات الأعيان لابن خلكان ج ١ ص ٧٦، والبداية لابن كثير ج ١٢ ص ١٠٣، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ج ٣ ص ٣١٤، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج ٥ ٨٧. وللدكتور يوسف العش كتاب " الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها " رجعنا إلى مصادره. وللدكتور محمود الطحان كتاب " الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث ". أطروحة نال بها درجة الدكتوراه في علوم الحديث من جامعة الأزهر.
стр. 42
وهذا منصب عظيم جدا، عني به المسلمون، وكانوا منذ سالف عهدهم الأول يراقبون الرواية، فأبو بكر الصديق كان يتثبت في الرواية. وعمر ﵁ كان يحض على الاقلال من الرواية، خشية أن تزل أقدام المكثرين في الخطأ في الرواية. وكذلك فعل علي ﵁ فقد راقب القصاص وكان يستحلف الراوي (١) ثم قام أئمة الاسلام بذلك خير قيام، فمن أثنوا عليه قبل حديثه وارتفع، ومن خفضوه لم يرتفع ميزانه، وكان الحكام من تحت إشارتهم، ينزلون العقاب بالكذابين والوضاعين. تحرزا وحفظا لحديث رسول الله ﷺ من الخلل أو الكذب.
منهج الخطيب العلمي
يمتاز الخطيب البغدادي بتعدد جوانبه العلمية التي عرف بها حتى أن دراسة منهجه العلمي تستغرق أبحاثا وفصولا مطولة، لا يحتملها هذا البحث الذي بنيناه على الاختصار الشديد، إلا أنا سنلقي على هذا المنهج ضوءا يفسح المجال لاستكمال صورة هذا الامام فنتكلم عن منهجه في هذه العلوم الثلاثة:
١ - علم الكلام، ٢ - علم الفقه، ٣ - الحديث وعلومه.
١ - منهجه في علم الكلام:
وأهم مسألة يعرف بها اتجاه العالم في هذا الميدان هي مسألة الصفات
_________
(١) انظر للتوسع في منهج الصحابة العلمي في الرواية كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث " الدور الأول من أدوار علوم الحديث ص ٢٩ - ٥٠ وخصوصا قوانين الرواية في عهد الصحابة.
стр. 43
المتشابهة، قد احتدم فيها الخلاف، واشتد، فماذا كان مذهب الخطيب؟ يقول عبد العزيز الكتاني في الخطيب: " وكان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري ".
وهذا القول قد يوهم أن الخطيب البغدادي يذهب إلى تأويل هذه الصفات كما هو مشهور من مذهب الأشعري أنه يؤولها، فيفسر اليد في مثل قوله تعالى " يد الله فوق أيديهم " بالقدرة؟ وهكذا … وذلك ما فهمه الإمام الذهبي.
لكن دأب المحدثين هو الاحتياط، والسير على طريق السلف ﵃، والخطيب وهو إمام محدث لم يقل بهذا التأويل، وإنما كان على مذهب السلف، أي على عدم التأويل، وهو رأي آخر للامام الأشعري ﵀، على الرغم مما اشتهر عنه من التأويل حتى قد يظن البعض أنه رأيه الوحيد في المسألة.
وهذا موقف دحض تزل فيه الأقدام، وقع بسببه كثير من الناس في تشبيه الله بمخلوقاته، أو ما يقارب التشبيه عياذا بالله تعالى، وهم يظنون ذلك مذهب السلف الصالح ﵃ وقد برأهم الله منه.
انظر إلى كلام الخطيب نفسه يبرز المذهبين ويشرح مذهب السلف ويعلن اختياره إياه فيقول - كما روى عنه الذهبي في التذكرة (١) -.
"أما الكلام في الصفات فان ما روى منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة
_________
(١) ص ١١٤٣ - ١١٤٣.
стр. 44
بين الأمرين، ودين الله بين المغالي فيه والمقصر عنه، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه. ولا نقول إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم. ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: " ليس كمثله شئ "، " ولم يكن له كفوا أحد " انتهى كلام الخطيب ﵀.
لقد اجتاز الإمام الخطيب عقبة زلت فيها أقلام وأوهام حيث رد على المعتزلة وأشباههم من نفاة الصفات، ثم فهم مذهب السلف على حقيقته فأثبت تلك الصفات إثباتا يفوض علم حقيقتها إلى الله تعالى، لا إثبات تحديد وتكييف، فقرر بذلك مذهب السلف على حقيقته، لا كما يفهمه الغالطون في هذا العصر من المماحكين المكابرين الذين لم يستطيعوا التمييز بين تفويض السلف العلم بحقيقة هذه الأمور إلى الله، وبين تنزيههم الحق عما توهم الألفاظ من التشبيه وبين تشبيه الكرامية المشبهين الجاهلين.
ومن قبل صرح الامام الترمذي بهذا في حديث أبي هريرة الذي أخرجه في جامعه (١) قال قال رسول الله ﷺ : " ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ".
_________
(١) في الزكاة (فضل الصدقة) ج ١ ص ١٢٨ - ١٢٩، طبع بولاق، وانظر كتابنا " الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين " ص ٢٢٤ - ٢٢٥.
стр. 45
والحديث مشكل لأنه يجعل لله يدا، وذلك تجسيم وتشبيه، معارض للأدلة القاطعة بتنزيه الله عن ذلك، وقد أزال الترمذي الإشكال وحقق المسألة فتعرض لمسألة المتشابهات وأبان الحق فيها، فقال:
(وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم ولا يقال كيف، هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا التشبيه.
وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا كان يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله في كتابه: " ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ") انتهى (١).
_________
(١) جامع الترمذي كتاب الزكاة (باب ما جاء في فضل الصدقة) ج ٣ ص ٥٠ - ٥١.
стр. 46
وهذا بيان ساطع لمعنى هذه المتشابهات سار على النهج المستقيم الذي عليه سلف الأمة، وهو المذهب الذي نختاره ونأخذ به، فإنه هو الأعلم وهو الأسلم.
٢ - منهجه في الفقه:
عرف ولوع الحافظ أبي بكر بالفقه منذ صغره، وأنه تفقه على كبار علماء الشافعية في زمنه، وتخرج بهم، وفي زمنه كانت استقرت المذاهب المعتمدة لدى الأمة، واختار كل فريق من العلماء مذهبا منها، وكذلك فعل الخطيب فأخذ فقه الإمام الشافعي. وتمذهب به. وقد بلغ الخطيب شأوا كبيرا في الفقه الشافعي حتى ترجم له التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وقال: " كان من كبار الفقهاء … "
لكن الخطيب البغدادي تشدد في تمذهبه حتى بلغ حد العصبية الشديدة.
وهذا كتابه الكبير " تاريخ بغداد " فيه الغض من علماء الحنابلة والحط عليهم، وكذلك أودع كتابه الغض من الحنفية، بل النيل من الإمام أبي حنيفة، بما جمع في ترجمته من روايات الكذابين والدساسين. أو الحاسدين ما ينبوا عنه العقل والذوق من الدسائس المختلقة والافتراءات المفضوحة.
وقد رد العلماء على الخطيب وعلى غيره كابن عدي ممن تكلم في أبي حنيفة، ونبه الأئمة من كافة الطوائف والمذاهب أنه لا يلتفت إلى ذلك الطعن، ولا يغض من قدر هذا الإمام.
فرد على الخطيب عالم الملوك الملك المعظم عيسى بن أبي بكر الأيوبي في كتابه " السهم المصيب في كبد الخطيب " ورد عليه أيضا الإمام ابن
стр. 47
الجوزي من الحنابلة، وسبطه من الحنفية، وكذلك رد الإمام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر المالكي على من تكلم في أبي حنيفة، واشتد بعض الذين ردوا على الخطيب في الإنكار حتى نال من عفته ودينه (١).
وهذا كله يدلك على أن الاقرار بإمامة أبي حنيفة، والثناء عليه في الفقه والحفظ للحديث موضع اتفاق السلف والخلف وأنه قد تواتر النقل عنهم في ذلك، وها هو الامام مالك لما قال له الليث بن سعد: "أراك تعرق" فأجابه قائلا: عرقت مع أبي حنيفة إنه لفقيه يا مصري (٢) " والاعتراف له بأنه فقيه اعتراف له بكل خير، وقد تواتر عن الشافعي قوله: "الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة ".
وكان الامام ﵁ لشدة احتياطه لا يجيز لأحد أن يحدث بالمعنى، بل لا بد أن يروي الحديث باللفظ، وكان لا يحدث إلا بما حفظ من اللفظ. وقد أثنى عليه المحدثون وأخذوا بفقهه، قال إمام هذا الشأن يحيى بن معين: " ثقة لا يحدث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه ". وقال ابن معين أيضا: " كان أبو حنيفة ثقة في الحديث".
وقال إمام أهل زمانه (٣) في الحديث يحيى بن سعيد القطان: " لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأى أبي حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله " وقد
_________
(١) وقد صدر حديثا كتاب قيم يجلو مناقب هذا الامام عنوانه " أبو حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء " لفضيلة الأستاذ الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني. فليرجع إليه سيما الفصل الثاني ص ٦٩ - ١١٩.
(٢) تأنيب الخطيب ص ٧ نقلا عن المدارك للقاضي عياض.
(٣) تهذيب التهذيب ج ١٠: ص ٤٥٠.
стр. 48
كان يحيى إماما محدثا وفقيها كبيرا (١). وهكذا كان كبار العلماء يفعلون، يأخذون المذهب وقد يختارون في بعض المسائل غير حكم المذهب.
وقد قال الإمام أبو داود السجستاني: " رحم الله أبا حنيفة كان إماما" (٢).
وفي الواقع أن شأن أبي حنيفة ﵁ أكبر من أن يحتاج للدفاع عنه، وإن ما فعله الخطيب خطيئة وقع فيها، تأثر فيها بتيار المناقشات الدنيوية التي أدى إليها التعصب المذهبي المقيت، وكانت بغداد مرتعا خصبا لذلك. وهذا كله على فرض ثبوت ذلك عن الخطيب البغدادي هو هفوة منه - ولكل جواد كبوة - تغمرها حسناته وخدماته للاسلام. ويرى بعض العلماء المحققين عدم صحة ذلك، وأنه مدسوس على كتاب الخطيب، واستشهدوا لذلك بدلائل قوية لا نطيل بها تدل على عدم ثبوت ذلك عنه (٣)، وذلك هو الذي يليق بمثله.
٣ - منهج الخطيب في علم الحديث:
وعلم الحديث أشهر ما عرف به الخطيب البغدادي وظهر فيه أثره، فقد كان محدثا حافظا إماما، واحد زمانه في علم الحديث وفنونه، برع في سلوك طريقة المحدثين حتى وافي النهاية، وحسبك في هذا أن ينصب
_________
(١) قال أحمد: " ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان " وقال عبد الرحمن بن مهدي: " لا ترى بعينك مثل يحيى القطان " وانظر المزيد من ذلك في تذكرة الحفاظ ص ٢٩٨ - ٣٠٠ وغيره.
(٢) جامع بيان العلم بلفظه ج ٢ ص ١٦٣ والتذكرة ص ١٦٩.
(٣) انظر في ذلك تأنيب الخطيب وكتاب الخطيب البغدادي للدكتور محمود الطحان ص ٢٦٣ - ٣٠١ فقد توسع في ذلك وفي مناقشة تلك الروايات الطاعنة سندا ومتنا بما لا يدع مجالا للشك في بطلانها. وانظر كتاب "أبو حنيفة " للأستاذ غاوجي ص ٢٠٥ - ٢٧٧. ففيه مزيد مناقشات.
стр. 49
حكما على الخطباء والوعاظ، ما أقره من الحديث رووه، وما لم يقره لم يروه منهم أحد.
ومن هنا جاءت براعة الخطيب البغدادي في علم التاريخ، تلك البراعة التي شهرته كعالم مؤرخ ناقد، حيث طبق على التاريخ منهج المحدثين النقدي في الاستثبات من النصوص المنقولة ونقد الوثائق التاريخية.
وهذا نموذج من كتابه " تاريخ بغداد " هو رواية تاريخية في عتق سلمان الفارسي ﵁ أخرجها الخطيب في تاريخه بسنده (١) ثم نقدها.
ونص الرواية بعد السند إلى سلمان كما يلي:
".... أن النبي ﷺ أملي الكتاب على علي بن أبي طالب: هذا ما فادى محمد بن عبد الله رسول الله، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي ثم القرظي، بغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهبا، وقد برئ محمد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسي وولاؤه لمحمد بن عبد الله رسول الله وأهل بيته فليس لأحد على سلمان سبيل.
شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن سعد بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، والمقداد ابن الأسود، وبلال مولى أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف.
وكتب علي بن أبي طالب يوم الاثنين في جمادى الأولى، من سنة مهاجر محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ !! ".
قال الخطيب: " في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان
_________
(١) تاريخ بغداد ج ١ ص: ١٧٠ - ١٧١.
стр. 50
مع رسول الله ﷺ غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة لم يفته شئ من المغازي مع رسول الله ﷺ . وأيضا فان التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، وأول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته، والله أعلم " انتهى.
وهذه حادثة أخرى جرت له سنة ٤٤٧ هجرية (١)
أظهر بعض اليهود كتابا باسقاط النبي ﷺ الجزية عن الخيابرة [يعني يهود خيبر] وفيه شهادة الصحابة، فعرضها الوزير أبو القاسم علي وزير الخليفة القائم على أبي بكر الخطيب؟. فقال: هذا مزور!.
قيل: من أين قلت هذا؟.
قال: " فيه شهادة معاوية وهو أسلم عام الفتح بعد خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ ومات قبل خيبر بسنتين ".
فاستحسن الوزير ذلك منه، ولم يقبل منهم ما في هذا الكتاب.
وهذا النقد يدل على سبق علماء المسلمين إلى أدق أصول علم التاريخ
_________
(١) تذكرة الحفاظ ص ١١٤١، وانظر طبقات الشافعية الكبرى ج ٤ ص ٣٥ الطبعة الأولى وانظر الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي ص ١٠، والمنتظم ج ٨ ص ٢٦٥، وإرشاد: ٤: ١٨، والمنتخل من تاريخ بغداد لابن قاضي شهبة ص ١٣٩ والخطيب البغدادي ليوسف العش ص ٢٣٥ فقد أحال إلى هذه المراجع. وانظر " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " لابن القيم ص ١٠٢ - ١٠٥ حيث ذكر ان اليهود حاولوا مثل هذه المحاولة مرة ثانية في عصر ابن تيمية، وردهم بالخزي والصغار وبين بطلانه من عشرة أوجه. وفي الاعلان بالتوبيخ مزيد من الأمثلة لهذا النوع من النقد التاريخي فانظره.
стр. 51
التي توصل إليها المؤرخون في هذا العصر وقرروها (١) ومن قبل البغدادي سبق مؤرخ الاسلام ابن جرير الطبري (٢) وغيره إلى مثل ذلك في وقائع كثيرة.
ونحن بدورنا نقدم هذه القصة هي ومثيلاتها التي لا تحصى عددا هدية نهديها إلى المستشرق اليهودي (جولد زيهر) وإلى من سايره في زعمه الفاسد أن المحدثين ينقدون السند فحسب ولا يعتنون بنقد المتن (٣).
لأن الحادثة في الواقع نقد حديثي وليست مجرد نقد تاريخي، لأن الوثيقة إنما تروي حديثا نبويا فهي تدل على دقة ما بلغه المحدثون وأنهم لا يكتفون بنقد السند، بل ينقدون المتن أيضا.
أثر الخطيب في علوم الحديث:
بهذه الموهبة والإمامة في نقد الحديث، وجه الإمام أبو بكر عنايته إلى الوسائل العلمية التي يستخدمها العلماء لتمييز صحيح الحديث من سقيمه، وهي قواعد علوم الحديث.
جاء الخطيب وقد سبقه العلماء فصنفوا في كل نوع من علوم الحديث كتابا أو كتبا، وكانت تآليفهم تجربة أولى في تدوين العلوم، فأكب
_________
(١) انظر كتاب مصطلح التاريخ الدكتور أسد رستم مدرس التاريخ في الجامعة اللبنانية فقد أبرز في كتابه سبق المحدثين إلى قواعد علم التاريخ اليوم، وانظر على الخصوص بحث نقد الأصول ص ١٢ - ٢٤ حيث تكلم عن النقد الباطني للأصول التاريخية.
(٢) البداية لابن كثير ج ١٢ ص ١٠١.
(٣) وقد توسعنا في الرد عليهم في كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث " في مناسبات كثيرة، خصوصا في خاتمة الكتاب ص ٤٣٦ - ٤٥٥ فانظرها لزاما.
стр. 52
على تلك المصنفات يدرسها بعين الناقد المطلع الغزير المادة، فوجد الحاجة ماسة لتحرير المسائل واستيفاء مادتها، فصنف في كل فن من فنون الحديث كتابا وافيا جمع فيه ما سبقه المؤلفون وأضاف إليه علما غزيرا وفوائد جمة، وألف في فنون وموضوعات لم يسبق إليها، وأسند كل رأي إلى قائله بالسند المتصل إليه. كما روى فيها الأحاديث بالإسناد إلى النبي ﷺ .
وبهذا أصبحت كتب الحافظ أبي بكر ملاذ الأئمة في الفنون الحديثية، إليها يرجعون، وعليها يعتمدون. فكان كما قال الحافظ أبو بكر ابن نقطة:
"كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه".
مؤلفاته:
وكان الحافظ أبو بكر أحد أفراد قلائل في التاريخ من حيث كثرة التصانيف وتنوع الموضوعات التي صنف فيها، لا تكاد تجد علما من علوم الإسلام إلا وله فيه كتب كثيرة حتى جاوز عدد مؤلفاته الثمانين (١) ما بين مصنف ضخم كتاريخ بغداد/ ١٤/ مجلدا، وكتاب معتدل كالكفاية، ورسالة صغيرة (جزء حديثي) ككتاب الرحلة هذا.
وإليك أهم مؤلفاته:
أ - في الحديث وعلومه:
١ - " الأمالي " توجد منه ثلاثة أجزاء في دار الكتب الظاهرية بدمشق.
_________
(١) حسبما أحصاه من المصادر الدكتور يوسف العش في كتابه " الخطيب البغدادي ص ١٢٠ - ١٣٤.
стр. 53
٢ - مسند أبي بكر الصديق على شرط الصحيحين في جزء.
٣ - " الفوائد المنتخبة " وله عدة كتب منتخبة، ومنها أجزاء بالظاهرية.
٤ - " الفصل للوصل المدرج في النقل " تسعة أجزاء.
٥ - " الكفاية في علم الرواية " وهو كتاب عظيم جدا في بابه مطبوع في مجلد.
٦ - " شرف أصحاب الحديث " جزء كبير مطبوع.
٧ - " الأسماء المبهمة " في الظاهرية.
٨ - " التبيين لأسماء المدلسين ".
٩ - " تلخيص المتشابه في الرسم ".
١٠ - " المتفق والمفترق ".
١١ - " الموضح لأوهام الجمع والتفريق " طبع في الهند في مجلدين.
وله مؤلفات وأجزاء حديثية كثيرة.
ب - في الفقه وأصوله:
١ - " الفقيه والمتفقه " توجد منه نسخة في دار الكتب الظاهرية. وطبع في جزءين.
٢ - " الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " اختصره الذهبي وتتبع أحاديث فيه بالنقد.
٣ - " صلاة التسبيح والاختلاف فيها " ومنه نسخة في الظاهرية.
٤ - " القنوت والآثار المروية فيه " على مذهب الشافعي.
стр. 54
الأدب:
١ - " البخلاء " في ثلاثة أجزاء ونقل عنه ابن عبد الهادي في كتابه (وقوع البلاء في البخل والبخلاء) ظاهرية.
٢ - " التطفيل وحكايات الطفيلين " طبع بمصر.
التاريخ:
١ - " تاريخ بغداد " طبع في مصر في ١٤ مجلدا.
٢ - " مناقب الإمام الشافعي ".
٣ - " مناقب الإمام أحمد بن حنبل ".
التعريف بكتاب الرحلة
موضوع الكتاب:
كتاب الرحلة في طلب الحديث ليس موضوعة الرحلة في طلب الحديث جملة كما يتبادر للذهن من أول وهلة، وإنما تناول فيه الحافظ أبو بكر جانبا من هذا الموضوع لطيفا، ونوعا عظيما طريفا، هو الرحلة من أجل الحديث الواحد فقط، وهو موضوع له روعته في النفوس، ووقعه في القلوب.
ولو قصد الامام الخطيب الرحلة في طلب الحديث جملة، لبلغ الكتاب مجلدات ضخمة كثيرة، لأنه سيضم أسماء كافة رواة الحديث، فإنه قل أن تجد فيهم روايا لم يرحل في تحصيل الحديث.
стр. 55
يبدأ الكتاب بفضل العلم والرحلة من أجله، ثم يذكر رحلة سيدنا موسى ﵇ إلى الخضر، لأن الله أطلعه أنه أعلم منه، فرحل إليه موسى في سبيل هذا الهدف: " أن تعلمني مما علمت رشدا ".
ثم يذكر أنباء الصحابة الذين رحلوا إلى بعضهم من أجل حديث واحد، وأتبع ذلك بأخبار من بعد الصحابة من التابعين والخالفين في رحلاتهم للحديث الواحد، ثم يختم الكتاب بعد ذلك بأنباء من رحلوا إلى محدث لسماع حديثه فمات المحدث قبل بلوغ الطالب منه إلى مراده.
والخطيب في هذا الكتاب يذكر كل حديث وخبر بالسند المتصل إلى النبي ﷺ ، أو إلى من يسوق أخبار رحلاتهم من الصحابة فمن بعدهم. وهذه هي طريقة المحدثين المتقدمين كانوا لا ينقلون شيئا من حديث أو غيره إلا بالسند إلى قائله.
وتجد في الكتاب اختصارا في صيغ الأداء فيرمز إلى " حدثنا " ب " ثنا " أو " نا " ويرمز إلى أخبرنا ب " أنبا " كما أنه يستخدم هذا الرمز " ح " إشارة للتحويل من سند إلى سند آخر لنفس الحبر يلتقي بالسند الأول في الأثناء.
وكثيرا ما يورد الحافظ أبو بكر الحديث الواحد بعدة أسانيد فيتكرر الحديث على عدة ألفاظ بحسب ما أداه إليه الرواة، والحديث بتجدد السند يعتبر عند المحدثين حديثا جديدا يرحلون من أجله.
وقد أعلمنا على ابتداء أول كل إسناد برقم مسلسل، وفصلنا بعد كل حديث وما يتبعه من الأسانيد والروايات بنجميات صغيرة في منتصف السطر، لتكون علامة على الانتقال إلى خبر ذي موضوع جديد، وليسهل على القارئ حصر تأمله في أسانيد وروايات الحديث الواحد فيتذوق من حلاوة الاسناد.
стр. 56
وصف نسخ الكتاب
اعتمدنا في تحقيق الكتاب على نسختين صحيحتين في دار الكتب الظاهرية بدمشق:
النسخة الأولى:
في المجموع رقم ٧٥ في ٢٤ صفحة. وهي نسخة قديمة في غاية الجودة. كتبها بخطه الإمام الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي الحنبلي ﵀، وهو يروي الكتاب عن مؤلفه الخطيب بثلاثة أسانيد، تؤخذ من السماعات المدونة على النسخة، والتي سنذكرها بعد:
السند الأول: عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي سماعا لقراءة الكتاب على الشيخ الأجل الثقة أبي الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد قراءة بأصل أبي محمد سعد الله بن أيوب، أي عن ابن أيوب عن الخطيب البغدادي بسماع ابن أيوب عنه.
السند الثاني: عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي عن عبد الحق بن عبد الخالق عن الصيرفي مناولة عن الخطيب.
السند الثالث: عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي بالسماع عن أبي عبد الله محمد بن أبي الصفر بالسماع عن ابن الأكفاني عن الخطيب.
وعلى ظهر النسخة في الأعلى اسم الكتاب وروايته وتسجيل سماع المقدسي بخطه هكذا:
стр. 57
" كتاب الرحلة في الحديث "
"تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي.
رواية أبي محمد سعد الله بن علي بن الحسين بن أيوب بن البزاز عنه.
ورواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي عن الخطيب.
رواية الشيخ الثقة أبي الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف.
عن ابن أيوب سماع وعن الصيرفي يعرف بابن الطيوري مناولة في رجب سنة خمسمائة.
سماع لعبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي متع به ورحم الله والديه آمين ".
وتحت هذا بمقدار أربعة أسطر ما يلي نصه:
"قرأت جميع هذا الكتاب على الشيخ الثقة الأمين بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي أبقاه الله بسماعه فيه، وبسماعه أيضا من أبي عبد الله محمد بن أبي الصفر بسماعه من ابن الأكفاني عن الخطيب فسمعه الأمير شجاع الدين أبو أحمد حمدان بن مرزبان بن باد الهذباني وابنه سيف الدولة أبو العباس وصح ذلك وثبت.
قاله وكتبه عبيد الله الفقير إليه الغني به، عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الدغيني الأندلسي المالكي عفا الله عنه وذلك في غرة جمادى الآخرة سنة أريع وعشرين وستمائة
стр. 58
بمنزل شجاع الدين بالعقيبة ظاهر دمشق والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ".
وفي آخر النسخة (ورقة ١٧٨ أ) بخط المقدسي ﵀:
"بلغ من أوله أعني كتاب الرحلة للخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت سماعا على الشيخ الأجل الثقة. أبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف. عرضا بأصل سماعه من سعد الله ابن أيوب وبمناولته من أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الطيوري كلاهما عن الخطيب بقراءة صاحبه الإمام الفقيه أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد الحنبلي. وكانت قراءاته من الأصل المذكور. الشيوخ أبو بكر محمد بن أبي الحسن بن الحسين المقري والفقيه أبو الفضل الياس بن حامد بن محمود الحراني وأبو عبد الله محمد بن أسفاه أمير الحنبلي السهماني المسمى أحمد بن أحمد بن السريحي (١) وأخوه أبو العباس أحمد، مطلع شهر رمضان من سنة أربع وسبعين وخمسمائة بمنزل الشيخ ىىاىى (٢) "؟
وإزاء هذا على الهامش الأيسر بخط المقدسي:
"شاهدت على الأصل بخط الشيخ عبد الخالق: قرأت جميعه على الشيخ أبي محمد سعد الله ابن علي الحسين بن أيوب البزاز بحق سماعه فيه من الخطيب وسمعه ابني أبو الحسين عبد الحق وابن أختي أبو حامد يحيى ابن علي بن عبد الباقي وفتاي مختار بن عبد الله الهندي في ربيع الآخر سنة ستين وكتب عبد الخالق بن أحمد بن يوسف. نقله على الوجه عبد الرحمن بن أحمد المقدسي في رمضان سنة أربعين وستمائة وصلى الله (٣) على محمد وآله وسلم ".
_________
(١) و (٢) الخط مهمل وغير واضح.
(٣) الباقي ذهب بقص الورقة فألحقته من عندي.
стр. 59
النسخة الثانية:
تقع ضمن مجموعة أيضا برقم ١٠١ في أربعين صحيفة تبدأ بالورقة ٢٥١ وجه أ، وتنتهي بالورقة ٢٧٠. وكاتب النسخة هو علي بن محمد البالسي، كما يظهر من الكلام المدون آخر الكتاب.
وهذه النسخة هي رواية الكتاب عن الخطيب من طريق ابن الأكفاني وعن ابن الأكفاني الخشوعي. وقد ثبت على ظهر النسخة ما يلي:
"كتاب الرحلة في طلب الحديث "
تصنيف الشيخ الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ﵀.
رواية الشيخ أبي محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني عنه رواية أبي طاهر بركات بن إبراهيم بن الخشوعي عنه ".
وفي آخر النسخة: ورقة ٢٧٠ أ:
"ثم الكتاب بحمد الله ومنه ". عورض به فصح (١).
سمعه على أبي محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني أبو عبد الله الحسين بن الحضر بن عبدان وأبو الفضل محمد بن محمد بن هلال والخضر بن سهل الحارثي وإبراهيم بن طاهر الخشوعي وابن بركات وجماعة كثيرة بقراءة وهب بن سلمان بن أحمد السلمي في مستهل ربيع الآخر سنة عشرين وخمسمائة نقله مختصرا علي بن محمد البالسي ".
_________
(١) هذه الجملة (عورض به فصح) كتبت بحبر مغاير للنسخة مما يدل على أنها قوبلت من غير كاتبها وصححت فكتب هذا المصحح تلك الجملة.
стр. 60
وهنالك سماعات لغير هؤلاء على ورقتين في أول النسخة، وورقتين في آخرها، وسماعات في أثناء النسخة لا نطيل بنقلها.
منهجنا في تحقيق الكتاب:
١ - اعتمدنا على النسخة الأولى وجعلناها أصلا، لما بدا لنا أنها أصح وأقرب عهدا بالمؤلف، وما كان من زيادة النسخة الثانية أدرجناه في المتن بين معكوفين هكذا [. . .] ثم أثبتنا اختلاف النسخة الثانية عن الأولى في الحاشية ورمزنا للنسخة الثانية بالحرف ب.
٢ - خرجنا أحاديث الكتاب المرفوعة، لما أن تخريج الأحاديث من مراجع السنة المشهورة يدنيها من قلوب الناس. ثم بينا ما في الأحاديث من ضعف إن وجد بها ضعف، وهو قليل فيما تبينا، كما أنه مما يحتمل ويقبل إيراده في مثل هذا الموضوع، إلا حديثا أو حديثين، كما ستجد في التعليقات.
وننبه هنا إلى أن ضعف الحديث لا يعني عدم صحة خبر الرحلة من أجله، فقد كانوا يرحلون من أجل الحديث أيا كانت درجته في سبيل متابعة التحقيق العلمي فيه.
٣ - شرح ما يحتاج إلى شرحه من ألفاظ الأحاديث لتكون الفائدة أكبر وأعظم.
٤ - الاستدراك على الخطيب. فقد تبينا أن الرسالة لم تستوف كل ما ورد في موضوعها وهو أخبار من رحلوا لأجل الحديث الواحد، فأثبتنا في الاستدراك ما وقفنا عليه من ذلك. ثم اختتمنا بطرائف من رحلات المحدثين، لمناسبة الموضوع.
стр. 61
طبعة مغلوطة:
وقد اطلعنا على نسخة مطبوعة من كتاب الرحلة ضمن " مجموعة رسائل في علوم الحديث " من اخراج صاحب " المكتبة السلفية بالمدينة المنورة "!! طبع مطابع المجد بالقاهرة، وتأملنا هذه الطبعة فإذا هي - شأن مطبوعات هذه المكتبة - قد نشرت نشرا تجاريا، بعيدا جدا عن الاخراج العلمي، حتى قد عطلت الفائدة منها، وذلك لأسباب كثيرة، نذكر منها:
١ - اغفال المحقق التنبيه على الاختلاف بين النسختين بما يؤدي واجب التحقيق، على الرغم من أنه قال في تقديمه للكتاب ص ٤١ من المجموعة: " رمزنا للنسخة الأولى بحرف أ ". وقال أيضا: " رمزنا للنسخة الثانية بحرف ب ".
٢ - إغفال تخريج الأحاديث، مما يترك القارئ حائرا، لا ينتفع من الكتاب، اللهم إلا نزرا يسيرا جدا من التخريج لأحاديث قليلة، وقع له في تخريجها قصور شديد أحيانا، نحو إطلاقه الحكم بالضعف على حديث " اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم " فإنه لم يميز في حكمه بالضعف بين طرفي الحديث، الطرف الأول الضعيف، والطرف الثاني الذي ورد حديثا مفردا بأسانيد كثيرة جدا تبلغ الخمسين وترمي به إلى الاحتجاج كما نبهنا في تعليقنا عليه.
стр. 62
٣ - كثرة الأخطاء المطبعية كثرة فاحشة لا يفهم معها للكلام معنى، سيما في الأسانيد، حتى لا يدري الناظر هل هي من السهو في تصحيح تجارب الطبع، أو من تحريف قراءة المخطوطات.
وهذه صحيفة واحدة كانت أول ما واجهني عند فتح الكتاب هي الصحيفة/ ٦٥/ اذكرها مثالا لذلك:
١ - سطر ٣: " بابك " والصواب " بابتك " كما هو مثبت في المخطوطتين وفي الكفاية أيضا.
٢ - سطر ٦: " صر على هذا الحديث " كذا؟؟ والصواب: " دمر علي هذا الحديث ".
٣ - سطر ٦: " من رسول الله ﷺ ". والصواب: " عن رسول الله ﷺ ".
٤ - سطر ٧: " أحب لي ". والصواب: " أحب إلي ".
٥ - سطر ٨: " المثنى بن معاذ ". الصواب: " المثنى بن معاذ بن معاذ ".
٦ - سطر ١٠: " جعفر بن الليث ". الصواب: " جعفر بن أحمد بن الليث ".
٧ و ٨ - سطر ١٢ - ١٣: " فأرسل فيه حتى أسمعه". الصواب: " فارحل فيه حتى أسمعه وأرجع". وفرق بعيد بينهما، مع ما هنالك من سقط.
٩ - سطر ١٤: " المروزي " صوابه: " المروروذي ".
١٠ - سطر ١٤: " من لفظه بعيدا ". صوابه " من لفظه بصيدا".
стр. 63
١١ - سطر ١٦: " الرازي ". صوابه " أبو العباس الرازي ".
١٢ - سطر ٢٢: " الصفدي ". صوابه " الصغدي ".
١٣ - سطر ٢٤: " الموصل ". صوابه " بالموصل ".
كما أن في هذه الصحيفة اختلافات بين النسخ لم ينبه المحقق عليها، تعرف من مقابلتها بتحقيقنا. وغير هذه الصحيفة ليس أحسن حالا منها كما تدل المقابلة.
وقد زادني ذلك إصرارا على متابعة خدمة الكتاب، واقتناعا بخطة عملي لأن هذا الإفساد والتشويه يؤكدان ضرورة العمل لإنقاذ هذا الكتاب القيم العظيم، وإخراجه بحلة من التحقيق العملي تليق بموضوعة الطريف النفيس.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.