← Акыда

Акыда · id 13023

الرد على الجهمية للدارمي - ت البدر

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (219 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ: " إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَأْهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ "، أَوْ: «يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ» ، وَقَالَ: «تَعْلَمُنَّ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ»

стр. 107

١٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، ﵁ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ ⦗١١٦⦘ صَلَاةً أَوْجَزَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: خَفَّفْتَ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدُعَاءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَضَى، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَوْمِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»

стр. 108

١٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا أَبُو شِهَابٍ وَهُوَ الْحَنَّاطُ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ النِّيلِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ⦗١١٧⦘، ﵄ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَسْفَلِ، أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ " وَسَاقَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ قَالَ: «حَتَّى إِذَا بَلَغَ النَّعِيمُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَظَنُّوا أَنْ لَا نَعِيمَ أَفْضَلُ مِنْهُ، تَجَلَّى لَهُمُ الرَّبُّ، فَنَظَرُوا إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ» قَالَ أَحْمَدُ: قُلْتُ لِأَبِي شِهَابٍ: حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ هَذَا فِي ذِكْرِ الْجَنَّةِ رَفَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ

стр. 109

١٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ »

стр. 110

١٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ،: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ »

стр. 111

١٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: ﴿الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] : الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ ، لَا يُصِيبُهُمُ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ»

стр. 112

١٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ،: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ »

стр. 113

١٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا فُضَيْلٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: " الزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِمْ "

стр. 114

١٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، ﵁ قَالَ: " الزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ "

стр. 115

١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الْبَصْرِيُّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ⦗١٢٠⦘، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي مِرْيَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، ﵁ قَالَ: رَآهُمْ أَبُو مُوسَى وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الْهِلَالِ، فَقَالَ: «كَيْفَ رَبُّكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ جَهْرَةً»

стр. 116

١٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ»

стр. 117

١٩٨ - حَدَّثَنَا شَيْخٌ، مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] . قَالَ: «يَتَجَلَّى لَهُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ»

стр. 118

١٩٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ ⦗١٢١⦘ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " إِنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا أَخَذُوا بِأَصْوَاتٍ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَقْدِيسٍ وَثَنَاءٍ عَلَى اللَّهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَطْرَبَ مِنْهُ إِلَّا النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ

стр. 119

٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الطُّوسِيُّ، مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ شَقِيقٍ، أَنْبَأَ حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. قَالَ: يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ نَظَرًا "

стр. 120

٢٠١ - حَدَّثَنَا الزَّهْرَانِيُّ أَبُو الرَّبِيعِ، ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: مَا نَظَرَ اللَّهُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا قَالَ: طِيبِي لِأَهْلِكِ، فَزَادَتْ " طِيبًا عَلَى مَا كَانَتْ، وَمَا مَرَّ يَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِيدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا يَخْرُجُونَ فِي مِقْدَارِهِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَيَبْرُزُ لَهُمُ الرَّبُّ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَتُسْفَى عَلَيْهِمُ الرِّيحُ بِالطِّيبِ وَالْمِسْكِ، فَلَا يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ سَبْعِينَ ضِعْفًا

стр. 121

٢٠٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ ⦗١٢٢⦘ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى بَعْضِ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِأَمْرِهِ، وَالْمُعَاهَدَةِ عَلَى مَا حَمَّلَكَ اللَّهُ مِنْ دِينِهِ، وَاسْتَحْفَظَكَ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ نَجَا أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ سَخَطِهِ، وَبِهَا تَحَقَّقَ لَهُمْ وِلَايَتُهُ، وَبِهَا وَافَقُوا أَنْبِيَاءَهُ، وَبِهَا نَضَرَتْ وُجُوهُهُمْ، وَنَظَرُوا إِلَى خَالِقِهِمْ» ٢٠٣ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا وَأَكْثَرُ مِنْهَا قَدْ رُوِّيَتْ فِي الرُّؤْيَةِ، عَلَى تَصْدِيقَهَا وَالْإِيمَانِ بِهَا أَدْرَكْنَا أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْبَصَرِ مِنْ مَشَايِخِنَا، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوُونَهَا وَيُؤْمِنُونَ بِهَا، لَا يَسْتَنْكِرُونَهَا وَلَا يُنْكِرُونَهَا، وَمَنْ أَنْكَرَهَا مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ نَسَبُوهُ إِلَى الضَّلَالِ، بَلْ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ رَجَائِهِمْ، وَأَجْزَلِ ثَوَابِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِهِمُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ خَالِقِهِمْ، حَتَّى مَا يَعْدِلُونَ بِهِ شَيْئًا مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ. ٢٠٤ - وَقَدْ كَلَّمْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ الْمُعَطِّلَةِ وَحَدَّثْتُهُ بِبَعْضِ، هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَتَزَيَّنُ بِالْحَدِيثِ فِي الظَّاهِرِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَتَهَا، فَأَنْكَرَ بَعْضَهَا وَرَدَّ رَدًّا عَنِيفًا. ٢٠٥ - قُلْتُ: قَدْ صَحَّتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكِتَابُ اللَّهِ النَّاطِقِ بِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْكِتَابُ وَقَوْلُ ⦗١٢٣⦘ الرَّسُولِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ لَمْ يَبْقَ لِمُتَأَوِّلٍ عِنْدَهَا تَأَوُّلٌ، إِلَّا لِمُكَابِرٍ أَوْ جَاحِدٍ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] . وَلَمْ يَقُلْ لِلْكُفَّارِ: ﴿مَحْجُوبُونَ﴾ إِلَّا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَحْجُبُونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَكُمْ مَحْجُوبِينَ عَنِ اللَّهِ كَالْكُفَّارِ، فَأَيُّ تَوْبِيخٍ لِلْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا كَانُوا هُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا عَنِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ مَحْجُوبِينَ. ٢٠٦ - وَأَمَّا قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَوْلُهُ: «لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، كَمَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي الصَّحْوِ» ثُمَّ مَا رُوِّينَا عَنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالتَّابِعِينَ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مَا رَدَّ ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْأُمَّةِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «نُورٌ، أَنَّى أَرَاهُ؟» ⦗١٢٤⦘ فَقُلْتُ: هَذَا فِي الدُّنْيَا، وَكِلَاهُمَا قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَفْسِيرُهُمَا بَيِّنٌ فِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا

стр. 122

فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: " مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَتَلَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] حَدَّثَنَاهُ عَمْرُو بِنُ عَوْنٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ٢٠٧ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ وَجَمِيعُ الْأُمَّةِ تَقُولُونَ بِهِ: إِنَّهُ لَمْ يُرَ، وَلَا يُرَى فِي الدُّنْيَا، فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَا أَكْبَرُ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ، وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ حُرِمَهُ، وَمَا تَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَاحْتَجَبَ مِنْ خَلْقِهِ بِحُجُبِ النَّارِ وَالظُّلْمَةِ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، يُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ بِصِفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، لِيَبْلُوَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ أَيُّهُمْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْرِفُهُ بِالْغَيْبِ وَلَمْ يَرَهُ، وَإِنَّمَا يَجْزِي الْعِبَادَ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ بِالْغَيْبِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ تَبَدَّى لِخَلْقِهِ وَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لِإِيمَانِ الْغَيْبِ هُنَاكَ مَعْنًى، كَمَا أَنَّهُ لَمْ ⦗١٢٥⦘ يَكْفُرْ بِهِ عِنْدَهَا كَافِرٌ، وَلَا عَصَاهُ عَاصٍ، وَلَكِنَّهُ احْتَجَبَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ بِالْغَيْبِ، وَإِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَيَؤُمِنَ بِهِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ السَّعَادَةُ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَلَوْ قَدْ تَجَلَّى لَهُمْ لَآمَنَ بِهِ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا بِغَيْرِ رُسُلٍ وَلَا كُتُبٍ، وَلَا دُعَاةٍ، وَلَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ وَآمَنَ بِرُؤْيَتِهِ وَأَقَرَّ بِصِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، حَتَّى يَرَوْهُ عِيَانًا، مَثُوبَةً مِنْهُ لَهُمْ وَإِكْرَامًا، لِيَزْدَادُوا بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ عَبَدُوهُ بِالْغَيْبِ نَعِيمًا، وَبِرُؤْيَتِهِ فَرَحًا وَاغْتِبَاطًا، وَلَمْ يُحْرَمُوا رُؤْيَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا، وَحَجَبَ عَنْهُ الْكُفَّارَ يَوْمَئِذٍ إِذْ حُرِمُوا رُؤْيَتَهُ كَمَا حُرِمُوهَا فِي الدُّنْيَا لِيَزْدَادُوا حَسْرَةً وَثُبُورًا. ٢٠٨ - فَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ مِنْهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿لَنْ تَرَانِي، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] . قُلْنَا: هَذَا لَنَا عَلَيْكُمْ، لَا لَكُمُ، إِنَّمَا قَالَ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ بَصَرَ مُوسَى مِنَ الْأَبْصَارِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْفِنَاءَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَحْمِلُ النَّظَرَ إِلَى نُورِ الْبَقَاءِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رُكِّبَتِ الْأَبْصَارُ وَالْأَسْمَاعُ لِلْبَقَاءِ، فَاحْتَمَلَتِ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ بِمَا طُوَّقَهَا اللَّهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وَلَوْ قَدْ شَاءَ لَاسْتَقَرَّ الْجَبَلُ وَرَآهُ مُوسَى، وَلَكَنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الْكَلِمَةُ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] . فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ خَلْقَهُ فَيُرَكِّبُ أَسْمَاعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ لِلْبَقَاءِ، فَيَرَاهُ أَوْلِيَاؤُهُ جَهْرًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ⦗١٢٦⦘ ٢٠٩ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّا لَا نَقْبَلُ هَذِهِ الْآثَارَ، وَلَا نْحَتَجُّ بِهَا، قُلْتُ: أَجَلْ، وَلَا كِتَابَ اللَّهِ تَقْبَلُونَ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تْقَبَلُوهَا، أَتَشُكُّونَ أَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ، مَأْثُورَةٌ عَنْهُمْ، مُسْتَفِيضَةٌ فِيهِمْ، يَتَوَارَثُونَهَا عَنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَفُقَهَائِهِمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قُلْنَا: فَحَسْبُنَا إِقْرَارُكُمْ بِهَا عَلَيْكُمْ حُجَّةً لِدَعْوَانَا أَنَّهَا مَشْهُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ، تَدَاوَلَتْهَا الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ، فَهَاتُوا عَنْهُمْ مِثْلَهَا حُجَّةً لِدَعْوَاكُمُ الَّتِي كَذَّبَتْهَا الْآثَارُ كُلُّهَا، فَلَا تَقْدُرُونَ أَنْ تَأْتُوا فِيهَا بِخَبَرٍ وَلَا أَثَرٍ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ لَا يُسْتَدْرَكُ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْكَامُهُمْ وَقَضَايَاهُمْ إِلَّا بِهَذِهِ الْآثَارِ وَالْأَسَانِيدِ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَهِيَ السَّبَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَالنَّهْجُ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَتْ إِمَامَهُمْ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ ، مِنْهَا يَقْتَبِسُونَ الْعِلْمَ، وَبِهَا يَقْضُونَ، وَبِهَا يُقِيمُونَ، وَعَلَيْهَا يْعَتَمِدُونَ، وَبِهَا يَتَزَيَّنُونَ، يُوَرِّثُهَا الْأَوَّلُ مِنْهُمُ الْآخِرَ، وَيُبَلِّغُهَا الشَّاهِدُ مِنْهُمُ الْغَائِبَ احْتِجَاجًا بِهَا، وَاحْتِسَابًا فِي أَدَائِهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، يُسَمُّونَهَا السُّنَنَ وَالْآثَارَ وَالْفِقْهَ وَالْعِلْمَ، وَيَضْرِبُونَ فِي طَلَبِهَا شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا، يُحِلُّونَ بِهَا حَلَالَ اللَّهِ، وَيُحَرِّمُونَ بِهَا حَرَامَهُ، وَيُمَيِّزُونَ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالسُّنَنِ وَالْبِدَعِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ وَأَحْكَامِهِ، وَيَعْرِفُونَ بِهَا ضَلَالَةَ مَنْ ضَلَّ عَنِ الْهُدَى، فَمَنْ رَغِبَ عَنْهَا فَإِنَّمَا يَرْغَبُ عَنْ آثَارِ السَّلَفِ وَهَدْيِهِمْ، وَيُرِيدُ مُخَالَفَتَهُمْ لِيَتَّخِذَ دِينَهُ هَوَاهُ، وَلِيَتَأَوَّلَ كِتَابَ اللَّهِ بِرَأْيِهِ خِلَافَ مَا عَنَى اللَّهُ بِهِ. ٢١٠ - فَإِنْ كُنْتُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَسْلَافِهِمْ، فَاقْتَبِسُوا الْعِلْمَ مِنْ آثَارِهِمْ، وَاقْتَبِسُوا الْهُدَى فِي سَبِيلِهِ، وَارْضَوْا بِهَذِهِ الْآثَارِ إِمَامًا، كَمَا رَضِيَ بِهَا الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ إِمَامًا، فَلَعَمْرِي مَا أَنْتُمْ أَعْلَمَ ⦗١٢٧⦘ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُمْ وَلَا مِثْلَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ إِلَّا بِاتِّبَاعِ هَذِهِ الْآثَارِ عَلَى مَا تُرْوَى. فَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَّبِعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . ٢١١ - فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَا، بَلْ نَقُولُ بِالْمَعْقُولِ. قُلْنَا: هَاهُنَا ضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَوَقَعْتُمْ فِي تِيهٍ لَا مَخْرَجَ لَكُمْ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمَعْقُولَ لَيْسَ لشَيْءٍ وَاحِدٍ مَوْصُوفٍ بِحُدُودٍ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ فَيُقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ رَاحَةً لِلنَّاسِ وَلَقُلْنَا بِهِ وَلَمْ نَعْدُ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ ﵎ قَالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] فَوَجَدْنَا الْمَعْقُولَ عِنْدَ كُلِّ حِزْبٍ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَالْمَجْهُولَ عِنْدَهُمْ مَا خَالَفَهُمْ، فَوَجَدْنَا فِرَقَكُمْ مَعْشَرَ الْجَهْمِيَّةِ فِي الْمَعْقُولِ مُخْتَلِفَيْنِ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْكُمْ تَدَّعِي أَنَّ الْمَعْقُولَ عِنْدَهَا مَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَالْمَجْهُولَ مَا خَالَفَهَا، فَحِينَ رَأَيْنَا الْمَعْقُولَ اخْتَلَفَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَلَمْ نَقِفْ لَهُ عَلَى حَدٍّ بَيِّنٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، رَأَيْنَا أَرْشَدَ الْوُجُوهِ وَأَهْدَاهَا أَنْ نَرُدَّ الْمَعْقُولَاتِ كُلَّهَا إِلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِلَى الْمَعْقُولِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ الْمُسْتَفِيضِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لِأَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَنْزِلُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَكَانُوا أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِهِ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَكَانُوا مُؤْتَلِفِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ، لَمْ يَفْتَرِقُوا فِيهِ، وَلَمْ تَظْهَرْ فِيهِمُ الْبِدَعُ وَالْأَهْوَاءُ الْحَائِدَةُ عَنِ الطَّرِيقِ. ٢١٢ - فَالْمَعْقُولُ عِنْدَنَا مَا وَافَقَ هَدْيَهُمْ، وَالْمَجْهُولُ مَا خَالَفَهُمْ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَدْيِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ إِلَّا هَذِهِ الْآثَارُ، وَقَدِ انْسَلَخْتُمْ ⦗١٢٨⦘ مِنْهَا، وَانْتَفَيْتُمْ مِنْهَا بِزَعْمِكُمْ، فَأَنَّى تَهْتَدُونَ؟ . ٢١٣ - وَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ مِنْهُمْ بِقَوْلِ مُجَاهِدٍ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبُّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] . قَالَ: تَنْتَظِرُ ثَوَابَ رَبِّهَا. ٢١٤ - قُلْنَا: نَعَمْ، تَنْتَظِرُ ثَوَابَ رَبِّهَا، وَلَا ثَوَابَ أَعْظَمَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ ﵎. ٢١٥ - فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا تَعَلُّقًا بِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ هَذَا، وَاحْتِجَاجًا بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآثَارِ، فَهَذَا آيَةُ شُذُوذِكُمْ عَنِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِكُمُ الْبَاطِلَ، لِأَنَّ دَعْوَاكُمْ هَذِهِ لَوْ صَحَّتْ عَنْ مُجَاهِدٍ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ كَانَ مَدْحُوضًا الْقَوْلُ إِلَيْهِ، مَعَ هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةِ التَّابِعِينَ، أَوَلَسْتُمْ قَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ هَذِهِ الْآثَارِ وَلَا تَحْتَجُّونَ بِهَا، فَكَيْفَ تَحْتَجُّونَ بِالْأَثَرِ عَنْ مُجَاهِدٍ إِذْ وَجَدْتُمْ سَبِيلًا إِلَى التَّعَلُّقِ بِهِ لِبَاطِلِكُمْ عَلَى غَيْرِ بَيَانٍ؟ وَتَرَكْتُمْ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ إِذْ خَالَفَتْ مَذْهَبَكُمْ، فَأَمَّا إِذَا أَقْرَرْتُمْ بِقَبُولِ الْأَثَرِ عَنْ مُجَاهِدٍ، فَقَدْ حَكَمْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِقَبُولِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَسْمَعُوا هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ، بَلْ تَأْثُرُونَهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ، وَتْأَثُرُونَ بِأَسَانِيدَ مِثْلَهَا أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ مَا هُوَ خِلَافَهُ عِنْدَكُمْ. فَكَيْفَ أَلْزَمْتُمْ أَنْفُسَكُمُ اتِّبَاعَ الْمُشْتَبَهِ مِنْ آثَارِ مُجَاهِدٍ وَحْدَهُ، وَتَرَكْتُمُ الصَّحِيحَ الْمَنْصُوصَ مِنْ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ⦗١٢٩⦘ وَنُظَرَاءِ مُجَاهِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، إِلَّا مِنْ رِيبَةٍ وَشُذُوذٍ عَنِ الْحَقِّ. ٢١٦ - إِنَّ الَّذِي يُرِيدُ الشُّذُوذَ عَنِ الْحَقِّ، يَتَّبِعُ الشَّاذَّ مِنَ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَعَلَّقُ بِزَلَّاتِهِمْ، وَالَّذِي يَؤُمُّ الْحَقَّ فِي نَفْسِهِ يَتَّبِعُ الْمَشْهُورَ مِنْ قَوْلِ جَمَاعَتِهِمْ، وَيَنْقَلِبُ مَعَ جُمْهُورِهِمْ، فَهُمَا آيَتَانِ بَيِّنَتَانِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى اتِّبَاعِ الرَّجُلِ، وَعَلَى ابْتِدَاعِهِ

стр. 123

بَابُ ذِكْرِ عِلْمِ اللَّهِ ﵎

стр. 124

٢١٧ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ يَعْنِي عَبْدَ الْعَزِيزِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى ذَلِكَ»

стр. 125

٢١٨ - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ » ⦗١٣١⦘ ٢١٩ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَمَالَنَا نَرَى أَنْ يَبْلُغَ غَدًا قَوْمٌ فِي تَعْطِيلِ صِفَاتِ اللَّهِ مَا بَلَغَ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ عَدْلُهُمْ فِي تَعْطِيلِهِا، حَتَّى أَنْكَرُوا سَابِقَ عِلْمِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَمَا الْخَلْقُ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا. ٢٢٠ - ثُمَّ قَالُوا: مَا نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ عِلْمُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ بِزَعْمِهِمْ، وَاللَّهُ بِزَعْمِهِمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ يَعْلَمُ، وَلَا هُوَ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَلَا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ، إِنَّمَا سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَعِلْمُهُ بِزَعْمِهِمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَا السَّمْعُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ الْبَصَرِ، وَلَا الْبَصَرُ غَيْرُ السَّمْعِ، وَلَا الْعِلْمُ غَيْرُ الْبَصَرِ، هُوَ كُلُّهُ بِزَعْمِهِمْ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَعِلْمٌ، وَهُوَ بِكُلِّيَّتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، إِنْ عَلِمَ عَلِمَ بِكُلِّهِ، وَإِنْ سَمِعَ سَمِعَ بِكُلِّهِ، وَإِنْ رَأَى رَأَى بِكُلِّهِ. ٢٢١ - وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ النَّظَرِ وَالْمُشَاهَدَةِ، لَا يَعْلَمُ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ عَلِمَ بِهِ عِلْمَ كَيْنُونَتِهِ، لَا بِعِلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ كَيْنُونَتِهِ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَثَ الشَّيْءُ كَانَ هُوَ عِنْدَ الشَّيْءِ، وَمَعَهُ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، كَانَ هُوَ يَدُلُّ الشَّيْءَ بِزَعْمِهِمْ مِنْ مَكَانِهِ، فَذَلِكَ إِحَاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ بِالْأَشْيَاءِ عِنْدَهُمْ، لَا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بشَيْءٍ مِنْهَا فِي نَفْسِهِ قَبْلَ كَيْنُونَتِهِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. ٢٢٢ - هَذَا هُوَ الرَّدُّ لِكِتَابِ اللَّهِ وَالْجُحُودُ لَآيَاتِ اللَّهِ، وَصَاحِبُ ⦗١٣٢⦘ هَذَا الْمَذْهَبِ يُخْرِجُهُ مَذْهَبُهُ إِلَى مَذْهَبِ الزَّنْدَقَةِ حَتَّى لَا يُؤْمِنَ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، لِأَنَّ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِالْعِلْمِ السَّابِقِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ، يَلْزَمُهُ فِي مَذْهَبِهِ أَنْ لَا يُؤْمِنَ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَبِقِيَامِ السَّاعَةِ وَالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، لِأَنَّ الْعِبَادَ إِنَّمَا لَزَمَهُمُ الْإِيمَانُ بِهَا لِإِخْبَارِ اللَّهِ بِأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّهُ مُحَاسِبُهُمْ يَوْمَ الْحِسَابِ، مُثِيبُهُمْ، وَمُعَاقِبُهُمْ. ٢٢٣ - فَإِذَا كَانَ اللَّهُ بِزَعْمِهِمْ لَا يَعْلَمُ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ، كَيْفَ عَلِمَ فِي مَذْهَبِهِمْ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، وَالْبَعْثِ وَلَمْ تَقُمِ السَّاعَةُ بَعْدُ، وَلَا تَقُومُ إِلَّا بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، وَارْتِفَاعِ الدُّنْيَا؟ ٢٢٤ - فَإِنْ أَقَرُّوا لِلَّهِ بِعِلْمِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْحِسَابِ، لَزِمَهُمْ أَنْ يُقِرُّوا لَهُ بِعِلْمِ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهَا، فَإِنْ أَنْكَرُوا عِلْمَ اللَّهِ بِمَا دُونَهَا لَزِمَهُمُ الْإِنْكَارُ بِهَا وَبِقِيَامِهَا، وَبِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالسَّاعَةِ كَعِلْمِهِ بِالْخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ سَوَاءٌ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ أَنْ لَا يُؤْمِنَ بِالْآخَرِ، وَهِيَ مِنْ أَوْضَحِ الْحُجَجِ وَأَشَدِّهَا عَلَى مَنْ رَدَّ الْعِلْمَ وَأَنْكَرَهُ. ٢٢٥ - وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِالْخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَلَا يَزَالُ بِهِمْ عَالِمًا، لَمْ يَزْدَدْ فِي عِلْمِهِ بِكَيْنُونَةِ الْخَلْقِ خَرْدَلَةً وَاحِدَةً وَلَا أَقَلَّ مِنْهَا وَلَا أَكْثَرَ، وَلَكِنْ خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَمِنْ عِنْدِهِ بَدَأَ الْعِلْمُ، وَهُوَ عَلَّمَ الْخَلْقَ مَا لَمْ يَعْلَمُوا، فَقَالَ ﵎: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا ⦗١٣٣⦘ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]

стр. 126

فَبَلَغَنَا فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ وَخَلَقَهُ لَهَا» ٢٢٦ - حَدَّثَنَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ٢٢٧ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَعَمْرِي مَا عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْفَسَادِ غَيْبًا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولُوا، وَلِذَلِكَ ادَّعَوْا مَعْرِفَتَهُ. ٢٢٨ - وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تَبْدُوَنْ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ . فَأَخْبَرَ اللَّهُ ﵎ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةَ الْعِلْمَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا مِنْهُ، وَأَقَرَّتِ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، وَرَدَتِ الْعِلْمَ كُلَّهُ إِلَى مَنْ بَدَأَ مِنْهُ، فَقَالُوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] فَهَلْ عَلَّمَهُمْ إِلَّا مَا قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؟ . ٢٢٩ - وَقَالَ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ⦗١٣٤⦘ حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] . ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] . ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] . ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] . ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] . قَالَ: مَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] . فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ كَانَ الْعَالِمَ قَبْلَ كُلِّ أَحَدٍ، وَمِنْهُ بَدَأَ الْعِلْمُ. قَالَ: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . وَقَالَ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] . جَاءَهُ الْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِي عِبَادِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا، فَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكَبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ . وَقَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] . ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونَ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] الْآيَةَ. وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ لَاكْتُفِيَ بِهِ حُجَّةً بَالِغَةً، فَكَيْفَ وَالْكِتَابُ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِنَصِّهِ، يُسْتَغْنَى فِيهِ بِالتَّنْزِيلِ عَنِ التَّفْسِيرِ، وَتَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ. ٢٣٠ - فَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَى أَنْ نَبَغَتْ هَذِهِ النَّابِغَةُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَعْظَمُوا فِي اللَّهِ الْقَوْلَ، وَسَبُّوهُ بِأَقْبَحِ السِّبَابِ ⦗١٣٥⦘، وَجَهَّلُوهُ وَنَفَوْا عَنْهُ صِفَاتَهُ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ صِفَةً صِفَةً، حَتَّى نَفَوْا عَنْهُ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ السَّابِقَ، وَالْكَلَامَ، وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَالْأَمْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ جَعَلُوهُ كَلَا شَيْءَ، فَقَالُوا فِي الْجُمْلَةِ: مَا نَعْرِفُ إِلَهًا غَيْرَ هَذَا الَّذِي فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَإِذَا بَادَ شَيْءٌ صَارَ مَكَانَهُ. فَنَظَرْنَا فِي صِفَةِ مَعْبُودِهِمْ هَذَا فَلَمْ نَجِدْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا الْهَوَاءِ الْقَائِمِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الدَّاخِلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَمَنْ قَصَدَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، وَلَيْسَ مَعْبُودُهُ ذَاكَ بِإِلَهٍ، كُفْرَانَهُ، لَا غُفْرَانَهُ. ٢٣١ - فَاحْذَرُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ أَنْ يَفْتِنُوكُمْ، أَوْ يُكَفِّرُوا صُدُورَكُمْ بِالْمَغَالِيطِ وَالْأَضَالِيلِ الَّتِي تَشْتَبِهُ عَلَى جُهَّالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . ٢٣٢ - فَإِنْ جَحَدَ مِنْهُمْ جَاحِدٌ وَانْتَفَى مِنْ بَعْضِ مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ، فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، فَإِنَّهُ دِينُهُمُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، لَا يَجْحَدُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَّا مُتَعَوِّذٌ مُسْتَتِرٌ، أَوْ جَاهِلٌ بِمَذَاهِبِهِمْ، لَا يَتَوَجَّهُ بشَيْءٍ مِنْهَا، فَقَدِ اعْتَرَفَ لَنَا بِذَلِكَ بَعْضُ كُبَرَائِهِمْ، أَوْ بِمَا يُشْبِهُ مَعْنَاهُ، وَأَسْنَدُوا بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ الْمُضِلِّينَ مِنْ أَشْيَاخِهِمْ، فَإِلَى اللَّهِ أَشْكُو رَأْيًا هَذَا تَأْوِيلُهُ، وَقَوْمًا هَذَا إِبْطَالُهُمْ لَعِلْمِ رَبِّنَا. ٢٣٣ - وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنَ الْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، فَكَيْفَ خَالِقُهُمُ ⦗١٣٦⦘ الَّذِي عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . ٢٣٤ - وَوَصَفَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا بِصِفَاتِهِمْ، فَكَيْفَ وَصَفَهُمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ لَهُ بِهِمْ؟ فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] . قَالَ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . فَمَا قَدِرُوا أَنْ يَتَعَدَّوْا هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَا يُقَصِّرُوا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونُوا، وَقَالَ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . فَكَتَبَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ قَبْلَ أَنْ يَرِثُوهَا، وَقَالَ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] . قَضَى عَلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يُفْسِدُوا

стр. 127

٢٣٥ - وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنَا﴾ [الإسراء: ٤] قَالَ مُجَاهِدٌ: «كَتَبْنَا» ، كَذَلِكَ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ⦗١٣٧⦘ ٢٣٦ - وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] . سَبَقَتْ لَهُمُ الْحُسْنَى مِنَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ، فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَتَعَدَّوْا شَيْئًا عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِمْ. وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] . وَأَخْبَرَ عَنْ أَعْمَالِ قَوْمٍ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا. وَقَالَ: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] . فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَمْتِيعِهِمْ وَمَسِّ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، قَالَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] . رُوِيَ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّهُمُ الْأَعَاجِمُ، أَخْبَرَ اللَّهُ بِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا. ٢٣٧ - وَقَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ حِينَ أَخَذُوا الْفِدَاءَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] . يَقُولُ: لَوْلَا مَا سَبَقَ لِأَهْلِ بَدْرٍ مِنَ السَّعَادَةِ لَمَسَّهُمُ الْعَذَابَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَهْلُ بَدْرٍ أَنْ لَا يَأْخُذُوهُ، وَلَوْ حَرَصُوا عَلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ ⦗١٣٨⦘ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] . وَقَالَ: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . فَسَبَقْتُ لَهُمْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، وَالدُّعَاءُ لِمَنْ سَبَقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوا. ٢٣٨ - وَقَالَ: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] . فَأَخْبَرَ اللَّهُ بِاتِّبَاعِهِمْ وَإِغْرَاقِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ. ٢٣٩ - وَقَالَ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفَيْنَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨] . فَأَخْبَرَ بِاخْتِلَافِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا. ٢٤٠ - وَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ، وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦] . ٢٤١ - وَقَالَ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] . وَلَكِنْ عَلِمَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَصَارُوا إِلَى مَا عَلِمَ مِنْهُمْ. وَأَخْبَرَ بِعِلْمِهِ فِي قَوْمٍ فَقَالَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . وَأَخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ آخَرِينَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] ⦗١٣٩⦘. ٢٤٢ - فَمَنْ آمَنَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَصَدَّقَ رُسُلَ اللَّهِ اكْتَفَى بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا فِي عِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ فِي الْخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، وَمَنْ يُحْصِي مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفِي آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ فِي إِثْبَاتِ عِلْمِ اللَّهِ لَهُ وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَيَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَقَلُّ مِمَّا جَمَعْنَا، وَلَكِنْ جَمَعْنَاهَا لِيَتَدَبَّرَهَا أَهْلُ الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ فَيَعْرِفُوا ضَلَالَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْرَجُوا اللَّهَ مِنَ الْعِلْمِ وَنَفَوْهُ عَنْهُ، وَجَعَلُوهُ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ كَالْخَلْقِ سَوَاءً، فَقَالُوا: كَمَا لَا يَعْلَمُ الْخَلْقُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ بِزَعْمِهِمْ لَا يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ. فَمَا فَضْلُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى عَلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ. ٢٤٣ - وَهَذَا الْمَذْهَبُ الَّذِي ادَّعَوْهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى بَعْضِهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَذْهَبُ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إِلَّا بِرَدِّ عِلْمِ اللَّهِ، فَكَفَى بِهِ ضَلَالًا، وَلِأَنَّهُمْ مَتَى مَا أَقَرُّوا بِعِلْمٍ سَابِقٍ خُصِمُوا، كَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ

стр. 128

٢٤٤ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ فَقَدْ خُصِمَ» ٢٤٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ كُلَّمَا حَدَثَ لِلَّهِ خَلْقٌ حَدَثَ لَهُ عِلْمٌ بِكَيْنُونَتِهِ، عَلِمَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَفِي تَأْوِيلِهِمْ هَذَا كَانَ اللَّهُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِزَعْمِهِمْ، حَتَّى جَاءَ الْخَلْقُ فَأَفَادُوهُ عِلْمًا، فَكُلَّمَا حَدَثَ خَلْقٌ حَدَثَ لِلَّهِ عِلْمٌ بِزَعْمِهِمْ، فَهُوَ بِمَا كَانَ ⦗١٤٠⦘ بِزَعْمِهِمْ عَالِمٌ، وَبِمَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُ عَالِمٍ حَتَّى يَكُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُونَ. ٢٤٦ - قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٦] . وَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] . وَقَالَ: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢] . فَكَيْفَ يَحْدُثُ لِلَّهِ عِلْمٌ بِكَيْنُونَةِ الْخَلْقِ وَعَلَى عِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ خُلِقُوا، وَبِمَا كَتَبَ عَلَيْهِمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ يَعْمَلُونَ، لَا يَزِيدُونَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ وَلَا يَنْقُصُونَ. قَالَ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] . وَقَالَ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لِعَلِيُّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . وَقَالَ: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ . وَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] . وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْمَرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمْرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] . ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] . وَقَالَ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . فَهَلْ كَتَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَيْنُونَتِهَا إِلَّا لْلِعِلْمِ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ؟

стр. 129

٢٤٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَ اللَّيْثُ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ، أَوْ ثَعْلَبَةُ الْخَثْعَمِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، ﵁ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ عِلْمًا، وَخَلَقَ خَلْقًا، فَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ قَبْلَ الْخَلْقِ فَالْخَلْقُ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَإِنْ كَانَ الْخَلْقُ قَبْلَ الْعِلْمِ فَالْعِلْمُ يَتْبَعُ الْخَلْقَ» ٢٤٨ - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، مِثْلَهُ. ٢٤٩ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَادَّعَتْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ أَنَّ الْخَلْقَ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ يَتْبَعُ الْخَلْقَ، فَأَيُّ ضَلَالٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ " ٢٥٠ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَلَمْ يَدْرِ، وَاللَّهِ، الْقَلَمُ بِمَا يَجْرِي، حَتَّى أَجْرَاهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَعَلَّمَهُ مَا يَكْتُبُ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ. ٢٥١ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» فَهَلْ كَتَبَ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا عَلِمَ، فَمَا مَوْضِعُ كِتَابِ هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فِي دَعْوَاهُمْ؟ ⦗١٤٢⦘ ٢٥٢ - ثُمَّ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا، وَعَنْ أَصْحَابِهِ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا كِتَابُنَا هَذَا، وَسَنَأْتِي مِنْهَا بِبَعْضِ مَا حَضَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، وَلَكِنْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ وَأَفْضَلُ وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَا فَيَتِّقِيَهُمْ

стр. 130

حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ، أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَهُمْ: أَنْبَأَ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَأَمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ»

стр. 131

٢٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ حُمَيْدِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ⦗١٤٣⦘ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»

стр. 132

٢٥٥ - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، ثنا بِشْرُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، وَقَضَى الْقَضِيَّةَ، وَأَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، فَأَخَذَ أَهْلَ الْيَمِينِ بِيَمِينِهِ، وَأَخَذَ أَهْلَ الشِّمَالِ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، وَكِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، وَقَالَ: يَا أَصْحَابَ الْيَمِينِ قَالُوا: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. ثُمَّ قَالَ: يَا أَصْحَابَ الشِّمَالِ قَالُوا: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَخَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَبِّ لِمَ خَلَطْتَ بَيْنَنَا؟ قَالَ: ﴿لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ " قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، وَقَضَى الْقَضِيَّةَ، وَأَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلُهَا، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلُهَا» ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الْأَعْمَالُ؟ قَالَ: «أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ قَوْمٍ لِمَنْزِلَتِهِمْ» ، فَقَالَ عُمَرُ: إِذًا نِجْتَهِدُ. قَالَ: وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأَعْمَالِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ⦗١٤٤⦘ أَرَأَيْتَ الْأَعْمَالَ، أَهُوَ شَيْءٌ يُؤْتَنَفُ، أَوْ فُرِغَ مِنْهَا؟ قَالَ: «بَلْ فُرِغَ مِنْهَا»

стр. 133

٢٥٦ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَ الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبَّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، فَأَخَذَ مِيثَاقَهُ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَكَتَبَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَمَصَائِبَهُ، وَأَخْرَجَ وَلَدَهُ مِنْ ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ أَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَكَتَبَ آجَالَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَصَائِبَهُمْ

стр. 134

٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ، وَخَلَقَ أَهْلَ النَّارِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَذِهِ "

стр. 135

٢٥٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ، أَنْبَأَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ» ٢٥٩ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ

стр. 136

٢٦٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَ هُشَيْمُ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ»

стр. 137

٢٦١ - قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْيَمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ»

стр. 138

٢٦٢ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ»

стр. 139

٢٦٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَبِيلٍ، عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ الْأَصْبَحِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟» ، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لِلْأَيْمَنِ مِنْهُمَا: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِأَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا» ، وَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُسْرَى: «وَهَذَا كِتَابٌ بِأَسْمَاءِ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصَ مِنْهُمْ أَبَدًا» فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُعْمَلُ إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيُّمَا عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيُّمَا عَمَلٍ» ثُمَّ ⦗١٤٩⦘ قَبَضَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ» ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَنَبَذَ بِهَا، فَقَالَ: «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ» ، وَنَبَذَ بِالْأُخْرَى وَقَالَ: «فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» ٢٦٤ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَهَؤُلَاءِ قَدْ كَتَبَهُمُ اللَّهُ بِأَسْمَائِهِمُ الَّتِي كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنْ يُسَمِّيَهُمْ بِهَا آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، فَمَا قَدِرَ الْآبَاءُ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ تَبْدِيلًا، وَلَا اسْتَطَاعَ إِبْلِيسُ لِمَنْ هَدَى اللَّهُ مِنْهُمْ تَضْلِيلًا. ٢٦٥ - وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» ، فَرَدَّ أَمْرَهُمْ إِلَى سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، وَقَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا. ٢٦٦ - وَقَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ، فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] . ٢٦٧ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيِ الْمَوْلُودِ مَا هُوَ لَاقٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ، حَتَّى النَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا»

стр. 140

٢٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُنَيْدَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ النَّسَمَةَ قَالَ مَلَكُ الْأَرْحَامِ مُعْرِضًا: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ أَمْرَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، شَقِيُّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ أَمْرَهُ، ثُمَّ يَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَا هُوَ لَاقٍ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا "

стр. 141

٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، أَنْبَأَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، ثنا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: ثنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَقُولُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيُّ أَمْ سَعِيدٌ ⦗١٥١⦘، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ، فَيُخْتَمُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ، فَيُخْتَمُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ "

стр. 142

٢٧٠ - حَدَّثَنَاهُ أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ. ذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ: «فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَعَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»

стр. 143

٢٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَعَدَ ⦗١٥٢⦘ وَقَعَدْنَا، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً، أَوْ سَعِيدَةً» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ» ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]

стр. 144

٢٧٢ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ،: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا نَعْمَلُ، أَفِي أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَمْ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ، أَوْ مُبْتَدَأٌ، فَقَالَ: «فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» ، فَقَالَ عُمَرُ: أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَهُوَ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ، فَهُوَ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ» ٢٧٣ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: وَمَنْ فَرَغَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَمَنْ يُيَسِّرُهُمْ لِمَا خَلَقَهُمْ لَهُ إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ، وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا. ٢٧٤ - فَيُقَالُ لِمَنْ رَدَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَلَمْ يُقِرَّ لِلَّهِ بِعِلْمٍ سَابِقٍ: أَرَأَيْتَ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا ⦗١٥٤⦘، فَقَدْ فَارَقَ قَوْلَهُ وَكَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، وَكَذَّبَ بِالْبَعْثِ، وَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ نَفْسَهُ لَا يُؤْمِنُ بِقِيَامِ السَّاعَةِ. وَإِنْ قَالَ: يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ، فَقَدْ أَقَرَّ بِكُلِّ الْعِلْمِ، شَاءَ أَوْ أَبَى. وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: أَعَلِمَ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَإِنْ قَالَ: بَلَى، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ السَّابِقِ، وَانْتُقِضَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ فِي رَدِّ عِلْمِ اللَّهِ، وَهُوَ مُنْتَقِضٌ عَلَيْهِ عَلَى زَعْمِهِ

стр. 145

بَابُ الْإِيمَانِ بِكَلَامِ اللَّهِ ﵎ ٢٧٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَاللَّهُ الْمُتَكَلِّمُ أَوَّلًا وَآخِرًا، لَمْ يَزَلْ لَهُ الْكَلَامُ، إِذْ لَا مُتَكَلِّمَ غَيْرُهُ، وَلَا يَزَالُ لَهُ الْكَلَامُ إِذْ لَا يَبْقَى مُتَكَلِّمٌ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ فَلَا يُنْكِرُ كَلَامَ اللَّهِ إِلَّا مَنْ يُرِيدُ إِبْطَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَكَيْفَ يَعْجِزُ عَنِ الْكَلَامِ مَنْ عَلَّمَ الْعِبَادَ الْكَلَامَ، وَأَنْطَقَ الْأَنَامَ؟ . ٢٧٦ - قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . فَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا غَيْرَ نَفْسِ الْكَلَامِ، وَقَالَ لِمُوسَى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] . وَقَالَ: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . وَقَالَ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] . وَقَالَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] . وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى ⦗١٥٦⦘ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]
следующие страницы →