Полный текст (219 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٣١٧ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، ﵄ قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ النَّبِيِّينَ أَوَّلًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «آدَمُ» ، قُلْتُ: أَوَنَبِيًّا كَانَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، مُكَلَّمًا، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا، فَقَالَ: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] "
стр. 177
٣١٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ»
стр. 178
٣١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، أَوِ الْفَاجِرِ "
стр. 179
٣٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثنا مَعْنٌ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أُوَيْسٍ، عَنْ قَرْثَعٍ الْغَطَفَانِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْهَاشِمِيَّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَنْ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ ⦗١٧٨⦘ بِالْعَرَبِيَّةِ؟ قَالَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّبِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، قُلْتُ: فَمَا كَانَ كَلَامُ النَّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْعِبْرَانِيَّةُ، قُلْتُ: فَمَا كَانَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعِبَادِهِ ذَلِكَ الزَّمَانَ؟ قَالَ: الْعِبْرَانِيَّةُ
стр. 180
٣٢١ - قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْيَمَانِ، قُلْتُ: أُخْبِرُكُمْ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ جَزْءُ بْنُ جَابِرٍ الْخَثْعَمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ، يَقُولُ: " لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِالْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ، طَفِقَ مُوسَى يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، مَا أَفْقَهُ هَذَا، حَتَّى كَلَّمَهُ آخِرَ الْأَلْسِنَةِ بِلِسَانِهِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ، يَعْنِي بِمِثْلِ لِسَانِ مُوسَى، وَبِمِثْلِ صَوْتِ مُوسَى
стр. 181
٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ أَبُو الْجَمَاهِرِ، ثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] بِالْقُرْآنِ ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لِكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] أَعَزَّهُ اللَّهُ، لِأَنَّهُ كَلَامَهُ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] وَهُوَ إِبْلِيسُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْهُ حَقًّا، أَوْ يَزِيدَ فِيهِ بَاطِلًا
٣٢٣ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَدْ رُوِيَتْ، وَأَكْثَرُ، مِنْهَا مَا يُشْبِهُهَا، كُلُّهَا مُوَافِقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ فِي الْإِيمَانِ بِكَلَامِ اللَّهِ، وَلَوْلَا مَا اخْتَرَعَ هَؤُلَاءِ الزَّائِغَةُ مِنْ هَذِهِ الْأُغْلُوطَاتِ وَالْمعَانِي يَرُدُّونَ بِهَا صِفَاتِ اللَّهِ، وَيُبَدِّلُونَ بِهَا كَلَامَهُ، لَكَانَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ كَافِيًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، مَعَ أَنَّهُ كَمَيْلٍ شَافٍ إِلَّا لِمُتَأَوِّلِ ضَلَالٍ، أَوْ مُتَّبِعِ رِيبَةٍ، فَحِينَ رَأَيْنَا ذَلِكَ أَلَّفْنَا هَذِهِ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، لِيَعْلَمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَنَّ مَنَ مَضَى مِنَ الْأُمَّةِ لَمْ يَزَالُوا يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ، لَا يَعْرِفُونَ لَهُ تَأْوِيلًا غَيْرَ مَا يُتْلَى مِنْ ظَاهِرِهِ أَنَّهُ كَلَامُ الرَّحْمَنِ ﵎، حَتَّى نَبَغَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اقْتَرَبُوا لَرَدِّ كِتَابِ اللَّهِ ، وَتَعْطِيلِ كَلَامِهِ وَصِفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ بِهَذِهِ الْأُغْلُوطَاتِ الَّتِي لَوْ ظَهَرَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانَ سَبِيلُ مَنْ يُظْهِرُهَا بَيْنَهُمْ إِلَّا كَسَبِيلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، أَوَّلُهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْمَلْعُونَةُ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا جَمِيعَ أَهْلِ الصَّلَاةِ، فَقَالُوا ⦗١٨٠⦘: كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ. وَالْحُجَجُ عَلَيْهِمْ مِنْ رَدِّ مَا أَتَوْا بِهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَرُوِّينَا مِنْ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ بَعْدَهُ.
٣٢٤ - ثُمَّ عَلَيْهِمْ حُجَجٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، لَا نُحِبُّ ذِكْرَ كَثِيرٍ مِنْهَا تَخَوُّفًا مِنْ أَنْ لَا تَحْتَمِلَهَا قُلُوبُ ضُعَفَاءِ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَكْفِي مَنْ نَظَرَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَرُوِّينَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ هَؤُلَاءِ لِلْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَيَقُولَ لَهُمْ: وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﷺ وَالْأَمَةَ بَعْدَهُ سَمَّوْهُ كَلَامَ اللَّهِ، وَزَعَمْتُمْ أَنْتُمْ أَنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ؟ فَكَفَى بِهَذَا مُخَالَفَةً لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْأَمَةِ مِنْ بَعْدِهِ، أَوِ ائْتُوا فِيهِ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَلَنْ تَأْتُوا بِهِ أَبَدًا، وَكَيْفَ تَأْثُرُونَ الْكُفْرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُمْ؟ .
٣٢٥ - فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ يَحْتَجُّ بِتَفَاسِيرَ مَقْلُوبَةٍ، وَبِمَعَانٍ لَا أَصْلَ لَهَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ إِلَّا الْكُفْرَ يَقِينًا.
٣٢٦ - قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: دَعُوا هَذِهِ الْأُغْلُوطَاتِ الَّتِي نَحْنُ بِهَا أَعْلَمُ مِنْكُمْ، وَلَنْ يُنْزِلَكُمُ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي يُعْتَمَدُ فِيهَا عَلَى تَفْسِيرِكُمْ، أَوْ يُقْبَلُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ آرَائِكُمْ، وَقَدْ أَتَيْنَاكُمْ بِهِ مَنْصُوصًا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ وَعَنِ الْأُمَّةِ بِأَجْمَعِهَا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ حَقًّا، فَهَاتُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَنْصُوصًا أَنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ، وَإِلَّا فَأَنْتُمُ الْمُفَارِقُونَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، الْمُلْحِدُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، وَلَنْ تَأْتُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
⦗١٨١⦘
٣٢٧ - أَرَأَيْتُمْ قَوْلَكُمْ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَمَا بَدْءُ خَلْقِهِ؟ قَالَ اللَّهُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ كَلَامًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ بِلَا مُتَكَلِّمٍ بِهِ؟ فَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ كَلَامًا يَرَى وَيَسْمَعُ بِلَا مُتَكَلِّمٍ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَقُولُوا فِي دَعْوَاكُمْ: اللَّهُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ، فَأَضَفْتُمُوهُ إِلَى اللَّهِ، فَهَذَا أَجْوَرُ الْجَوْرِ وَأَكْذَبُ الْكَذِبِ، أَنْ تُضِيفُوا كَلَامَ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا كَانَ مُكَذِّبًا لَا شَكَّ فِيهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ كُفْرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، لَا يَحِقُّ لِمَخْلُوقٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَيَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] . وَ ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] . ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] . ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي، هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠] .
٣٢٨ - قَدْ عَلِمَ الْخَلْقُ إِلَّا مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ غَيْرُ الْخَالِقِ، بَلِ الْقَائِلِ بِهِ، وَالدَّاعِي إِلَى عِبَادَتِهِ غَيْرُ اللَّهِ كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] . وَالْمُجِيبُ لَهُ، وَالْمُؤْمِنُ بِدَعْوَاهُ أَكْفُرُ وَأَكْذَبُ.
٣٢٩ - وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ مَخْلُوقٌ، فَأَضَفْنَاهُ إِلَى اللَّهِ، لِأَنَّ ⦗١٨٢⦘ الْخَلْقَ كُلُّهُمْ بِصِفَاتِهِمْ وَكَلَامِهِمْ لِلَّهِ، فَهَذَا الْمُحَالُ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ مُحَالٌ، فَضْلًا عَلَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْسِبْ شَيْئًا مِنَ الْكَلَامِ كُلِّهُ إِلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ كَلَامُهُ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَمَا أَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ، فَإِنْ قَدْ تَمَّ كَلَامُكُمْ وَلَزِمْتُمُوهُ، لَزِمَكُمْ أَنْ تُسَمُّوا الشِّعْرَ وَجَمِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحَ وَكَلَامَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ كَلَامَ اللَّهِ، فَهَذَا مَا لَا يَخْتَلِفُ الْمُصَلُّونَ فِي بِطُولِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ، فَمَا فَضْلُ الْقُرْآنِ إِذًا عِنْدَكُمْ عَلَى الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالشِّعْرِ، إِذْ كَانَ كُلُّهُ فِي دَعْوَاكُمْ كَلَامَ اللَّهِ؟ فَكَيْفَ خَصَّ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَنَسَبَ كُلَّ كَلَامٍ سِوَاهُ إِلَى قَائِلِهِ؟ فَكَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالًا أَنْ يَدَّعُوا دَعْوَى لَا يَشُكُّ الْمُوَحِّدُونَ فِي بِطُولِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ.
٣٣٠ - وَمَا يَزِيدُ دَعْوَاكُمْ تَكْذِيبًا وَاسْتِحَالَةً، وَيَزِيدُ الْمُؤْمِنِينَ بِكَلَامِ اللَّهِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا، أَنَّ اللَّهَ قَدْ مَيَّزَ بَيْنَ مَنْ كَلَّمَ مِنْ رُسُلِهِ فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُكَلِّمْ، وَمَنْ يُكَلِّمُ مِنْ خَلْقِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُكَلِّمْ، فَقَالَ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهَ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . فَمَيَّزَ بَيْنَ مَنِ اخْتَصَّهُ بِكَلَامِهِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ، ثُمَّ سَمَّى مِمَّنْ كَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . فَلَوْ لَمْ يُكَلِّمْهُ نَفْسُهُ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلِ مَا ادَّعَيْتُمْ فَمَا فَضْلُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ تَكْلِيمِهِ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ؟ إِذْ كُلُّ الرُّسُلِ فِي تَكْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِثْلُ مُوسَى، وَكُلٌّ عِنْدَكُمْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ، فَهَذَا مُحَالٌ مِنَ الْحُجَجِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَدًّا لِكَلَامِ اللَّهِ وَتَكْذِيبًا لِكِتَابِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] إِلَّا وَأَنَّ حَالَتَيْهِمَا مُخْتَلِفَتَانِ فِي تَكْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ. فَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ تَحْقِيقَا قَوْلُهُ ⦗١٨٣⦘: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] . يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ قَوْمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَرْفِ كَلَامِهِ عَنْهُمْ إِلَّا وَأَنَّهُ مُثِيبٌ بِتَكْلِيمِهِ قَوْمًا آخَرِينَ.
٣٣١ - ثُمَّ قَدْ مَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَنْ يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ مَنْ لَا يُكَلِّمُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِّينَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: مَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَيْضًا بَيَانٌ بَيِّنٌ عَلَى نَفْسِ كَلَامِ اللَّهِ أَنَّهُ يُكَلِّمُ أَقْوَامًا وَلَا يُكَلِّمُ آخَرِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ كَانَ الْمُثَابُ بِكَلَامِ اللَّهِ وَالْمُعَاقَبُ بِهِ الْمَصْرُوفُ عَنْهُ سَوَاءً عِنْدَكُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَنَبِيًّا كَانَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مُكَلَّمًا» . فَهَذَا يُنَبِّئُكَ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ، لَا كَلَامَ مَنْ سِوَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُكَلَّمًا بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ فَضِيلَةٍ لِآدَمَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ عَامَّةَ الْخَلْقِ يُكَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَهُمْ مُكَلَّمُونَ، فَمَا فَضْلُ آدَمَ هَذَا عِنْدَكُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؟ وَقَدْ قَالَ ﵎: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]
стр. 182
بَابُ الِاحْتِجَاجِ لِلْقُرْآنِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
٣٣٢ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ زَعِيمِ هَؤُلَاءِ الْأَكْبَرِ، وَإِمَامِهِمُ الْأَكْفَرِ، الَّذِي ادَّعَى أَوَّلًا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ الْوَحِيدُ، وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الْكَافِرِ دَعْوَاهُ فِيهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ، وَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَوَعَدَهُ النَّارَ إِنِ ادَّعَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَوْلَ الْبَشَرِ.
٣٣٣ - وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ: هُوَ مَخْلُوقٌ، وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَبِئْسَ التَّابِعُ، وَبِئْسَ الْمَتْبُوعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] . يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ الْبَشَرِ كَمَا ادَّعَى الْوَلِيدُ، وَلَكِنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ .
стр. 183
٣٣٤ - فَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٢] قَالَ: ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْمَالُ الْمَمْدُودُ: أَلْفُ دِينَارٍ، وَالْبَنِينَ الشُّهُودُ: عَشْرَةُ بَنِينَ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلِ النُّقْصَانُ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ حَتَّى مَاتَ
⦗١٨٥⦘
٣٣٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَذَلِكَ صَارَ لِأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ تَلَقَّفُوا مِنْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ خِزْيٌ وَتَبَابٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ.
٣٣٦ - وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣] . تَثْبِيتًا أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ أَبَدًا، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] .
٣٣٧ - فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّ الْقُرْآنَ خَرَجَ مِنَ الْخَالِقِ لَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ لَا كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَوْ كَانَ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ مِنْهُمْ لَقَدِرَ الْمَخْلُوقُ الْآخَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ مَخْلُوقٌ بِحَقٍّ وَبَاطِلٍ مِنَ الشِّعْرِ أَوِ الْخُطَبِ أَوِ الْمَوَاعِظِ أَوْ مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ نُظَرَاؤُهُ مِمَّنْ هُمْ فِي عَصْرِهِ أَوْ مِنْ بَعْدِهِ، فَهَذَا قَدْ ثَبَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ ⦗١٨٦⦘ رَسُولُهُ، لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُنْذُ مِائَتَيْ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَلَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ إِلَى خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ، فَكَيْفَ يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿لَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] ، وَ ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
٣٣٨ - وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ: «فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ»
стр. 184
٣٣٩ - حَدَّثَنَا بِهِ شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ الْكُوفِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ»
стр. 185
٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْبَصْرِيُّ، ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ الرَّحْمَنِ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ»
стр. 186
٣٤١ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، ثنا الْجَرَّاحُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَهَذَا الَّذِي أَجْلَسَنِي هَذَا الْمَجْلِسَ، وَفَضَلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ الْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ
⦗١٨٨⦘
٣٤٢ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي فَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ يُسْتَدْرَكُ، وَلَا يُسْتَدْرَكُ فَضْلُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَلَا يُحْصِيهِ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ كَلَامِهِ عَلَى كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَوْ كَانَ كَلَامًا مَخْلُوقًا لَمْ يَكُنْ فَضْلُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَلَا كَعُشْرِ عُشْرِ جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ جُزْءٍ وَلَا قَرِيبًا وَلَا قَرِيبًا، فَافْهَمُوهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَلَيْسَ كَكَلَامِهِ كَلَامٌ، وَلَنْ يُؤْتَى بِمِثْلِهِ أَبَدًا
стр. 187
٣٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ﵄ قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى ⦗١٨٩⦘ يَرْجِعَ الْقُرْآنُ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ، لَهُ دَوِيُّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ مِنْكَ خَرَجْتُ وَإِلَيْكَ أَعُودُ، أُتْلَى وَلَا يُعْمَلُ بِي، أُتْلَى وَلَا يُعْمَلُ بِي
стр. 188
٣٤٤ - سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ، يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ دُونَهُمْ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: «اللَّهُ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، مِنْهُ خَرَجَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ»
стр. 189
٣٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، ثنا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، ثنا مَعْبَدٌ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ وَهُوَ ابْنٌ رَاشِدٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: «لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا ⦗١٩٠⦘ مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ»
стр. 190
٣٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الطُّوسِيُّ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَكَانَ ثِقَةً قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَضَاءٍ مَوْلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ بِالْمَصِيصَةِ، وَسَأَلَهُ رِجَالٌ عَنِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «هُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»
стр. 191
٣٤٧ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَضَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ بَقِيَّةَ بْنَ الْوَلِيدِ، يَقُولُ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»
стр. 192
٣٤٨ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمَضَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ يُونُسَ، يَقُولُ: " الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
стр. 193
٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمَضَاءِ، قَالَ ⦗١٩١⦘: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ الْجَزَرِيَّ، يَقُولُ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»
стр. 194
٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمَضَاءِ، ثنا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ، يَقُولُ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ» قَالَ هِشَامٌ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ الْمُعَافَى. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ هِشَامٌ , قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا خَمْسِينَ مَرَّةً. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا سَبْعِينَ مَرَّةً. قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا. قَالَ الْأَزْدِيُّ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا عَدَدَ أَيَّامِ الدَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَبِهِ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . قَالَ أَبُو رَوْحٍ: وَأَنَا أَقُولُ بِعَدَدِ مَنْ يُبْصِرُ وَمَنْ لَا يُبْصِرُ. وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأَنَا أَقُولُ بِعَدَدِ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ
٣٥١ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورٍ، يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ حِدْثَانَ مَا اسْتُخْلِفَ جَعْفَرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ بِوَجْهِهِ هَكَذَا، كَأَنَّهُ أَعْرَضَ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: «نَعَمْ»
стр. 195
٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ مِصْرَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْقُرْآنُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ»
٣٥٣ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَهَذَا يُنْبِئُكَ أَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ كَلَامًا إِلَّا عَلَى لِسَانِ مَخْلُوقٍ، فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلُونَ، كَانَ إِذًا مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالْحِكَايَاتِ وَالشَّوَاهِدِ وَالدَّلِائِلِ قَدْ جَاءَتْ وَأَكْثَرُ مِنْهَا فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ إِحَاطَةُ عِلْمِ الْعُلَمَاءِ وَعُقَولِ الْعُقَلَاءِ بِأَنَّ كَلَامَ الْخَالِقِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا أَبَدًا، إِذَا كَانَ فِي دَعْوَاهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْكَلَامَ مَنْقُوصًا مُضْطَرًا إِلَى الْكَلَامِ، حَتَّى خَلَقَهُ وَكَمُلَتْ رُبُوبِيَّتُهُ وَتَمَّتْ وَحْدَانِيَّتُهُ بِمَخْلُوقٍ فِي دَعْوَاهُمْ
стр. 196
بَابُ الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْوَاقِفَةِ
٣٥٤ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: ثُمَّ إِنَّ نَاسًا مِمَّنْ كَتَبُوا الْعِلْمَ بِزَعْمِهِمْ وَادَّعَوْا مَعْرِفَتَهُ وَقَفُوا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالُوا: لَا نَقُولُ مَخْلُوقٌ هُوَ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَعَ وُقُوفِهِمْ هَذَا لَمْ يَرْضَوْا حَتَّى ادَّعَوْا أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ إِلَى الْبِدْعَةِ مَنْ خَالَفَهُمْ وَقَالَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
٣٥٥ - فَقُلْنَا لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: مُبْتَدِعٌ، فَظُلْمٌ وَحَيْفٌ فِي دَعْوَاكُمْ حَتَّى تَفْهَمُوا الْأَمْرَ وَتَعْقِلُوهُ، لِأَنَّكُمْ جَهِلْتُمْ أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ أَصَابُوا السُّنَّةَ وَالْحَقَّ، فَيَكُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ مُبْتَدِعَةً عِنْدَكُمْ، وَالْبِدْعَةُ أَمْرُهَا شَدِيدٌ، وَالْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا سَيِّءُ الْحَالِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا تَعْجَلُوا بِالْبِدْعَةِ حَتَّى تَسْتَيْقِنُوا وَتَعْلَمُوا أَحَقًّا قَالَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ أَمْ بَاطِلًا؟ وَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَ أَنْ تَنْسِبُوا إِلَى الْبِدْعَةِ أَقْوَامًا فِي قَوْلٍ قَالُوهُ، وَلَا تَدْرُونَ أَنَّهُمْ أَصَابُوا الْحَقَّ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ أَمْ أَخْطَؤُوهُ، وَلَا يُمْكِنُكُمْ فِي مَذْهَبِكُمْ أَنْ تَقُولُوا لِوَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ: لَمْ تُصِبِ الْحَقَّ بِقَوْلِكَ، وَلَيْسَ كَمَا قُلْتَ فَمَنْ أَسْفَهُ فِي مَذْهَبِهِ وَأَجْهَلُ مِمَّنْ يَنْسِبُ إِلَى الْبِدْعَةِ أَقْوَامًا يَقُولُ: لَا نَدْرِي أَهُوَ كَمَا قَالُوا أَمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا يَأْمَنُ فِي مَذْهَبِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ أَصَابُوا الْحَقَّ وَالسُّنَّةَ، فَسَمَّاهُمْ مُبْتَدِعَةً، وَلَا يَأْمَنُ فِي دَعْوَاهُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ بَاطِلًا وَالسُّنَّةُ بِدْعَةً؟ هَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ وَجَهْلٌ غَيْرُ صَغِيرٍ.
⦗١٩٤⦘
٣٥٦ - وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لَا نَدْرِي مَخْلُوقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْكُمْ قِلَّةَ عِلْمٍ بِهِ وَفَهْمٍ فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِيهِ النَّظَرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيُحْتَمَلُ بِالْعُقُولِ، وَجَدْنَا الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا شَيْئَيْنِ: الْخَالِقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَالْمَخْلُوقِينَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِمْ، فَالْخَالِقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْمَخْلُوقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ مَخْلُوقٌ، فَانْظُرُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكُمْ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَشُكُّوا فِي الْمَخْلُوقِينَ وَفِي كَلَامِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُلُّهَا لَا شَكَّ فِيهَا، فَيَلْزَمُكُمْ فِي دَعْوَاكُمْ حِينَئِذٍ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ، فَلْتَسْتَرِيحُوا مِنَ الْقَالِ وَالْقِيلِ فِيهِ، وَتُغَيِّرُوا عَنْ ضَمَائِرِكُمْ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَكُمْ هُوَ صِفَةَ الْخَالِقِ وَكَلَامِهِ حَقًّا وَمِنْهُ خَرَجَ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُصَلٍّ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَشُكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، هَذَا وَاضِحٌ لَا لَبْسَ فِيهِ إِلَّا عَلَى مَنْ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمْثَالُكُمْ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: هُوَ مَخْلُوقٌ إِلَّا يَسِيرٌ، يَزْعُمُ أُولَئِكَ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتُمْ أَنْتُمْ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا تَدْرُونَ مَخْلُوقٌ هُوَ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَإِذَا لَمْ تَدْرُوا لَمْ تَأْمَنُوا فِي مَذْهَبِكُمْ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا: مَخْلُوقٌ، قَدْ أَصَابُوا مِنْ قَوْلِكُمْ، فَكَيْفَ تَنْسِبُونَهُمْ إِلَى الْبِدْعَةِ وَأَنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ؟ فَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْسِبَ رَجُلًا إِلَى بِدْعَةٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ وَفِعْلَهُ بَاطِلٌ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ فَرْقَ مَا بَيْنَكُمْ يَسِيرٌ، لِأَنَّ أُولَئِكَ ادَّعَوْا أَنَّهُ ⦗١٩٥⦘ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتُمْ أَنْتُمْ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدِ ابْتَدَعَ وَضَلَّ فِي دَعْوَاكُمْ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مُبْتَدِعًا عِنْدَكُمْ، لَا تَشُكُّونَ فِيهِ أَنَّهُ لَمَخْلُوقٌ حَقًّا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنْ تَسْتَتِرُونَ مِنَ الِافْتِضَاحِ بِهِ مَخَافَةَ التَّشْنِيعِ، وَجَعَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ جُنَّةً وَدَلَسَةً لِلْجَهْمِيَّةِ عِنْدَ النَّاسِ، تُصَوِّبُونَ آرَاءَهُمْ وَتُحَسِّنُونَ أَمْرَهُمْ وَتَنْسِبُونَ إِلَى الْبِدْعَةِ مَنْ خَالَفَهُمْ.
٣٥٧ - وَالْحُجَّةُ عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ أَيْضًا جَمِيعُ مَا احْتَجَجْنَا بِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي تَحْقِيقِ كَلَامِ اللَّهِ وَمَا رَوَيْنَا فِيهِ مِنْ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَنْ بَعْدَهُ أَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهِيَ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ عَلَيْهِمْ كَمَا تَدْخُلُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَصَدَّقَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] . فَأَيْقَنَ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ حَقًّا كَمَا سَمَّاهُ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، لَزِمَهُ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يَجْعَلْ كَلَامًا مَخْلُوقًا لِنَفْسِهِ صِفَةً وَكَلَامًا، وَلَمْ يُضِفْ إِلَى نَفْسِهِ كَلَامَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَلَا يُقَاسُ كَلَامُ اللَّهِ بِبَيْتِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَخَلْقِ اللَّهِ وَرَوْحِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَكَلَامُهُ صِفَتُهُ وَمِنْهُ خَرَجَ، فَلَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ كَلَامُ مَخْلُوقٍ إِلَى اللَّهِ فَيَكُونَ لِلَّهِ كَلَامًا وَصِفَةً، كَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ بَيْتُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ لَجَازَ أَنْ نَقُولَ: كُلُّ مَا يُتَكَلَّمُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ أَوْ شِعْرٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ نَوْحٍ كَلَامُ اللَّهِ، فَمَا فَضْلُ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْقِيَاسِ عَلَى ⦗١٩٦⦘ سَائِرِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ إِنْ كَانَ كُلُّهُ يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ، وَيُقَامُ لِلَّهِ صِفَةً وَكَلَامًا فِي دَعْوَاكُمْ؟ فَهَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ، مَعَ أَنَّا قَدْ كُفِينَا مُؤْنَةَ النَّظَرِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْبَيَانِ، وَفِي الْأَثَرِ مِنَ الْبُرْهَانِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
٣٥٨ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: احْتَجَجْنَا بِهَذِهِ الْحُجَجِ وَمَا أَشْبَهَهَا عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْوَاقِفَةِ، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ احْتِجَاجِهِمْ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ أَنْ قَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنْ مَشْيَخَةِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ عَرَفْنَاهُمْ عَنْ قِلَّةِ الْبَصَرِ بِمَذَاهِبِ الْجَهْمِيَّةِ سُئِلُوا عَنِ الْقُرْآنِ، فَقَالُوا: لَا نَقُولُ فِيهِ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمْسَكُوا عَنْهُ إِذْ لَمْ يَتَوَجَّهُوا لِمُرَادِ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أُغْلُوطَةً وَقَعَتْ فِي مَسَامِعِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوا تَأْوِيلَهَا، وَلَمْ يُبْتَلُوا بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَفُّوا عَنِ الْجَوَّابِ فِيهِ وَأَمْسَكُوا. فَحِينَ وَقَعَتْ فِي مَسَامِعِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ بِهِمْ وَبِكَلَامِهِمْ وَمُرَادِهِمْ مِمَّنْ جَالَسُوهُمْ وَنَاظَرُوهُمْ وَسَمِعُوا قُبْحَ كَلَامِهِمْ، مِثْلُ مَنْ سَمَّيْنَا، مِثْلُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَالْقَاسِمِ الْجَزَرِيِّ، وَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ بِكَلَامِ الْجَهْمِيَّةِ، لَمْ يَشُكُّوا أَنَّهَا كَلِمَةُ كُفْرٍ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ إِذْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى الْوَحِيدِ قَوْلَهُ: إِنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ وَأَصْلَاهُ عَلَيْهِ سَقَرَ، فَصَرَّحُوا بِهِ عَلَى عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْحُجَّةُ بِالْعَارِفِ بِالشَّيْءِ، لَا بِالْغَافِلِ عَنْهُ الْقَلِيلِ الْبَصَرِ بِهِ، فَتَعَلَّقَ هَؤُلَاءِ فِيهِ بِإِمْسَاكِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِ مَنِ اسْتَنْبَطَهُ وَعَرَفَ أَصْلَهُ ⦗١٩٧⦘، فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنْ يَكُ جَبُنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ احْتَجَجْتُمْ بِهِمْ مِنْ قِلَّةِ بَصَرٍ، فَقَدِ اجْتَرَأَ هَؤُلَاءِ، وَصَرَّحُوا بِبَصَرٍ، وَكَانُوا مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْبَصَرِ بِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ حَتَّى أَكْفَرُوا مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، غَيْرُ شَاكِّينَ فِي كُفْرِهِمْ وَلَا مُرْتَابِينَ فِيهِمْ
стр. 197
بَابُ الِاحْتِجَاجِ فِي إِكْفَارِ الْجَهْمِيَّةِ
٣٥٩ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: نَاظَرَنِي رَجُلٌ بِبَغْدَادَ مُنَافِحًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ، فَقَالَ لِي: بِأَيَّةِ حُجَّةٍ تُكَفِّرُونَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إِكْفَارِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؟ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ تُكَفِّرُونَهُمْ أَمْ بِأَثَرٍ أَمْ بِإِجْمَاعٍ؟ فَقُلْتُ: مَا الْجَهْمِيَّةُ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَمَا نُكَفِّرُهُمْ إِلَّا بِكِتَابٍ مَسْطُورٍ وَأَثَرٍ مَأْثُورٍ وَكُفْرٍ مَشْهُورٍ.
٣٦٠ - أَمَّا الْكِتَابُ فَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ، عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِالْقُرْآنِ، فَكَانَ مِنْ أَشَدِّ مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنَ التَّكْذِيبِ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مَخْلُوقٌ، كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ سَوَاءً. قَالَ الْوَحِيدُ، وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . وَهَذَا قَوْلُ جَهْمٍ: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤] . ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . وَ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] . مَعْنَاهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَمَعْنَى جَهْمٍ فِي قَوْلِهِ يَرْجِعَانِ إِلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فِيهِ مِنَ الْبَوْنِ كَغَرْزِ إِبْرَةٍ وَلَا كَقَيْسِ شَعْرَةٍ، فَبِهَذَا نُكَفِّرُهُمْ كَمَا أَكْفَرَ اللَّهُ بِهِ أَئِمَّتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ⦗١٩٩⦘[المدثر: ٢٦] . إِذْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . لِأَنَّ كُلَّ إِفْكٍ وَتَقُوُّلٍ وَسِحْرٍ وَاخْتِلَاقٍ وَقَوْلِ الْبَشَرِ، كُلُّهُ لَا شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَاتَّفَقَ مِنَ الْكُفْرِ بَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْمُرَادُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَهَذَا الْكِتَابُ النَّاطِقُ فِي إِكْفَارِهِمْ
стр. 198
٣٦١ - وَأَمَّا الْأَثَرُ فِيهِ فَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَحَرَّقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلَمَا حَرَّقْتُهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» زَادَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: فَبَلَغَ عَلِيًّا مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ، إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ
⦗٢٠٠⦘
٣٦٢ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَرَأَيْنَا هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ أَفْحَشَ زَنْدَقَةً وَأَظْهَرَ كُفْرًا وَأَقْبَحَ تَأْوِيلًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَرَدِّ صِفَاتِهِ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيُّ ﵇ وَحَرَّقَهُمْ.
٣٦٣ - فَمَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَتْلِ الزَّنَادِقَةِ، لِأَنَّهَا كُفْرٌ عِنْدَهُمَا، وَأَنَّهُمْ عِنْدَهُمَا مِمَّنْ بَدَّلَ دِينَ اللَّهِ، وَتَأَوَّلَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى رَجُلٍ قَتْلٌ فِي قَوْلٍ يَقُولُهُ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ ذَلِكَ كُفْرًا، لَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ الْكُفْرِ قَتْلٌ إِلَّا عُقُوبَةٌ فَقَطْ، فَذَاكَ الْكِتَابُ فِي إِكْفَارِهِمْ، وَهَذَا الْأَثَرُ.
٣٦٤ - وَنُكَفِّرُهُمْ أَيْضًا بِكُفْرٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِنَصِّ الْكِتَابِ، أَخْبَرَ اللَّهُ ﵎ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ، وَادَّعَتِ الْجَهْمِيَّةُ أَنَّهُ خَلَقَهُ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ ﵎ أَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مُوسَى نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعَ كَلَامًا خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ مَخْلُوقٍ، فَفِي دَعْوَاهُمْ دَعَا مَخْلُوقٌ مُوسَى ⦗٢٠١⦘ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] . فَقَالَ لَهُ مُوسَى فِي دَعْوَاهُمْ: صَدَقْتَ، ثُمَّ أَتَى فِرْعَوْنَ يَدْعُوهُ أَنْ يُجِيبَ إِلَى رُبُوبِيَّةِ مَخْلُوقٍ كَمَا أَجَابَ مُوسَى فِي دَعْوَاهُمْ، فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ فِي مَذْهَبِهِمْ فِي الْكُفْرِ، إِذًا فَأَيُّ كُفْرٍ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا.
٣٦٥ - وَقَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وَقَالَ هَؤُلَاءِ: مَا قَالَ لشَيْءٍ قَطُّ قَوْلًا وَكَلَامًا: كُنْ فَكَانَ، وَلَا يَقُولُهُ أَبَدًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ كَلَامٌ قَطُّ، وَلَا يَخْرُجُ، وَلَا هُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ فِي دَعْوَاهُمْ، فَالصَّنَمُ فِي دَعْوَاهُمْ وَالرَّحْمَنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْكَلَامِ، فَأَيُّ كُفْرٍ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا.
٣٦٦ - وَقَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] . وَ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . وَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] . وَقَالَ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] . قَالَ هَؤُلَاءِ: لَيْسَ لِلَّهِ يَدٌ، وَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ، إِنَّمَا يَدَاهُ نِعْمَتَاهُ وَرِزْقَاهُ. فَادَّعَوْا فِي يَدَيِ اللَّهِ أَوْحَشَ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْيَهُودُ ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: يَدُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ، لِأَنَّ النِّعَمَ وَالْأَرْزَاقَ مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا، وَذَاكَ مُحَالٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: خَلَقَ آدَمَ بِنِعْمَتِهِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] : بِنِعْمَتِكَ الْخَيْرُ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ نَفْسَهُ هُوَ النِّعَمُ نَفْسُهَا، وَمُسْتَحِيلٌ أَنْ يُقَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] : نِعْمَةُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ⦗٢٠٢⦘، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا الْيَدَ مَعَ ذِكْرِ الْأَيْدِي فِي الْمُبَايَعَةِ بِالْأَيْدِي، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] . وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] : نِعْمَتَاهُ، فَكَأَنَّ لَيْسَ لَهُ إِلَّا نِعْمَتَانِ مَبْسُوطَتَانِ، لَا تُحْصَى نِعَمُهُ، وَلَا تُسْتَدْرَكُ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مُحَالٌ مِنَ الْكَلَامِ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ كُفْرًا.
٣٦٧ - وَنُكَفِّرُهُمْ أَيْضًا بِالْمَشْهُورِ مِنْ كُفْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ ﵎ وَجْهًا وَلَا سَمْعًا وَلَا بَصَرًا وَلَا عِلْمًا وَلَا كَلَامًا وَلَا صِفَةً إِلَّا بِتَأْوِيلِ ضُلَّالٍ، افْتُضِحُوا وَتَبَيَّنَتْ عَوْرَاتُهُمْ، يَقُولُونَ: سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَعِلْمُهُ وَكَلَامُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ بَيْتٍ مُغْلَقٍ، وَصُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ، قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ فِي دَعْوَاهُمْ حِيطَانُهُمْ وَأَغْلَاقُهَا وَأَقْفَالُهَا، فَإِلَى اللَّهِ نَبْرَأُ مِنْ إِلَهٍ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبٌ وَاضِحٌ فِي إِكْفَارِهِمْ.
٣٦٨ - وَنُكَفِّرُهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ اللَّهُ، وَلَا يَصِفُونَهُ بِأَيْنَ، وَاللَّهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَيْنَ، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] . وَ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] . وَ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] . ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] . وَنَحْوُ هَذَا، فَهَذَا كُلُّهُ وَصْفٌ بِأَيْنَ، وَوَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَيْنَ، فَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» فَقَالَتْ: فِي ⦗٢٠٣⦘ السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» ، وَالْجَهْمِيَّةُ تَكْفُرُ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ وَاضِحِ كُفْرِهِمْ، وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِالرَّدِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أَوْ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنْ يُكَابِرُونَ وَيُغَالِطُونَ الضُّعَفَاءَ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُجَّةٍ أَنْقَضُ لِدَعْوَاهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ إِلَى رَفْعِ الْأَصْلِ سَبِيلًا مَخَافَةَ الْقَتْلِ وَالْفَضِيحَةِ، وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ نَفْسَهُ جَاحِدُونَ. قَدْ نَاظَرْنَا بَعْضَ كُبَرَائِهِمْ، وَسَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْصُوصًا مُفَسَّرًا.
٣٦٩ - وَيَقْصِدُونَ أَيْضًا بِعِبَادَتِهِمْ إِلَى إِلَهٍ تَحْتَ الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَعَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا، وَدُونَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، وَإِلَهُ الْمُصَلِّينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ إِلَيْهِ بِعِبَادَتِهِمُ: الرَّحْمَنُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، وَعَلَى عَرْشِهِ الْعَظِيمِ اسْتَوَى، وَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى، فَأَيُّ كُفْرٍ أَوْضَحُ مِمَّا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ مِنْ سُوءِ مَذَاهِبِهِمْ، مَا زَادَ مَانِي وَشَمْعَلَةُ الزِّنْدِيقَانِ
٣٧٠ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقَالَ لِيَ الْمُنَاظِرُ الَّذِي نَاظَرَنِي: أَرَدْتُ إِرَادَةً مَنْصُوصَةً فِي إِكْفَارِ الْجَهْمِيَّةِ بِاسْمِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي رُوِّيتَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الزَّنَادِقَةِ فَقُلْتُ: الزَّنَادِقَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ، وَيَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَمُرَادٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ قَوْمٌ أَشْبَهُ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُشَبَّهُ كُلُّ صِنْفٍ وَجِنْسٍ بِجِنْسِهِمْ وَصِنْفِهِمْ، فَقَدْ كَانَ يَنْزِلُ بَعْضُ الْقُرْآنِ خَاصًّا فِي شَيْءٍ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي مِثْلِهِ، وَمَا ⦗٢٠٤⦘ أَشْبَهَهُ، فَلَمْ يَظْهَرْ جَهْمٌ وَأَصْحَابُ جَهْمٍ فِي زَمَنِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ فَيُرْوَى عَنْهُمْ فِيهَا أَثَرٌ مَنْصُوصٌ مُسَمًّى، وَلَوْ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُظْهِرِينَ آرَاءَهُمْ لَقُتِلُوا كَمَا قَتَلَ عَلِيٌّ ﵁ الزَّنَادِقَةَ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي عَصْرِهِ، وَلَقُتِلُوا كَمَا قُتِلَ أَهْلُ الرِّدَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ أَظْهَرَ بَعْضَ رَأْيِهِ فِي زَمَنِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، فَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، فَذَبَحَهُ خَالِدٌ بِوَاسِطَ يَوْمَ الْأَضْحَى عَلَى رُءُوسِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَعِبْهُ بِهِ عَائِبٌ، وَلَمْ يَطْعَنْ عَلَيْهِ طَاعِنٌ، بَلِ اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَصَوَّبُوهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ هَؤُلَاءِ فِي زَمَنِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ مَا كَانَ سَبِيلُهُمْ عِنْدَ الْقَوْمِ إِلَّا الْقَتْلَ، كَسَبِيلِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ، وَكَمَا قَتَلَ عَلِيُّ ﵁ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ فِي عَصْرِهِ وَأَحْرَقَهُ، وَظَهَرَ بَعْضُهُمْ بِالْمَدِينَةِ فِي عَهْدِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁، فَأَشَارُوا عَلَى وَالِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ بِقَتْلِهِ.
٣٧١ - وَيَكْفِي الْعَاقِلَ مِنَ الْحُجَجِ فِي إِكْفَارِهِمْ مَا تَأَوَّلْنَا فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَرُوِّينَا فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَمَا فَسَّرْنَا مِنْ وَاضِحِ كُفْرِهِمْ، وَفُحْشِ مَذَاهِبِهِمْ شَيْئًا شَيْئًا، فَأَمَّا إِذْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا إِلَّا الْمَنْصُوصَ فِيهِمُ، الْمَقْصُودَ بِهَا إِلَيْهِمْ بِجِلَاهُمْ وَأَسْمَائِهِمْ، فَسَنَرْوِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مَنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ
стр. 199
٣٧٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ السِّجِسْتَانِيُّ أَبُو سَهْلٍ، وَكَانَ ⦗٢٠٥⦘ مِنْ أَوْثَقِ أَهْلِ سِجِسْتَانَ وَأَصْدَقِهِمْ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْبَابِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: «الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ»
стр. 200
٣٧٣ - وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ، يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا مَعَهُ، فِي سُوقِ الْبَصْرَةِ عَنْ بِشْرٍ الْمُرَيِّسِيِّ، فَقَالَ: «ذَاكَ كَافِرٌ»
стр. 201
٣٧٤ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَبَلَغَنِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَنَّهُ قَالَ: " الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ، وَقَالَ: حَرَّضْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَهْلَ بَغْدَادَ عَلَى قَتْلِ الْمُرَيِّسِيِّ "
стр. 202
٣٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: " مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ "
стр. 203
٣٧٦ - سَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا، «يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ»
стр. 204
٣٧٧ - وَحُدِّثْتُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ "
стр. 205
٣٧٨ - وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى، يَقُولُ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، مَنْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ»
стр. 206
٣٧٩ - وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ، «يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ»
٣٨٠ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ، وَأَنْزَلَاهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاسْتَحَقُّوا الْقَتْلَ بِتَبْدِيلِهِ
стр. 207
٣٨١ - حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْعَلَّافُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ هُوَ وَمَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ خَيْرًا قَالَ: لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْمِحْنَةِ، فَأُخْرِجَ النَّفْرُ إِلَى الْمَأْمُونِ فَامْتُحِنُوا وَرُدُّوا، لَقِيتُ أَعْرَابِيًّا، فَقَالَ لِي: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَجَبًا؟ قُلْتُ: مَا ذَاكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ نَفَرًا ثَلَاثِينَ أَوْ أَكْثَرَ جِيءَ بِهِمْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا بُطُونُهُمْ مُشَقَّقَةٌ، لَيْسَ فِي أَجْوَافِهِمْ شَيْءٌ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْقُرْآنِ. وَالْأَعْرَابِيُّ لَا يَدْرِي مَا الْمِحْنَةُ، وَمَا سَبَبُهُمْ
стр. 208
٣٨٢ - حَدَّثَنَا الزَّهْرَانِيُّ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ رَجُلٌ، وَكَانَ الَّذِي يُظْهِرُ مِنْ رَأْيِهِ التَّرَفُّضَ وَانْتِحَالَ حُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ يُخَالِطُهُ وَيَعْرِفُ مَذْهَبَهُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ لَا تَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَا تَعْتَقِدُونَهُ، فَمَا الَّذِي ⦗٢٠٧⦘ حَمَلَكُمْ عَلَى التَّرَفُّضِ وَانْتِحَالِ حُبِّ عَلِيٍّ؟ قَالَ: إِذًا أَصْدُقُكَ أَنَا، إِنْ أَظْهَرْنَا رَأْيَنَا الَّذِي نَعْتَقِدُهُ رُمِينَا بِالْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَقَدْ وَجَدْنَا أَقْوَامًا يَنْتَحِلُونَ حُبَّ عَلِيٍّ وَيُظْهِرُونَهُ ثُمَّ يَقَعُونَ بِمَنْ شَاءُوا، وَيَعْتَقِدُونَ مَا شَاءُوا، وَيَقُولُونَ مَا شَاءُوا، فَنُسِبُوا إِلَى التَّرَفُّضِ وَالتَّشَيُّعِ، فَلَمْ نَرَ لِمَذْهَبِنَا أَمْرًا أَلْطَفَ مِنَ انْتِحَالِ حُبِّ هَذَا الرَّجُلِ، ثُمَّ نَقُولُ مَا شِئْنَا، وَنَعْتَقِدُ مَا شِئْنَا، وَنَقَعُ بِمَنْ شِئْنَا، فَلَأَنْ يُقَالَ لَنَا: رَافِضَةٌ أَوْ شِيعَةٌ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ يُقَالَ: زَنَادِقَةٌ كُفَّارٌ، وَمَا عَلِيُّ عِنْدَنَا أَحْسَنَ حَالًا مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ نَقَعُ بِهِمْ
٣٨٣ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: وَصَدَقَ هَذَا الرَّجُلُ فِيمَا عَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يُرَاوِغْ، وَقَدِ اسْتَبَانَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ كُبَرَائِهِمْ وَبُصَرَائِهِمْ، أَنَّهُمْ يَسْتَتِرُونَ بِالتَّشَيُّعِ، يَجْعَلُونَهُ تَثْبِيتًا لِكَلَامِهِمْ وَخَبْطِهِمْ، وَسُلَّمًا وَذَرِيعَةً لِاصْطِيَادِ الضُّعَفَاءِ وَأَهْلِ الْغَفْلَةِ، ثُمَّ يَبْذُرُونَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ خَبْطِهِمْ بَذْرَ كُفْرِهِمْ وَزَنْدَقَتِهِمْ لِيَكُونَ أَنْجَعَ فِي قُلُوبِ الْجُهَّالِ وَأَبْلَغَ فِيهِمْ، وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَهْلِ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ، إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ لَعَلَى يَقِينٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
стр. 209
بَابُ قَتْلِ الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَاسْتِتَابَتِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ
стр. 210
٣٨٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عَلِيًّا، ﵁ قَتَلَ زَنَادِقَةً ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
стр. 211
٣٨٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوُ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمَا حَرَّقْتُهُمْ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَقَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَزَادَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ: فَبَلَغَ عَلِيًّا مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ، إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ
⦗٢٠٩⦘
٣٨٦ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَالْجَهْمِيَّةُ عِنْدَنَا زَنَادِقَةٌ مِنْ أَخْبَثِ الزَّنَادِقَةِ، نَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا مِنْ كُفْرِهِمْ، فَإِنْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ تُرِكُوا، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوهَا تُرِكُوا، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ شُهُودٌ فَأَنْكَرُوا وَلَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا، كَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ سَنَّ فِي الزَّنَادِقَةِ
стр. 212
حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَ هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَأَنْكَرُوا، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ فَقَتَلَهُمْ، وَقَالَ: " هَذَا قَدِ اسْتَتَبْتُهُ فَاعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ
стр. 213
٣٨٧ - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِوَاسِطٍ يَوْمَ الْأَضْحَى، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ
стр. 214
٣٨٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَكْفُوفُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، ثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: أُتِيَ ⦗٢١٠⦘ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِرَجُلٍ قَدْ عَارَضَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٢] . وَقُلْتُ أَنَا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَجَاهِرْ، وَلَا تُطِعْ كُلَّ سَافِهٍ وَكَافِرٍ. فَضَرَبَ خَالِدٌ عُنُقَهُ وَصَلَبَهُ، فَمَرَّ بِهِ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ وَهُوَ مَصْلُوبٌ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى خَشَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْعَمُودَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُودٍ، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لَا تَعُودَ
стр. 215
٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: مَا تَقُولُ فِي الزَّنَادِقَةِ، تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ عَلَيْنَا وَالٍ بِالْمَدِينَةِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهْدِيَنَّكَ؛ فَإِنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤] قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] . قَالَ: السَّيْفُ، فَقَالَ: سُنَّتُهُ الْقَتْلُ
следующие страницы →