وجعلها دارَ خلودٍ لأعدائِه الكافرين، وقد تقدم ذِكر الأدلة على ذلك قريبًا؛ كقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (٢٤)﴾ [البقرة]، ومن الأدلة على دوامهما قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] في عدد من الآيات، وقوله في أهل النار في عدد من الآيات: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩].
وقد اتفقَ أهلُ السُّنةِ على أنَّ الجنةَ والنار موجودَتان مخلوقتان، لا تفنَيان أبدًا ولا تبيدان، وذهب الجهمُ بن صفوان ومَن تبعه إلى القول بفناء الجنةِ والنارِ؛ لأنَّ من الممتنع عنده دوامُ المخلوقات في الماضي، والمستقبل (١). أمَّا الجنةُ فقد أجمعَ أهلُ السنَّةِ على دوامِها وبقائها، وأمَّا النارُ فمنهم مَنْ يَحكي الإجماعَ (٢)، ومنهم مَنْ يحكي بعضَ الخلافِ في دوامِ النار، وجمهورُ أهلِ العلمِ والسَّلفِ على أنَّ النارَ دائمةٌ لا تفنى
стр. 142
- نعوذ بالله من النار -، ويشهد لما قال المؤلف قولُ ابن أبي زَمَنين (١) في كتابه «أصول السنة»؛ قال: «باب في الإيمان بأنَّ الجنة والنار لا يفنيان
قال محمد (٢): وأهل السنة يؤمنون بأنَّ الجنة والنار لا يفنيان ولا يموت أهلُوها» (٣).
وقد عرضَ ابنُ القيم في كتابَيْه «حادي الأرواح»، و «شفاء العليل» لمسألةِ دوامِ الجنةِ والنار (٤)، وقال في «شفاء العليل» (٥): وسألت عنها شيخَ الإسلام، فقال: هذه مسألةٌ عظيمةٌ كبيرةٌ، ولم يُجب ثم إنَّه ألَّف فيها المؤلَّف المعروف (٦)، وحكى في «حادي الأرواح» أنَّ شيخَ الإسلام قال: «فيها قولان معروفان عن السَّلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين» (٧).
стр. 143
ولا يجوزُ أن يُنسبَ إلى شيخِ الإسلام ولا لابنِ القيمِ القولُ بفناءِ النارِ؛ لأنَّه لم يُصرِّحْ واحد منهما بفناءِ النارِ، وإنَّما يذكران الخلافَ، ووجوهَ الاستدلالِ (١).
فمِن شُبَه القائلين بفناءِ النار: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ [هود]، وأجيب بأن المُرادُ مدَّةُ مُكثِهم في الدنيا، أو مُكثُهم في البرزخِ، أو في مواقفِ القيامة (٢).
стр. 144
وأحسنُ ما قِيلَ في هذا - واللهُ أعلم - أنَّ قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾؛ المرادَ به بيانُ أنَّ خلودَ أهلِ النار فيها بمشيئتِه سبحانه، وهكذا أهلُ الجنة، فدوامُ الجنةِ والنار وبقاؤهما وبقاءُ أهلهما إنما هو بمشيئتِه وبإبقائه تعالى، فليس بقاءُ الجنةِ والنار أو أهلِ الجنةِ والنار كبقاءِ الله، فبقاءُ اللهِ ذاتيٌّ له، وحياتُه ذاتيةٌ له، أمَّا بقاءُ الجنةِ والنار؛ فبإبقائِه تعالى وبمشيئتِه (١).
ومع ذِكرِ شيخِ الإسلام وابنِ القيم للقولين؛ لا أذكرُ أنَّهما أضافا - يعني القولَ بفناءِ النار - إلى مُعَيَّنٍ من أهلِ العلم؛ سوى ما رُوي عن بعض الصحابةِ، وإنما يذكران القولَين إجمالًا.
وبعضُ الناس يقول: ما ثمرةُ الكلامِ في فناء النار ودوامها؟ وهذا جاهلٌ يظنُّ أنَّه لابدَّ في كلِّ مسألةٍ خلافيةٍ ثمرةٌ عَمَليةٌ، وهذا يُقال في مسائل أحكام الأفعال، وأمَّا مسائلُ الاعتقادِ؛ فالأصلُ أنَّ المطلوبَ فيها الإيمانُ، والخلافُ فيها يكون بالنفي والإثبات، وثمرةُ الكلامِ فيها، وذِكر الخلافِ: معرفةُ الحقِّ من الباطل من أقوال الناس.
* * * * *
стр. 145
ذكر أشياء من أحوال الناس يوم القيامة قبل أن ينتهوا إلى الجنة أو النار
(وأنَّ اللهَ ﵎ يجيءُ يومَ القيامة: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]؛ لعرض الأمم وحسابِها وعقوبتِها وثوابِها، وتوضَعُ الموازينُ لوزنِ أعمالِ العبادِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨)﴾ [الأعراف]، ويؤتَون صحائفهم بأعمالهم: فمَن أُوتي كتابَه بيمينه فسوف يحاسَبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أُوتي كتابَه وراءَ ظهرِه فأولئك يَصلون سعيرًا.
وأنَّ الصراطَ حقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقدْر أعمالِهم، فناجون مُتفاوتون في سرعة النجاةِ (١) من نار جهنم، وقومٌ أَوْبَقتهم فيها أعمالُهم.
والإيمانُ بحوض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُه أُمَّتُه لا يظمأُ مَنْ شربَ منه، ويُذادُ عنه مَنْ بدَّلَ وغيَّرَ).
في هذه الجملة مسائلُ ممَّا يجب الإيمانُ به، ويدخل في الإيمان باليوم الآخر، وكان الأَوْلى من المؤلف أن يذكرَها قبل الكلامِ في الجنة والنار في وجودهما ودوامهما؛ لأنَّ كلَّ هذه المسائل متقدِّمةٌ على الجنة والنار في وقتها وترتيبها، فالجنةُ والنارُ منتهى العبادِ بعد الحساب:
стр. 146
المسألة الأولى: قوله: (وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة … ) إلى آخره: أي: يجيءُ للفصلِ بين عباده، وجزائِهم على أعمالهم، وذلك بثوابِ المؤمنين المتقين، وبعقابِ الكافرين، ومن شاءَ الله من المُوحِّدين، والمراد من هذا تقريرُ إثباتِ مجيء الرب تعالى يوم القيامة كيف شاء، وقد جاءَ هذا المعنى في ثلاثِ آياتٍ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر].
فأهلُ السُّنةِ والجماعة يُؤمنون بظاهرِ هذه الآيات، ويقولون: إنَّ الله يجيءُ يوم القيامة كيف شاءَ، كما يقولون: إنه ينزلُ إلى السماءِ الدنيا كيف شاءَ، وأنه استوى على العرشِ كيف شاء لأنه تعالى فعَّال لما يريد.
فالمجيءُ من أفعاله التي يفعلُها بمشيئته، فيُثبتون المجيءَ حقيقةً، أي: يأتي هو نفسه تعالى لكن لا نعلم كُنْهَ مجيئِه، كما لا نعلمُ كيفيةَ نزولِه، أو كيفيةَ استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته. فالمجيءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عن الكيفيةِ بدعةٌ.
أمَّا نفاةُ الصفاتِ من الجهميةِ والمُعتزلة، ونفاةُ الأفعالِ كالأشاعرة ونحوهم؛ فينفون حقيقةَ المجيء كما ينفُون حقيقةَ النزولِ والاستواء على العرش، وأكثرُهم يتأوَّلون قولَه تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]؛ أي: جاء أمرُه (١)، وقد روي عن مالك ﵀ ما يصلح أن يكون شبهة لأهل
стр. 147
هذا التأويل من المالكية، وهو أنه سئل عن الحديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا» (١) فقال: «يتنزل أمره». ولا يصح عنه (٢).
ومن الحساب: حسابٌ يسير، وفسَّره النبي ﷺ بالعَرْضِ؛ أي: عرض الأعمال كما في الحديث: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم ويقول أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم فيقرره ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٣).
المسألة الثانية: قوله: (وتوضَعُ الموازينُ لوزنِ أعمالِ العبادِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨)﴾ [الأعراف]): من عقيدةِ أهلِ السنَّةِ: الإيمانُ بالميزان الذي تُوزن به أعمال العباد، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ والسنَّةُ؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون (١٠٣)﴾ [المؤمنون].
وقوله ﷺ : «الطُّهورُ شطرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأ الميزان» (٤)، وقوله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان
стр. 148
إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١)، ومن السنَّة أيضًا: حديث صاحب البطاقة (٢).
ومن المبتدعة مَنْ أنكرَ حقيقةَ الميزان ووزْنَ الأعمالِ، وقالَ: إنَّ المُرادَ بالميزان: العدلُ (٣)، وهذا يقتضي نفي حقيقة الميزان، فعندهم ليس هناك ميزانٌ له كفَّتان تُوضعُ فيهما الحسناتُ والسيئات.
стр. 149
وهذا خلافُ ظاهرِ القرآن والسنَّة؛ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء] (١).
المسألة الثالثة: قوله: (ويؤتون صحائفَهم بأعمالهم: فمَن أُوتي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أُوتي كتابَه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرًا).
ومن عقيدة أهلِ السنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ بإيتاء الكتابِ، وهو كتابُ الأعمال باليمين وبالشمال، وقد دلَّ على ذلك آياتٌ من سورة الانشقاق؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه (١٠)﴾ [الانشقاق] أي: بشماله من وراء ظهره، ومن سورة الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه (١٩) … ﴾ [الحاقة] الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (٢٥) … ﴾ [الحاقة] الآيات، وكتابُ الأعمالِ هو الصُّحُفُ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَت (١٠)﴾ [التكوير]، ومن الأدلة على ذلك من السنَّة حديثُ صاحب البطاقة، وفيه أنه يُنشَر عليه تسعة وتسعين سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مدَّ البصر، ثم تُخرَجُ له بطاقةٌ فيها الشهادتان (٢).
стр. 150
المسألة الرابعة: قوله: (وأنَّ الصراطَ حقٌّ، يجوزه العبادُ بِقدر أعمالِهم، فناجون مُتفاوتون في سرعة النجاةِ من نار جهنم، وقومٌ أوبقتهم فيها أعمالُهم):
وكذلك ممَّا يجب الإيمانُ به - وهو داخلٌ في الإيمانِ باليوم الآخر -: الصراطُ، وهو جسرٌ منصوبٌ على متنِ جهنم يمرُّ عليه الناس، وظاهرُ الأدلةِ أنَّ الذين يمرُّون عليه هم المُنتسبون للإيمان، أمَّا الكفارُ وعُبَّادُ الأصنامِ والأوثانِ والصُلبان؛ فهؤلاء يُساقون إلى النارِ ابتداءً، فيُحشر الناسُ فيقال لهم: «لِيَتَّبعْ كلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبدُ»، فَمَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ يَتْبَعُ الشَّمْسَ، وَمَنْ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ يَتْبَعُ الطَّوَاغِيتَ وهكذا، كما جاء في حديثِ أبي سعيد الخدري في الصحيحين وغيرهما (١).
فالذين يعبرون الصِّراطَ هم مُتفاوتون في العبورِ سرعةً وبطءًا؛ منهم من يمرُّ سريعًا كالبرقِ، ومنهم من يمرُّ كالريحِ، وكَأَجَاوِدِ الخيل، والرِّكَاب، ومنهم مَنْ يسعى سعيًا؛ أي: يركضُ، ومنهم مَنْ يمشي مشيًا، ومنهم مَنْ يزحفُ، وفي الحديثِ: «فناجٍ مُسلَّمٍ، وناجٍ مخدوشٍ، ومكدوسٍ في نار جهنم» (٢).
فهذا الصِّراطُ يعبرُ عليه الناسُ بحسبِ أعمالِهم، فتجري بهم أعمالهم، كما كانوا في الدنيا: منهم المُسارعُ في الخيراتِ ومنهم مَنْ دون ذلك، ومنهم البطيءُ في فعلِ الخير، فكأنَّ هذا واللهُ أعلم ﴿جَزَاء وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ]، فمَن كان مُسارعًا في الخيراتِ في الدنيا؛ أسرعَ هناك
стр. 151
يومَ القيامة وتجاوزَ الخطر، وعَبَر الصِّراطَ وزُحزحَ عن النار، ومن كان في هذه الدنيا بطيئًا في طاعةٍ كان سَيره هناك كذلك جزاء وفاقًا، وعلى كل حال مَنْ نجَاه الله من النارِ فهو الفائز؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (١).
المسألة الخامسة: قوله: (والإيمانُ بحوض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُه أُمَّتُه لا يظمأُ مَنْ شربَ منه، ويُذادُ عنه مَنْ بدَّلَ وغيَّرَ):
من عقيدة أهلِ السنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ بحوضِ النبي ﷺ ، الذي جعله الله غياثًا لأمته في موقف القيامةِ تَرِدُ عليه أُمَّتُه، وهو حوضٌ عظيم وَصَفَه الرسولُ ﷺ ، فوصفَ ماءَه وآنيتَه ومساحته، برواياتٍ مختلفة (٢)؛ منها أنَّ طولَه شهرٌ، وعرضَه شهر، وماءه أشدُّ بياضًا من اللبنِ، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك، وأبرد من الثلج، وآنيته عددَ نجومِ السماء، ترِدُ عليه أمته، فمَن كان مُستقيمًا على دينِ الله وسُنةِ رسولِ الله؛ وردَ وشربَ.
وأمَّا مَنْ غيَّر وبدَّل فإنَّه يطمعُ في الورودِ، ولكنه يُذاد (٣)، ويُحال بينه وبين الورودِ، وقد صحَّت بذلك الأحاديثُ، وأنَّ الرسولَ ﵊
стр. 152
عندما يُشاهِدُ بعضَ الأمةِ ممَّن يُذادُ؛ يقولُ: «فأقول أصحابي أصحابي»، فيُقالُ له: «إِنَّك لا تدري ما أَحدثوا بعدكَ؛ إِنَّهم ما زالوا مرتدِّينَ على أَعقابِهم منذ فارقتَهم»، فيقول ﵊: «سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي» (١).
وهؤلاء الذين يُذادون عن الورودِ قد يكونون مُرتدِّين الرِّدةَ الكبرى التي يستوجبون بها دخولَ النار والخلودَ فيها، وقد يكونون مُرتدِّين عن الاستقامةِ بتركِ السُّنةِ واعتناقِ البدعة وبالمعاصي والمُخالفات (٢)؛ فإنَّ هذه تمنعُ من الورودِ؛ لأنَّ من وردَ وشرب من حوضه ﷺ نجى، لقوله ﷺ : «وَمن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا» (٣).
ثم إنَّ أهلَ العلمِ تكلَّموا عن الحوضِ: هل هو قبل الصِّراطِ؟ أم بعدَه؟
على قولين:
قيل: إنَّه قبل الصِّراط، وقيل: إنَّه بعده (٤)، ولكن ليس هناك أدلةٌ ظاهرةٌ تُوجبُ الجزمَ بواحدٍ من القولَين، وذهب ابنُ القيم إلى أنَّه يمكن
стр. 153
أن يكون قبل الصَّراطِ وبعده (١)، وترتيب شيخِ الإسلامِ لأحوال القيامةِ في «العقيدة الواسطيةِ» يُشعِرُ بأنَّ الحوضَ عنده قبل الصِّراط (٢).
فالمقصودُ أنَّه ممَّا يجبُ الإيمانُ به من أمورِ الآخرةِ الحوضُ لنبيِّنا ﵊، وهو ممَّا تواترت به السنَّةُ عن الرسولِ ﵊.
ومما ورد في إثبات الحوض قولُه ﵊ للأنصارِ: «إِنَّكم ستلقونَ بعدي أَثَرَةً؛ فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوضِ» (٣)؛ فيه بشارة لهم بأنهم سيردُون عليه ويشربون - رضوانُ الله عليهم -.
وقد أَنكر الحوضَ بعضُ طوائفِ المبتدعة من الخوارج والمعتزلة (٤)، ولا حجَّةَ لهم في هذا الإنكار إلَّا الاستبعادُ الذي لا سند له إلَّا قولهم:
كيف يكون الحوضُ بهذه المساحة؟ وكيف يكون في عَرَصات القيامة؟
فنقول: اللهُ تعالى على كلِّ شيءٍ قدير.
* * * * *
стр. 154
مُسمَّى الإيمان وحقيقتُه
(وأنَّ الإيمانَ قولٌ باللسان، وإخلاصٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمالِ، وينقُصُ بنَقْصِها، فيكون فيها النقصُ وبها الزيادةُ، ولا يكملُ قولُ الإيمانِ إلَّا بالعمل، ولا قولَ وعملَ إلَّا بنيَّةٍ، ولا قولَ ولا عملَ ونيَّةَ إلَّا بموافقة السنَّةِ.
وأنَّه لا يكفرُ أحدٌ بذنبٍ من أهل القبلة):
في هذه الجملةِ يُقرِّرُ المؤلفُ ﵀ عقيدةَ أهلِ السُّنةِ والجماعة في مُسمَّى الإيمان، وهي قضيةٌ افترقَت فيها الأمَّةُ على مذاهب متعدِّدةٍ (١).
فالجهميَّةُ يقولون: الإيمانُ هو المعرفةُ.
والأشاعرةُ يقولون: هو التصديقُ.
والمرجئةُ يقولون: هو التصديقُ بالقلب والإقرارُ باللسان.
стр. 155
والكرَّامِيَّة (١) يقولون: هو الإقرارُ باللِّسان فحسب، من غير اعتبارٍ لتصديقِ القلب، يقولُ شيخُ الإسلام ﵀ عن الكرَّامية: «فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنه يخلد في النار فخالفُوا الجماعةَ»؛ يعني جماعةَ المسلمين في المُنافقِ، «في الاسمِ دون الحُكمِ» (٢). أي: خالفوا الجماعةَ في قولهم: إنَّ المُنافقَ مؤمنٌ، ووافقوا الجماعةَ في الحكمِ؛ وهو تخليده في النار، وهذا الذي قرَّرَه المؤلفُ هو الحقُّ، وهو أنَّ الإيمانَ اسمٌ يشمل:
١ - اعتقادَ القلبِ؛ وهو تصديقُه، وإقرارُه.
٢ - عملَ القلبِ؛ وهو انقيادُه، وإرادتُه، وما يتبعُ ذلك مِنْ أعمالِ القلوبِ؛ كالتوكلِ، والرجاءِ، والخوفِ، والمحبةِ.
٣ - إقرارَ اللسانِ.
٤ - عملَ الجوارحِ - واللسانُ مِنها - والعملُ يشمل: الأفعالَ والتروكَ؛ قوليةً أو فعليةً (٣).
стр. 156
ومن الدليلِ على هذا حديثُ: «الإِيمانُ بِضْعٌ وسبعون - أَوْ: بضعٌ وستُّون - شُعبةً، فأفضلها قولُ: لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأَدناها إِماطةُ الأَذى عن الطَّريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان» (١) فدلَّ الحديث على أن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان، ومعنى هذا: أنَّ الصلاةَ من الإيمان، والزكاةَ من الإيمان، والصيامَ من الإيمان، والحجَّ من الإيمانِ، والجهادَ من الإيمان، والأمرَ بالمعروف والنهيَّ عن المنكر من الإيمان، والحياء من الإيمان؛ فالإيمانُ قولٌ وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
ولا يستقيمُ الإيمانُ إلا بالإخلاصِ كما قالَ المؤلف: (وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب) ولهذا كان من شرط صلاحِ العملِ الإخلاص، وكذلك موافقة السنة شرط لصلاح العمل، ولا بد من ذلك في جميع مسائل الدين العلمية والعملية، ولا يجوز أن يُدخَل في الدِّين ما ليس منه: عبادة أو عقيدة على حدِّ قوله ﷺ : «مَنْ أَحدثَ في أَمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ» (٢)، وفي رواية: «مَنْ عملَ عملًا ليس عليه أَمرُنا؛ فهو رَدٌّ» (٣).
وقول المؤلف إنَّ الإيمانَ: (يزيد بزيادة الأعمال) (٤)؛ لأنَّ الأعمالَ عنده من الإيمانِ على مذهب أهل السنَّة، فما يفعله العبدُ من الطاعاتِ
стр. 157
- فرضها ونفلها - هي من الإيمانِ، فيزدادُ الإيمانُ بزيادتها وينقصُ بنقصها، ولعملِ الجوارحِ أثرٌ في إيمان القلبِ فيقوى تصديقُه، ولقوَّةِ التصديقِ أثرٌ في صلاح العملِ وزيادته (١)؛ فعُلِم بذلك أنَّ المؤلف على مذهب أهل السنة في الإيمان، فالأعمال عنده من الإيمان، وهو يزيد وينقص، وهو أيضًا مالكيٌّ في هذه المسألة فإنَّ الصحيح عن الإمام مالك أنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ قال شيخ الإسلام أنَّ إحدى الروايتين عن مالك أنَّ الإيمان يزيد ولا ينقص، والرواية الأخرى، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنَّه يزيد وينقص (٢).
و أجمعُ تعريفٍ للإيمان ما قاله شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في «العقيدة الواسطية»: «ومن أصول الفرقة الناجية: أنَّ الدين والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارح» (٣).
قوله: (وإخلاصٌ بالقلب):
الإخلاصُ من عملِ القلب، وهو أن يكون الغايةُ من العملِ هو ابتغاءُ وجهِ الله.
قوله: (يزيد بزيادة الأعمالِ، وينقُصُ بنقصِها):
أي: يزيدُ بزيادةِ الأعمالِ الصالحة، وينقصُ بنقصها، فينقصُ كمالُ الإيمان الواجب بنقص الفرائض والواجبات، وكمال الإيمان المُستحبّ
стр. 158
بنقص المستحبات؛ هذا مذهب أهل السنة والجماعة كما دلَّ عليه الكتاب والسنة؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون (١٢٤)﴾ [التوبة]؛ أي: السورة المنزلة، ومن السنَّة حديثُ الشفاعةِ الطويل، وفيه: «يخرجُ من النار مَنْ قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقالُ برَّةٍ أو خردلةٍ أو شعيرةٍ من الإيمان» (١)، وخالف في ذلك المبتدعةُ من المرجئة والخوارج والمعتزلة، وقالوا: إنَّ الإيمانَ شيءٌ واحدٌ لا يزيد ولا ينقص، بل إذا ذهب بعضُه ذهبَ كلُّه، وأجودُ من عبارة المؤلف أن يُقال: يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالمعصية.
قوله: (ولا يكملُ قولُ الإيمانِ إلَّا بالعمل):
هذا تأكيدٌ لِمَا سبق، وأنَّه لابدَّ من العمل، فلا يكفي إقرارُ اللسانِ ولا اعتقادُ القلبِ؛ بل الأعمالُ الصالحةُ دليلٌ على صلاح القلب؛ لقوله ﷺ في القلب: «إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّه» (٢).
قوله: (ولا قولَ وعملَ إلَّا بنيَّةٍ، ولا قولَ ولا عملَ ونيَّةَ إلَّا بموافقة السنَّةِ).
معناه: أنَّ إقرارَ اللسانِ وعملَ الجوارحِ وعملَ القلب، وهو النية، وبها الإخلاص، هذه الثلاثةُ لا بدَّ منها، وهي: متلازمةٌ، وأمرٌ رابعٌ، وهو اتباعُ السنَّةِ.
стр. 159
قوله: (وأنه لا يكفرُ أحدٌ بذنبٍ من أهل القبلة):
هذه المسألةُ من فروع مسألةِ الإيمان، وهذا مذهبُ أهلِ السنَّة، يقولون: لا يكفرُ أحدٌ من أهل القبلة بكلِّ ذنبٍ ما لم يستحله، وإن كانت من الكبائر؛ كالزنا والقتلِ والشربِ، وهذا هو الأصحُّ في التعبير تقول: بكلِّ ذنب، فيكون من قَبيل سلبِ العموم (١)، وعبارةُ المؤلف من قَبيل عمومِ السَّلبِ، خلافًا للخوارج الذين يُكفِّرون بكبائر الذنوب، ومنهم مَنْ يُكفِّرُ بالصغائر، وقد يعدُّون ما ليس بذنبٍ ذنبًا؛ فيُكفِّرون به كما فعلوا مع عليٍّ وعثمان ﵄، ويُخلِّدون مرتكبَ الكبيرةِ في النار إذا مات من غير توبةٍ. وخلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إنَّ مرتكبَ الكبيرةِ في الدنيا في منزلةٍ بين المنزلتين، وجعلوا ذلك أحد أصولهم الخمسة وفي الآخرة مخلدٌ في النار (٢). وأهلُ القبلة: كلُّ مَنْ يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، ولم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلامِ، فمَن أتى بناقضٍ عالمًا عامدًا مختارًا جادًّا أو هازلًا صار مرتدًا، ولم يكن من أهل القبلةِ.
ومن دليل أهلِ السنَّةِ على عدم التكفيرِ بالذنوبِ، وإن كانت من الكبائر؛ قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، فسمَّاهم مؤمنين وإخوةً مع اقتتالِهم.
* * * * *
стр. 160
وجوب الإيمان بأحوال البرزخ
(وأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، وأرواحُ أهلِ السعادة باقيةٌ ناعمةٌ إلى يوم يُبعثون، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ مُعذَّبةٌ إلى يوم الدِّين، وأنَّ المؤمنين يُفتنون في قبورهم ويُسألون، ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]):
في هذه الجملة مسائل:
أحدها: قول المؤلف: (وأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عند ربهم يُرزقون): الشهداء: هم الذين قُتلوا في سبيل الله، أخبر اللهُ عنهم أنَّهم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون (١٦٩)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون (١٥٤)﴾ [البقرة]، وهذه حياةٌ خاصَّةٌ يُعبِّرُ عنها العلماءُ «بالحياة البرزخية» نسبةً إلى البرزخ؛ وهو مُدَّةُ ما بين الموت إلى البعث، فالشهداءُ في هذه المدة أحياءٌ ليست كحياتهم في الدنيا، ولذا فليسوا كسائر الأمواتِ، فإنَّ أرواحهم يجعلها اللهُ في حواصل طيرٍ خُضرٍ تأكل من ثمار الجنةِ، وتَرِدُ أنهارها، وتأوي إلى قناديلَ مُعلَّقةٍ
стр. 161
تحت العرش كما صحَّ به الحديثُ (١)، وهذه الآيةُ والحديثُ وردا في شأن الذين قُتلوا في وقعةِ أُحدٍ، ومنهم: حمزةُ عمُّ النبيِّ ﷺ (٢)، ومن أجل هذه الحياة نهى اللهُ عن أن نُسمَّيهم أمواتًا، ولكن باعتبار فراقهم الحياةَ الدنيا يُقال أنَّهم ماتوا، وتجري عليهم أحكامُ الأموات: من إرثِ أموالهم، ونكاحِ نسائِهم، ويُكفَّنون ويُدفنون، ومن آثار الحياةِ البرزخية؛ أنَّ أبدانَهم تبقى في القبور طريةً؛ أي: لا تأكلهم الأرضُ، كما شُوهد من حال بعضِهم، فتُشبِه حالُهم حالَ الأنبياء.
المسألة الثانية: قوله: (وأرواحُ أهلِ السعادة باقيةٌ ناعمةٌ إلى يوم يُبعثون، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ مُعذَّبةٌ إلى يوم الدِّين): الروحُ: ما به حياةُ الأبدان، تتَّصلُ بالبدن فيكون حيًّا، وتُفارقُه فيكون ميتًا، وهي مخلوقةٌ من جملة المخلوقات، قائمةٌ بنفسها؛ أي: ليست عرضًا كما يقول المتكلِّمون. وهي موصوفةٌ بصفاتٍ ثبوتيةٍ وسلبيةٍ، تذهبُ وتجيءُ، وتصعدُ وتهبطُ، وهي: موجودةٌ بعد مُفارقتها للبدن، تُنعم أو تُعذَّب.
وقد اضطرب الناسُ في حقيقتها؛ فالفلاسفةُ لا يصفونها إلَّا بالسُّلُوب، والمتكلمون يجعلونها من جنس الأجسامِ المشهودةِ، ويُعبِّرون عنها بعباراتٍ مختلفةٍ، وكِلا القولين باطلٌ، والحقُّ ما دلَّ عليه الكتابُ والسنَّةُ، وهو أنَّها مخلوقةٌ موصوفةٌ مخالفةٌ للأجسام المشهودة.
стр. 162
وقد ذكر المؤلفُ حالَ الأرواحِ في دار البرزخِ: أرواح السعداءِ، وأرواح الأشقياءِ، فأرواحُ أهلِ السعادة مُنعَّمةٌ إلى يوم القيامة، ومنها أرواحُ الشهداءِ كما تقَّدم، وأرواحُ أهلِ الشقاءِ مُعذَّبةٌ إلى يوم القيامة كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنَّةِ.
والروحُ لها شأنٌ عظيمٌ؛ قال ابنُ القيِّم في النونية:
فالشأنُ للأرواحِ بَعْدَ فِراقِها … أبدانَنا واللهِ أعظمُ شَانِ
إِمَّا عذابٌ أو نعيمٌ دائمٌ … قد نُعِّمَتْ بالرَّوْحِ والريحانِ
إلى أن قال:
وعذابُ أَشقاها أشدُّ من الذي … قد عاينت أبصارُنا بعِيانِ
والقائلون بأنَّها عَرَضٌ أَبَوْا … ذا كلَّه تبًّا لذي نكرانِ (١)
وبعد فلمزيد معرفةٍ في شأن الروحِ؛ يُراجَع كتابُ «الروح» لابن القيم، وما قاله شيخُ الإسلام في «التدمرية» (٢).
стр. 163
المسألة الثالثة: قوله: (وأنَّ المؤمنين يُفتنون في قبورهم ويُسألون، ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ [إبراهيم: ٢٧]):
يُقرِّرُ المؤلِّفُ عقيدةَ أهلِ السنَّة في فتنة القبر ؛ وهي: امتحانُ الميتِ بسؤاله عن ربِّه ودينِه ونبيِّه. وقوله: (وأنَّ المؤمنين يُفتنون): يدلُّ على أنَّ فتنةَ القبرِ عنده مختصَّةٌ بالمنتسبين للإيمان دون الكفار، ويدخل في المؤمنين المنافقُ، ويدلُّ لِمَا قال: قولُه ﷺ : «أُوحيَ إليَّ أنَّكم تُفتنون في قبوركم مثلَ أو قريبَ من فتنة المسيحِ الدَّجالِ، يقال: ما عِلمك بهذا الرجل؟ فأمَّا المؤمنُ أو الموقنُ فيقول: هو محمَّدٌ رسولُ الله، جاءنا بالبيِّناتِ والهدى فأجبنا واتَّبعنا؛ فيقال: نمْ صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأمَّا المنافقُ أو المرتاب؛ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُه» (١)، وقد ذهب ابنُ عبدِ البرِّ (٢) إلى أنَّها خاصَّةٌ بالمؤمنين، كما ذهب إليه ابن أبي زيد، واختار ابنُ القيمِ (٣) والقرطبيُّ (٤) أنَّ فتنةَ القبرِ عامَّةٌ للمؤمنين والكفار، ولكلٍّ من القولين أدلةٌ من السنَّة، والمسألةُ محتملةٌ، واللهُ أعلمُ بالصواب، وأمَّا عذابُ القبر ونعيمه؛ فقد تقدَّم في المسألة الثانية.
стр. 164
مسألتان من الإيمان بالملائكة
(وأنَّ على العباد حَفظةٌ يكتبون أعمالَهم، ولا يسقطُ شيءٌ من ذلك عن عِلم ربِّهم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يقبضُ الأرواحَ بإذن ربِّه):
من أصول الإيمان: الإيمانُ بالملائكة، دلَّ على ذلك الكتابُ والسنَّةُ في آيات وأحاديث، وهم: أصنافٌ بحسب ما وُكِّلُوا به؛ فمنهم الموكَلُ بالوحي؛ قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] وهو جبريل، ومنهم الموكَلُ بحفظ عملِ العبدِ وكتابته، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف]، ومنهم الموكَّل بقبض أرواح الآدميين، وهم ملَك الموت وأعوانه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، وكلُّ هذا ممَّا يجبُ الإيمانُ به، وهو من الإيمان بالملائكة، وفي هذه الآيات أُضيفَ التوفِّي إلى مَلَكِ الموتِ في الآية الأولى؛ لأنَّه الموكلُ بذلك، وأُضيفَ إلى الملائكة في الآية الثانية
стр. 165
والثالثة؛ لأنَّ مَلَكَ الموتِ معه أعوانٌ من الملائكة: ملائكةُ الرحمةِ أو ملائكةُ العذابِ، وقد جاء في بعض الآيات إضافةُ التوفِّي إلى الله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ لأنَّ ما تفعله الملائكةُ بأمره ومشيئتِه، وبهذا يزول ما يُتوهَّم من التعارض (١)، وقد تضمَّن كلامُ المؤلفِ ذِكرَ الحفظةِ الكاتبين، ومَلَكَ الموتِ، وبهذا ينتهي كلامُه في الغيبيات التي طريقُ العلمِ بها هو النقلُ المستندُ للوحي.
قوله: (يكتبون أعمالَهم): أي: جميعَ أعمالِهم الصالحةِ وغيرِها، الظاهرةِ والباطنةِ؛ لعموم الأدلةِ في ذلك؛ كقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق] (٢).
قوله: (ولا يسقطُ شيءٌ من ذلك عن عِلم ربِّهم): أي: لا يغيب شيءٌ من أعمالِ العبادِ وأقوالهم عن علمِه ، وخَلْقِه تعالى ملائكةً وَكَلَهم بحفظ أعمالِ العبادِ؛ ليس لحاجتِه إلى أنْ يعلمَ أعمالَ العبادِ لِئلَّا ينساها، بل قدَّرَ ذلك لحِكَمٍ بالغةٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يَضِلُّ ولا يَنسى.
* * * * *
стр. 166
الواجب للصحابة على الأمة
(وأنَّ خيرَ القرونِ القرنُ الذين رأوا رسولَ الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وأفضلُ الصحابةِ: الخلفاءُ الراشدون المهديون؛ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃ أجمعين.
وأن لا يُذكَر أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ إلَّا بأحسن ذِكرٍ، والإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنَّهم أحقّ الناس، أن يُلتمَسَ لهم أحسنُ المخارج، ويظنَّ بهم أحسنُ المذاهب).
قوله: (وأنَّ خيرَ القرونِ): معطوفٌ على ما تقدَّم؛ فالمعنى: ويجب الإيمانُ أنَّ خيرَ القرون القرنُ الذين رأوا النبي ﷺ ، والقرنُ: هو الجيلُ من الناس.
وقوله: (الذين رأوا رسولَ الله): هذا يدلُّ على أنَّ الصحابيَّ عنده: كلُّ مَنْ رأى النبيَّ ﷺ ، ولا بدَّ من قيد «وهو مؤمنٌ به»، وأصح من هذا ما قال الحافظُ ابنُ حجر في تعريف الصحابي: هو مَنْ لَقِيَ النبيَّ ﷺ مؤمنًا به؛ ليدخل الأعمى في التعريف، فإنَّ التقييدَ بالرؤية يُخرِجُ الأعمى؛ كابن أمِّ مكتوم، فقد لقي النبيَّ، ولم يره (١).
стр. 167
وقوله: (ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم): يريد: أنَّ القرنَ الثاني بعد القرن الأول في الخيرية، والقرنُ الثالثُ بعد الثاني في الفضل والخيرية، ودليلُ هذا التفضيل والترتيب حديثان متفقٌ عليهما عن ابن مسعود، وعِمران بن حُصين، وفيهما قوله ﷺ : «خيرُكم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١)، وقال عمران في حديثه: «فلا أدري أذَكرَ بعد قَرنِه قَرنينِ أو ثلاثةً»، فالقرونُ المفضَّلةُ قطعًا ثلاثة، وتُعرَفُ هذه القرونُ عند أهل العلم بالقرون المفضَّلة، وهم ثلاثةُ أجيالٍ من الناس، والقرنُ في اصطلاح المؤرخين: مقدارٌ من الزمن، وهو مئةُ سنةٍ، وهذا هو الذي اشتهر في عُرف الناس، فالقرونُ المفضلة عندهم هي المئةُ الأولى والثانية والثالثة، وفي تاريخ الأمة؛ يقولون: المئة الرابعة والخامسة أو القرن الرابع والخامس، وفي وقتنا هذا؛ يقولون: القرن الخامس عشر ابتداءً من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، ولا يخفى أنَّ القرن في اصطلاح المؤرخين أطولُ من عمر الجيلِ الواحد (٢)، ولهذا انقرضَ معظمُ الصحابةِ في حدود الثمانين من الهجرة.
وقوله: (وأفضلُ الصحابةِ … ) إلى آخره: ودليلُ هذا التفضيل؛ ما ورد من الأحاديث في فضل الخلفاء الراشدين الأربعة إجمالًا؛ كقوله ﷺ :
стр. 168
«عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعدي» (١)، وما ورد في فضل كلِّ واحدٍ منهم تفصيلًا، وترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فأفضلُهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي؛ كما ذكر المؤلف، وقد اقتصر ﵀ في المفاضلة بين الصحابة على ذكر الخلفاء الراشدين، وهذا هو ما استقرَّ عليه أمرُ أهلِ السنَّةِ، فعُلم بذلك أنَّ الصحابةَ وإن اشتركوا في فضل الصُحبةِ؛ فهم متفاضلون بحسب ما ورد من الفضائل والتفضيل لفردٍ أو جماعةٍ منهم، ولهذا قال أهلُ السنَّة: أفضلُ الصحابةِ الخلفاءُ الراشدون - كما تقدَّم - ثم بقيَّةُ العشرة المبشَّرين بالجنة، ثم أهلُ بدرٍ، ثم أهلُ بيعةِ الرِّضوان، ومن ذلك تفضيلُ المهاجرين على الأنصار، والمعوَّلُ في ذلك كلِّه على الأدلة من الكتاب والسنَّة.
وقضيةُ الصحابة هي من القضايا العقديةِ التي افترقَت فيها الأمَّةُ، فقوم غلَوا وقومٌ جفَوا، وتوسَّطَ أهلُ السنَّة، ولهذا يقولُ شيخُ الإسلام في «العقيدة الواسطية»: وهم وسطٌ - أي أهلُ السنَّة - في أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، بين الرافضةِ والخوارج (٢).
وقوله: (وأن لا يُذكَر أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ … ) إلى آخره: معناه: أنَّ هذا كلَّه واجبٌ على الأمَّة لأصحاب رسولِ الله ﷺ ، فحقٌّ على جميع الأمة أن لا يذكروا أحدًا من الصحابة إلا بأحسن الذِّكرِ، ويُمسكوا عمَّا جرى بينهم من الاختلاف والقتال فلا يخوضوا فيه إلا مع التماس العذرِ، فهم أحقُّ الناس بحُسن الظنِّ، ومن أحسن الكلامِ المناسبِ
стр. 169
لهذا المقام قولُ شيخِ الإسلام في «العقيدة الواسطية» عن أهل السنَّةِ: «ويُمسكون عمَّا شجر بين الصحابة، ويقولون: إنَّ هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذبٌ، ومنها ما قد زِيدَ فيه ونقصَ وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيحُ منه هم فيه معذورون إمَّا مجتهدون مُصيبون، وإمَّا مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كلَّ واحدٍ من الصحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولهم من السوابق والفضائلِ ما يُوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنَّه يُغفَرُ لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم؛ لأنَّ لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم» (١).
وقول المؤلف: (ويُظَنُّ بهم أحسن المذاهب): أي: أحسن الآراء، فإنَّ مَنْ رأى رأيًا فهو مذهبه، ولهذا يقال: يرى في هذه المسألة كذا، ويذهب إلى كذا؛ فمعنى الجملة: ويُظَنُّ بهم أحسن الظنون، ومن حقِّ الصحابة على الأمة محبَّتُهم لفضلهم عند الله، والحذر من بُغض أحدٍ منهم، ولهذا قال الطحاوي في عقيدته: «ونحبُّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، ولا نُفْرِطُ في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم، ونبغِضُ مَنْ يُبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخيرٍ، وحبُهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ» (٢)، ومِن أحسن ما يُذكَر في هذا المقام عبارةٌ لشيخ الإسلام ابن تيمية في بيان منزلة الصحابة؛ قال ﵀ في «العقيدة الواسطية»: «ومَن نظر في سيرة القومِ بعلمٍ
стр. 170
وبصيرةٍ، وما مَنَّ اللهُ به عليهم من الفضائل؛ عَلِم يقينًا أنَّهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان، ولا يكون مثلهم» (١)، وأمَّا ما ورد في صفة وأجر الغرباء، وأنَّ للعامل في أيام الصبر أجر خمسين من الصحابة (٢)؛ فهو محمولٌ عند أهل العلم على الفضل المقيَّدِ: فلهم أجرُ خمسين في صبرهم على البلاء، وتسلُّطِ الأعداءِ، مع قلَّةِ المعين، لا أنَّ لهم أجر خمسين من الصحابة في كلِّ عملٍ؛ بل هم أفضلُ من الصحابة في خصلةٍ من خصال الدِّين، وفضيلةٍ من الفضائل، فالتفضيلُ المقيَّدُ لا يُوجبُ الفضلَ المطلقَ (٣).
وهذا التفضيلُ الذي ذكره المؤلف ظاهرُه الإجمالُ، أي تفضيلُ أهلِ القرن الأوَّل على القرن الثاني إجمالًا، ثم يقال: هل كلُّ صحابيٍّ أفضلُ من كل مَنْ جاء بعد الصحابة؟ هذا محلُّ خلافٍ ونظر، ويمكن
стр. 171
أن يَصدُقَ هذا على بعض الصحابة؛ كالخلفاء الراشدين وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فمن الصحابةِ مَنْ نعلمُ أنَّه خيرٌ من كلِّ مَنْ جاء بعد الصحابةِ، وفي بعضهم يمكن أن يكونَ محلَّ نظرٍ وتأمُّلٍ، واللهُ أعلم (١).
* * * * *
стр. 172
من أصول أهل السنة العملية
(والطاعةُ لأئمة المسلمين من ولاة أمورِهم وعلمائهم، واتباعُ السَّلفِ الصالحِ واقتفاءُ آثارهم، والاستغفارُ لهم.
وتركُ المراءِ والجدالِ في الدِّين، وتركُ كلِّ ما أحدثه المحدِثون.
وصلَّى اللهُ على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلَّم تسليمًا كثيرًا).
في هذه الجملةِ ذكرَ المؤلفُ أربعةً من أصول أهلِ السنَّةِ العملية، وختم بذلك مقدمة الرسالة:
الأوَّل: السمعُ والطاعةُ لأولي الأمر من الأمراء والعلماء؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال ﷺ : «على المرء المسلمِ السمعُ والطاعةُ فيما أَحبَّ وكرهَ، إلَّا أن يُؤمَرَ بمعصيةٍ، فإن أُمِرَ بمعصيةٍ، فلا سمع ولا طاعة» (١)، وقالَ ﷺ : «إِنَّما الطَّاعةُ في المعروفِ» (٢).
стр. 173
والأحاديثُ المُتضمِّنةُ لوجوبِ السمعِ والطاعة لولاةِ الأمرِ، والنهيِ عن الخروجِ عليهم مُستفيضةٌ عن النبي ﷺ (١)، فلهذا كان ممَّا خالفَ فيه أهلُ السنَّةِ أهلَ البدعِ: هو ما يعتقدُونه ويعملون به مع ولاةِ الأمرِ.
فإنَّ أهلَ البدعِ - كالخوارجِ والمُعتزلة - من أصولِهم: الخروجُ على الأئمة، بل أحدُ أصولِ دينِ المعتزلة الخمسة: الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المُنكرِ، ويُدخلون في ذلك الخروجَ على الولاةِ الظَّلمةِ باسمِ إنكارِ المُنكرِ (٢)، وإنما وجبَ السمعُ والطاعةُ وحرُمَ الخروجُ على ولاةِ الأمور وإن جارُوا وإن ظلموا؛ لأنَّ الخروجَ عليهم ينشأُ ويحصلُ بسببه من الفسادِ أعظمُ ممَّا أُرِيدَ تغييرُه.
ومن قواعدِ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المُنكرِ: احتمالُ أدنى المفسدَتَين لدفعِ أعلاهما، وتفويتُ أدنى المصلحتين لتحصيلِ أعلاهما، فإذا كان إنكارُ المُنكرِ يترتب عليه مُنكرٌ أعظمَ؛ أصبح الإنكارُ مُنكَرًا، ولهذا قال ابن القيم في «إعلام الموقعين»: «إنكارُ المنكرِ أربعُ درجات:
الأولى: أن يزولَ ويخلفه ضدُّه.
الثانية: أن يقلَّ وإن لم يُزَل بجملته.
الثالثة: أن يخلفَه ما هو مثلُه.
الرابعة: أن يخلفَه ما هو شرٌّ منه.
стр. 174
فالدرجتان الأولَتَانِ مشروعتان، والثالثةُ موضعُ اجتهادٍ، والرابعةُ محرمةٌ» (١).
وقول المؤلف: (وعلمائهم): يُشيرُ إلى ما قيل في تفسير قوله : ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؛ أنَّ المرادَ بهم العلماء، والصوابُ أنَّ الآيةَ تعمُّ الصنفين؛ الأمراءَ ذوي السلطان، والعلماءَ بالكتاب والسنَّة (٢)، فالعلماءُ يُطاعون فيما يُبلغونه عن اللهِ ورسوله، ويجبُ الرجوع إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٤٣)﴾ [النحل].
ولا يجبُ على أحدٍ طاعتُهم في المسائل الاجتهادية إلَّا على المُقلِّد؛ فإنَّ الواجب عليه أن يستفتي مَنْ يثقُ بعلمه ودينِه ويعملَ بفتواه، أمَّا مَنْ يقدر على معرفةِ الحقِّ بدليله؛ فعليه أن يقبلَ ويرجعَ إلى أهلِ العلمِ في معرفة الأدلة من الكتاب والسنَّة.
أمَّا ولاةُ الأمرِ ذوي السلطان فتجبُ طاعتُهم في غيرِ معصيةِ الله، وما يقعُ منهم من معصيةٍ أو ظلمٍ وجورٍ وأثَرةٍ، كلُّ ذلك لا يمنعُ من أداءِ الواجب لهم، وفي الحديثِ؛ عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «ستكون أثرة وأمور تنكرونها» قالوا يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألون اللهَ الذي لكم» (٣)؛ أي: أدُّوا الحقَّ الذي لهم من السمعِ والطاعة، وسلُوا اللهَ الذي لكم إذا قصَّرُوا وفَرَّطُوا في شيءٍ من حقوقِ الأمَّة، فالمظلومُ ينصره الله تعالى عاجلًا أو آجلًا، في الدنيا أو في الآخرة.
стр. 175
الثاني: قوله: (واتباعُ السَّلفِ الصالحِ واقتفاءُ آثارهم، والاستغفارُ لهم): السلفُ الصالحُ: هم الصحابةُ ومَن تبعَهم بإحسان، ثم التابعون، ثم الأئمة المقتدون بهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، أي: من غير غلوٍّ ولا تقصيرٍ، بل على المنهج القويمِ والصراطِ المستقيمِ.
وهذا هو الواجبُ على المسلمِ لتحقيق اتِّباع الرسولِ ﷺ ، فإنَّ السلفَ الصالحَ أعلمُ الناس بما جاء به الرسولُ، وأتبعُهم له، فمَن سار على طريقهم كان من المهتدين، فهذا هو الصِّراطُ المستقيمُ، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٨)﴾ [الأعراف]، فيجبُ على المسلم أن يتخذَ الرسولَ ﷺ إمامًا وقدوةً، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]، ويتَّبعَ السلفَ الصالح؛ لأنَّهم الذين عرفُوا الحقَّ وتلقَّوه عن نبيِّهم وقاموا به علمًا وعملًا وجهادًا وبلَّغُوه لمن بعدهم، وهم خيرُ هذه الأمةِ كما هو معلومٌ.
وسيرتُهم وهديُهم هو المعيارُ لمعرفة الحقِّ من الباطل، والمحقِّ من المُبطل، ولهذا قالَ ﷺ في الحديثِ في ذِكرِ الفرقةِ الناجية: «هم مَنْ كان على مِثلِ ما أَنا عليه اليومَ وأَصحابي» (١)، ومن حقهم على مَنْ جاء
стр. 176
بعدهم الاستغفارُ لهم، والترضي عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٠)﴾ [الحشر].
الثالث: قوله: (وتركُ المراءِ والجدالِ في الدِّين): أي: تركُ الجدالِ في الدِّين على طريقةِ المُبتدعين والكافرين الذين يُجادلون في آياتِ الله تكذيبًا لها، وطعنًا فيها وتحريفًا لها، وممَّا يدخل في هذا: اتباعُ المُتشابه من القرآنِ، فكلُّ ذلك داخلٌ في الجدالِ المذموم، أمَّا الجدالُ بالحُججِ الصحيحةِ وبآيات اللهِ؛ لإظهار الحق وإبطال الباطل؛ فهو مشروعٌ قد أمَرَ اللهُ به؛ فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ففرقٌ بين الجدالِ في آياتِ الله تكذيبًا لها وتحريفًا، والجدالِ بآيات الله انتصارًا للحقِّ، وردًّا على الباطل وأهله، وهو
стр. 177
من الجهاد بالحجة والبيان؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان]، فهذا هو الواجبُ، أن نجادلَ الكافرين والمُخالفين بالحُججِ الصحيحة، بما في كتابِ الله، وبما صحَّ عن رسولِ الله ﷺ (١). ومما يُستشهَد به لقول المؤلف ابن أبي زيد في ذم الجدال في الدين؛ ما جاء عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: «أوَ كُلَّما جاءنا رجلٌ أجدلَ من رجلٍ تركنا ما جاء به جبريل إلى محمَّد ﷺ لجَدل هؤلاء؟» (٢).
الرابع: قوله: (وتركُ كلِّ ما أحدثه المحدثون): هذه جملةٌ عامةٌ في التحذير من جميع البدع؛ فالبدع هي المُحدثاتُ في الدين؛ كما قالَ ﷺ : «وشرَّ الأُمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ» (٣)، وفي رواية: «وكلَّ ضلالةٍ في النَّار» (٤).
стр. 178
و تحقيقُ الاتِّباعِ يكون بلزومِ السُّنةِ، والعملِ بها وتركِ المُحدثاتِ؛ قال ﷺ : «مَنْ أَحدثَ في أَمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (١)؛ أي: مردودٌ؛ غير مقبول.
وقد أُحدِثَ في الدين بدعٌ كبيرةٌ وصغيرةٌ، فالواجبُ اجتنابُ البدعِ صغيرِها وكبيرِها، ظاهرِها وباطنِها، فإنَّ صغائرَ البدعِ والذنوبِ تصيرُ كبائرَ بالإصرار عليها، وإذا مُرِّنت النفوسُ عليها صارت لها عادة، وصعب التخلص منها، وما هذه البدعُ في الأمَّة إلَّا بسبب اتِّباع الهوى، وتقديم الرأي على الوحي، وممَّا يؤثَر عن الإمام مالك في تقبيح البدع، والتحذير منها؛ قوله: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا» (٢).
والبدعُ أنواعٌ:
اعتقاديةٌ؛ كبدع المتكلِّمينَ من الجهمية والجبرية والقدرية.
وعمليةٌ؛ كبدع الصوفية؛ كالشاذلية والعدويَّة والنقشبندية والتيجانية، فإنَّ بدعَ هذه الطوائف تتعلَّقُ بالعبادات والأذكار.
ومن الطوائف مَنْ جمع بين البدعِ الاعتقاديةِ والعمليةِ؛ وهم الرافضة فهم شر طوائف الأمَّة، وبدعهم المختصة بهم شر البدع، وأعظمها عبادة
стр. 179
الأضرحة، وتكفير الصحابة، وهما من البدع المكفِّرة، وهم الذين أدخلوا القبورية في الأمة الإسلامية.
وقوله: (على سيدنا): لا ريبَ أنَّه ﷺ سيدُ ولدِ آدم، لكن لو قال المؤلفُ: على نبينا محمدٍ؛ كان أولى؛ فإنَّ الصحابةَ والتابعينَ لم يكونوا يذكرونه ﷺ إلَّا بصفة النبوةِ والرسالةِ دون السيادةِ، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه.
* * * * *
стр. 180
خاتمة
بعد التعليقِ على مقدمة الرسالةِ لابن أبي زيد ﵀ تبيَّنَ أنَّه سلفيُّ المعتقدِ في الصفات والإيمان والقدر، وقد وصفه مَنْ ترجمَ له بذلك كالذهبي فإنه قال: «وكان ﵀ على طريقة السَّلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأوَّلُ» (١)، ومما يؤكد ما قال الذهبي؛ ما نقله ابن عساكر عن ابن أبي زيد من قوله: «وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل به يُقتدى، وقد أنكر هذا، وما أنكرَ أبو عبد الله أنكرناه» (٢)، والمُعوَّلُ في ذلك على هذه المقدمةِ، ومقدمة كتابه «الجامع» (٣)، وهي أوسع، فإنه نصَّ على إثبات عُلوِّه تعالى واستوائه على عرشه بذاته، وأنَّه كلَّم موسى بكلامٍ سمعه موسى، وهو كلامُه تعالى القائم به، وأنه تعالى يجيءُ يومَ القيامة، وصرَّح بأنَّ الإيمانَ اعتقادٌ بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالجوارح، وهو في كلِّ هذه المسائل مخالفٌ لمذهب الأشاعرة، وجارٍ على مذهب أهل السنَّةِ، وهذه أبرزُ المسائلِ التي يتميزُ فيها مذهبُه، وتتضحُ فيها سلفيتُه في الاعتقاد؛ هذا ولم ينفرد ابن أبي زيد في منهجه في صفات الله بل من علماء المالكية جماعة نهجوا منهج