← Акыда

Акыда · id 1302

التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (210 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بذلك في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦)﴾ [المؤمنون]، وهكذا في النفع والضر فلا تقل: الله هو الضار؛ بل قل: اللهُ هو النافعُ الضارُّ، وهذا من جنس الأوَّل في التعبير بالعموم. ومن هذا ما ذَكر اللهُ من قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين (٨٠)﴾ [الشعراء]، ولم يقل: وإذا أمرضني شفاني، وهذا من الأدب في الإخبار عن الله . قوله: (ومصدرُها عن قضائه): أي: مصدرُ الأمورِ كلِّها، هو مالكُها بيده؛ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ومصدرُها عن حُكمِه وقضائِه ومشيئته. قوله: (عَلِمَ كلَّ شيءٍ قبل كونه): هذه المرتبةُ الأولى، وهي الإيمانُ بعلمِ الله السابق بكلِّ شيءٍ. قوله: (فجرى على قدره): أي: كل شيء قدَّره الله وخَلَقه جرى على وِفق ما قدَّره، وعلى وفق ما علِمه لأنَّه لا يكون شيءٌ إلا بمشيئته مطابقًا لعلمه وكتابه. قوله: (لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلمُه به: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٤)﴾ [الملك]، يُضلُّ مَنْ يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَنْ يشاء فيُوفِّقُه بفضله): في هذا إثباتُ المشيئةِ لله وإثبات القدر، والإيمان بالمشيئة العامة هي المرتبة الثالثة، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل:

стр. 107

٩٣]، والآياتُ الدالَّةُ على تعلُّقِ المشيئةِ بالموجودات كثيرةٌ كما أُشيرَ إلى بعضِها، وقد تضمن كلام المؤلف: إثبات علم الله القديم بكل شيء، والإيمان بذلك هو المرتبة الأولى من الإيمان بالقدر، وقد روي عن الإمام مالك ما يُشبِه قول المؤلف في إثبات المشيئة، وهو قوله لرجلٍ: «سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم، قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (١٣)﴾ [السجدة]. فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى». روى ذلك أبو نعيم في الحلية عن ابن وهب (١)؛ قال سمعت مالك يقول: … إلى آخره (٢). قوله: (فكلٌّ ميسَّرٌ بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقَدَره من شقيٍّ أو سعيدٍ): يعني: المُكلَّفُون قد علمَ الله ما هم عاملون من طاعاتٍ ومعاصٍ، قد سبقَ علمه وكتابه بذلك، وقد سُئِلَ النبي ﵊: هل ما يعملُه الناس قد جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قيل: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميَّسَر لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة

стр. 108

فيُيَّسَر لعمل أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاء فيُيَّسَر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل] الآية (١)، فكلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له من شقاوةٍ وسعادة، فمَن كان من أهلِ السعادة؛ فيُيسَّرُ لعملِ أهل السعادةِ فيصيرُ من السعداء، ومَن كان من أهلِ الشقاوة؛ يُيسَّرُ لعملِ أهلِ الشقاوةِ فيكون شقيًّا. قوله: (تعالى اللهُ أن يكون في ملكه ما لا يريد): هذا تنزيهٌ لله عن العجز، وفيه الردُّ على القدرية النفاةِ القائلين بأنَّ أفعالَ العباد ليست بمشيئةِ الله، وأنها خارجةٌ عن قدرته عن ذلك، فلازم كلامِهم: أنَّ الله يكونُ في ملكِه ما لا يريد؛ كالكفر والمعاصي، بل كل ذلك يكون قهرًا على الله. ولهذا قالَ أهلُ السنَّةِ: إنَّ قولَ القدريةِ يتضمنُ تعجيزَ الرب؛ أي أنَّه عاجز، فلا يقدرُ أن يهدي ضالًّا ولا أن يُضِلَّ مُهتديًا، ولا يتصرَّفُ في أفعال العباد، لأنَّها لا تدخل تحت قدرته (٢)، وهذا مذهبٌ باطلٌ شرعًا وعقلًا؛ واللهُ قد أكذبهم في غير ما آيةٍ من كتابِه الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقد رُوي أنَّ القاضي عبد

стр. 109

الجبار الهمذاني المعتزلي (١) دخل على أبي إسحاق الإسفرائيني (٢) فقال: «سبحان مَنْ تَنَزَّه عن الفحشاء»، وهذا كلامٌ طَيِّبٌ في ظاهره، لكنَّه يرمز به إلى شيءٍ من مذهبه، فهو يريد أن يعترضَ به على من يُثبِتُ القدرَ، فيقول: «سبحان مَنْ تَنزَّهَ عن الفحشاء»؛ يعني: سبحان مَنْ تَنزَّه عن أن يريد الكفر والمعاصي، ففَهِم أبو إسحاق الإسفرائيني مغزاه، فأجابه على الفور قائلًا: «سبحان مَنْ لا يكون في مُلكه إلا ما يشاء» (٣). والإرادةُ نوعان: إرادةٌ كونية، وهي بمعنى المشيئةِ، وإرادةٌ شرعيةٌ وتتضمنُ المحبةَ، وفرَّق العلماءُ بينهما، فمن شواهدِ الإرادةِ الكونية؛

стр. 110

قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيد (١٦)﴾ [الحج]، ومن شواهدِ الإرادة الشرعية؛ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. والفرقُ بين الإرادتين: أنَّ الإرادةَ الكونية عامَّةٌ لجميع الموجوداتِ، المحبوبُ منها والمبغوضُ، وأنَّ مُتعلَّقَها لا بدَّ أن يكون، فما شاءَ اللهُ كان ولا بدَّ. وأمَّا الإرادةُ الشرعيةُ؛ فهي مُختصَّةٌ بِمَحَابِّه ، ثم مُتعلّقها قد يكونُ وقد لا يكون. وتجتمعُ الإرادَتان: الكونيةُ والشرعية في إيمانِ المؤمن، فإيمانُ أبي بكرٍ واقعٌ بالإرادتين، وتنفردُ الإرادة الكونيةُ بكفرِ الكافر، فهو واقع بمشيئتِه وتقديره ، وليس مرادًا شرعًا، وتنفردُ الإرادةُ الشرعية بإيمان الكافرِ الذي لم يحصُلْ، فهو مطلوبٌ شرعًا ولكنه لم تتعلَّقْ به المشيئةُ، فلذلك لم يحصل (١). وتقسيمُ الإرادةِ إلى كونيةٍ وشرعيةٍ يجري مثلُه في معانٍ متعددةٍ مضافةٍ إلى الله في القرآن؛ كالإذنِ والبعث والإرسال والقضاء والتحريم والحكم والأمر، فكلٌّ من هذه المذكورات وغيرها تنقسم إلى كونيةٍ

стр. 111

وشرعيةٍ، فالإذن - مثلًا - كونيٌّ؛ كقوله تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وشرعيٌّ؛ كقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]، والبعثُ الكونيُّ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء: ٥]، والبعثُ الشرعيُّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ [النحل: ٣٦]، والتحريمُ الكوني؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، والشرعيُّ؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهكذا بقيَّةُ المعاني، وشواهدُها في القرآن معروفةٌ (١). وينبغي أن يُعلَمَ أنَّ المشيئةَ لا تنقسم؛ فلا يقال: إنَّ المشيئةَ نوعان: شرعيةٌ وكونيةٌ. بل المشيئةُ كونيةٌ فقط، وليس لمن قال: «إنَّ المشيئةَ نوعان» ما يَشهدُ لقوله، وهي عامةٌ لجميع الموجودات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قوله: (أو يكون لأحدٍ عنه غنى): أي: أن يستغني عنه أحدٌ، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، فلا غنًى لأحدٍ عنه سبحانه، فالعبادُ فقراءُ إليه في وجودهم، وفي بقائِهم، وفي جميع أمورهم، فالعبدُ لا يقدرُ إلَّا على ما أقدرَه اللهُ عليه، ولا يفعلُ إلا ما أعانه اللهُ عليه.

стр. 112

قوله: (أو يكون خالقٌ لشيءٍ): أي: تعالى أن يكون أحدٌ خالقًا لأيِّ شيءٍ، وهذا كلُّه ردٌّ على القدريَّةِ؛ لأنَّ القدريَّةَ النفاة يقولون: إنَّ العبادَ خالقون لأفعالهم. قوله: (إلَّا هو ربُّ العباد، وربُّ أعمالهم): إلا هو ربُّ العبادِ وخالقُهم ومالكُهم والمنعِمُ عليهم، وهو ربُّ أفعالهم؛ أي: أنه خالقُ أفعالهم بمشيئتِه وقدرته، وفي بعض النسخِ بدل: «إلَّا» «ألَا»، وهو خطأ. قوله: (والمقدرُ لحركاتهم وآجالهم): أي: هو المقدِّرُ الذي سبق علمُه وقدره، (لحركاتهم) أي: حركات العباد؛ وهي أفعالهم: طاعاتهم ومعاصيهم. (وآجالهم): أي: هو المُقدِّرُ لآجالهم، فاللهُ قَدَّرَ الأقدارَ وضربَ الآجالَ، والآياتُ الدالَّة على تقديرِ الآجالِ كثيرةٌ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون (٣٤)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُون (٢)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب (٣٨)﴾ [الرعد]. فلهذه الدنيا أجلٌ محتومٌ معلوم، وإذا انتهى عمرُ الدنيا؛ قامت القيامةُ، ولكلٍّ نفسٍ أجلٌ، ولكلِّ أمَّةٍ أجلٌ.

стр. 113

ومن فروعِ هذه المسألة: قولُ أهل السنَّة: إنَّ المقتولَ ميتٌ بأجلِه ؛ خلافًا للمُعتزلةِ في قولهم: إنَّ المقتولَ مقطوع عليه أجله، ومعناه عندهم: أنَّ المقتولَ قد يكون عمره مئة سنةٍ - مثلًا - فاعتدى عليه القاتلُ فقطع عليه أجلَه، وهذا مناسبٌ لقولهم: إنَّ أفعالَ العباد لا تدخل تحت قدرة الله، وأهلُ السنَّة يقولون: بل هو ميتٌ بأجله، فاللهُ قد سبقَ عِلمُه وكتابُه بأنَّ عُمرَه كذا وأنَّه يموت بالقتل (١). * * * * *

стр. 114

بعث الرسل نعمة من الله على العباد، وقطعٌ لحجتهم على الله (الباعثُ الرُّسُل إليهم؛ لإقامة الحجَّةِ عليهم، ثم ختم الرسالةَ والنَّذارةَ والنبوَّةَ بمحمَّدٍ نبيِّه ﷺ ، فجعله آخرَ المرسلين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنزل عليه كتابَه الحكيم، وشرح به دينَه القويم، وهدى به الصراطَ المستقيمَ): بعدما ذكرَ المؤلفُ وجوبَ الإيمانِ بالقدَرِ وفصَّلَ في ذلك، وهو من تمام الكلامِ في التوحيد؛ أتبعَ ذلك بذِكرِ بعثِ اللهِ الرُّسل، وأنَّ الله تعالى بعثَ الرُّسلَ مُبشِّرين ومُنذِرين؛ لإقامةِ الحُجَّةِ على العبادِ؛ قال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وختمَهم بمحمدٍ عبده ورسوله سيّدِ المرسلين صلواتُ الله عليه وعليهم أجمعين؛ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وأخبر تعالى أنه بعثَ الرسلَ يدعون إلى عبادة اللهِ وتركِ عبادةِ ما سواه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وبيَّنوا للناس شرائعَ الدِّينِ، والحلالَ والحرامَ، وأوجب على العباد طاعتَهم واتِّباعَهم.

стр. 115

وذِكْرُ بَعثِ الرُّسلِ بعد ذِكرِ القدَرِ يتضمَّنُ تقريرَ أصلٍ؛ وهو: وجوبُ الإيمانِ بالشرعِ والقدر، فلا بدَّ من الإيمان بالأمرَين جميعًا (١). وقد أحسنَ المؤلف بذِكرِ بعثِ الرُّسلِ بعد تقرير إثبات القدر، فلا بدَّ من الإيمانِ بهذا وهذا لأنَّه لا يستقيم دين العبد حتى يؤمن بالشرع والقدر جميعًا. قوله: (الباعثُ الرُّسُلَ إليهم؛ لإقامة الحجَّةِ عليهم): الغايةُ من إرسالِ الرسلِ هو دعوةُ الخلقِ، والإعذارُ إليهم -كما تقدَّمَ (٢) - بشارة للمستجيبين، وإنذارًا للمُعرضين والمُكذِّبين، بل النّذارةُ عامَّةٌ، وأوَّل المُنتفعين بها هم الذين استجابوا لدعوةِ الرسلِ، قالَ الله في الكفار: ﴿وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم (١١)﴾ [يس]. قوله: (ثم ختم الرسالةَ): أوَّلُ الرسلِ: نوحٌ ﵇ (٣)، فلَمَّا حدثَ الشِّركُ في العالمِ في قومه، أرسلَ اللهُ نوحًا فلبثَ في قومه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وما آمنَ معه إلا قليلٌ، وختمَ النبوةَ بمحمدٍ ﷺ ؛ كما قالَ تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ

стр. 116

النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقالَ ﵊: «فُضِّلُت على الأنبياء بستٍّ»، وذكرَ منها: «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» (١)، فمن خصائصِه: عمومُ الرسالةِ، وختمُ النبوةِ به. ولهذا لا يُحقِّقُ المكلَّفُ شهادةَ أنَّ محمدًا رسولُ الله إلَّا بأنْ يؤمنَ بأنَّه رسولُ الله إلى الناسِ كافةً، ويؤمنَ بأنَّه خاتمُ النبيِّين؛ فلا نبيَّ بعده. فمَن أنكرَ واحدةً من هاتَين الخصيصتَين للرسولِ؛ فإنَّه لم يُحقِّق شهادةَ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فمن قالَ: رسالةُ محمَّدٍ خاصَّةٌ بالعربِ وليست عامةً للناس كلُّهم؛ فهو كافرٌ لأنَّه لم يشهد أنَّ محمدًا رسول الله على الحقيقة، ومَن قال: إنَّه ليس خاتم النبيِّين، بل يجوز أن يُبعَث نبي بعده؛ فهو كافرٌ. فلا بدَّ لصِّحةِ إسلامِ المُكلَّفِ أنْ يشهدَ أنَّ محمدًا رسولُ الله إلى الناسِ كافةً، وأنَّه لا نبيَّ بعده. والرسولُ ﷺ له فضائلُ، وخصائصُ، وقد أثنى اللهُ عليه في كتابِه ثناءً مُجملًا ومُفصَّلًا؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب]، فهذه الصفاتُ الخمس هي الغايةُ من إرساله. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ

стр. 117

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٨)﴾ [الأعراف]. وهاتان القضيتان من ضرورياتِ الدِّينِ، ومعناه أنَّهما ممَّا عُلِمَا من دينِ الإسلام بالضرورة، وهما: عمومُ الرسالةِ وخَتمُ النبوةِ، فمَن جحدَهما أو واحدةً منهما فهو كافرٌ، وإن كان مسلمًا فإنَّه يرتدُّ بذلك. وبهذه المناسبة نذكرُ التعريفَ المشهورَ للنبيِّ والرَّسولِ، وهو: أنَّ النبيَّ مَنْ أُوحيَ إليه بشرعٍ ولم يُؤمرْ بتبليغه، والرسولَ مَنْ أُوحيَ إليه بشرعٍ وأُمرَ بتبليغه (١)، وهذا التعريفُ غيرُ مُستقيمٍ في الحقيقة وإن كان هو المشهورُ؛ لأنَّ معنى هذا أنَّ النبيَّ عمله قاصرٌ على نفسه، فمعناه أنَّه لا يُعلِّم، فهو أُوحيَ إليه بشرعٍ ولم يُؤمرْ بالتبليغِ، فلا دعوةَ ولا أمرَ ولا حُكمَ، وهذا غيرُ صحيحٍ، بل الأنبياءُ يدعونَ إلى الله ويحكمونَ بين الناسِ، قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وكما في قصةِ داودَ ﵇ وغيرها؛ ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ

стр. 118

يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين (٧٨)﴾ [الأنبياء] (١). ولكنَّ التعريفَ الذي ذكرَه شيخُ الإسلام مُنضبطٌ وجيدٌ؛ وهو: أنَّ الرسولَ هو مَنْ أُرسلَ إلى قومٍ كفَّارٍ مُكذِّبين؛ مثل: نوحٍ، وهود، وصالح، وموسى، وهارون، ﵈ وغيرهم، أمَّا النبيُّ فهو من أُرسلَ إلى قومٍ مؤمنين (٢)، ويَستشهِدُ شيخُ الإسلامِ على هذا بقولِه : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]، فأضافَ الإرسالَ إليهما، فدلَّت الآيةُ على أنَّ النبيَّ مُرسلٌ، وأنَّ المرسلين منهم النبيُّ ومنهم الرسولُ. فالإرسالُ الشرعيُّ عامٌّ يشملُ الأنبياءَ والرُّسل، وخاصٌّ بالرُّسل؛ فالرسولُ هو المُرسَلُ إلى قومٍ كفَّارٍ، والنبيُّ مَنْ أُرسلَ إلى قومٍ مؤمنين يعلِّمُهم ويحكمُ بينَهم، ويأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المُنكرِ؛ كما تقدَّم. وهذا التقريرُ لشيخِ الإسلام يُؤيده آياتٌ؛ فإنَّ الله سمَّى أنبياءَ بني إسرائيل من بعدِ موسى رُسلًا؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧]، فليس بعد موسى رسولٌ بالمعنى الخاصِّ إلَّا المسيحُ ثم محمَّدٌ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

стр. 119

وقول المؤلف: (ثم ختم الرسالةَ والنَّذارةَ والنبوَّةَ بمحمَّدٍ نبيِّه ﷺ : تقريرٌ لختمِ الأنبياءِ بالرسول محمد ﷺ ، وختمُ النبوةِ يستلزم ختمَ الرسالةِ، والبشارةُ والنَّذارةُ من مرسَلٍ، وأمَّا البشارةُ والنذارةُ من تابعٍ فهي باقيةٌ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ يدعو إلى الله يُبشِّرُ المؤمنين، ويُنذرُ المكذِّبين، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ عبارةَ المؤلفِ في ختم البشارةِ والنذارةِ ليست على إطلاقها، وذِكرُ المؤلِّفِ لهذه المعاني تأكيدٌ لختم النبوة. قوله: (وأنزلَ عليه كتابَه الحكيم): أي: أنزلَ عليه القرآنَ، والقرآنُ له أسماءٌ منها: الكتابُ، والفرقانُ، والذِّكرُ، وأَحسنُ الحديثِ. وله صفاتٌ كثيرةٌ: كالحكيمِ، والعزيزِ، والمجيدِ، والعظيمِ، والكريمِ، والمباركِ، وكلُّ اسمٍ له دلالةٌ (١). ويُمثِّلُ شيخُ الإسلام بأسماءِ القرآنِ للأسماءِ المُتكافئةِ، التي تتَّحدُ من وجهٍ وتختلفُ من وجه (٢)، فالقرآنُ له أسماء، كلُّها تدلُّ على المُسمَّى، فهو القرآنُ والكتابُ المُنزَّلُ على محمَّدٍ، ولكن كلُّ اسمٍ له دلالةٌ، فأسماءُ القرآن تدلُّ على معانٍ وصفاتٍ من صفاتِ القرآن.

стр. 120

ووصفُ القرآنِ بأنَّه حكيمٌ يتضمن معنى الحُكمِ بين المختلفين، فهو حكيمٌ بمعنى حاكمٌ، والإحكامُ كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ويتضمَّن معنى الحكمة التي هي كلُّ قولٍ صائبٍ وعملٍ صالحٍ. قوله: (وشرحَ به دينَه القويمَ): يحتمل أنه يريد به القرآن أو الرَّسول، وكلٌّ من المعنيين حقٌّ، والدّينُ القويمُ المُستقيمُ هو دينُ الإسلامِ. قوله: (وهدى به الصراطَ المستقيمَ): كما قالَ سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى] فالرَّسولُ يهدي بالدعوةِ والبيانِ. والهدايةُ هدايتان: هدايةُ التوفيقِ، وتلك مُختصَّةٌ بالربِّ تعالى، وهي: مختصةٌ بالمؤمنين الذين وفَّقهم اللهُ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦] وهدايةُ الدلالةِ والإرشاد، وهذه تكونُ من الرسلِ وأتباعِهم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى]، وهي عامةٌ لجميع المكلَّفين: المؤمن والكافر؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]. * * * * *

стр. 121

ذكر البعث والجزاء وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ اللهَ يبعثُ مَنْ يموت، كما بدأهم يعودون. وأنَّ اللهَ سبحانه ضاعفَ لعباده المؤمنين الحسنات، وصفحَ لهم بالتوبة عن كبائر السيِّئاتِ، وغفرَ لهم الصغائرَ باجتناب الكبائرِ، وجعل مَنْ لم يتبْ من الكبائر صائرًا إلى مشيئته ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، ومَن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه، فأدخله به جنَّته ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧)﴾ [الزلزلة]، ويخرج منها بشفاعة النبيِّ ﷺ مَنْ شفع له من أهل الكبائر من أُمَّته. هذا شروعٌ من المؤلف في تقرير ما يجب اعتقادُه في اليوم الآخر، وهو الأصلُ الخامسُ من أصول الإيمان، ولو قَدَّمَ الكلامَ فيه على الكلام في القدَر لكان أولى؛ لأنَّ الإيمانَ بالقدر هو الأصلُ السادسُ. والساعةُ: اسمٌ من أسماءِ القيامة. وقوله: (آتيةٌ)؛ أي: واقعةٌ في وقتها الذي قدَّره اللهُ. ولها أسماء كثيرةٌ؛ كالقيامةِ، والساعةِ، ويومِ البعثِ، ويومِ النُّشورِ، ويومِ الجزاءِ، ويومِ

стр. 122

الحسابِ، إلى غير ذلك، وقد جمعها بعضُ العلماءِ في مؤلَّفٍ (١)، قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٢]: أي: تقومُ القيامةُ. وساعةُ القيامةِ هذه إحدى الخمسِ التي استأثرَ اللهُ بعلمها المذكورةِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، وقالَ جبريلُ للنبيِّ ﵊: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (٢)، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]. قوله: (لا ريبَ فيها): أي: لا شكَّ فيها، فيجب الإيقانُ بها؛ لأنَّ قيامَ الساعةِ داخلٌ في الإيمان باليوم الآخرِ الذي هو من أصولِ الإيمانِ. قوله: (وأنَّ الله يبعثُ مَنْ يموتُ): لو قالَ: وأنَّ اللهَ يبعثُ مَنْ في القبورِ؛ لكان أحسن؛ لأنه الموافق للفظ القرآنِ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور (٧)﴾ [الحج].

стр. 123

وقد ردَّ اللهُ على الكفار في جحدِهم للبعثِ بذكر الأدلة على قدرتِه التامَّة، فلا يُعجزُه شيءٌ، وهي طُرق القرآنِ في إثبات إمكان البعث: أحدها: الاستدلال بالنشأة الأولى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُون (٦٢)﴾ [الواقعة]، وقال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيد (١٥)﴾ [ق]. الثاني: الاستدلال بخلق السماوات والأرض؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٣٣)﴾ [الأحقاف]، وقد ذكر شيخُ الإسلام الطُرقَ الأربعةَ بشواهدها من القرآن في «الردِّ على المنطقيين» (١). قوله: (كما بدأهم يعودون): أي: كما بدأَ خلقهم من ترابٍ ومن نطفةٍ يُعيدُهم ويُنشئُهم نشأةً أخرى تُناسبُ حياةَ البقاء، وفي هذا إشارةٌ من المؤلف إلى الدليل الأوَّل، وهو الاستدلالُ بالمبدأ على المعاد.

стр. 124

قوله: (وأنَّ اللهَ سبحانه ضاعفَ لعباده المؤمنين الحسنات، وصفحَ لهم بالتوبة عن كبائر السيِّئاتِ … ) إلى آخره: في هذه الجملةِ يذكرُ المؤلفُ فضلَه على عبادِه المؤمنين، وأنَّه يُضاعفُ لهم الحسنات، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فأقلُّ تضعيفِ الحسنةِ بعشرِ أمثالها، إلى سبع مئةِ ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة (١). وجاء في الحديث: «مَنْ تصدَّقَ بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، ولا يقبل اللهُ إلَّا الطيَّبَ، وإنَّ اللهَ يتقبَّلها بيمينه، ثم يُربيها لصاحبه، كما يُربِّي أحدُكم فلوَّه، حتى تكون مثلَ الجبل» (٢). هذا التضعيفُ فوقَ الخيالِ، عدْل تمرةٍ ثم تكون كالجبلِ. فمِنْ فضلِه تعالى أنَّه يُضاعفُ لعباده المؤمنين الحسنات، يعني: يقبلُها ويُضاعفُ أجرَها، أمَّا السيئاتُ فإنها بمثلها؛ قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون (١٦٠)﴾ [الأنعام]. ثم من فضلِه تعالى أنَّه يغفرُ لكلِّ من تابَ إليه، فيغفرُ للمؤمنين كبائرَ الذنوبِ بالتوبةِ، ولكنْ مغفرةُ الذنوب لها مُكفِّراتٌ عِدَّةٌ، بلغت أحدَ عشر سببًا (٣) أعظمُها وأعمُّها وأكملُها التوبةُ، فإنها لا تضيقُ بأيِّ ذنبٍ،، فاللهُ

стр. 125

يتوب على الكفارِ والمشركين، فالنصارى المُثلِّثةُ يقولُ الله فيهم: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: ٧٤]، وقال في أصحاب الأُخدود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]. فمغفرةُ الذنوب بالتوبةِ ليست من خصائصِ المؤمنين، بل التوبةُ سببٌ لمغفرة جميعِ الذنوب، فكلُّ مَنْ تابَ تابَ اللهُ عليه، حتى الكافرُ كما تقدَّم، ولكنْ عبارةُ المؤلف تقتضي أنَّ الكبائرَ لا تُغفر إلَّا بالتوبةِ، وفي هذا نظرٌ؛ فقد تُغفَرُ الكبائرُ برجحان الحسناتِ العظيمةِ، وقد تُغفَرُ بالمصائب، أو بالاستغفار والإلحاحِ على الله بطلبِ المغفرة، وغير ذلك من أسباب المغفرة، وذلك راجعٌ إلى مشيئة الله وحكمته (١). أمَّا الصغائرُ؛ فيقولُ المؤلِّفُ: إنَّها تُغفرُ باجتنابِ الكبائرِ. ودليل هذا قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء]، وتُغفرُ أيضًا بالأعمالِ الصالحةِ كما في الحديثِ الصحيح: «الصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إِلى الجمعةِ، ورمضانُ إِلى رمضانَ مُكفِّراتٌ ما بَينهُنَّ، إذا اجتُنبتِ الكبائرُ» (٢)، فتُكفَّرُ الصغائرُ بالأعمالِ الصالحةِ وباجتناب الكبائر، ثم مَنْ ماتَ من أهل التوحيد على بعض الكبائر من غير توبةٍ؛ فهو في مشيئةِ الله، إنْ شاء اللهُ غفرَ له ولم يُعذِّبْه، وهو الحكيمُ العليمُ الغفورُ الرحيمُ، وإنْ شاءَ عذَّبَه بذنبه، ثم يخرجه من النارِ؛ خلافًا للخوارجِ والمُعتزلةِ القائلين بتخليد

стр. 126

أهلِ الكبائرِ في النار إذا ماتوا من غير توبة، فخالفوا نصوصَ الكتابِ والسنَّةِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، وهذه الآيةُ في حقِّ غيرِ التائبِ، أمَّا مَنْ تابَ فإنَّ اللهَ يتوب عليه حتى الشرك والكفر، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر]، وهذه الآية في التائبين، وبهذا يحصلُ الجمعُ بين آية النساء وآية الزمر (١). وإخراجُه تعالى لمن يُخرجه من النار من أهلِ التوحيدِ يكون بشفاعةِ النبي ﷺ ؛ فإنَّه يشفعُ لأمَّته كما جاءَ في الحديثِ أنه يشفعُ لأمته أربعَ مرات، وفي كلِّ مرةٍ يقول: «فَيَحُدُّ لي حَدًّا فأُخرِجُهم مِنْ النَّارِ» (٢)، ويشفعُ الملائكةُ، والأنبياءُ والمؤمنون، لكنَّ نبيَّنا ﵊ له النصيبُ الأوفرُ في الشفاعةِ لأهل التوحيدِ. * * * * *

стр. 127

الجنة والنار موجودتان الآن، وهما دارا الجزاء (وأنَّ اللهَ سبحانه قد خلق الجنَّةَ فأعدَها دارَ خلودٍ لأوليائه، وأكرمَهم فيها بالنَّظر إلى وجهه الكريمِ، وهي التي أهبطَ منها آدمَ - نبيَّه وخليفتَه - إلى أرضه بما سبق في سابق علمه. وخلقَ النارَ فأعدَّها دارَ خلودٍ لمن كفر به، وألحدَ في آياته وكتبِه ورسلِه، وجعلهم محجوبين عن رؤيته). في هذه الجملةِ مسائل: المسألةُ الأولى: يقولُ: (وأنَّ اللهَ سبحانه قد خلقَ الجنَّةَ): يعني ومن الإيمانِ باليوم الآخر: الإيمانُ بالجنة والنار، وأنَّ اللهَ خلقَ الجنة، وأعدَّها للمتقين، وجعلَها دارَ خلودٍ وبقاءٍ لأوليائه. والأدلةُ على وجودِ الجنَّة كثيرةٌ منها قولُه تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء﴾ [الحديد: ٢١]، ومعنى: أُعدّت؛ هُيِّئت، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم]، وكذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل].

стр. 128

وكذلك القولُ في النارِ إنَّها موجودةٌ، وأن الله خلقها وجعلها دار خلود لمن كفر به، والأدلةُ على وجودِ النار كثيرةٌ؛ منها قوله تعالى في قومِ نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (٢٥)﴾ [نوح]، وقال في فرعونَ وقومِه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (١٣١)﴾ [آل عمران]. ومن السُّنةِ أدلةٌ كثيرة، منها ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ الجنةُ والنارُ» (١)، ومنها: ما ورد في أحاديث عذابِ القبر ونعيمه، وأنَّ الكافر بعد الفتنةِ يُفتَحُ له بابٌ إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسَمومها (٢)، ومنها قوله ﷺ : «إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها

стр. 129

وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (١)، فما ذكره المؤلفُ في الجنة والنار من وجودهما ودوامهما هو معتقدُ أهلِ السنَّةِ والجماعة (٢). وخالفَ في ذلك المعتزلةُ، وقالوا: إنَّهما لم يُخلقا، وإنَّ اللهَ يخلقهما يومَ القيامة، وقالوا بعقولِهم الفاسدة: إنَّ خَلْقَهما الآن عبثٌ، ومذهبُهم باطلٌ مناقضٌ لنصوص الكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ سلفِ الأمة من الصحابة والتابعين (٣). المسألةُ الثانيةُ: مسألةُ النظرِ إلى وجهِ الله، فأعلى نعيمِ أهلِ الجنةِ نظرُهم إلى وجهه الكريمِ. وهذه مسألةُ الرؤية التي وقعَ فيها الافتراقُ بين فِرقِ الأمةِ، فأهلُ السُّنةِ والجماعة يُؤمنون بما دلَّ عليه كتابُ الله

стр. 130

وسُنةُ رسوله، وقد أجمعَ أهلُ السُّنةِ على أنَّ المؤمنين يرون ربَّهم يومَ القيامة عيانًا بأبصارهم: في عرصَات القيامةِ، وبعد دخولِهم الجنةَ كما يشاءُ الله (١). ومن الأدلةُ على رؤية المؤمنين: قولُه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وفسَّرَ النبيُّ ﷺ الزيادةَ بالنظر إلى وجه اللهِ (٢)، وهذا هو معنى الزيادةِ عند السَّلفِ من الصحابة والتابعين (٣)، وقولُه في الكفَّار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]، فدلَّ على أنَّ المؤمنين بخلافِ ذلك؛ أي: لا يحجبون. ومن السُّنةِ: الأحاديثُ الصحيحةُ المُتواترةُ (٤)، فمن ذلك قوله ﷺ : «إنكم سترونَ ربَّكم عيانًا» (٥)، «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمرَ لا

стр. 131

تُضامون في رؤيته» (١)؛ المعنى: أنَّ المؤمنين يرون ربَّهم كما يرَون القمرَ وكما يرون الشمسَ، فشبَّه الرؤيةَ بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئيَّ بالمرئيِّ، ووجهُ الشَّبهِ بين الرؤيةِ والرؤيةِ من وجوه (٢): أحدها: أنَّها رؤيةٌ بصريةٌ. الثاني: أنَّها رؤيةٌ من غير إحاطةٍ، كما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ أي: لا تحيط به. الثالث: أنَّهم يرونَه من فوقهم؛ كما هو الشأنُ في رؤية الشمسِ والقمرِ، والعلوُّ من لوازم ذاتِه. الرابع: أنَّهم يرونه ظاهرًا لا يلحقهم في النظر إليه ضَيْمٌ ولا ضررٌ. ومنها قوله ﷺ في وصف الجنة: «وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربهم إلَّا رداءُ الكبرياءِ على وجهه في جنة عدن» (٣)، ومنها حديث التجلي الطويل، وفيه أنَّ الناسَ إذا انصرفوا من الموقف تبقى هذه الأمة، وفيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفونها، ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفونها، فيكشف عن ساقه فإذا رأوه سجد له المؤمنون ممَّن كان يسجد في الدنيا إيمانًا، وأمَّا مَنْ كان يسجد رياءً في الدنيا، وهم المنافقون؛ فإنَّ ظهورَهم تكون طباقًا، كلما أراد أحدٌ أن يسجد خرَّ على قفاه … الحديث (٤).

стр. 132

ومنها: حديثُ صهيبٍ ﵁، وفيه تفسير النبيِّ للزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد تقدَّمت الإشارةُ إليه، ولفظه كما في صحيح مسلم؛ عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون ألم تُبيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنجنا من النار. قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ، ثم تلا رسول الله هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]» (١)، إلى غير ذلك من الآثار، وقد أجمع الصحابةُ فمَن بعدهم من أهل السنَّة على إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. وكلام المؤلف صريح في إثبات الرؤية التي دلَّت عليها الأدلة من الكتاب والسنة، وهو بهذا يوافق قول إمامه مالك بن أنس ﵀؛ فقد روي عنه أنه قال: «لمَّا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه» (٢). وقد أنكرَت المُعطلةُ من الجهميةُ والمعتزلةُ الرؤيةَ بل أنكروا إمكان الرؤية، وتعلَّقُوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقالوا؛ أي: لا تراه الأبصار، والآية حجَّةٌ عليهم، فإنَّ الإدراك هو الإحاطة؛ فالمنفيُّ هو الرؤية مع الإحاطة، ونفيُ الإحاطة يستلزمُ إثبات الرؤية من غير إحاطةٍ؛ لأن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم (٣)، واستدلوا أيضًا؛

стр. 133

بقوله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وزعموا أن «لن» للتأبيد يعني: لن تراني أبدًا. وقد ردَّ المحقِّقُون من أهل اللُّغَة القول بأنَّ «لن» تفيد التأبيد، كما قال ابن مالك في «الكافية الشافية»: وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِ «لَنْ» مُؤبَّدَا … فَقَولَهُ ارْدُدْ وَخِلَافَهُ اعْضُدَا (١) فالصحيح أنَّ «لن» تكون للتأبيد ولغير التأبيد، ومما يدل على ذلك قوله في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ - يعني الموت - ﴿أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فاجتمع في هذه الآية «لن» مع ذكر التأبيد، وقد أخبر أن أهل النار يتمنون الموت كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُون (٧٧)﴾ [الزخرف]، فعُلم أن النفي في آية البقرة - وهو نفي تمنيهم الموت - إنما هو في الدنيا، وأيضًا فإنه تعالى لو كان لا يُرى أبدًا لم يقل لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولقال له: إني لا أُرى، وفرقٌ بين اللَّفظين، فإنَّ قولَه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يُفهم منه أنه تعالى يُرى ولكنَّ موسى لن يراه في ذلك الوقت الذي طلب فيه الرؤية. وقد أطال الإمام ابنُ القيِّم ﵀ في ردِّ الاستدلال بهذه الآية على نفي الرؤية من سبعة أوجهٍ في كتابه «حادي الأرواح» (٢). وها هنا نكتةٌ لطيفةٌ، وهي: أن نفي المعطلةِ للرؤية مناسبٌ لنفي الصفات؛ لأنَّ ما لا صفة له لا وجود له فهو معدومٌ، والمعدومُ لا يُرى،

стр. 134

وعليه فنفيهم للرؤية فرعٌ عن نفيهم للصفات، ولهذا قال عبد العزيز الماجشون (١): «وإنما جحدَ رؤية الله يوم القيامة؛ إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنَّه قد عرف أنه إذا تجلَّى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا» (٢). ومن أقوال أهل البدع المنحرفة في مسألة الرؤية: قول الأشاعرة، فإنَّهم يقولون: إنَّه تعالى يُرى لكن لا في جهة، يعني: لا يُرى من فوق، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا من أسفل، وهذا جارٍ على طريقتهم في التلفيق في باب الصفات، كما صنعوا في إثبات الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا أكثرها، ومثل ذلك قولهم في صفة الكلام؛ فإنهم أثبتوا الكلامَ النفسيَّ، ونفوا الكلامَ المسموع، وهكذا قولهم في الرؤية ملفَّقٌ من مذهب أهل السنَّة، ومن مذهب المعتزلة، بل حقيقةُ قولهم في الرؤية يؤول إلى نفي الرؤية، فإنَّ الرؤيةَ في غير جهةٍ غيرُ معقولة؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون المرئيُّ في جهةٍ من الرائي، ولذا أهلُ السنَّةِ والجماعةِ يقولون: إنَّ اللهَ تعالى يُرى في العلو. ومنشأُ قولِ الأشاعرةِ من أنَّه تعالى يُرى لا في جهة؛ هو أنَّهم ينفون صفةَ العلو لله ، فهم ينفون علوَّ اللهِ على خلقه، فاللهُ عندهم

стр. 135

في كلِّ مكان، ولا يُوصف بأنَّه فوق المخلوقات بمعنى: أنَّه فوقهم بذاته، لكن إذا قالوا: بأنَّ اللهَ فوق المخلوقات فيعنون بذلك الفوقية المعنوية، وهي فوقيةُ القَدْرِ. فمذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعة حقٌّ خالصٌ، ومذهبُ الجهميَّةِ والمعتزلةِ مذهبٌ باطلٌ ليس فيه من الحقِّ شيءٌ، ومذهبُ الأشاعرةِ فيه حقٌّ وباطلٌ، فقولهم: «إنه يُرى بالأبصار» حقٌّ، وقولهم: «لا في جهة» باطلٌ (١). المسألةُ الثالثةُ: مسألةُ الجنةِ التي أُهبطَ منها آدم، فالذي عليه الجمهورُ أنَّها هي جنةُ الخلد التي خلقَها الله وأعدَّها لأوليائِه، قال الله تعالى: ﴿نَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه]، وقالَ: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين (٣٥)﴾ [البقرة]. وقالَ آخرون: إنَّها ليست جنةُ الخلدِ التي أُعدَّت للمتقين، بل جنةٌ في مكانٍ عال في ربوةٍ من الأرضِ اللهُ أعلمُ حيث كانت.

стр. 136

وقد احتجَّ كلٌّ من الفريقَين بحُججٍ، وقد استوفاها ابنُ القيمِ في كتابَيْه: «حادي الأرواح إلى بلادِ الأفراح» (١)، الذي خصَّه في شأن الجنةِ، وكذا في كتابِه: «مفتاحُ دارِ السعادة» عرضَ لهذه المسألةِ (٢)، والراجَّحُ عنده أنها جنةُ الخلد، وهو واضحٌ من كلامه في الكتابين، وهذا - والله أعلمُ - يمكنُ أن نقولَ: إنَّه ظاهرُ القرآنِ؛ فموسى يقولُ لآدم: «أخرجتك خطيئتك من الجنة» (٣)، وهو الصواب. قال شيخُ الإسلام ﵀: «والجنةُ التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنَّةِ والجماعة: هي جنةُ الخلدِ، ومَن قال: إنَّها جنةٌ في الأرض بأرضِ الهندِ أو بأرضِ جدةِ أو غير ذلك؛ فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين، فإنَّ هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتابُ والسنَّةُ يردَّان هذا القولَ، وسلفُ الأمةِ وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول» (٤).

стр. 137

والظاهرُ أنَّ سجودَ الملائكةِ لآدمَ، وما كان من إبليسَ؛ أنَّ ذلك كلَّه كان في السماءِ، والجنةُ في السماءِ، وأيضًا قولُه تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] يدلُّ على أنهم ما كانوا في الأرضِ، بل أُهبِطُوا إلى الأرض، ومن يقول: إنها جنةٌ غير جنةِ الخلدِ يقول: إنها جنةٌ في الأرضِ، واللهُ أعلم. قوله: (وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه): المناسب أن يقال خليفة الله في أرضه، وكأنه ﵀ أخذه من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وفي الآية أقوالٌ للمفسرين (١) هذا أحدُها، وقيل: سُمِّي آدمُ خليفةً؛ لأنه صار خليفةً لخلقٍ قبله كانوا على الأرض، وقيل: سُمِّي خليفةً؛ لأنَّ اللهَ جعله وذريته خلائف؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، والقول الذي مشى عليه المؤلف، وهو أنَّ آدمَ خليفةُ اللهِ؛ ضعيفٌ، إلَّا أن تكون الإضافةُ للتشريف، فإنَّ الخليفةَ مَنْ يخلف غيره إذا غاب أو مات، واللهُ تعالى حيٌّ لا يموتُ وشاهدٌ لا يغيبُ، فلا يكون أحدٌ خليفةً عنه، بل هو تعالى الذي يخلف عبدَه في مغيبه أو موته؛ كما في دعاء السفر: «اللهمَّ أنت الصاحبُ في السَّفر، والخليفةُ في الأهل» (٢)، وكما

стр. 138

قال ﷺ في حديث الدَّجَّال: «وإن يخرج، ولست فيكم فامرؤ حجيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ» (١). وبعد ف هل يقال آدمُ خليفةُ الله؟ (٢) نقول: لا يجوزُ ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنَّة وَصْفُ آدمَ بأنه خليفة الله؛ يعني خليفة عنه، أو خليفة الله من باب التشريف؛ لأنَّها إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقه، ومن باب أولى أنَّه لا يجوز أن يُقال للإنسان خليفة الله كما يجري على أَلسن كثيرٍ من الناس في هذا العصر. وحقَّقَ هذا المعنى شيخُ الإسلام ﵀ (٣)، وابنُ القيم في «مفتاحِ دارِ السعادة» (٤) حين شرحَ وصايا عليٍّ ﵁ لصاحبِه كُمَيْلِ بن زياد (٥). والتعبيرُ عن الملوكِ بأنهم خلفاءٌ؛ راجعٌ إلى أنَّ بعضهم يخلفُ بعضًا، فهذا يموتُ أو يُعزلُ، ثم يأتي مَنْ بعده، فالذي جاءَ خليفةٌ عمَّن قبله، فهم خلفاءُ بهذا الاعتبار، وليس في ذلك فضيلةٌ، أو خصوصية

стр. 139

بتسميته خليفةً أو ملكًا فهما سيَّان، وتفاضل هؤلاء الملوك أو الخلفاء بحسب ما يقيمونه من الدين والعدل فأفضلهم أقومهم بأمر الله؛ فالخلافةُ ذات الفضيلةِ هي خلافةُ النبوة، وهي مُختصَّةٌ بخلافةِ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ليس إلَّا، بدليل ما جاء في الحديث الصحيح: «خلافةُ النبوةِ ثلاثون سنةً ثم يؤتي اللهُ الملكَ مَنْ يشاء» (١)، ولهذا يُعرَف هؤلاء بالخلفاء الراشدين، ويقال: زمنُ الخلافةِ الراشدة، وسماهم النبيُّ ﷺ بالخلفاء الراشدين المهديين؛ في قوله ﷺ : «عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعدي … » الحديث (٢)، أمَّا مَنْ بعد

стр. 140

الخلفاءِ الراشدين؛ فهي خلافةٌ عاديةٌ ليس لها فضيلةٌ، إلَّا بحسب ما تتميزُ به من القيامِ بأمرِ الله، ولهذا تَمَيَّزَ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ بِمَا وفَّقَه اللهُ له من العدلِ والقيامِ بدين الله، فكان معدودًا عند بعضِ أهل العلم من الخلفاءِ الراشدين (١)، ولا ريب أنه خليفةٌ راشدٌ ومَلِكٌ عادلٌ، لكنه لا يبلغ درجةَ الخلفاء الأربعة الراشدين، بل ولا معاوية ﵁؛ لِمَا له من فضيلة الصُحبةِ التي لم يُدركها عمرُ ﵄، وأمَّا مَنْ سِواه؛ فهم خلفاءُ وملوك؛ لأنَّهم كما تقدَّمَ يخلفُ بعضُهم بعضًا، فاللاحقُ خليفةٌ عن السابقِ، وتقدم ذكر ما يتفاضلون به، واللهُ أعلم. قوله: (وخلقَ النارَ فأعدَّها دارَ خلودٍ لمن كفرَ به وأَلحدَ في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته): هذه الجملةُ مُتَّصلةٌ بالتي قبلها، والكلامُ فيها مُرتبطٌ بما قبله في مسألةِ وجود الجنة والنار، ودوامهما، فالجنةُ والنارُ موجودتان، وقد خُلقتا للبقاء، فاللهُ خلقَ الجنة وجعلها دارَ خلودٍ لأوليائه، وخلقَ النارَ

стр. 141

وجعلها دارَ خلودٍ لأعدائِه الكافرين، وقد تقدم ذِكر الأدلة على ذلك قريبًا؛ كقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣)﴾ [آل عمران]، وقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين (٢٤)﴾ [البقرة]، ومن الأدلة على دوامهما قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] في عدد من الآيات، وقوله في أهل النار في عدد من الآيات: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩]. وقد اتفقَ أهلُ السُّنةِ على أنَّ الجنةَ والنار موجودَتان مخلوقتان، لا تفنَيان أبدًا ولا تبيدان، وذهب الجهمُ بن صفوان ومَن تبعه إلى القول بفناء الجنةِ والنارِ؛ لأنَّ من الممتنع عنده دوامُ المخلوقات في الماضي، والمستقبل (١). أمَّا الجنةُ فقد أجمعَ أهلُ السنَّةِ على دوامِها وبقائها، وأمَّا النارُ فمنهم مَنْ يَحكي الإجماعَ (٢)، ومنهم مَنْ يحكي بعضَ الخلافِ في دوامِ النار، وجمهورُ أهلِ العلمِ والسَّلفِ على أنَّ النارَ دائمةٌ لا تفنى

стр. 142

- نعوذ بالله من النار -، ويشهد لما قال المؤلف قولُ ابن أبي زَمَنين (١) في كتابه «أصول السنة»؛ قال: «باب في الإيمان بأنَّ الجنة والنار لا يفنيان قال محمد (٢): وأهل السنة يؤمنون بأنَّ الجنة والنار لا يفنيان ولا يموت أهلُوها» (٣). وقد عرضَ ابنُ القيم في كتابَيْه «حادي الأرواح»، و «شفاء العليل» لمسألةِ دوامِ الجنةِ والنار (٤)، وقال في «شفاء العليل» (٥): وسألت عنها شيخَ الإسلام، فقال: هذه مسألةٌ عظيمةٌ كبيرةٌ، ولم يُجب ثم إنَّه ألَّف فيها المؤلَّف المعروف (٦)، وحكى في «حادي الأرواح» أنَّ شيخَ الإسلام قال: «فيها قولان معروفان عن السَّلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين» (٧).

стр. 143

ولا يجوزُ أن يُنسبَ إلى شيخِ الإسلام ولا لابنِ القيمِ القولُ بفناءِ النارِ؛ لأنَّه لم يُصرِّحْ واحد منهما بفناءِ النارِ، وإنَّما يذكران الخلافَ، ووجوهَ الاستدلالِ (١). فمِن شُبَه القائلين بفناءِ النار: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ [هود]، وأجيب بأن المُرادُ مدَّةُ مُكثِهم في الدنيا، أو مُكثُهم في البرزخِ، أو في مواقفِ القيامة (٢).

стр. 144

وأحسنُ ما قِيلَ في هذا - واللهُ أعلم - أنَّ قوله: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾؛ المرادَ به بيانُ أنَّ خلودَ أهلِ النار فيها بمشيئتِه سبحانه، وهكذا أهلُ الجنة، فدوامُ الجنةِ والنار وبقاؤهما وبقاءُ أهلهما إنما هو بمشيئتِه وبإبقائه تعالى، فليس بقاءُ الجنةِ والنار أو أهلِ الجنةِ والنار كبقاءِ الله، فبقاءُ اللهِ ذاتيٌّ له، وحياتُه ذاتيةٌ له، أمَّا بقاءُ الجنةِ والنار؛ فبإبقائِه تعالى وبمشيئتِه (١). ومع ذِكرِ شيخِ الإسلام وابنِ القيم للقولين؛ لا أذكرُ أنَّهما أضافا - يعني القولَ بفناءِ النار - إلى مُعَيَّنٍ من أهلِ العلم؛ سوى ما رُوي عن بعض الصحابةِ، وإنما يذكران القولَين إجمالًا. وبعضُ الناس يقول: ما ثمرةُ الكلامِ في فناء النار ودوامها؟ وهذا جاهلٌ يظنُّ أنَّه لابدَّ في كلِّ مسألةٍ خلافيةٍ ثمرةٌ عَمَليةٌ، وهذا يُقال في مسائل أحكام الأفعال، وأمَّا مسائلُ الاعتقادِ؛ فالأصلُ أنَّ المطلوبَ فيها الإيمانُ، والخلافُ فيها يكون بالنفي والإثبات، وثمرةُ الكلامِ فيها، وذِكر الخلافِ: معرفةُ الحقِّ من الباطل من أقوال الناس. * * * * *

стр. 145

ذكر أشياء من أحوال الناس يوم القيامة قبل أن ينتهوا إلى الجنة أو النار (وأنَّ اللهَ ﵎ يجيءُ يومَ القيامة: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]؛ لعرض الأمم وحسابِها وعقوبتِها وثوابِها، وتوضَعُ الموازينُ لوزنِ أعمالِ العبادِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٨)﴾ [الأعراف]، ويؤتَون صحائفهم بأعمالهم: فمَن أُوتي كتابَه بيمينه فسوف يحاسَبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أُوتي كتابَه وراءَ ظهرِه فأولئك يَصلون سعيرًا. وأنَّ الصراطَ حقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقدْر أعمالِهم، فناجون مُتفاوتون في سرعة النجاةِ (١) من نار جهنم، وقومٌ أَوْبَقتهم فيها أعمالُهم. والإيمانُ بحوض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُه أُمَّتُه لا يظمأُ مَنْ شربَ منه، ويُذادُ عنه مَنْ بدَّلَ وغيَّرَ). في هذه الجملة مسائلُ ممَّا يجب الإيمانُ به، ويدخل في الإيمان باليوم الآخر، وكان الأَوْلى من المؤلف أن يذكرَها قبل الكلامِ في الجنة والنار في وجودهما ودوامهما؛ لأنَّ كلَّ هذه المسائل متقدِّمةٌ على الجنة والنار في وقتها وترتيبها، فالجنةُ والنارُ منتهى العبادِ بعد الحساب:
следующие страницы →