← Акыда

Акыда · id 1302

التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (210 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة التحقيق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فهذا شرحٌ متوسطٌ لمقدمة الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ﵀، لشيخنا عبد الرحمن البراك - حفظه الله - والذي اختار له اسم «التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية لابن أبي زيد القيرواني». ولا يخفى على طالب علمٍ أهميةُ مقدمة هذه الرسالة ونفاستُها في علم العقيدة؛ فهي على وجازتها عظيمة النفع جدًا، غزيرة الفوائد، حاوية لأصول الاعتقاد على طريقة سلف الأمة ﵃. وقد عقد لها شيخنا سبعة مجالس أتى على جميعها بالشرح والبيان، وذلك ابتداءً من يوم السبت الثاني من شهر رجب إلى غاية السبت التاسع منه عام ١٤٢٩ هـ. ضمن الدورة العلمية الخامسة عشرة في جامع شيخ الإسلام ابن تيمية بالرياض. وفُرِّغت تلك الدروس، ثم عُرضت مؤخرًا على شيخنا - حفظه الله - فكان يُقِرُّ ويُعدِّل، ويزيد وينقص، ويحرِّر ويدقق، حتى وصلت إلى هذه الصورة من التهذيب والتحرير، وقد عهد إلينا في المؤسسة أن نعتني بها فاستعنَّا بالله على ذلك، وكانت طريقة العمل في الإخراج كالتالي:

стр. 2

١ - مقابلة المتن وضبطه على النسخة التي أخرجها الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀، ضمن كتابه: «الردود»، واعتمدنا على الطبعة الأولى لدار «العاصمة» عام ١٤١٤ هـ، وهي العمدة في هذا الشرح، وننبِّهُ في الهامش إلى ما قد يكون من اختلاف بينها وبين النسخ الأخرى، كما ننبِّهُ إلى بعض ما وقع في المتن من إشكالات، وننقل ما يصوِّبه شيخنا في بعض المواضع منها. ٢ - مقابلة الشرح - بعد تفريغه - بأصله المسموع، وتصويب ما وقع في النسخة المفرَّغة من سَقطٍ أو تصحيفٍ. ٣ - تقسيم المتن إلى فقرات، ووضع عنوان لكل فقرة في أعلى الصفحة، ويليهما شرح الفقرة، وكل ذلك من صنع شيخنا - حفظه الله -. ٤ - قراءة الشرح على شيخنا - حفظه الله - كاملًا، قراءةَ ضبطٍ وتصحيحٍ، فكان يصوِّب ويُعدِّل، ويحذفُ ويُضيف، ويحرِّر ويُدقق، حتى استقام على هذه الصورة. ٥ - توثيق النقول التي وردت في الشرح، وعزوها إلى مصادرها. ٦ - ربط مباحث الشرح بكتب السلف والمحققين من أهل السنة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم رحمهما الله وغيرهما من المحققين. ٧ - إحالةُ بعض المباحث إلى مواضع أخرى موسَّعة من كتب شيخنا - حفظه الله -.

стр. 3

٨ - ضبط الكلمات المشكِلة، والعناية بعلامات الترقيم. ٩ - شرح الكلمات الغريبة من المعاجم المختصة ككتب غريب القرآن، وغريب الحديث، ومعاجم اللغة، وغيرها. ١٠ - عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله ، وإثباتها على رواية حفص عن عاصم. ١١ - تخريج جميع الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب. والطريقة في ذلك كالتالي: أ-إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما نقتصر في العزو إليه إلا لفائدة؛ كأن يكون اللفظ المذكور لغيرهما. ب-إذا كان الحديث في غير الصحيحين: - خرَّجناه من أهم المصادر، كالسنن الأربعة ومسند أحمد وموطأ مالك وغيرها من المصادر الحديثية المعتبرة. - لا نتوسع بذكر الطرق والشواهد، وإنما نحيلُ إلى بعض المراجع لمن أراد التوسّع والزيادة، وغالبًا ما تكون الإحالة إلى كتب التخريج والعلل. - ننقل أحكام المحدثين - المتقدمين والمتأخرين - على الحديث صحةً أو ضعفًا. - إن كان الحديث مرويًا عن أكثر من صحابي ذكرنا صاحب اللفظ وأشرنا إلى غيره تبعًا. ١٢ - التعريف بالأعلام غير المشهورين.

стр. 4

١٣ - التعريف بالفِرق والمقالات والكتب غير المشهورة. ١٤ - صنعُ فهرسٍ تفصيلي للموضوعات وآخر إجمالي، وثبت للمصادر والمراجع. ملاحظة: إذا ورد في الهوامش كلمة «شيخنا» فالمراد به صاحب الشرح شيخنا عبد الرحمن البراك - حفظه الله -. وفي الختام نسأل الله أن ينفع بهذا الشرح وأن يجزي شيخنا - حفظه الله - خير الجزاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللجنة العلمية في مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك للتواصل: جوال: ٠٥٠٥١١٢٢٤٢ البريد الإلكتروني:m@sh-albarrak.com

стр. 5

مقدمة الحمدُ لله، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، ومَن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا تعليقٌ على مقدمة كتاب: «الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني ﵀، وقد سميته: «التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية لابن أبي زيد القيرواني»، وهو من أشهر علماء المالكية، ومشهورٌ بأنَّه ﵀ من أهل السنَّة في أبواب العقيدة، وتاريخُه متقدِّمٌ؛ لأنَّه من أعلام القرن الرابع، فإنَّه وُلد سنةَ عشر وثلاث مئة، وتُوفي سنةَ ستٍّ وثمانين وثلاث مئة، وممن أثنى عليه القاضي عياض في ترجمته لابن أبي زيد؛ قال: «وكان أبو محمَّدٍ إمامَ المالكية في وقته وقدوتَهم، وجامعَ مذهبِ مالك، وشارحَ أقوالِه، وكان واسعَ العلم، كثيرَ الحفظِ والرواية؛ كُتبه تشهدُ له بذلك» (١). وهذه الرسالةُ معظَّمةٌ عند المالكية، وهي متنٌ فقهيٌّ، وربما نشبِّهها ب «عمدةِ الفقهِ» من مصنفات الحنابلة، للموفَّق ابن قدامة إلَّا أنَّ ابنَ أبي زيد ﵀ صدَّرها بذكر مسائل الاعتقاد.

стр. 6

ولشهرتها وتعظيمِ المالكيةِ لها ولمؤلفها؛ كثُرت العنايةُ بها، وكَثُرَ شُرَّاحُها وحُفَّاظُها وناظموها، فقد اعتنى بها الناسُ عنايةً عجيبةً: شرحًا ونظمًا ودرسًا وتدريسًا، حتى قيل إنها كُتِبَت بالذّهب (١)، ولا أقول: إنها أفضل من غيرها، ولكنَّ العادةَ أنَّ كلَّ أهلِ مذهبٍ يُعظِّمون علماءَ مذهبهم ومؤلفاتِهم، بل قد يتعصَّبون لهم، وإلَّا فقد قُرئت عليَّ، فوجدتُ أنَّها كتابُ فقهٍ مختصرٍ جدًا؛ ككتب الفقه المختصرة التي تكون عبارتُها فيها خفاءٌ؛ بسبب شدَّةِ الاختصارِ، ك «العمدة» في الفقه على مذهب الإمام أحمد مع أنَّ كتبَ الحنابلة أوضحُ عبارةً من المؤلفات في المذاهب الأخرى، وابنُ قدامة ﵀ ضَمَّن كتابَه بعضَ الأحاديث، ونوَّه عن هذا في المقدمة. و مذهبُ أهل السنَّة في الاعتقاد ليس محصورًا على الحنابلة، فالأئمةُ ﵏ كلُّهم على مذهب السَّلف، بل هم من السَّلف؛ لأنهم على مذهب مَنْ قبلهم من الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - (٢). وقد دخلت المذاهبُ الكلاميَّةُ على كثيرٍ من المتأخرين من أهل المذاهب الأربعة في مسائل الاعتقاد، فتجدُ هؤلاء ينتسبون إلى الأئمة في أبواب ومسائلِ الأحكامِ الفقهيةِ، ويخالفونَ الأئمةَ الذين ينتسبون

стр. 7

إليهم - كالشافعي ومالك مثلًا - في مسائلِ الاعتقاد في الجملة، فمُقِلٌّ ومُستكثِر (١). ويمكن أن يُستشهَد لهذا المعنى ببيتٍ لابن عاشر (٢)؛ قال فيه: في عقد الأشعري وفقه مالك … وفي طريقة الجنيد السالك (٣) فتراه اتَّخذ ثلاثة أئمة: الأشعري في العقيدة، ومالك في الفقه، والجنيد (٤) في السلوك.

стр. 8

فالواجبُ اتباعُ ما مضى عليه الصدرُ الأوَّلُ من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ﵃، والتمسكُ بما مضى عليه الأئمة؛ فإنهم والتابعون ومَن سلك سبيلَهم هم أهلُ السنَّةِ والجماعةِ، لأنهم يعتمدون في دينهم - علمًا وعملًا - على كتاب الله وسنَّة رسوله وما مضى عليه الصحابة -رضوان الله عليهم - ومَن تبعهم بإحسان. فهذا هو طريقُ السلامة والهُدى قبل أنْ يتفرَّق الناسُ وتتَّسعَ الفُرقةُ، فإنَّها حدثت في هذه الأمة مُبكِّرة، لكن لوجودِ الصحابة لم تنتشر، وأمَّا بدايات الفُرقةِ فقد كانت في عهد الصحابة في خلافة عليٍّ ﵁؛ فظهرت الخوارجُ والشيعةُ ثم القدريَّةُ، فكلُّهم وُجِدوا في عهد الصحابة ﵃، ثم لم يزل الاختلافُ والافتراقُ يتَّسعُ وتعظُمُ المحنةُ، ولا سيّما في أُخريات القرن الثاني وما بعده، وبعد: فنبدأ بشرح خطبة المؤلف:

стр. 9

شرح خطبة المؤلف (الحمدُ للهِ الذي ابتدأَ الإنسانَ بنعمته، وصوَّرَه في الأرحام بحكمتِه، وأَبرزَه إلى رِفقِه، وما يَسَّرَه له مِنْ رِزقه، وعلَّمه ما لم يكن يَعلم، وكان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا، ونبَّهه بآثار صَنعتِه، وأَعذرَ إليه على أَلسنة المرسلين الخِيَرةِ مِنْ خَلقِه، فهدى مَنْ وفَّقه بفضله، وأَضلَّ مَنْ خَذلَه بِعدلِه، ويسَّر المؤمنين لليسرى، وشرح صدورَهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين، وتعلَّموا ما علَّمهم، ووقفوا عند ما حدَّ لهم، واستغنوا بما أحلَّ لهم عمَّا حَرَّمَ عليهم). يقول ﵀: (الحمدُ للهِ الذي ابتدأَ الإنسانَ بنعمته): الله تعالى هو الذي بدأ الإنسان بنعمته، ولم يكن منه أيُّ تسبُّبٍ، فمرَدُّ الأمر كلّه إليه، فهناك أمور لم يكن للإنسان فيها تسبُّبٌ أصلًا؛ فقد ابتدأَ الله الإنسانَ بنعمته فأوجده، وصوَّره، وشقَّ سمعَه وبصرَه، وأخرجه من بطن أمّه، فقال تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، لكنه ما خرج إلا وقد جعل اللهُ فيه ما يحتاج

стр. 10

إليه في خَلْقِه، فصوَّرَه، وشقَّ سمعه وبصره، وخلقَ له الأعضاءَ: اليدين والرجلين واللسان والشفتين، فأصبح الإنسانُ مهيَّئًا للمَهَمَّات، وهذه النعمُ لم يكن للإنسان فيها تسبُّبٌ أصلًا. فالله بدأه بنعمته، ونِعَمُ الله على الإنسان تترى؛ فخَلقَ الإنسانَ أطوارًا في بطن أمِّه، ثم أطوارًا بعد ولادته، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [غافر: ٦٧]. ونِعَمُ الله تعالى نوعان: نِعَمٌ كونيةٌ ماديةٌ دنيويةٌ: وهي ما يتصلُ بخلقه، وتكوينه، وما يحتاج إليه. ونِعَمٌ دينيةٌ: وهي النِّعمُ التي ساقها اللهُ على يد رُسلِه، وكل ذلك من الله ابتداءً (١). ومن نِعمِه ما جعل الله له سببًا من قِبل الإنسان؛ مثل ما يحصلُ للعبد بما وُفِّقَ له من أعمالٍ صالحةٍ، فالله يجزيه عليها، ودعاء يدعو به فيجيبُه ، وهذه النِّعمُ التي للعبد فيها تسبُّبٌ مرَدُّها كلُّها إلى الله، فهو الذي وفَّقَ العبدَ للعمل الصالح، وقبِله منه، وهو الذي وفَّقه للدعاء، وأجابه؛ فالأمرُ عاد إليه سبحانه أولًا وآخرًا، فله الأمرُ كلُّه. فعادت النِّعمُ كلُّها، أولُّها وآخرُها، وظاهرُها وباطنُها، وما له سببٌ من قِبَل الإنسان، وما ليس له سببٌ من قِبله، عاد ذلك كله إلى الله، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، فهذه الآيةُ فيها

стр. 11

عموم وحصر؛ أي: كلُّ نعمةٍ تحصل للعبد هي من الله وحده، فهو خالقُ الإنسان وخالقُ النِّعَم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فلا يزالُ العبدُ يتقلَّبُ في نِعَم الله، وهذه النعمُ الماديةُ أو الكونيةُ مشتركةٌ بين العباد بَرِّهم وفاجرهم، وبين المؤمن والكافر، أمَّا النِّعمُ الدينيةُ فمختصَّةٌ بِمَنْ يختارهم الله ويصطفيهم. قوله: (وصوَّرَه في الأرحام بحكمتِه): وصوَّرَه: هذا وما بعده عطفٌ، وهو من عطفِ الخاصِّ على العام، فصوَّرَ اللهُ الإنسانَ في الأرحام بحكمته، وكثيرًا ما يُذكِّر اللهُ عبادَه بذلك، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَك (٨)﴾ [الانفطار]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِير (٣)﴾ [التغابن]. فاللهُ صوَّر الإنسانَ في الأرحام، ومَن الذي يزعمُ أنَّ له تسبُّبًا في تصوير نفسه واختيار صورته؟! لأنَّه يبدأُ في بطن أُمّه، فيتنقل في أطواره؛ نطفةً فعلقةً فمضغةً، ثم يُصوِّره اللهُ كيف شاء كما أخبر اللهُ بذلك مفصَّلًا في كتابه، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٦]، فهو تعالى يجعل لكل واحدٍ صورةً لا تماثل صورة الآخر، ولهذا لا نجد اثنين من الناس على صورةٍ واحدةٍ من جميع الوجوه؛

стр. 12

بحيث لا يُفرَّق بينهما لتماثلهما من كل وجه، ومن أسماء الله تعالى المصوِّرُ، قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]. فالتصويرُ يكون بمشيئة اللهِ وقدرتِه وحكمتِه، وله الحكمةُ في تنويع الصُوَرِ، وفي خلقِ هذا على صورةٍ، وخلقِ الآخرِ على صورةٍ، فهم أولادٌ من أمٍّ وأبٍ، ويخرجون بصورٍ مختلفة، ولله في ذلك حِكَمٌ بالغةٌ. والتصويرُ ظاهرٌ وباطنٌ، فالظاهرُ هو الصورةُ الظاهرةُ المرئية، والصورةُ الباطنةُ هي التي ينبني عليها اختلافُ الملَكاتِ والعقول، فهذا أيضًا نوعٌ من التصوير الذي تختلفُ فيه أحوالُ الإنسانِ، وهو سبحانه لا يخلقُ أو يصوّرُ بمحض المشيئةِ، بل لحكمةٍ عظيمةٍ، فلا يفعل شيئًا عَبَثًا أو لَعِبًا؛ بل خَلَقَ السماوات والأرض وما فيهنَّ بالحقِّ وللحقِّ. قوله: (وأَبرزَه إلى رِفقِه، وما يَسَّرَه له مِنْ رِزقه): هذا طَور ما بعد الولادة، (وأَبرزَه): أي: أخرجَه من بطن أُمّه، والمعنى: أن اللهَ أخرجَ الإنسانَ من بطن أُمّه، وأبرزه لهذه الحياة بعد أن كان في الظلمات الثلاث، والضميرُ في قوله: (مِنْ رِزقه) - يقول بعض الشُّرَّاح -: أنه يعودُ إلى الإنسان. فأبرزه إلى رِفْقِهِ، أي: لينتفع ويُرْزَق بما يسَّرَهُ اللهُ له من أنواع المنافع. ويُحتمل أنَّ الضمير يعودُ إلى الله، وهو أظهرُ (١)؛ لأنَّ الضمائر في هذه الجُمل تعود إلى الله، أي: أبرزَ الإنسانَ ليتمتَّع برزقِ ربِّه له، ورِزقُ الله لعبده بما يسوقُه إليه من الإحسان ابتداءً، وأولُ الرفقِ ما جعله اللهُ

стр. 13

في قلب أمِّه من الحنان؛ حيث يعطِّفُهَا عليه، فتحملُه وترحمُه وتُحسِنُ إليه وترِقُّ له، فرِفقُ الأمِّ بابنها هو من رِفق ربّه به، وصرْفُ الآفاتِ عنه من رفقه تعالى. وما يسرَّه اللهُ للعبد بعد ولادتِه من رزقه الحاضر، وهو أوّلُ رزقٍ يكسبه، وفي هذا الوقت تُعَدُّ للمولود الثيابُ والملابسُ قبل أن يُولدَ، فهل هذا من فِعل الإنسان؟! كذلك ما يُهيئ به ثديَا الأم، ممَّا تستعدُّ به من الرزق (اللبن)، فهذا مما يسَّره للطفل من الرزق. ثم يتتابع هذا الرزقُ لعبده، ولو نقفُ مع هذا المعنى وقفاتٍ لانتهت أوقاتٌ في استعراض رزقِ اللهِ، فرزقُه ميسَّرٌ يبدأُ من مَولده، وهكذا يستمرُّ رِزقُ اللهِ لعبده. ومن رِفق اللهِ أيضًا: ما يحصلُ للإنسان دونَ تسبُّبٍ منه، فما يحصل للطفل من خدمة الأبوين وعنايتِهما، لم يكن بتسبُّبٍ منه، بل هو من النعمِ التي يبتدئُ اللهُ بها العبدَ. لكنْ نِعمُ اللهِ منها ما يُجريه على يد مَنْ شاء من الخلق، ومنها ما ليس كذلك، ثم بعد ذلك تتواصلُ النِّعمُ، إلى أنْ يكون من رزق الله ما يطلبُه الإنسان. فهذا المولودُ مفطورٌ على طلب الرزق فأوَّلُ ما يولد يطلبُ الغذاء من ثدي أُمِّه فيلتقمُه ويرتضعُ اللبنَ، وإذا كَبُر وقَدِر طلب الرزقَ بعمله وسعى في الأرض لذلك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ

стр. 14

اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وابتغاؤه يكون بالدعاء، وبفعل الأسبابِ التي خلقها اللهُ، وجعلها سببًا للأرزاق، فالرزقُ من: مطعمٍ ومشربٍ وملبسٍ ومسكنٍ، كلُّه من الله، ولا ينافي ذلك أن قدَّرَه الله بأسبابٍ، فإنَّ الأسبابَ والمسببات كلَّها خلقٌ لله، وكلها بقدَر اللهِ ومشيئته. قوله: (وعلَّمه ما لم يكن يَعلم، وكان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا): كأنَّه في الأوَّل يشيرُ إلى الرزق المادي الذي يكون به غذاءُ الأبدانِ وقوامُها وبناؤها، وهنا يشيرُ إلى نوعٍ آخرَ، وهو من الرزق في الدنيا المتعلّق بالنفوس والعقول وهو العلم، يدل له قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. لكنَّ الاستعدادَ للعلم موجودٌ، وأدواتُه موجودةٌ، فالإنسانُ منذ مولده قد ركَّب اللهُ فيه أصلَ العقلِ، وفيه السمعُ والبصرُ، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]. لكنَّ تحصيلَها للعلم يكون تدريجيًّا؛ شيئًا فشيئًا، فيبدأُ التعلُّم منذ الصِّغر، أي: العلم الذي يُحصلُّه الإنسانُ بعد ولادته، فليس مقصورًا على العلم الذي يُحصلُّه بالدراسة وفي المدرسة بعد الكبر، بل يبدأُ التعلمَ منذ الصِّغر، فلا يَعرفُ الكلامَ إلا بتعليمٍ يتلقَّاه بسمعه، ويتلقَّى أيضًا ببصره بعضَ العلوم، فيميّزُ بين الإنسانِ والجدارِ، وبين أبويه، وبين إخوته، وينمو هذا العلمُ، وينمو العقلُ، وتنمو المداركُ شيئًا فشيئًا؛ حتى يبلغَ الإنسانُ ما قُدِّر له من ذلك.

стр. 15

وممَّا يدخل في كلام المؤلف: ما يتعلّمه بالتلقّي من أبويه وأُسرته وما حوله، وما يتعلَّمُه بعد الكِبر، وما يتعلَّمُه من شؤون الحياة، وما يتعلَّمُه من العلم الصحيحِ النافعِ، وهذا العلمُ هو الفضلُ العظيمُ الذي امتنَّ اللهُ به على نبيّه، حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء]. ومن الأدلة على التعليم العام قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم (٥)﴾ [العلق]، فالإنسانُ لم يكن يعلَم ثم علِم، وكلُّ علمٍ لدى الإنسانِ مسبوقٌ بالجهل، لكنَّ عِلمَ اللهِ هو الذي لم يتقدَّمْه جهلٌ؛ فعلمه تعالى قديمٌ، فلم يزل سبحانه بكلِّ شيءٍ عليمًا، أمَّا المخلوقات - بما فيهم الملائكة - فعلمُهم بتعليم من الله، قال اللهُ تعالى عن الملائكة: ﴿عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال لنبيه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء]. لكن هناك تفاضلٌ بين العباد في خَلقهم، وفي خُلقهم، وفي عِلمهم، وهذا التفاضلُ لا يعلمُ مَداهُ وتفاوتَه إلَّا الله، وهو ممَّا يُدركه الناسُ، ويكون في العلوم الكونية والشرعية، الدينية والدنيوية، قال تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) نظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا (٢١)﴾ [الإسراء]، فالتفاضلُ بين الخلق يكون في علومهم ورزقهم وتكوينهم، والأنبياءُ - وهم أفضل الخلق - فَضَّل اللهُ بعضَهم على بعضٍ.

стр. 16

قوله: (ونبَّهه بآثار صَنعتِه، وأَعذرَ إليه على أَلسنة المرسلين الخِيَرةِ مِنْ خَلقِه): هذه الأفعال معطوفةٌ على ما قبلها، (بآثار صَنعتِه)؛ يعني: أرشده، ودَلَّه بآثار صنعته، وهو هذا الوجود مِنْ: الإنسان والأرض والسماء والهواء، فهذا كلُّه صُنع الله الذي أتقن كلَّ شيء، فالسماواتُ والأرضُ والكواكبُ والهواءُ والسحابُ والإنسانُ والحيوانُ، كلُّ ذلك هو من آثار صنعتِه. فهو خالقُ السماواتِ والأرضِ، ومَن فيهنّ، وما بينهما، وهو خالقُ الإنسان، فاللهُ تعالى نَبَّه الإنسانَ بآثارِ صنعتِه، ونبّهه إلى ما في هذه الصَّنعةِ من الدلالة على أنَّ لها صانعًا، وأنَّ هذا الصانعَ عليمٌ، وأنه حكيمٌ، ورحيمٌ، وقديرٌ، ففي الدلالات تنبيهٌ؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد (٥٣)﴾ [فصلت]، وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون (٢١)﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٣)﴾ [الرعد]. فاللهُ نَبَّه الإنسانَ بآثار صَنعته، والذي ينتفع بذلك هو الذي ينتبِه، ويتفكَّرُ، ويعقلُ، أمّا المُعرِضُ فإنّه لا ينتبِه، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون (١٠٥)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون (٣٢)﴾ [الأنبياء].

стр. 17

لكن الذين انتبهوا هم المذكورون في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران]. فنفس الأحداثِ التي تجري الآن في هذا الوجود، مِنْ الناس مَنْ يعتبر بها وينتبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَار (١٣)﴾ [آل عمران]. فالمتفكّرُ والْمُوَفَّق ينتبهُ ويُلاحظُ ويتدبّرُ؛ ونتيجةٌ لهذا التنبُّهِ والتدبُّر يذكرُ ربَّه، ويُسبّحُ بحمده، وتزدادُ معرفتُه بالله. فهذا هو النوع الأوَّل، وهو التنبيه الكوني. أمَّا النوع الثاني فهو: التنبيهُ الشرعيُّ، فالآياتُ الكونية فيها حجّةٌ على العباد، لكن لا يكون بها الإعذارُ وحدها، بل الإعذارُ يكون بإرسال الرسل، كما قال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فأرسلَ اللهُ الرسلَ ليُعرِّفوا العبادَ بربّهم، ويُعرِّفونهم بالطريقِ الموصِلِ إليه، وبمصيرِهم، ويُقيمون الأدلةَ على ما جاؤوا به، فمَن أطاعهم سعدَ وأفلحَ، ومَن عصاهم هلكَ، قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وجاء في الحديث الصحيح: «لا أَحَدَ أَحَبُّ إِليه العُذرَ من اللهِ؛ ومن أَجلِ ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (١).

стр. 18

ومن الناس من لا ينتبه ولا ينتفع، لا بالآيات الكونية: الأفقية والنفسية، ولا بالآيات الشرعية، وهم الذين لا يرجون لقاء الله؛ كما قال تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون (٧)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون (١٠٥)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم (٧)﴾ [لقمان]. فالرسلُ هم خِيرةُ اللهِ من خلقه، وهم أفضلُ الناسِ على الإطلاق، وهم فيما بينهم مُتفاضلون، إذ إرسالهم مسبوقٌ باختيارهم واصطفائهم، فهم المصطفَون الأخيار، قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّار (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَار (٤٧)﴾ [ص]. قوله: (فهدى مَنْ وفَّقه بفضله، وأَضلَّ مَنْ خَذلَه بِعدلِه): هذا أثرُ إرسالِ الرسل، فبعد الإرسالِ يصيرُ الناسُ فريقين، و الهدايةُ نوعان: هدايةُ توفيقٍ، وهدايةُ إرشادٍ (١)، والمرادُ هنا بالهداية: هداية التوفيقِ لقَبول الحقِّ، وإجابة دعوةِ الرُّسل، وهذا فضلُ الله يؤتيه من

стр. 19

يشاء، قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم (٧٤)﴾ [آل عمران]، ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]. فبعد الدعوةِ يصيرُ الناسُ فريقين: أحدهما: موفَّقٌ مهدِيٌّ، والآخر: مخذولٌ ضالٌّ، والمقصود بقوله: (وأَضلَّ مَنْ خَذلَه بِعدلِه)؛ أي: جعلَه ضالًّا بخذلانه، والخذلانُ ضدُّ التوفيق، فيوجدُ تقابلٌ في الجُمل بين: الهدى والضلالِ، والتوفيقِ والخذلانِ، والفضلِ والعدلِ (١). فأفعالُه سبحانه دائرةٌ بين الفضلِ والعدلِ، إذن هو المحمودُ على عطائِه ومنعه، فله الحمدُ على كل حال، وهو أعلمُ حيث يجعلُ فضلَه، وأعلمُ حيث يجعلُ رسالاتِه . ومن أدلة ما ذكره المؤلف من التوفيق والخذلان والهدى والإضلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٤)﴾ [إبراهيم]. فواجبُ الرُّسلِ هو البيانُ؛ لأنَّه هو الذي يقدرون عليه، وله الحكمةُ البالغةُ في عطائه ومنعه، وتوفيقه لمن شاء، وخذلانه لمن شاء. قوله: (ويسَّرَ المؤمنين لليسرى، وشرحَ صدورَهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين): في هذه الجملةِ وما بعدها تفصيلٌ لقوله: (فهدَى مَنْ وفقَه بفضلِهِ)، ووصفٌ لحال هذا الصِّنفِ المهديين الموَفَّقِين بفضله ،

стр. 20

والمعنى: يسَّر مَنْ هداه ووفقه لليسرى؛ أي: للطريق الميسرةِ، طريقِ السعادةِ، فمَن كان من أهل السعادةِ؛ فإنَّ اللهَ يُيسِّره لعمل أهل السعادة؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل]. (وشرَحَ صدورَهُم للذكرَى): أي: شرحَ صدورَهم فجعلها قابلةً للتذكير والذكرى التي جاءت بها الرسلُ، فهم جاءوا بالذِّكر والذكرى، وبالتذكير بربهم وبما خُلِق له الناس، والتذكيرِ بمصيرهم، فاللهُ تعالى يَسَّرَ المؤمنين لليسرى، وشرحَ صدورَهم للذكرى، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وشرْحُ الصدرِ هو توسيعه حتى يقبل العبدُ الحقَّ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك (١)﴾ [الشرح]، وفي دعاء موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [طه]، فشرحُ الصدرِ يتضمن السعادةَ، والسرور، فالانشراحُ الحقيقي هو الذي يكون سببه الإيمانُ والعلمُ الصحيحُ، أما الانشراحُ وسعةُ الصَّدرِ التي تحصلُ بأسباب دنيوية من الشهوات المحبَّبَة للإنسان فإنه يؤول إلى غمٍّ وهمٍّ وحزن. فصار الذين شرح اللهُ صدورَهم للحقِّ قابلين مُحبِّين للذِّكرى، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات].

стр. 21

وثمرة تيسيرهم لليسرى، وشرح صدورهم للذكرى؛ أنْ نطقتْ ألسنتُهم بالإيمان بالله، وهو معنى قول المؤلف: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين)، فقوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين): أي: شهدوا ألَّا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وأخلصوا دينَهم لله، ولا بدَّ للإيمان أنْ يكون ظاهرًا وباطنًا. وقوله: (وبقلوبهم مُخلصين، وبما أَتتهم به رسلُه وكتبُه عاملين): هذه آثارُ هدايةِ الله وتوفيقِه وتيسيره وشرحِه لصدورِهم، فهي أمورٌ ومعانٍ متلازمةٌ، وجملة ذلك صلاحُ الظاهرِ والباطنِ فظهرَ أثرُ هذه الهداية والتوفيق على قلوبهم اعتقادًا وعملًا، وعلى ألسنتهم نطقًا وإقرارًا، وعلى جوارحِهم كلِّها عملًا وحركةً وطاعةً، وصلاح القلب يستلزم صلاح الجوارح كما في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). قوله: (وتعلَّموا ما علَّمهم): يحتملُ أن تكونَ بمعنى: عَلِموا ما علَّمهم، أو طلبوا علمَ ما علَّمهم. قوله: (ووقفوا عند ما حدَّ لهم): أي: وقفوا عند حدودِ الله، فلم يتجاوزوا المباحَ إلى الحرام، ولم يتجاوزوا ما شرعَ اللهُ لهم إلى الابتداع، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإنَّ هذا من وجوه الاستقامة، والوقوف عند حدود الله، فلا يتجاوزُ العبدُ

стр. 22

ما حدَّ اللهُ له من المشروع إلى غير المشروع، ولا يتجاوزُ ما أباحَ اللهُ إلى ما حرَّمه، فهناك حدودٌ نهى اللهُ عن قربانها؛ وهي المحرمات؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وحدودٌ نهى اللهُ عن تعَدِّيها؛ وهي المباحات والمأمورات، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] (١). ولم يتعدّوا حدودَ الله علمًا ولا عملًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]، فهذا وقوفٌ عند حدود اللهِ في العلم؛ فإذا سُئل الإنسانُ عمَّا لا يعلم؛ فليقل: اللهُ أعلم، فيقفُ الإنسانُ عند حدِّ ما علَّمه الله، فلا يَدَّعِي ما لا علمَ له به، ولا يقولُ على الله ما لا يعلم، وهذا ما أدَّب اللهُ به نبيَّه ﷺ إذ قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦]. قوله: (واستغنوا بما أحلَّ لهم عمَّا حَرَّمَ عليهم): (واستغنوا): اكتفوا. وهذا أيضًا من الوقوف عند حدودِ الله؛ الاكتفاءُ بالمباح عن الحرام، فلا يتجاوزُ ما أباحَ اللهُ له إلى ما حرَّمَ؛ سواء كان في كلامه، أو في طعامه وشرابه، فهذا عامٌّ في الأفعال، والعبادات، فهم استغنوا بما أحلَّ لهم عمَّا حرَّم عليهم، وفيما أحلَّ اللهُ للعباد ممَّا يحتاجون إليه كفايةٌ وغُنيَةٌ عمَّا حرَّمَ عليهم؛ كما في الحديث: «إِنَّ الله لَمْ

стр. 23

يَجعل شفاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عليها» (١)، فليس هناك حرامٌ يُعذَرُ الإنسانُ في الإقدام عليه إلَّا ما اضطر إليه؛ كحالة الضرورة إلى أكل الميتةِ ونحوها، فاللهُ تعالى أباحَ المحرَّمَ عند الضرورة رحمةً بعباده ورَفعًا للحرج، لكن في الحالة العامَّةِ أغنى العبادَ بما أحلَّ لهم من الطعام والشراب واللباس عمَّا حرَّم عليهم.

стр. 24

مقدمة الرسالة (أما بعد: أَعاننا اللهُ وإيَّاك على رِعاية ودائِعه، وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه. فإنك سألتني أن أَكتبَ لك جملةً مختصرةً من واجب أمورِ الديانة، ممَّا تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقدُه القلوبُ، وتعملُه الجوارحُ، وما يتَّصلُ بالواجب من ذلك من السُّنن؛ من مؤكَّدِها ونوافلِها ورَغائبِها، وشيءٍ من الآداب منها، وجُمَلٍ من أُصول الفقهِ وفنونِه على مذهب الإمام مالكِ بنِ أنسٍ - رحمه الله تعالى - وطريقته، مع ما سهَّلَ سبيلَ ما أَشكل من ذلك، من تفسير الرَّاسخين، وبيانِ المتفقِّهين؛ لِمَا رَغِبْتَ فيه مِنْ تعليم ذلك للوِلدان، كما تُعلِّمُهم حُروفَ القرآنِ؛ ليَسبقَ إلى قلوبهم من فهم دينِ اللهِ وشرائعه، ما تُرجى لهم بركتُه، وتُحمَدُ لهم عاقبتُه، فأَجبتُك إلى ذلك؛ لِمَا رَجوتُه لنفسي ولك من ثواب مَنْ عَلَّمَ دينَ اللهِ أو دعا إليه). هذه مقدمةُ المؤلّفِ، وقد تضمَّنت ذكرَ سببِ التأليفِ، وهو أنَّه طلبَ منه أحدُ المعلِّمينَ للقرآن (١) أنْ يكتبَ له من فنون العلم الشرعي؛

стр. 25

عقائدِه، وأعمالِه، وأخلاقِه، وآدابِه، وفنونِ العلمِ مِنَ الأصولِ والفقهِ ما يُلقِّنُه ويعلِّمُه للأولاد، وهذا مطلبٌ شريفٌ يدلُّ على فقه هذا المعلِّم، ليجمع لهؤلاء الطُّلَّاب الصغارِ بين الحفظِ والفقهِ في مسائل الدِّينِ الاعتقاديةِ والعمليةِ والآدابِ والأخلاقِ المرضية، ومعلومٌ أنَّ هذا المطلبَ على صفة الاختصار، وقد فعلَ المؤلِّفُ، فألَّفَ هذا الكتابَ المعروفَ الذي سبقتِ الإشارةُ إلى أنَّه قد صار له شهرة وعُنِيَ به علماءُ المالكية؛ شرحًا، ونظمًا، ودراسةً، فالله يجزي فاعلَ الخيرِ ومن دعا إليه وكان سببًا فيه؛ فالكلُّ أهلٌ لثواب الله، وقد ذكرَ في هذه المقدمة أنَّه قد أجابَ إلى ما طُلِبَ منه، وفصَّل ذلك، وضمَّنَ هذه الرسالة ما طُلبَ منه من بيان الواجباتِ الشرعية والسننِ بأنواعها، والآدابِ، ومن فنونِ العلمِ الشرعي أصولِه وفروعِه. وقد تضمَّنت جُمَلُ هذه المقدمة معاني جميلة وجليلة؛ لأنَّ لها دلالات ومعاني تستحقُّ توضيحَها والتعليقَ عليها، والاستفادةَ منها، وبيان ما ترمي إليه. قوله: (أمَّا بعد): هذه الجملةُ يُؤتى بها في الخطب والمؤلفات للانتقال من الافتتاح إلى المقصود، وقد كان النبيُّ ﷺ يأتي بها في خطبه (١)، إذن: فاستعمالُها في الكلام والخطبة سُنَّةٌ، بعدما يثني على الله، فإنه يقول: «أمَّا بعد»، ويفسِّرُها النحويون ب «أمَّا» الشرطية وجوابها؛ فيقولون: «أمَّا بعد»؛ معناها: مهما يُذكر من شيءٍ بعد فهو كذا وكذا،

стр. 26

ولهذا يؤتى بعدها بالفاء الجوابية (١)، إلَّا أَنَّ المؤلّفَ لم يأتِ بالفاء، فكان من المناسب أن يقول: «أمَّا بعد؛ فأعاننا اللهُ وإياك». ومن الخطأ الشائعِ حذف أمَّا وجوابها والاقتصار على الظرف فيقولون: «وبعد»، وهذا الظرف مبنيٌّ على الضم؛ لأنَّه على نيَّة المضافِ إليه، والتقدير: وبعد ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] على قراءة الضم، وهي: المشهورة (٢). قوله: (أَعاننا اللهُ وإيَّاك على رِعاية ودائِعه، وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه): هذه دعوةٌ حسنةٌ، فقوله: (أَعاننا اللهُ وإيَّاك): دعاءُ استعانة. فأعانَ: فعلُ ماض، لكنه يؤتى به ويساوي: أسأل اللهَ أنْ يعينني وإياك، فالدعاءُ تارةً يأتي بفعل الطلب؛ اللهمَّ أعني، أو أستعينك يا اللهُ، أو بصيغةِ الفعلِ الماضي. والمقصود بقول المؤلف: (على رِعاية ودائِعه) هي: الأمانات التي اؤْتُمِنَّا عليها، وربّما أَنَّ المؤلّفَ يُشيرُ إلى أنَّ هذا المُعلِّمَ مستودعٌ؛ وأنَّ الأولادَ وديعةٌ عنده، قد عُهِدَ إليه بتعليمهم، أو يريد ما هو أعمُّ من ذلك. (وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه): هذا تخصيصٌ بعد تعميمٍ، يعني: أنَّ الإنسان مودعٌ لودائعَ كثيرة، فنِعَمُ اللهِ، وما استرعي عليه من أهلٍ وولدٍ، وما عُهد إليه بحفظه؛ كلُّ ذلك وديعةٌ.

стр. 27

ولكنْ أعظمُ هذه الودائعِ ما استودعَ اللهُ عبادَه من دينه وشرعه، فالواجباتُ الشرعيةُ أمانةٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ولهذا قال: (على رِعاية ودائِعه، وحِفظِ ما أَودعَنا من شرائعه)، فالإنسانُ مسؤولٌ عن علمه وعمله؛ فكلُّه أمانةٌ، وعليه أنْ يقومَ بواجب علمه، وبسائر ما أوجبه اللهُ. قوله: (فإنك سألتني أن أَكتبَ لك جملةً مختصرةً من واجب أمورِ الديانة، مما تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقدُه القلوبُ، وتعملُه الجوارحُ): هذا تصريحٌ بسببِ التأليف، فقوله: (من واجب أمور الديانة): يعني: في أمور الديانة، والديانةُ: التَّديُّنُ، فهي مصدرٌ؛ مثل العناية، والصناعة، يقال: يفعل هذا ديانةً؛ يعني تَدَيُّنًا وعبادةً. وقوله: (مما تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقدُه القلوبُ، وتعملُه الجوارحُ): لأنَّ الدِّينَ يتعلَّقُ بهذه الجوانب، فمثلما نقول في الإيمان: اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان؛ أي: بالجوارح. فأمورُ الديانةِ تتعلَّقُ بهذه الجوارح والجوانح (١)، وتحقيقُ القيامِ بدِينِ الله إنما يكون بالاعتقاد الصحيح والقولِ الحقِّ، والعملِ الصالحِ ظاهرًا وباطنًا.

стр. 28

قوله: (وما يتَّصلُ بالواجب من ذلك من السُّنن؛ من مؤكَّدِها ونوافلِها ورَغائبِها، وشيءٍ من الآداب منها، وجُمَلٍ من أُصول الفقهِ وفنونِه على مذهب الإمام مالكِ بنِ أنسٍ - رحمه الله تعالى - وطريقته): هذا وعدٌ من المؤلف بأنه سيذكر في هذه الرسالة ما طلبه السائلُ من بيان الواجبات الشرعية، وما يتَّصلُ بها من السنن المؤكدة وغير المؤكدة، وهو ما سمَّاه نوافلَ، وما يتبع ذلك من الآداب والرغائب، وأنه ﵀ يفعل ذلك إجابةً للسائل، ورجاءَ ثوابِ اللهِ الذي يناله السائلُ والمجيبُ، وكلُّ مَنْ كان له يدٌ في نشر ذلك العلم؛ فهذا يقتضي أنَّ الرسالةَ قد تضمَّنت - على اختصارها - جميع أنواعِ المعاني الشرعية؛ اعتقادية وقولية وعملية، من واجباتٍ وسننٍ وآدابٍ وفضائلَ (١). ولا بدَّ أنَّه قد اقتصر على ما رآه من المهمات، وإلَّا فالعلمُ واسعٌ، وممَّا يُبَيِّنُ أنه قصد إلى ذكر هذه الجوانب على وجه الاختصار أَنَّه كتبه للأولاد الذين يتعلَّمون القرآنَ، وهم الأطفال، وتكون أعمارُهم من سبعٍ أو من ثمانٍ فما فوق إلى ما قبل البلوغ، وهؤلاء لا يناسبُهم إلَّا الاختصارُ والإيجازُ. ويقول أيضًا إنه في هذا كلِّه قد مشى على مذهب الإمامِ مالكٍ ﵀ وطريقتِه.

стр. 29

وأهلُ العلمِ لهم مذاهبُ واختياراتٌ واجتهاداتٌ وطرائقُ في فهم الأدلَّة؛ فكُلٌّ له اجتهادُه، وقد اشتهر في الفقه أربعةٌ من العلماء؛ وهم المعرفون بالأئمة الأربعة: أبو حنفية ومالك والشافعي وأحمد، فصار أصحابُهم مِنْ بعدهم على مذاهبهم، وبهذا وُجدت المذاهبُ الأربعةُ وصارت هذه المذاهبُ مدارسَ، فكلُّ طالب علمٍ يتخصص بمذهب من هذه المذاهب، وتفرَّقَ أصحابُ هذه المذاهب في البلاد حسب مَنْ وُجد فيها من أصحاب الأئمة الأربعة، ومن ذلك: اشتهارُ مذهبِ أبي حنفية في المشرق، ومالك في المغرب، وهذا أكثرُ ما يجري في الأمور العمليَّةِ. أمَّا مسائل الاعتقادِ؛ فالأصلُ أنَّهم فيها على منهجٍ وطريقٍ واحدٍ، والتباعدُ والاختلافُ إنَّما يجري في المسائل العمليَّةِ كما هو ظاهرٌ، فأهلُ السنَّةِ والجماعةِ ليس بينهم خلافٌ في أصول مسائلِ الاعتقادِ، لكنْ يختلفون في المسائل العمليَّة، وهي: أبواب الطهارة، والعبادات والمعاملات. والإمامُ ابن تيميّة يُقرِّرُ في كتابه «الاستقامة» أنَّ ما يتفقُ عليه أهلُ العلم هو أعظمُ وأكثرُ ممَّا يختلفون فيه؛ خلافًا لمن يظنُّ خلافَ ذلك، فيبدو للقارئ أنَّ مسائلَ الخلاف أكثرُ من مسائل الاتفاق، والأمرُ بالعكس، وليُرجع إلى هذا الموضع؛ فإنَّه نافعٌ في هذا المقام (١).

стр. 30

قوله: (مع ما سهَّلَ سبيلَ ما أَشكل من ذلك من تفسير الرَّاسخين، وبيانِ المتفقِّهين): أي: مع ذِكر ما يسهل ذلك، من شروح الراسخين في العلم وبيانِ المتفقّهين. والراسخون في العلم: هم المتمكِّنون فيه، ومُراده بالمتفقِّهة: العالمون بالفقه، ولا يريد بالمتفقِّه المعنى الشائع وهو المشتغلُ بالفقه وإن لم يكن فقيهًا؛ لأنَّه عطف المتفقهة على الراسخين في العلم، والذين لديهم القدرةُ على بيان ما أشكلَ من المسائل هم المعتنون بالفقه، المجتهدون فيه. قوله: (لِمَا رَغِبْتَ فيه مِنْ تعليم ذلك للوِلدان، كما تُعلِّمُهم حُروفَ القرآنِ): وقوله هذا كما تقدَّم؛ ليجمعَ لهم بين تعليم حروفِ القرآنِ وألفاظِه؛ ليُتقنوا النُّطقَ به، ويُضيف إلى ذلك تعلُّمَ أصولِ الاعتقادِ ومسائلَ في أبواب الفقه، وهكذا ينبغي أن لا يُقتصر في تعليم الشباب في حِلق التحفيظِ على حروف القرآن، بل ينبغي أن يُعَلَّمُوا أيضًا من الفقه، ومسائل العقيدةِ، فيقرَّرُ لهم بعض المختصرات في العقيدة والفقه؛ لتعليمهم أحكامَ دينهم، فإنَّ هذا أيضًا هو من مقاصد تعلُّمِ القرآن، فليس المقصودُ الوحيدُ من تعليم الأولاد القرآن تعلُّمَ ألفاظِه كما هو الحاصلُ من كثيرٍ من المسلمين؛ يقفون عند تعليم ألفاظ القرآن، ويَعنونَ ببعض التجويد فقط، وينشغلونَ بدراسة التجويدِ والقراءات عن العناية بالأحكام المأخوذة من القرآن والسنَّة.

стр. 31

وقد كان الصحابةُ والتابعون يتعلمونَ القرآنَ ولا يتجاوزون عشرَ آياتٍ حتى يتعلَّموا معانيهنَّ والعملَ بِهنَّ (١)، فينبغي أنْ يُلتفتَ إلى هذا المنهج وهو تعليمُ المعاني والأحكام.

стр. 32

وليس المقصودُ من تعليم المعاني تتبُّعَ ما في كتب التفسير من تشقيقات، والتوسعَ فيما يخرجُ به الإنسانُ عن مقصود التفسير؛ باللغويات والإعرابات وما أشبه ذلك. ولهذا: عندما نُسْتَنْصَحُ عن كتب التفسير؛ ننصحُ بتفسير ابنِ كثيرٍ، وبتفسير الشيخِ عبدِ الرَّحمن السعدي؛ لأنهما أبعد عن التشقيقات. فكثيرٌ من المفسرين يوغل في النواحي اللغويَّةِ؛ البلاغيةِ، والنحويةِ، وسرِّ التقديمِ والتأخيرِ، وما أشبهَ ذلك من الجوانب التي تَصرِفُ العقلَ عن المعاني المقصودة للقرآن، لكنَّ أصحابَ التخصّصِ الأمرُ في حقّهم أوسعُ. قوله: (ليَسبقَ إلى قلوبهم من فهم دينِ اللهِ وشرائعه، ما تُرجى لهم بركتُه، وتُحمَدُ لهم عاقبتُه): هذا معنًى جميلٌ؛ أي: لتسبقَ علومُ العقيدة الصحيحة والأحكام الشرعية إلى عقولهم، قبل أنْ يسبقَ إليها همومُ الدنيا، وأطماعُها، أو يسبقَ إلى عقولهم أفكارٌ دخيلةٌ وآراءُ سقيمةٌ يتلقَّونها من هنا وهناك. فأشارَ المؤلّفُ إلى هذا النوع من السبق وعظيمِ أثرِه؛ أي: سبقِ الخيرِ إلى القلوب. قوله: (فأَجبتُك إلى ذلك؛ لِمَا رَجوتُه لنفسي ولك من ثواب مَنْ عَلَّمَ دينَ اللهِ أو دعا إليه): أي: أجبتك إلى ما طلبتَ رجاءَ ثوابِ اللهِ الموعودِ لمن تعلَّمَ دينَ الله وعلَّمَه، ودعا إليه، وهكذا ينبغي أنْ يكون الغايةُ من التعلُّمِ والتعليمِ هو

стр. 33

احتسابُ ثوابِ اللهِ؛ فإنَّ هذا عليه الْمُعَوَّلُ؛ كما في الحديث الصحيح: «مَنْ صامَ رَمضانَ إِيمانًا واحتسابًا» (١)، و «مَنْ قامَ رَمضانَ إِيمانًا واحتسابًا» (٢)، وقوله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء]. * * * * *

стр. 34

وصية المؤلف بتعليم الصغار أصول العقيدة والعبادة (واعلمْ أنَّ خيرَ القلوبِ أَوعاها للخير، وأَرجى القلوبِ للخير ما لم يَسبقِ الشَّرُّ إليه، وأَولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أَجره الراغبون: إِيصالُ الخيرِ إلى قلوب أولادِ المؤمنين؛ ليرسخَ فيها، وتنبيهُهم على معالمِ الديانةِ، وحدودِ الشريعةِ؛ ليُراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقدَه من الدِّين قلوبُهم، وتعملَ به جوارحُهم؛ فإنَّه رُويَ أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر. وقد مثَّلتُ لك مِنْ ذلك ما يَنتفعون - إن شاء اللهُ - بحفظه، ويَشرُفونَ بعلمه، ويسعدون باعتقاده والعملِ به. وقد جاء أن يؤمَروا بالصلاة لِسَبع سنين، ويُضرَبوا عليها لعشرٍ، ويُفرَّقَ بينهم في المضاجع، فكذلك ينبغي أن يَعلموا ما فرضَ اللهُ على العباد من قولٍ وعملٍ قبل بُلوغهم؛ ليأتيَ عليهم البلوغُ وقد تمكَّن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسُهم، وأَنِسَتْ بما يعملون به من ذلك جوارحُهم. وقد فرض اللهُ على القلب عملًا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرةِ عملًا من الطاعات، وسأُفصِّلُ لك ما شرطتُ لك ذكرَه بابًا بابًا؛ ليَقربَ من فهم مُتعلِّميه - إن شاء الله تعالى -.

стр. 35

وإيَّاه نستخيرُ وبه نستعينُ، ولا حول ولا قوَّةَ إلَّا بالله العليِّ العظيمِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ نبيِّه، وآلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا). قوله: (واعلمْ أنَّ خيرَ القلوبِ أَوعاها للخير): يعني: أقبلَها للخير، وأكثرَها وعيًا وإدراكًا له. قوله: (وأَرجى القلوبِ للخير ما لم يَسبقِ الشَّرُّ إليه): هذه لفتةٌ مهمَّةٌ من المؤلف وحكمةٌ قيّمةٌ، فأرجى القلوب إلى الخير؛ يعني: أحراها بالخير، والصلاح، وبالمعاني الجليلة، والاعتقاداتِ الصحيحةِ والأعمال الصالحة؛ هي القلوب التي لم يسبق إليها الشرُّ كتأثير الأبَوين بغرس الباطل في قلب الناشئ كما في الحديث: «فَأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه» (١)، فإنَّ القلبَ الذي يسبق إليه الشرُّ ويدخلُه ويحلُّه؛ لا يقبل الخيرَ إذا وَردَ عليه ودُعي إليه؛ فإنَّ الشرَّ ضدُّه، والضدان لا يجتمعان، وكذلك العكس، فالقلبُ الذي يسبق إليه الخيرُ ويستقرُّ فيه فإنَّه يدفع الشرَّ إذا وَردَ عليه أو دُعي إليه، ولهذا أرشد المؤلفُ إلى المبادرة بغرس الخيرِ في قلوب الناشئةِ، والمقصود: أنَّ الإنسان الخالي قلبه عن الاعتقادات الباطلة إذا عُرِضَ عليه الخيرُ تَقَبَّلَه؛ لأنَّ هذا هو مُوجبُ الفطرةِ، يقال: فلانٌ على الفطرة، فالقلوبُ مفطورةٌ على حبِّ الخير وإيثارِ الحقِّ، لكن

стр. 36

إذا سبقَ إليها الشرُّ أفسدَ هذه الفطرة؛ كما قال ﷺ : «ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة فَأبواهُ يُهَوِّدانهِ أَوْ يُنصِّرانه أَوْ يُمَجِّسانه». ومن المعلوم أنَّ الإنسان الذي يولدُ بين أبوين مسلمين؛ تَقَبُّلُه للخير - إذا تفتَّحَ عقلُه - معروفٌ وظاهرٌ، لكن مَنْ يولدُ بين كافرين إذا بلغ وقد تغيَّرتْ فطرتُه، فيحتاجُ في نقلِه من يهوديَّته ونصرانيَّته إلى جهدٍ جهيدٍ، فأرجى القلوب للخير وقبوله ووعيه ما لم يسبقِ الشرُّ إليه. قوله: (وأَولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أَجره الراغبون: إِيصالُ الخيرِ إلى قلوب أولادِ المؤمنين؛ ليرسخَ فيها): أي: أولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أجره الراغبون إيصالُ الخيرِ إلى أولاد المسلمين؛ ليرسخَ فيها ويتمكَّنَ ويسبقَ الشرَّ؛ لتسلمَ فِطَرهم وتستقيمَ وتستنيرَ بالخير، والعلم عقولهم. وهذا لا شكَّ أنه خير ما يُقَدَّمُ للصغار الناشئين، وهو تقديمُ العلمِ والأدب والتربية الصالحة. وهذا الخيرُ - كما تقدَّم - شاملٌ للأمور العلميَّةِ الاعتقاديَّة، والأمورِ العمليةِ من الأقوال السديدةِ، والأعمالِ الرشيدةِ، فالخيرُ الدينيُّ شاملٌ للمسائل العلميَّة والاعتقادات الصحيحة، وللأعمال الصالحة القلبيَّة، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان. قوله: (وتنبيهُهم على معالمِ الديانةِ، وحدودِ الشريعةِ؛ ليُراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقدَه من الدِّين قلوبُهم، وتعملَ به جوارحُهم؛ فإنَّه رُويَ

стр. 37

أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ (١)، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر (٢):

стр. 38

(ليُراضوا): من الرياضة والترويض؛ يعني ليُرَوَّضُوا ويَرْتَاضُوا على هذه الأخلاقِ والآدابِ، وأداءِ هذه الواجبات، وأشارَ - بهذه المناسبة - إلى حديثين، أحدُهما ضعيفٌ، والآخرُ موضوعٌ كما نصَّ على ذلك أهلُ العلم. وقول المؤلف: (فإنَّه رُويَ أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر): معناهما - وخصوصًا الثاني - صحيحٌ؛ فالتعليمُ والتعلُّمُ في الصِّغر أثبتُ من التعلُّم في الكبر، وهذا أمرٌ محسوسٌ ومعروفٌ من الواقع؛ لأنَّ الشابَّ مَداركُه ومَلكاتُه وذِهنُه في حال قوَّتِه، والعوائقُ والشواغلُ بعيدةٌ منه، بخلاف الكِبَر، فالكبيرُ أوَّلًا: قواهُ الذهنيّة كقواه الجسدية قد وَهنتْ وضَعُفتْ. وثانيًا: أنَّه قد امتلأَ ذِهنُه بالشواغل، والذِّهنُ - يقولون - مثلُ الإناءِ؛ إذا امتلأَ الإناءُ لا تستطيعُ أنْ تضيفَ إلى ما فيه شيئًا. أمَّا قوله: (أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ): فهذا أيضًا لم يصحَّ حديثًا، لكن قد يُستشهدُ لمعناه بأنَّ هذا من نوع الصدقة، وفي الحديث: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ؛ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (١). والصَّدقةُ بالعلم على الصغار وغيرهم أعظمُ من الصَّدقة بالمال.

стр. 39

قوله: (وقد مثَّلتُ لك مِنْ ذلك ما يَنتفعون - إن شاء اللهُ - بحفظه): يعني: بيَّنتُ لك ممَّا طلبتَ ممَّا يحتاجُ الولدانُ إلى تعليمِه وتلقينِه وتربيتِهم وترويضِهم عليه، مثَّلتُ لك من ذلك ما يُرجَى أنْ يَنتفعوا به ويعودَ عليهم بالخيرِ والصلاح، ويستشهد على مسيسِ الحاجة إلى تعليمِ الأولادِ أمورَ دينهم بالحديثِ المشهورِ المعروف: «مُرُوا أَولادَكم بالصَّلاة لِسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (١).

стр. 40

قوله: (وقد جاء أن يؤمَروا بالصلاة لِسَبع سنين، ويُضرَبوا عليها لعشرٍ، ويُفرَّقَ بينهم في المضاجع): يشير إلى حديث: «مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، ومعلوم أن هذا ليس لوجوب الصلاة عليهم فإنها لا تجب إلا إذا بلغوا، ولكن لترويضهم على أداء الصلاة حتى يعتادوها فإذا بلغوا، وجرى عليهم قَلمُ التكليف؛ كانوا متهيئين لأداء الواجبات فكانت سهلة عليهم فيُؤمرونَ بها ثلاثَ سنين بدون تأديبٍ، وبالعشرِ يُضرَبون ويُؤَدَّبون؛ لأنَّ البلوغَ قد قَرُبَ، فيمكن أنْ يبلغَ الإنسانُ في الإحدى عشرة سنة، أو الاثنتي عشرة سنة، فابن عشرٍ قد شارفَ على البلوغ، ولهذا يُقال: إنَّه ناهزَ البلوغَ؛ يعني: قاربَ البلوغَ، ولهذا قال ﵊: «وفرِّقوا بينهم في المضاجع»؛ يعني: إذا تمَّ لهم عشرٌ؛ فاضربوهم لأداء الصلاة، وفرِّقوا بينهم في المضاجع؛ أي: الفُرُش، فلكلِّ ابنٍ أو بنتٍ فِراشٌ، فيُفرَّقُ بين البنين مع بعضهم، وبين البنات مع بعضهنَّ، ويُفرَّقُ بين البنين والبنات، فأمرَ ﷺ بأمرين عظيمين: الأمرُ بالصلاة والحمل عليها، وتجنيبهم دواعي الشرِّ ومداخلَ الشيطانِ. فالمؤلفُ يستشهدُ بهذا على ورودِ الشريعةِ بتربية الصِّغارِ وتعليمهم قبلَ البلوغِ؛ ليستعدّوا وليعتادوا الخيرَ، وكما يُؤمرون بالصلاةِ يُؤمرون بالصيامِ، ولهذا كان الصحابة يأمرون أولادهم بصيام يوم عاشوراء لمَّا فُرض على الناس قبل فرض رمضان (١)، وكذا يجب أن يُنهى الصغار
следующие страницы →