← Акыда

Акыда · id 1302

التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (210 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إذا سبقَ إليها الشرُّ أفسدَ هذه الفطرة؛ كما قال ﷺ : «ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة فَأبواهُ يُهَوِّدانهِ أَوْ يُنصِّرانه أَوْ يُمَجِّسانه». ومن المعلوم أنَّ الإنسان الذي يولدُ بين أبوين مسلمين؛ تَقَبُّلُه للخير - إذا تفتَّحَ عقلُه - معروفٌ وظاهرٌ، لكن مَنْ يولدُ بين كافرين إذا بلغ وقد تغيَّرتْ فطرتُه، فيحتاجُ في نقلِه من يهوديَّته ونصرانيَّته إلى جهدٍ جهيدٍ، فأرجى القلوب للخير وقبوله ووعيه ما لم يسبقِ الشرُّ إليه. قوله: (وأَولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أَجره الراغبون: إِيصالُ الخيرِ إلى قلوب أولادِ المؤمنين؛ ليرسخَ فيها): أي: أولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أجره الراغبون إيصالُ الخيرِ إلى أولاد المسلمين؛ ليرسخَ فيها ويتمكَّنَ ويسبقَ الشرَّ؛ لتسلمَ فِطَرهم وتستقيمَ وتستنيرَ بالخير، والعلم عقولهم. وهذا لا شكَّ أنه خير ما يُقَدَّمُ للصغار الناشئين، وهو تقديمُ العلمِ والأدب والتربية الصالحة. وهذا الخيرُ - كما تقدَّم - شاملٌ للأمور العلميَّةِ الاعتقاديَّة، والأمورِ العمليةِ من الأقوال السديدةِ، والأعمالِ الرشيدةِ، فالخيرُ الدينيُّ شاملٌ للمسائل العلميَّة والاعتقادات الصحيحة، وللأعمال الصالحة القلبيَّة، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان. قوله: (وتنبيهُهم على معالمِ الديانةِ، وحدودِ الشريعةِ؛ ليُراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقدَه من الدِّين قلوبُهم، وتعملَ به جوارحُهم؛ فإنَّه رُويَ

стр. 37

أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ (١)، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر (٢):

стр. 38

(ليُراضوا): من الرياضة والترويض؛ يعني ليُرَوَّضُوا ويَرْتَاضُوا على هذه الأخلاقِ والآدابِ، وأداءِ هذه الواجبات، وأشارَ - بهذه المناسبة - إلى حديثين، أحدُهما ضعيفٌ، والآخرُ موضوعٌ كما نصَّ على ذلك أهلُ العلم. وقول المؤلف: (فإنَّه رُويَ أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر): معناهما - وخصوصًا الثاني - صحيحٌ؛ فالتعليمُ والتعلُّمُ في الصِّغر أثبتُ من التعلُّم في الكبر، وهذا أمرٌ محسوسٌ ومعروفٌ من الواقع؛ لأنَّ الشابَّ مَداركُه ومَلكاتُه وذِهنُه في حال قوَّتِه، والعوائقُ والشواغلُ بعيدةٌ منه، بخلاف الكِبَر، فالكبيرُ أوَّلًا: قواهُ الذهنيّة كقواه الجسدية قد وَهنتْ وضَعُفتْ. وثانيًا: أنَّه قد امتلأَ ذِهنُه بالشواغل، والذِّهنُ - يقولون - مثلُ الإناءِ؛ إذا امتلأَ الإناءُ لا تستطيعُ أنْ تضيفَ إلى ما فيه شيئًا. أمَّا قوله: (أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ): فهذا أيضًا لم يصحَّ حديثًا، لكن قد يُستشهدُ لمعناه بأنَّ هذا من نوع الصدقة، وفي الحديث: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ؛ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (١). والصَّدقةُ بالعلم على الصغار وغيرهم أعظمُ من الصَّدقة بالمال.

стр. 39

قوله: (وقد مثَّلتُ لك مِنْ ذلك ما يَنتفعون - إن شاء اللهُ - بحفظه): يعني: بيَّنتُ لك ممَّا طلبتَ ممَّا يحتاجُ الولدانُ إلى تعليمِه وتلقينِه وتربيتِهم وترويضِهم عليه، مثَّلتُ لك من ذلك ما يُرجَى أنْ يَنتفعوا به ويعودَ عليهم بالخيرِ والصلاح، ويستشهد على مسيسِ الحاجة إلى تعليمِ الأولادِ أمورَ دينهم بالحديثِ المشهورِ المعروف: «مُرُوا أَولادَكم بالصَّلاة لِسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (١).

стр. 40

قوله: (وقد جاء أن يؤمَروا بالصلاة لِسَبع سنين، ويُضرَبوا عليها لعشرٍ، ويُفرَّقَ بينهم في المضاجع): يشير إلى حديث: «مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، ومعلوم أن هذا ليس لوجوب الصلاة عليهم فإنها لا تجب إلا إذا بلغوا، ولكن لترويضهم على أداء الصلاة حتى يعتادوها فإذا بلغوا، وجرى عليهم قَلمُ التكليف؛ كانوا متهيئين لأداء الواجبات فكانت سهلة عليهم فيُؤمرونَ بها ثلاثَ سنين بدون تأديبٍ، وبالعشرِ يُضرَبون ويُؤَدَّبون؛ لأنَّ البلوغَ قد قَرُبَ، فيمكن أنْ يبلغَ الإنسانُ في الإحدى عشرة سنة، أو الاثنتي عشرة سنة، فابن عشرٍ قد شارفَ على البلوغ، ولهذا يُقال: إنَّه ناهزَ البلوغَ؛ يعني: قاربَ البلوغَ، ولهذا قال ﵊: «وفرِّقوا بينهم في المضاجع»؛ يعني: إذا تمَّ لهم عشرٌ؛ فاضربوهم لأداء الصلاة، وفرِّقوا بينهم في المضاجع؛ أي: الفُرُش، فلكلِّ ابنٍ أو بنتٍ فِراشٌ، فيُفرَّقُ بين البنين مع بعضهم، وبين البنات مع بعضهنَّ، ويُفرَّقُ بين البنين والبنات، فأمرَ ﷺ بأمرين عظيمين: الأمرُ بالصلاة والحمل عليها، وتجنيبهم دواعي الشرِّ ومداخلَ الشيطانِ. فالمؤلفُ يستشهدُ بهذا على ورودِ الشريعةِ بتربية الصِّغارِ وتعليمهم قبلَ البلوغِ؛ ليستعدّوا وليعتادوا الخيرَ، وكما يُؤمرون بالصلاةِ يُؤمرون بالصيامِ، ولهذا كان الصحابة يأمرون أولادهم بصيام يوم عاشوراء لمَّا فُرض على الناس قبل فرض رمضان (١)، وكذا يجب أن يُنهى الصغار

стр. 41

عن المنكرات، ولا يُقالُ: هذا صغيرٌ، وإن كانوا لو فعلوه لم يأثموا، ولم يستوجبوا عقابًا، لكن يجبُ على الآباءِ والأمهات أن يأمروهم وينهوهم، وفي هذا تربيةٌ لنفوسهم، وهي أهمُّ من تربيةِ أبدانهم بأنواع الأغذية وأسباب الوقاية. قوله: (فكذلك ينبغي أن يَعلموا ما فرض اللهُ على العباد من قولٍ وعملٍ قبل بُلوغهم؛ ليأتيَ عليهم البلوغُ وقد تمكَّن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسُهم، وأَنِسَتْ بما يعملون به من ذلك جوارحُهم): (من قولٍ): يعني: اعتقادٍ، فالقولُ يُطلقُ على الاعتقادِ كما يقولُ الأئمة: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ»، قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ والجوارحِ (١)، فهكذا ينبغي أن يتعلَّمُوا ما فرضَ اللهُ عليهم من أمرِ الديانةِ من قولٍ وعملٍ. (قبل بُلوغهم؛ ليأتيَ عليهم البلوغُ وقد تمكَّن ذلك من قلوبهم): هذا أمْرٌ معروفٌ في التربية؛ فإهمالُ الصغير وتركُ الحبلِ على الغارب له (٢)؛ يتصرفُ بنزواتِه ونزعاتِه وجهلِه، فهذا فيه إضرارٌ به، وجِنايةٌ من وَلِيِّه عليه، حتى ولو كان الصبيُّ يتيمًا فإنه يجب أمرُه بالصلاة وضربُه عليها،

стр. 42

فهذا من الإحسان إليه، وبعضُ الناس يتحرَّجُ من ضَرْبِ اليتيم، فيترك تربيتَه رحمةً به، وهذا خطأٌ؛ فإنَّ تربيتَه إحسانٌ إليه، وإهمالَه إساءةٌ إليه، فعامِلِ اليتيمَ بنحو ما تُعامل به أولادَك من وجوهِ وطرقِ التربيةِ البدنيةِ والروحيةِ، حتى إذا ارتاضَت نفوسُهم، وسكنَت جوارحُهم، وانقادَت طبائعُهم لِمَا كُلِّفُوا به؛ أدركهم البلوغُ وهم مستعدُّون لأداء ما افترضَ اللهُ عليهم، والحمدُ لله. وهنا مسألة: الناشئُ الذي وُلد على الإسلامِ ويشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، إذا بلغَ هل يُكلَّفُ أن ينطقَ الشهادتين؟ الجواب: لا يكلَّف بذلك، فقد حصلَ منه النطقُ وللهِ الحمدُ، ويُشبِّهون هذا بمَن توضَّأ قبل دخولِ الوقت فإنَّه لا يُؤمَر بتجديده إذا دخلَ الوقتُ، فهذا قد أتى بالشهادتَين قبل التكليف، وصحَّ إسلامُه، فلا يحتاجُ إلى أن يُجدِّدَ إسلامَه إذا بلغَ؛ لأنَّه قد جاءَ بالإسلامِ وأتى بالشهادتين ونطقَ بهما قبل وجوبِهما عليه (١). قوله: (وقد فرض اللهُ على القلب عملًا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرةِ عملًا من الطاعات. وسأُفصِّلُ لك ما شرطتُ لك ذكرَه بابًا بابًا؛ ليَقربَ من فهم مُتعلِّميه - إن شاء الله تعالى -. وإيَّاه نستخيرُ وبه نستعينُ، ولا حول ولا قوَّةَ إلَّا بالله العليِّ العظيمِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ نبيِّه، وآلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا):

стр. 43

أشارَ المُصنفُ إلى تعلُّقِ أحكامِ الدين وأمورِ الديانةِ بالقلبِ، واللسانِ، والجوارحِ - كما تقدَّمَ -، وهذه المُتعلَّقاتُ منها ما هو فرضٌ، ومنها ما هو مُستحبٌّ. فأعمال القلوب - مثلًا - منها ما هو واجبٌ، ومنها ما هو مُستحبٌّ، لكن الإيمان بأصول الإيمان على سبيل الإجمال فرض عين. فنقول: الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورسله، واليومِ الآخر، وبالقدرِ خيرِه وشرِّه، على سبيل الإجمال فرضُ عينٍ على كلِّ مُكلَّفٍ، لكنَّ معرفتَها على سبيلِ التفصيل فرضُ كفايةٍ، فكثيرٌ من المسلمين - أو أكثرُهم - لا يعرفون هذه الأصولَ تفصيلًا، إنما يعرفُ هذا أهل العلم، فإنهم يعرفُون من الإيمانِ بهذه الأصول تفصيلًا ما لا يعرفهُ العامَّةُ؛ لِعِلمهم بالكتاب والسنَّة، وهكذا أعمالُ القلوب والجوارح؛ منها ما هو فرضٌ، ومنها ما هو مُستحبٌّ. و اسمُ الدِّينِ شاملٌ لكلِّ ما جاء به الرسولُ ﷺ ، والرسولُ ﵊ في حديثِ «جبريلَ» إنما ذكرَ مراتبَ الدِّينِ؛ وهي: الإسلام والإيمان والإحسان، وأصولَ كلِّ مرتبة؛ ثم قال: «فإنَّه جِبريلُ، أَتاكم يُعَلِّمُكم دِينكم» (١)، يعني: ما بيَّنه ﷺ في تفسير الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، لكنَّ تفصيلَ هذه الأصولِ مُبيَّنةٌ في الكتاب والسنَّةِ. فمثلًا: الصلاةُ والزكاةُ والصيامُ مُجمَلةٌ في الحديث، لكن تحتاجُ إلى تفصيل أحكامِها، فمنه ما هو مُبيَّنٌ في القرآنِ وهو قليلٌ، وأكثرُه

стр. 44

بَيَّنَهُ الرسولُ بسنَّتِه القوليةِ والفعليةِ، كما قالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيتمونِي أُصلِّي» (١)، وكذلك الحجِّ؛ قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وجملةٌ من أحكامِ الحجِّ مُبَيَّنَةٌ في القرآنِ، وأكثرُه إنما بَيَّنته السُّنةِ، فحجَّ ﵊ فعلَّم الناس المناسك، وقال: «لتأخذوا مناسِكَكُم» (٢)، فنسألُ اللهَ البصيرةَ في الدِّين، والفقهَ فيه. * * * * *

стр. 45

ما يجب تنزيه الله عنه (باب ما تنطقُ به الألسنةُ وتعتقدُه الأفئدةُ من واجب أمورِ الديانات من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيره، ولا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا ولدَ له، ولا والدَ له، ولا صاحبةَ له، ولا شريكَ له، ليس لأوَّليَّته ابتداءٌ، ولا لآخريَّته انقضاءٌ، ولا يبلغ كُنهَ صفتِه الواصفون، ولا يُحيطُ بأمره المتفكِّرون، يعتبرُ المتفكرون بآياته، ولا يتفكَّرون في ماهية (١) ذاته، ولا يُحيطون بشيءٍ من علمه إلَّا بما شاء، وَسِعَ كُرسيُّه السماواتِ والأرض، ولا يؤودُه حِفظُهما وهو العليُّ العظيمُ). هذا هو البابُ الأولُ من كتابِ «الرسالة» بعد الخطبةِ والمقدمة، وخصَّه بالمسائلِ الاعتقاديةِ العِلميَّة. وقوله: (باب ما تنطقُ به الألسنةُ وتعتقدُه الأفئدةُ من واجب أمورِ الديانات): يعني: هذا بابُ بيانِ ما يجبُ اعتقادُه بالقلب، والإقرارُ به باللسان؛ فإنَّ مسائلَ الدين قسمان: مسائلُ علميةٌ اعتقادية، ومسائلُ عملية.

стр. 46

فمثلًا: مسائلُ الأسماءِ والصفاتِ، وما يتعلَّقُ بالملائكة، والإيمانُ باليومِ الآخر؛ هذه مسائلُ اعتقادية؛ يعني الواجبُ فيها الإيمانُ والتصديق، واليقينُ الجازم، ثم الإقرارُ وإظهارُ ذلك باللسان؛ فإنَّه لا يظهرُ ما في القلبِ إلا باللسان، لأنه هو الذي يُعبِّرُ عمَّا في القلبِ. إذن: المسائلُ الآتيةُ كلُّها مسائلُ علميةٌ اعتقاديةٌ قولية، وقد تقدَّم (١) أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ: قولُ القلبِ واللسان، يعني: اعتقادُ القلبِ، وإقرارُ اللسانِ، وعملُ الجوارحِ. فالداخلُ في الإسلام أولًا يؤمنُ بإلهيته ويؤمنُ برسولِه، وينطقُ الشهادتين، ولا يتحقَّقُ دخولُه في الإسلام إلا بأنْ ينطقَ الشهادتين، فإنْ نطقَ بهما وهو مُعتقدٌ لِمَا شهدَ به؛ صار مسلمًا، وإنْ نطقَ بهما وهو في الباطنِ على خلافِ ذلك؛ فهو مُنافقُ، ويتبين هذا التقرير بمعرفة أن أوَّل واجبٍ هو التوحيد، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فالتوحيدُ هو أصلُ دينِ الرُّسلِ من أوَّلهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]. فأوَّلُ واجبٍ على المكلَّفين: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله؛ لقوله ﷺ : «أُمرتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» (٢)؛ لأنَّ الشهادتين متلازمتان، لا تصحُّ إحداهما بدون الأخرى، ولا يَدخُل الكافرُ الأصليُّ في الإسلام إلَّا بهما،

стр. 47

فلابدَّ منهما جميعًا، ولهذا قال النبي ﷺ : «بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله … » (١)، فَعَدَّ الشهادتين أصلًا واحدًا من مباني الإسلام الخمسة. لذلك قال أهلُ السنَّة: إنَّ أوَّلَ واجبٍ على العبد هو التوحيدُ، خلافًا لأهل الكلام الذين قالوا: إنَّ أوَّلَ واجبٍ هو النظرُ، ويريدون بالنظر التفكر في الأدلة الكونية مثلًا، فقالوا: إنَّ أوَّل واجبٍ هو النظرُ، وبعضُهم تنطَّع وقال: بل أوَّل واجبٍ القصدُ إلى النظر، وغلا بعضهم حتى قال: إنَّ أوَّل واجبٍ هو الشك! يعني أوَّل واجبٍ أن يَشكُّ الإنسانُ في الحقائق، فيشكُّ في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة! فبئس ما قالوا، أنْ جعلوا الكفرَ هو أوَّلُ واجبٍ؛ لأنَّ الشكَّ بالله كفرٌ. وهذه الأقوالُ ظاهرةُ الفسادِ والبطلان (٢). والنظرُ مشروعٌ، وقد ندب اللهُ إليه العباد، لكن لا يقال: إنَّه أوَّل واجبٍ، فمَن كان عنده توقُّفٌ أو شكٌّ مثل حالِ الكفَّار؛ فعليه أن ينظرَ في الأدلة الكونية والشرعية؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد].

стр. 48

والنظرُ من الأسباب التي يَقوى بها إيمانُ المؤمن، ولهذا أثنى اللهُ على أوليائه أولي الألباب بالتفكُّر في المخلوقات؛ قال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار (١٩١)﴾ [آل عمران]، وكان النبيُّ ﷺ إذا قام من الليل يرفع بصرَه إلى السماء، ويقرأ هذه الآيات من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ … ﴾ إلى آخرها [آل عمران: ١٩٠] (١)، فالتفكُّر في الآيات الكونية، والتدبُّر للآيات الشرعية القرآنية؛ هما من أعظم أسبابِ زيادة الإيمان. والمقصود: أنَّ النظرَ مشروعٌ، لكن لا يقال: إنَّه أوَّل واجبٍ، بل أوَّلُ واجبٍ هو التوحيد كما تقدم (٢). قوله: (من واجب أمورِ الديانات): يريد: المسائل التي يجب اعتقادُها، والنطقُ والإقرارُ بها، فيجب على العبد الإيمان بها ظاهرًا وباطنًا، وذلك ممَّا أجمع عليه أهلُ السنَّةِ، بل منه ما أجمعت عليه الأمَّةُ، ولهذا قال المؤلف في مقدمة كتابه «الجامع» (٣): «فممَّا أجمعت عليه الأمَّة من أمور الديانة، ومن السنن التي خِلافُها بدعة وضلالة: أنَّ اللهَ - تبارك اسمه - له الأسماء الحسنى، والصفات العلى … » (٤).

стр. 49

قوله: (من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيره): يريد: أنَّ ممَّا يجب اعتقادُه بالقلب والنطق به باللسان: أنَّ اللهَ هو الإله الذي لا إله غيره، وهذا أصلُ الدِّينِ الذي بعث اللهُ به رسلَه من أوَّلهم إلى آخرهم، وهو معنى: لا إله إلا الله، وحقيقتها: الإيمانُ بأنَّ اللهَ هو الإله الحقُّ الذي لا يستحقُّ العبادةَ سواه، فكلُّ معبودٍ سواه باطلٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]. والإلهُ بمعنى: المألوه؛ أي: المعبودُ (١)، فمعنى: «لا إلهَ إلا الله»: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله (٢)، فهذه كلمةُ التوحيدِ «لا إلهَ إلا الله»، وليس معنى الإله: الخالقُ أو القادرُ على الاختراع كما يقولُه الغالطون من المتكلِّمين (٣)، وهذا جهلٌ منهم بمعنى «لا إله إلا الله»، ولهذا يُقال: المشركون من العرب أعلمُ منهم بمعنى «لا إله إلا الله»؛ كما قال ذلك الشيخ محمدُ بن عبد الوهاب في كتابه: «كشف الشبهات» (٤)، لا شكَّ أنَّ كلمة «لا إلهَ إلا الله» تتضمنُ توحيد الربوبية، لكن ليس هو المقصودُ

стр. 50

بل المقصود منها توحيد العبادة فلو كان معناها لا خالق إلا الله لَقَبِلها المشركون ولَمَا أنكروها؛ لأنهم مُقرُّون بأنَّه لا خالق إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فالفرقُ بين الموحِّدِ والمشرك هو توحيدُ العبادة، فالمسلمُ يُقرُّ به والمشركُ يُنكره؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب (٤) جَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب (٥)﴾ [ص] (١)، فلا بدَّ من التنبُّهِ لهذا الفرقِ بين المعنيين والفرق بين الفريقين. وكلمةُ التوحيد جاءت في القرآنِ بألفاظٍ كثيرة، ومعناها واحد؛ فقال تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقال: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]. وجاءَت في هذه المواضعِ ونحوِها بصيغةِ الحصر الذي يكون بالنفي والاستثناء كما في الآيات أو ب «إنما»؛ كقوله تعالى: ﴿﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] (٢)، وكلها من قَبيل قصرِ الصفةِ على الموصوف.

стр. 51

ثم ذكرَ الشيخ جملةً ممَّا يجب تنزيهُ الله تعالى عنه، فقال: (لا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا ولدَ له، ولا والدَ له، ولا صاحبةَ له): وهذا كلُّه جاءَ التصريحُ بنفيِه في القرآن، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وهذا في مواضعَ كثيرةٍ. وجاء التصريحُ ببعضه في سورةِ الإخلاص؛ فقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، فتضمنَ هذا النفيُ: نفيَ الوالدِ والولدِ والكفءِ، وذلك يتضمنُ كمالَ الاسمين المُتقدِّمين: أحديَّته، وصَمَدِيَّته (١)، فهو الأحدُ الذي لا نظيرَ له ولا شريك، وهو الصمدُ الذي تَصمدُ إليه الخلائقُ، ولا تَجَزُّؤَ في ذاتِه . والشبيهُ والنظيرُ والمثل والكفء والندُّ ألفاظٌ متقاربةٌ. وجاءَ في القرآن نفيُ الكُفءِ والندِّ والسّميّ؛ فقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]، فهو لا سميَّ له، ولا كُفء له، ولا ندَّ له في أي شأنٍ من شؤونه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاتِه، ولا في صفاتِه، ولا في أفعاله، وهو تعالى يُوصفُ بالإثباتِ والنفيِ.

стр. 52

والمؤلفُ بدأَ بذكر النفي، وكان المناسبُ أن يبدأَ بإثبات أسمائِه ونفيِ ما يُضادّها، وذلك لوجهين: أحدهما: أنَّ نصوصَ الإثبات في القرآن أكثرُ (١). الثاني: أنَّ ذِكْرَ الإثباتِ في الآيات مُقدَّمٌ على ذِكْرِ النفي كما في سورة الإخلاص، والآياتِ في آخر سورة الحشر، وقد يأتي النفيُ قبل الإثبات، وهو قليل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (٢). قوله: (ولا شريكَ له): هذه عامةٌ في نفي الشريك؛ أي: لا شريك له في ربوبيته ولا إلهيته ولا في شيء من خصائصه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢]، فليس له شريكٌ في الملكِ، فالملكُ كلُّه له، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، فلا أحدَ يملكُ ذرةً في السماواتِ والأرضِ، ولا شِركًا في ذرةٍ. ولا شبيه له في أسمائِه وصفاتِه، فلا ربَّ غيرُه، ولا إله سواه.

стр. 53

قوله: (ليس لأوَّليَّته ابتداءٌ، ولا لآخريَّته انقضاءٌ): هذا يتضمنُ الإشارةَ إلى اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: الأوَّلُ، والآخرُ، فهو الأوَّلُ والآخر والظاهرُ والباطن، وجاءَ تفسيرُهما على لسان أعلمِ الخلق به ﷺ ، وذلك في قولِه في الدعاء: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ» (١). فالمؤلف يقولُ: ممَّا يجبُ الإيمانُ به: أنَّه الأوَّلُ، وليس لأوليتِه ابتداءٌ، وأنه الآخرُ، وليس لآخريتِه انتهاء. وهذان الاسمان يدلَّانِ على دوامِه أزلًا وأبدًا، وهما من لوازم كونه تعالى واجبُ الوجود، ومعنى واجبُ الوجود: أنه الذي لا يجوزُ عليه الحدوثُ ولا العدم، فلم يسبقْ وجودَه عدمٌ ولا يلحق وجوده عدم، فهو المُتقدِّمُ على كلِّ شيءٍ، والباقي بعد كلِّ شيءٍ (٢)، فهو دائمٌ أزلاً وأبدًا، وما يبقى من الخلقِ كالجنة والنار؛ فبقاؤُهما بإبقائِه سبحانه، فليس بقاؤهما ذاتيًّا لهما، أما بقاؤُه فهو ذاتيٌّ له (٣)، وينبغي أن يُعلَم أنَّ ذِكرَ اللهِ بواجب الوجود هو من قَبيل الإخبارِ بالحقيقة، لا من باب

стр. 54

التسميةِ والنعتِ، فليس من أسمائه واجبُ الوجودِ، ولا من صفاته التي يُثنى عليه بها (١). قوله: (ولا يبلغُ كُنهَ صفتِه الواصفون): المعنى: أنَّه لا يُدركُ أحدٌ كُنْهَ صفاته، ولهذا امتنع التكييفُ، فلا يجوزُ التفكُّرُ في كيفيةِ ذاته، أو كيفيةِ صفاته، فلا يقال: كيف ينزل؟ كيف يجيءُ؟ كيف يغضبُ؟ كيف يتكلمُ؟ فكلُّ هذا ممتنعٌ، لا يجوزُ التفكيرُ فيه، ولا السؤالُ عنه لأنه لا سبيل إلى معرفته، ولهذا أنكرَ الأئمة ذلك وقالوا: «والكيفُ مجهولٌ» (٢)، فأنكروا على من يسألُ عن كيفيةِ الاستواءِ وغيره من الصفاتِ. قوله: (ولا يُحيطُ بأمره المتفكِّرون): يعني بحقيقتِه وشأنِه، فشأنُه لا يُحيطُ به المُتفكِّرون، فلا يجوزُ التفكّر في ذاتِه، وقد جاءَ في الأثرِ: «تَفكَّروا

стр. 55

في مخلوقات اللهِ، ولا تَفكَّروا في ذات اللهِ» (١)، قال ابنُ عبد البر: «وقد

стр. 56

نُهينا عن التفكُّر في الله، وأُمرنا بالتفكُّر في خلقه الدالِّ عليه» (١)؛ أي: تَفَكَّرْ في آياتِ الله الدالةِ على قدرته وعلمِه وحكمتِه ورحمتِه، ولا تُفَكِّرْ في ذاته؛ فإنه لا سبيلَ إلى معرفةِ كُنهِ ذاته، أو كُنهِ صفاته، ولهذا قالَ أهلُ العلم: إنَّه يجب الإيمان بما وَصَفَ الله به نفسه، أو وَصَفَه به رسولُه من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيل، فيجبُ الإيمان بصفاتِه بإثباتِ ما أثبتَه اللهُ لنفسه، ونفيِ مُماثلتِه لخلقه، ونفيِ العلم بالكيفية، فهذه الأمور الثلاثة هي مرتكز مذهب أهل السنة (٢)، ويجبُ أن نعلمَ أنَّ لصفاته ولذاتِه كيفيةً لكن لا سبيلَ للعبادِ إلى معرفِتها، فالمنفيُّ هنا هو العلمُ (٣). فإذن: ذاتُه لها كُنْهٌ، وصفةٌ، وحقيقةٌ، ولكن لا يبلغُ ذلك الواصفون، ولا يحيطُ به المُتفكرون، وممَّا يتصل بهذا المعنى قول بعضهم: «كلُّ ما خطر ببالك فاللهُ بخلاف ذلك»، وهذه العبارةُ من الألفاظ المجملةِ التي تحتاج إلى تفصيل؛ فنقول: كلُّ ما خطر ببال العبدِ من الكيفيات في الذات والصفات فاللهُ بخلافِ ذلك؛ لأنَّ ما يخطرُ بالبال من الكيفيات أصلُه ما يعرفه الإنسانُ من كيفية المخلوقات المشاهدة، أمَّا ما يخطر بالبال من معاني الصفات؛ كالعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك؛ فلا يجوز أن

стр. 57

يُقال: إنَّ اللهَ بخلاف ذلك، فإنه مُتَّصفٌ بهذه المعاني، فيُقال: إنَّه عليمٌ قديرٌ سميعٌ بصيرٌ، وإذا قيل: الله بخلاف ذلك؛ آلَ إلى التعطيل (١). قوله: (يَعتبر المُتفكرون بآياتِه، ولا يتفكَّرون في ماهية ذاتِه): يعتبرُ المُتفكِّرُون في آياتِه الكونية، ويهتدُون إلى معرفةِ الله بالتفكُّرِ في مخلوقاته، والتدبر لآياته. ف معرفةُ الله لها طريقان: التفكرُ في آياته الكونيةِ، والتدبُّرُ لآياتِه الشرعية، فكلاهما طريقٌ يَعرف به العبادُ ربَّهم؛ كما قالَ سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران]. وكثيرًا ما يذكر اللهُ في كتابه آياتِه الكونية، وهي: مخلوقاته ثم يُتبعها بذكر المنتفعين بها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون (٣)﴾ [الرعد]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين (٢٢)﴾ [الروم]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون (٢٣)﴾ [الروم]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون (٢٤)﴾ [الروم]، وهذا كثيرٌ في القرآن؛ يُنبهُ الله العبادَ إلى ما في آياتِه الكونيةِ السماوية والأفقيةِ والأرضيةِ والنفسية؛ قال تعالى: ﴿﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]، وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون (٢١)﴾ [الذاريات]، فيعتبرُ أولو الألباب المُتفكِّرون المُتذكِّرون بآياتِه ولا يتفكرون في ذاتِه، وهذا هو الواجبُ.

стр. 58

(ولا يتفكَّرُون في ماهيَّةِ ذاتِه): يعني في حقيقةِ ذاته، فالمعنى مُتقاربٌ: في ماهيتِه، أو في حقيقتِه، أو في كيفيتِه، أو في كُنْهِه. لكن نؤمنُ بأنَّ له تعالى ذاتًا لا تشبهُ الذواتَ، وأنَّه قائمٌ بنفسه، غنيٌّ بذاتِه عن كلِّ ما سواه، فلا يفتقرُ إلى شيءٍ بوجهٍ من الوجوه. تنبيه: في بعض نسخ الرسالة: ولا يتفكَّرون في مائيته بالهمز (١)، ويقول بعضُ أهلِ اللغة: إنَّ مائية وماهية معناهما واحد، وذلك يجري على لغة مَنْ يُبدل الهمزة هاء، وأنَّ أصلَ همزة ماء: هاء؛ بدليل أنك تقول في التصغير: مويه، وفي الجمع: مِياه، ولكن المشهور عند المناطقة: ماهية بالهاء، ويقولون: ماهيةُ الشيءِ: ما يُجابُ به مَنْ قال في شيءٍ: ما هو؟ (٢) قوله: (ولا يُحيطون بشيءٍ من علمه إلَّا بما شاء، وَسِعَ كُرسيُّه السماواتِ والأرض، ولا يؤودُه حِفظُهما وهو العليُّ العظيمُ): هذا بعضُ «آيةِ الكرسي»، فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾: أي: لا يحيطُ العباد، والإحاطةُ غير مُطلق العلم، فنحن نرى الشمسَ ولا نُحيطُ بها رؤيةً، ونعلمُ أشياء كثيرةً ممَّا أخبرنا الله به من علومِ الغيب أو من الأخبارِ الواقعةِ في هذه الدنيا، لكننا لا نحيطُ بها، فالشيءُ لا يُحاط به،

стр. 59

ولا تُدركُ حقيقتُه إلا بمشاهدتِه، أو مُشاهدةِ نظيره (١). فاللهُ تعالى أخبرَ بأنَّ العبادَ لا يُحيطون بشيءٍ من علمه. ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾: يعني: من معلوماتِه إلا بما علَّمَهم، وهذا يُفسِّرُه قوله تعالى عن الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال الخضرُ لموسى: «ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر» (٢). فعلمُ الخلائقِ - الملائكة والإنس والجن - كلّهم لا نسبةَ له إلى علمِه . وقِيل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾: أي: العلم به لا يُحيطون بشيءٍ من ذلك إلا بما شاءَ، فالعبادُ لا يعلمون من شأنِ ربهم إلا ما علَّمهم،

стр. 60

والمعنيان صحيحَان، فلا علمَ للعباد بذاتِه وصفاته إلا ما علَّمَهم، ولا علمَ للعباد بشيءٍ ممَّا يعلمُه إلا بما شاءَ (١)، كما قال تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]؛ فلا علمَ لأحدٍ - حتى الملائكة والأنبياء - إلا ما علَّمَهم، يقولُ اللهُ لأفضل الخلق ﷺ : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء]، وقال عن الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. فما جاءَ به الرسولُ ﵊ من العلمِ العظيم، إنَّما كان بتعليمٍ من الله تعالى، فعلَّمَه بالوحيِ الذي أنزلَه من الكتابِ والحكمة. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: الكرسيُّ أصحُّ ما قِيل في تفسيره: أنه موضعُ قدمِي الربِّ (٢)، ..................................................

стр. 61

.... وقِيل: العرش (١)، وقيل: العلمُ، أي: وسعَ علمُه، وروي

стр. 62

هذا عن ابن عباس، ولا يصحُّ (١)، كما أنه لا يُعرَفُ في اللغة تفسيرُ الكرسي بالعلم.

стр. 63

لكن الذي عليه جمهورُ السَّلف: أنَّ المرادَ بالكرسيِّ موضعُ القدمين، وهو مخلوقٌ عظيم غيرُ العرشِ (١). والآيةُ تدلُّ على سعةِ الكرسيِّ وعِظمِه، وجاء في بعض الأحاديثِ كما عند ابن جرير: «ما السماواتُ السبعُ في الكرسي إلا كدراهمَ سبعة أُلقيت في تُرْس» (٢). ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: يعني لا يشقُّ عليه، ولا يُعجزه حفظُ هذا العالَمِ العلويِّ والسفليِّ (٣). كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]؛ أي: لا يمسكُهما أحدٌ غيره. وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، فهو الحافظُ للعبادِ، والحافظُ لهذا الوجود، ولولا حفظُ الله لهذا العالم لدَكَّ بعضُه بعضًا، فهذا العالمُ: السماواتُ والأرضُ كلُّها مستقرَّة على وفقِ ما قدَّرَه ، وهذه الأجرامُ العلويةُ من الكواكبِ؛ ماضيةٌ في مجاريها بقدرتِه .

стр. 64

وختمَ اللهُ آيةَ الكرسيِّ باسمَين عظيمين كما بدأَها باسمَين آخرين، فبدأها باسمِه «الحيُّ القيوم»، وقد قِيل: إنهما الاسمُ الأعظمُ (١)، وختمَها باسمَيه «العليُّ العظيمُ»، واسمُه «العليُّ» يدلُّ على أنَّ له العلوَّ بكلِّ معانيه؛ علوُّ الذاتِ، والقَدْرِ، والقهرِ، وهو «العظيمُ» الذي لا أعظمَ منهسبحانه وتعالى، ولا نُدركُ كنهَ عظمتِه كما هو الشأنُ في سائرِ صفاته. فاسمُه «العليُّ» هو من جملةِ ما يُستدلُّ به على علوِّ الذات (٢). * * * * *

стр. 65

ذكر بعض أسماء الله وصفاته (العالمُ الخبيرُ، المدبِّرُ القديرُ، السميعُ البصيرُ، العليُّ الكبيرُ، وأنَّه فوقَ عرشِه المجيدِ بذاته، وهو في كلِّ مكانٍ بعلمه. خلَق الإنسانَ ويعلم ما تُوسوس به نفسه، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد، وما تسقطُ من ورقةٍ إلَّا يعلمها، ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلَّا في كتابٍ مبينٍ). قوله: (العالمُ الخبيرُ، المدبِّرُ القديرُ، السميعُ البصيرُ، العليُّ الكبيرُ): هذه جملةٌ من أسماءِ الله الحسنى، فبعدما ذكرَ جملةً ممَّا يجبُ تنزيه اللهِ عنه كالشبيه، والنظير، والشريك، والصاحبة، والولد، والوالد، إلى آخره. ذكرَ جملةً من أسمائِه الحسنى التي يجبُ إثباتها له، وهو عليمٌ خبيرٌ كما وصفَ نفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٦٢)﴾ [العنكبوت]، وهذا العمومُ هو أعمُّ من كلِّ عمومٍ؛ لأنَّ ما من عامٍّ إلا وقد خُصَّ إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٦٢)﴾ (١)، فيَعلمُ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كانَ كيف يكون.

стр. 66

وقد تَمَدَّحَ بهذا الاسم في آيات كثيرة. واسمُه «الخبيرُ» أخصُّ من اسمه «العليمِ»، لأنه يدلُّ على علمه بخفايا الأمورِ وغاياتِها، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٧٥)﴾ [النمل]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، واللهُ فصَّلَ في القرآن في ثنائه على نفسه بالعلم تفصيلًا كثيرًا كما سيُشير المؤلِّفُ إلى بعضِ ذلك. وقوله: (العالمُ): لم يأتِ في القرآن لفظ العالِم مفردًا، بل الواردُ: العليمُ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧٥)﴾ [الأنفال]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء]. أمَّا «العالمٌ» فلم يأتِ إلا مُضَافًا، كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، أو بصيغة الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين (٨١)﴾ [الأنبياء] فإذا دعوت اللهَ؛ فقلْ: يا عليم، يا من هو بكلِّ شيءٍ عليمٍ، ولا تقلْ: يا عالم، بل قل: يا عالمَ الغيبِ والشهادةِ؛ فكان المناسبُ أن يقولَ: العليم الخبير. وقوله: (المدبر القدير): أمَّا «القدير»؛ فجاء مُطلقًا ومُقيَّدًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٠)﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]، فيصح أن تقول: الله قدير، وتقول: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير. أمَّا «المدبر»؛ فلا يُعَدُّ اسمًا (١)، لكنه حقٌّ، فيصحُّ أن تقول

стр. 67

في الإخبار: «الله المدبر»، ولا تقول: من أسمائه المدبر؛ لأنه مشتقٌّ من قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، وهو من معنى اسمه: الملك. (السميع البصير): ذِكر هذين الاسمين من أسماء الله في القرآنِ كثيرٌ، وهما يدلان على إثبات صِفَتي السمع والبصر لله، كما تقتضيه قاعدة: «أنَّ كلَّ اسمٍ مُتضمِّنٌ لصفةٍ» (١)، فهو السميعُ والسمعُ صفته، والبصير والبصر صفته، فتقول: اللهُ تعالى ذو سمعٍ، وذو بصرٍ، وجاء في الحديث: «حِجابُه النورُ لو كَشفه؛ لأحرقتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه مِنْ خلقه» (٢)، وقالت أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: «الحمد لله الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ» (٣)، فسمْعُه واسعٌ لجميع الأصواتِ، يسمعُ

стр. 68

أصواتَ المُسبِّحِين والدَّاعين والمُتكلمين بأنواعِ الكلام، بما في ذلك أقوالُ الكافرين، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] أخبر بذلك تهديدًا لهم، وأخبرَ بسماع كلامِ الناس العادي؛ فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] والواجبُ الأوَّلُ هو الإيمانُ بثبوت هذه الصفات لله ثم العمل بمقتضى هذا الإيمان، وهو تعظيم الله، ومراقبته وتقواه، فإذا استشعرَ العبدُ أنَّ الله يسمعُه ويراه، وأنَّ عِلمَه مُحيطٌ به، يعلمُ ما في نفسه؛ أوجبَ له ذلك الشعورُ الوقوفَ عند حدودِ الله، والمبادرةَ إلى أداء الواجبات، وإذا غفل عن ذلك وقع في التقصير في تقوى الله بعدم القيام بالواجبات، وبالوقوع في المنهيات. (الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): هذا هو بمعنى: (العلي العظيم)، وقد تقدَّم ذكرُهما وبيانُ ما يدلان عليه في الكلام على آيةِ الكرسي (١). قوله: (وأنه فوقَ عرشِه المجيدِ بذاته): (وأنه فوق عرشه): معطوفٌ على قوله في أول الباب: (أنَّ الله إله واحد لا إله غيره).

стр. 69

(فوقَ عرشِه المجيدِ ذاته): يعني وممَّا يجبُ الإيمانُ به: أنَّه تعالى فوقَ عرشِه، وقالَ: (بذاته)؛ لأنَّ هذا هو محلُّ الافتراقِ بين أهلِ السنةِ والمُبتدعة، فالمُبتدعةُ يقولون: اللهُ فوق العرش، لكنَّ الفوقيةَ عندهم فوقيةٌ معنوية، ليست فوقيةَ ذات، فإنهم يُثبتون علوَّ القَدْرِ، لكنّ محلَّ النزاعِ بين أهل السنة والمتكلمين هو: علوُّ الذَّاتِ وفوقيةُ الذَّاتِ (١)، واللهُ تعالى له الفوقيةُ بكلِّ معانيها، وله العلوُّ بكلِّ معانيه، ذاتًا وقدرًا وقهرًا (٢)، فالمؤلِّفُ ﵀ صرَّحَ بفوقيَّةِ الذات؛ لقوله: (بذاته)، فكان ذلك صدمةً لمخالفيه من الأشاعرة، ولهذا ذكر شيخُ الإسلام أنَّ بعضَ أُولئك تأوَّلوا قولَ ابن أبي زيد فجعلوا المجيدَ صفةً لله، وقرأوه بالرفع، والصوابُ أنه مجرورٌ، صفةٌ للعرش، فصار المعنى على تأوليهم: أنَّ اللهَ مجيدٌ بذاته، وهذا تحريفٌ لكلام المؤلف، والصوابُ: أنَّ بذاته قيد لقوله: (فوق)، والكلامُ لا يحتمل إلَّا هذا المعنى، ومَن تأوَّله على خلافه فقد حرَّفه وكذَبَ على المؤلف، هذا مضمون كلامِ شيخ الإسلام، وهو في مجموع الفتاوى، المجلد الخامس، صفحة مئة وتسعةٍ وثمانين،

стр. 70

وانظر أوَّلَ كلامِه في صفحة اثنين وثمانين ومئة (١)، وهذا التحريفُ الذي ذكره الشيخُ وأَبطله وقع من بعض المتأخرين ممن شرحَ رسالةَ ابن أبي زيد (٢)، أمَّا من شرحها من تلاميذه فلم يفعلوا ذلك، بل شرحوها على ما يوافق مُرادَ ابن أبي زيد؛ من أنه تعالى فوق العرش بذاته، ومنهم:

стр. 71

مكي بن أبي طالب (١)، والقاضي عبد الوهاب (٢)، ومعلومٌ أنَّ تلاميذه أعلمُ بمراده، فتدبَّر (٣).

стр. 72

فإذا ثَبتَ أنه تعالى فوق العرشِ بذاته؛ بطلَ قولُ الجهمية ومَن تَبعهم؛ إنه تعالى في كلِّ مكان. و «مجيد»: صفةٌ للعرش؛ لأنه المُناسبُ في هذا السِّياقِ، والآيةُ في سورة البروجِ فيها قراءَتان (١) بالجرِّ: صفةٌ للعرش، وبالرفع: صفةٌ لله.

стр. 73

والمحرِّفون اختاروا قراءةَ الرفع؛ ليكون معنى قول ابن أبي زيد: المجيدُ بذاته، وهذا الموضعُ مما يتميزُ به ﵀ عن جمهور الأشاعرة، وهو إثباتُه لفوقية الذات، ولهذا عُدَّ من أهل السنَّةِ والجماعةِ. قوله: (وهو في كلِّ مكانٍ بعلمِه): في هذه الجملة مع التي قبلها تحقيقٌ لمذهب أهلِ السنَّة، وهو أنه تعالى بذاته فوق العرش، وعلمه في كلِّ مكان، وفي هذا إبطالٌ لقول الحلولية نفاة الفوقية القائلين بأنَّه تعالى في كلِّ مكانٍ بذاته، وليس هو تعالى فوق العرش. فنصوصُ العلم ونصوصُ المعيَّةِ تدلُّ على أنه تعالى وإنْ كان فوق العرشِ؛ فعلمُه مُحيطٌ بكلِّ شيءٍ، وسمعُه واسعٌ لجميعِ الأصوات، وبصرُه نافذٌ لجميع المخلوقات، فيعلمُ ما يُسِرُّ العباد وما يُعلنُون، فلا تخفى عليه خافيةٌ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]. إذن: هو نفسُه تعالى فوق العرشِ، وهو مع العبادِ بسمعِه وبصرِه وعلمه . وقد وضَّحَ العلماءُ معنى المعيةِ العامة بأنها معيَّةُ العلمِ (١)، فليس هو معهم بذاتِه بمعنى أنه مُختلطٌ بهم. يقول شيخُ الإسلام: «فإن هذا

стр. 74

لا تُوجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق» (١)، وليس قولُ أهل السنَّة بأنه تعالى معهم بعلمه من التأويل كما يزعمه المخالفون؛ بل هذا قد دلَّت عليه آيةُ المعيةِ، فإنَّها بُدِأت بالعلم وخُتِمت بالعلم، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧)﴾ [المجادلة] (٢). وما قاله المؤلف مطابق لما صحَّ عن الإمام مالك، وهو قوله: «اللَّه ﵎ في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان»، رواه أحمد، وأبو داود (٣). قوله: (خلق الإنسانَ ويعلم ما توسوسُ به نفسه، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد): هذا تفصيلٌ لما أجملَه في قوله: وعلمُه في كلِّ مكانٍ. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾ [ق]، فخصَّ بالعلم ما توسوس به نفسه؛ لأنَّه من أخفى الأشياء، وهذا كثيرٌ في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ

стр. 75

الصُّدُور (١٥٤)﴾ [آل عمران]: يعلم ما في أنفسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾: اختلفَ المفسرون في هذا القُرْب، فقِيل - وهو أكثرُ ما جاءَ عن المُفسِّرين من السلفِ -: إنَّ المُرادَ قربُه تعالى بملائكتِه المُوكَّلين بالعبدِ بحفظِ عمله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار]، فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾، نظيرُ قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون (٨٥)﴾ [الواقعة]، وأنَّ المرادَ قربُ الملائكةِ، وهم ملائكةُ التوفّي المُوكَّلين بتوفِّي أرواحِ العباد، وعلى هذا فلا تدلُّ الآيةُ على إثباتِ القربِ العامّ. وقِيل؛ المرادُ بالآيتين: قربه تعالى بنفسه، وأنَّ هذا القربَ هو قربُه بعلمِه كما قِيل ذلك في المعية العامة. والمصنِّفُ مشى على هذا المعنى الأخير؛ حيث قالَ: (وهو أقربُ إليه من حبلِ الوريدِ)، فظاهرُ هذا التعبيرِ أنَّه يُثبت القربَ العام، ولا إشكالَ على كلِّ تقديرٍ ولله الحمدُ، لكنَّ الأوَّلَ هو الراجحُ في تفسيرِ الآية، وهو المأثورُ عن أكثر السَّلفِ، وأنَّ المرادَ: قربُه تعالى بملائكته كآيةِ الواقعةِ (١).
следующие страницы →