← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13048

الفقيه والمتفقه - الخطيب البغدادي

الخطيب البغدادي

Полный текст (1 462 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّجَّارُ , أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُخَرِّمِيُّ , نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الدَّقَّاقُ , وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ , نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ , قَالَا: نا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ , نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ مَيْسُورٍ النُّمَيْرِيِّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٢٦٥⦘: " يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ مَا كَانَ فِيهِ حَلَالًا أَحْلَلْنَاهُ , وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ , أَلَا مَنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَدِيثٌ , فَكَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَذَّبَ ثَلَاثَةً: كَذَّبَ اللَّهَ , وَرَسُولَهُ وَكَذَّبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ " لَفْظُ حَدِيثِ النِّجَادِ

стр. 317

حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ ناصرٍ السَّجَرِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ بُشْرَى السِّجِسْتَانِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآبِرِيُّ , أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مُوسَى يَعْنِي الزَّمَنَ - يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ , يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَالتَّنْزِيلِ»

стр. 318

وَقَالَ ابْنُ الْأَزْهَرَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى , يَقُولُ: «سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا مِثْلُ كَلَامِ اللَّهِ »

стр. 319

بَابُ الْقَوْلِ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصُّ كِتَابٍ , هَلْ سَنَّهَا بِوَحْيٍ أَمْ بِغَيْرِ وَحْيٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ إِلَّا بِوَحْيٍ , وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى , إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [ النجم: ٤]

стр. 320

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ , أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ , عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ عِنْدَهُ , كِتَابًا مِنَ الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ , وَمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَدَقَةٍ وَعُقُولٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ» وَقِيلَ لَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , شَيْئًا قَطُّ إِلَّا بِوَحْيِ اللَّهِ , فَمِنَ الْوَحْيِ مَا يُتْلَى وَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَحْيًا إِلَى رَسُولِهِ فَيُسَنُّ بِهِ

стр. 321

أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ , أنا أَبُو سَهْلٍ , أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْحَرَّانِيُّ , حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ , قَالَ: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةَ كَمَا يَنْزِلُ ⦗٢٦٧⦘ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ»

стр. 322

أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَرَّاءُ الْحَنْبَلِيُّ , نا عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزِيرُ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ , نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ , قَالَ: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ يُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا , كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ»

стр. 323

أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرِ السُّتُورِيُّ , نا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَكَرِيَّا الْبَزَّازُ , نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سِنِينَ الْخُتَّلِيُّ , قَالَ: نا عِمْرَانُ بْنُ هَارُونَ , نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ أَبُو عِصَامٍ الْعَسْقَلَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ , يَقُولُ: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ» وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنْ يَسُنَّ مَا يَرَى أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ ⦗٢٦٨⦘ لِلْخَلْقِ , وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِأَنْ يَحْكُمَ بِرَأْيِهِ , لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ , وَأَنَّ مَعَهُ التَّوْفِيقُ وَاسْتَدَلَّ مِنَ السُّنَّةِ بِمَا

стр. 324

أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ , أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي , نا عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ , نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , نا الْأَوْزَاعِيُّ , حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: لَمَّا فَتَحَ الَّلهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةُ , قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ , فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ , وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ , ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا , وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ , وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ , إِمَّا أَنْ يَفْدُوَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , اكْتُبُوا لِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» قَالَ: فَقَامَ عَبَّاسٌ - أَوْ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِلَّا الْإِذْخِرَ , فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَلِبُيُوتِنَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِلَّا الْإِذْخِرَ» ⦗٢٦٩⦘ قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ؟ قَالَ: يَقُولُ: اكْتُبُوا لَهُ خُطْبَتَهُ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَرَأَى النَّبِيُّ لِلَّهِ ﷺ , مِنَ الْمَصْلَحَةِ إِجَابَةُ الْعَبَّاسِ إِلَى إِبَاحَةِ قَطْعِ الْإِذْخِرِ وَأَبَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هَذَا الْمَذْهَبَ , وَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أُرَاهُ تَعَالَى مِنَ الْوُجُوهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ وَأَمَّا قِصَّةُ الْعَبَّاسِ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَاجَعَةَ رَبِّهِ فِي الْإِذْخِرِ , كَمَا طَلَبَ مُوسَى ﵇ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ , لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مُرَاجَعَةَ رَبِّهِ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ عَنْ أُمَّتِهِ فَرُدَّتْ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ , وَكَمَا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعَ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى رُدَّ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ قَالَ , فَإِنْ قِيلَ: قَدْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَوَّابُ الْعَبَّاسِ فِي الْحَالِ بِلَا زَمَانٍ بَيْنَ السُّؤَالِ وَبَيْنَ الْجَوَابِ يَكُونُ فِيهِ الْوَحْيُ بِذَلِكَ الْجَوَابِ , فَإِنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي لَطِيفِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَجِيءُ الْوَحْيِ بِالْجَوَابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ حَاضِرًا , فَأَلْقَى ⦗٢٧٠⦘ جِبْرِيلُ إِلَيْهِ الْجَوَابَ فِي الْحَالِ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ , لِلَّذِي سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالُ لَهُ: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ» وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي هِجَائِهِ الْمُشْرِكِينَ: «اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ» فَإِذَا كَانَ جِبْرِيلُ مَعَ حَسَّانَ لِمُهَاجَاتِهِ قُرَيْشًا , فَبِأَنْ يَكُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَرَائِعِ الدِّينِ أَوْلَى وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَلْقَى فِي رَوْعِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّ مَا سِنَّهُ وَاحْتُجَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي:

стр. 325

أناه الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو , مَوْلَى الْمُطَّلِبِ , عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ , وَلَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ قَدْ نَفَثَ ⦗٢٧١⦘ فِي رَوْعِيَ أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مِنْ سُنَّةٍ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ , فَسُنَّتُهُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِعَيْنِهِ نَصُّ الْكِتَابِ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ

стр. 326

أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْهَمَذَانِيُّ , نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ الطَّرَائِفِيُّ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ , فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ , وَالْوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصِّ كِتَابٍ , فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مِثْلُ نَصِّ الْكِتَابِ وَالْآخَرُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ , فَبَيَّنَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَى مَا أَرَادَ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِمَا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُ بِمَا افْتَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ تَوْفِيقِهِ لِرِضَاهُ , أَنْ يَسُنَّ فِيمَا لَيْسَ نَصَّ كِتَابٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ , كَمَا كَانَتْ سُنَّتُهُ لِتَبْيِينِ عَدَدِ الصَّلَاةِ وَعَمَلِهَا عَلَى أَصْلِ جُمْلَةِ فَرَضِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ مَا سَنَّ مِنَ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشرائعِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَالَ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] , فَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ , فَإِنَّمَا بَيَّنَ فِيهِ عَنِ اللَّهِ , كَمَا بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَاءَتْهُ بِهِ رِسَالَةُ اللَّهِ , فَأَثْبَتَتْ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ كُلُّ مَا سَنَّ , وَسُنَّتُهُ: الْحِكْمَةُ الَّذِي أُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ عَنِ اللَّهِ "

стр. 327

قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَأَيُّ هَذَا كَانَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فَرَضَ فِيهِ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ عُذْرًا بِخِلَافِ أَمْرٍ عَرَفَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »

стр. 328

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ سُنَّتَهُ لَا تُفَارِقُ كِتَابَ اللَّهِ

стр. 329

أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيٌّ , وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ أنبا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ , قَالَا: أنا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ , نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَيْثَمِ , نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي , وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ»

стр. 330

أنا أَبُو طَالِبٍ , مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ الْبَزَّازُ , نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ , نا أَبُو قَبِيصَةَ , مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ الضَّبِّيُّ , نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو , نا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي , وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»

стр. 331

أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَيْضَاوِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُجَدَّدِ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ نا سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا "

стр. 332

بَابُ الْقَوْلِ فِي السُّنَّةِ الْمَسْمُوعَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَسْمُوعَةِ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ السُّنَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضِرْبٌ يُؤْخَذُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُشَافَهَةً وَسَمَاعًا , فَهَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ , عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ , وَإِبَاحَةٍ وَحَظْرٍ , وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَفَرَ , لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ فِي خَبَرِهِ , وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ فَقَدِ ارْتَدَّ , وَتَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَضَرْبٌ: يُؤْخَذُ خَبَرًا عَنْهُ , وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ , أَحَدُهُمَا: فِي إِسْنَادِهِ , وَالْآخَرُ: فِي مَتْنِهِ فَأَمَّا الْإِسْنَادُ: فَضِرْبَانِ: تَوَاتُرٌ , وَآحَادٌ فَأَمَّا التَّوَاتُرُ: فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ , وَالْآخَرُ تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ: فَهُوَ مِثْلُ الْخَبَرِ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ , وَوَفَاتِهِ بِهَا , وَدَفْنِهِ فِيهَا , وَمَسْجِدِهِ , وَمِنْبَرِهِ , وَمَا رُوِيَ مِنْ تَعْظِيمِهِ الصَّحَابَةَ , وَمُوَالَاتِهِ لَهُمْ , وَمُبَايَنَتِهِ لِأَبِي جَهْلٍ , وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ , وَتَعْظِيمِهِ الْقُرْآنَ , وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ , وَاحْتِجَاجِهِ بِنُزُولِهِ , وَمَا رُوِيَ مِنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا وَأَرْكَانِهَا

стр. 333

وَتَرْتِيبِهَا , وَفَرْضِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ , وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: فَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ , كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمًا غَيْرَ الَّذِي يَرْوِيهِ صَاحِبُهُ , إِلَّا أَنَّ الْجَمِيعَ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى وَاحِدًا , فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَرُ لَفْظًا , مِثَالُ ذَلِكَ: مَا رَوَى جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ , وَالْأَحْكَامُ مُخْتَلِفَةٌ , وَالْأَحَادِيثُ مُتَغَايِرَةٌ , وَلَكِنَّ جَمِيعَهَا يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ , وَهَذَا أَحَدُ طُرُقِ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ تَسْبِيحُ الْحَصَى فِي يَدَيْهِ , وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ , وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ , وَجَعْلُهُ الطَّعَامَ الْقَلِيلَ كَثِيرًا , وَمَجُّهُ الْمَاءَ مِنْ فَمَهِ فِي الْمَزَادَةِ , فَلَمْ يَنْقُصْهُ الِاسْتِعْمَالُ , وَكَلَامُ الْبَهَائِمِ لَهُ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا , فَإِنَّ عَدَدَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ , وَلَا دَلِيلَ عَلَى عَدَدِهِمْ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ , لَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْعَدَدَ الْقَلِيلَ لَا يُوجِبُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ , وَخَبَرُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ يُوجِبُهُ , وَيَجِبَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا مَا أَخْبَرُوا بِهِ ضَرُورَةً , وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى صِفَةٍ لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الْكَذِبُ اتِّفَاقًا , وَلَا تَوَاطُؤًا بِتَرَاسُلٍ , أَوْ حَمْلِ حَامِلٍ بِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ , لَأَنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَقَعُ بِخَبَرِ جَمَاعَةٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَخَبَرُ الْآحَادِ: مَا انْحَطَّ عَنْ حَدِّ التَّوَاتُرِ , وَهُوَ ضِرْبَانِ: مُسْنَدٌ , وَمُرْسَلٌ

стр. 334

فَأَمَّا الْمُسْنَدُ فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ الْعِلْمَ , وَهُوَ عَلَى أَوْجُهٍ: مِنْهَا: خَبَرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ , وَخَبَرُ رَسُولِهِ ﷺ , وَمِنْهَا: أَنْ يَحْكِيَ رَجُلٌ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا وَيَدَّعِيَ عِلْمَهُ فَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ فَيُقْطَعُ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ وَمِنْهَا: أَنْ يَحْكِيَ رَجُلٌ شَيْئًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ , وَيَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ بِهِ فَلَا يُنْكِرُونَهُ , فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ صِدْقُهُ وَمِنْهَا: خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَيُقْطَعُ بِصِدْقِهِ سَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ الْكَلُّ أَوْ عَمِلَ بِهِ الْبَعْضُ , وَتَأَوَّلَهُ الْبَعْضُ فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَيَقَعُ بِهَا الْعِلْمُ اسْتِدْلَالًا وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْمُسْنَدِ: فَمِثْلُ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الصِّحَاحِ , فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْعَمَلَ , وَلَا تُوجِبُ الْعِلْمَ , وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا , وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْحِجَّةَ عَلَيْهِمْ وَفَسَادَ مَقَالَتِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَمَعُونَتِهِ

стр. 335

بَابُ الْقَوْلِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمِهِمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [ التوبة: ١٢٢]

стр. 336

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ , نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَأَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ , نا أَبُو مُحَمَّدٍ , جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ , أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ , نا أَبُو عُبَيْدٍ , نا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] , وَفِي قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] قَالَ: " نَسَخَتْهَا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] قَالَ: تَنْفِرُ طَائِفَةٌ , وَتَمْكُثُ طَائِفَةٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَالْمَاكِثُونَ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ , وَيُنْذِرُونَ إِخْوَانَهُمْ , إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَزْوِ , بِمَا نَزَلَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَحُدُودِهِ " ⦗٢٨٠⦘ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ

стр. 337

أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ , أَنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ , حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا سُفْيَانُ , عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِلَّا تُنَفِّرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] قَالَ الْمُنَافِقُونَ: قَدْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ نَاسٌ لَمْ يَنْفِرُوا فَهَلَكُوا , وَكَانَ قَوْمٌ تَخَلَّفُوا لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ , وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ , فَنَزَلَ الْعُذْرُ لِأُولَئِكَ ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] , وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حَجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] " قُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّائِفَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , وَاسْمُ الطَّائِفَةِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَعَلَى الْكَثِيرِ , فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ , وَقَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَذَرَ بِالْإِنْذَارِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَمَعْنَاهُ: وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْذَرُوا كَمَا قَالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] وَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] إِيجَابًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا , وَأَنْ يَفْقَهُوا , وَأَنْ يَهْتَدُوا وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا ⦗٢٨١⦘ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] فَأَمَرَ اللَّهُ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يُصَابَ قَوْمٌ بِجَهَالَةٍ فَيُصْبِحُ مَنْ قَضَى بِخَبَرِ الْفَاسِقِ نَادِمًا , وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إِمْضَاءِ خَبَرِ الْعَدْلِ , وَالْفَرَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ , وَلَوْ كَانَا سِيَّيْنِ فِي التَّثَبُّتِ لَبَيَّنَهُ عَزَّ وَجَلَّ

стр. 338

أنا أَبُو طَالِبٍ عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ , أنا أَبُو إِسْحَاقَ , إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ الْجِلِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ الْخَضِرُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ قَالَ: قَالَ أَبِي: أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَاصِّ: " لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْآحَادِ , إِذَا عُدِّلَتْ نَقَلَتُهُ وَسَلِمَ مِنَ النَّسْخِ حُكْمُهُ , وَإِنْ كَانُوا مُتَنَازِعِينَ فِي شَرْطِ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا دَفَعَ خَبَرَ الْآحَادِ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ لِعَجْزِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ عَلِمَ السُّنَنِ , زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَارُ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ , وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى إِبْطَالِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا شَرَطَ مِنْ ذَلِكَ صِفَةُ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ , وَالْأَمَةُ إِذَا تَطَابَقَتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ خَبَرٌ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ طُولِبَ بِسُنَّةٍ يَتَحَاكَمُ إِلَيْهَا الْمُتَنَازِعَانِ تَوَاتَرَتْ عَلَيْهَا أَخْبَارُ نَقَلَتِهَا وَسَلِمَتْ مِنْ خَوْفِ النِّسْيَانِ طُرُقُهَا لَمْ يَجِدْ إِلَيْهَا سَبِيلًا , وَكَانَتْ شُبْهَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَ أَخْبَارَ السُّنَنِ آخِرَهَا عَمَّنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ , وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ , وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهَا

стр. 339

وَأَوْسَطُهَا عَنْ قَوْمٍ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ " قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: " فَكَانَ مَا اعْتَذَرَ بِهِ ثَانِيًا أَفْسَدَ مِنْ جُرْمِهِ أَوَّلًا وَأَقْبَحَ , وَذَلِكَ أَنَّ آخِرَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَمَّنْ صَحَّتْ نُبُوَّتُهُ وَصَدَّقَتِ الْمُعْجِزَاتُ قَوْلَهُ , فَيَلْزَمُهُ عَلَى قَوَدِ اعْتِلَالِهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنَ الْأَخْبَارِ إِلَّا مَا رَوَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ , وَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ بِتَصْدِيقِ مَا اجْتَبَيْنَاهُ مِنْ تَصْدِيقِ خَبَرِ الْآحَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَاسْمُ الطَّائِفَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ قَدْ يَقَعُ عَلَى دُونِ الْعَدَدِ الْمَعْصُومِ مِنَ الزَّلَلِ , وَقَدْ يَلْزَمُ الْوَاحِدَ فَأَكْثَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] , وَقَالَ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] , فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ , وَاقِعٌ عَلَى الْعَدَدِ الْقَلِيلِ وَفِيمَا تَلَوْنَا وَجْهَانِ مِنَ الْحُجَّةِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُنْذَرِينَ قَبُولَهُ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] , ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِمَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] , فَلَوْلَا قِيَامُ الْحِجَّةِ عَلَيْهِمْ مَا اسْتَوْجَبُوا الْحَذَرَ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] إِيجَابًا لِلْحَذَرِ بِهِ - وَاللَّهُ

стр. 340

أَعْلَمُ - نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] إِيجَابًا لِلِاهْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] فَوَجَبَ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْقِلُوا عَنِ الْقُرْآنِ خِطَابَهُ حُجَّةً لِلَّهِ عَلَيْهِمْ وَحُجَّةً أُخْرَى: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةُ , فَكَانَ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ عَلَى إِمْضَاءِ خَبَرِ الْعَدْلِ , وَالْفَرَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ , فَلَوْ كَانَا سِيَّيْنِ فِي التَّوَقُّفِ عَنْهُمَا لَأَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِهِمَا , حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ الَّذِي يَجِبُ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ , كَمَا رَتَّبَ فِي الشَّهَادَاتِ , وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ جَعَلَ الشَّهَادَاتِ مَنُوطَةً بِأَعْدَادِهَا , وَأَطْلَقَ الْأَخْبَارَ إِطْلَاقًا , وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِنْفَاذَنَا لِقَبُولِهِ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ إِصَابَةٌ بِعِلْمٍ لَا بِجَهْلٍ لَهُ وَلِئَلَّا نُصْبِحَ عَلَى مَا فَعَلْنَا نَادِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ "

стр. 341

أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفِ بْنِ سَعِيدٍ السِّجِسْتَانِيُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ⦗٢٨٤⦘: " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قِيلَ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: كَانَ النَّاسُ مُسْتَقْبِلِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ , ثُمَّ حَوَّلَهُمُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ , فَأَتَى أَهْلُ قُبَاءَ آتٍ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ , فَأَخْبَرَهُمْ: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ كِتَابًا , وَأَنَّ الْقِبْلَةَ حُوِّلَتْ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ , فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَجَمَاعَةً كَانُوا يَشْرَبُونَ الشَّرَابَ فَضِيخَ بُسْرٍ , وَلَمْ يُحَرَّمْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ شَيْءٌ , فَأَتَاهُمْ آتٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَأَمَرُوا أُنَاسًا فَكَسَّرُوا جِرَارَ شَرَابِهِمْ ذَلِكَ , وَلَا أَشُكُّ أَنَّهُمْ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ هَذَا إِلَّا ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَيُشْبِهُ أَنْ لَوْ كَانَ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ وَهُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُمْ , مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهُ , أَنْ يَقُولَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ كُنْتُمْ عَلَى قِبْلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَتَحَوَّلُوا عَنْهَا إِذْ كُنْتَ حَاضِرًا مَعَكُمْ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ أَوْ يُعْلِمَكُمْ جَمَاعَةٌ أَوْ عَدَدٌ يُسَمِّيهِمْ لَهُمْ , وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْحِجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِهَا , لَا بِأَقَلَّ مِنْهَا , إِنْ كَانَتْ لَا تَثْبُتُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ , وَالْفَسَادُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَلَا عِنْدَ عَالِمٍ , وَهِرَاقَهُ حَلَالٍ فَسَادٌ , وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ أَيْضًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ لَأَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ لَكُمْ حَلَالًا , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْكُمْ إِفْسَادُهُ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ أَوْ ⦗٢٨٥⦘ يَأْتِيَكُمْ عَدَدٌ يَحُدُّهُمْ لَهُمْ بِخَبَرٍ عَنِّي بِتَحْرِيمِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تُعَلِّمَ امْرَأَةً أَنْ تُعَلِّمَ زَوْجَهَا إِنْ قَبَّلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحُجَّةَ تَقُومُ عَلَيْهِ بِخَبَرِهَا , إِذَا صَدَّقَهَا لَمْ يَأْمُرْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ , فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا , فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا , وَفِي ذَلِكَ إِمَاتَةُ نَفْسِهَا بِاعْتِرَافِهَا عِنْدَ أُنَيْسٍ , وَهُوَ وَاحِدٌ وَأَمَرَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ , أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ , وَقَدْ سَنَّ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَهُ أَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ , وَقَدْ يُحْدِثُ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ , أَنْ يَقْتُلَ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ الْهُذَلِيَّ فَقَتَلَهُ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ أَسْلَمَ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي مَعَانِي وُلَاتِهِ , وَهُمْ وَاحِدٌ وَاحِدٌ يُمْضُونَ الْحُكْمَ بِأَخْبَارِهِمْ " قَالَ الشَّافِعِيُّ ⦗٢٨٦⦘: " وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بِعُمَّالِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا , وَرُسُلِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا , وَإِنَّمَا بَعَثَ بِعُمَّالِهِ لِيَخْبُرُوا النَّاسَ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ , وَيَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ , وَيُعْطُوهُمْ مَا لَهُمْ , وَيُقِيمُوا عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ , وَيُنَفِّذُوا فِيهِمُ الْأَحْكَامَ , وَلَمْ يَبْعَثْ مِنْهُمْ وَاحِدًا إِلَّا مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ عِنْدَ مَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ , وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهِمْ - إِذْ كَانُوا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَجَّهَهُمْ إِلَيْهِمْ أَهْلَ صِدْقٍ عِنْدَهُمْ - مَا بَعَثَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَالِيًا عَلَى الْحَجِّ وَكَانَ فِي مَعْنَى عُمَّالِهِ , ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَهُ , بِأَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ , فَقَرَأَهَا فِي مَجْمَعِ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ , وَأَبُو بَكْرٍ وَاحِدٌ , وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ , وَكِلَاهُمَا بَعَثَهُ بِغَيْرِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ صَاحِبَهُ , وَلَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَتِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - إِذْ كَانَا مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ عَوَامِّهِمْ بِالصِّدْقِ , وَكَانَ مَنْ جَهِلَهُمَا مِنْ عَوَامِّهِمْ وَجَدَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابٍ يُعْرَفُ صِدْقُهُمَا - مَا بَعَثَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقَدْ بَعَثَ عَلِيًّا بِعَظِيمٍ , نَقْضِ مُدَدٍ وَإِعْطَاءِ مُدَدٍ , وَنَبْذٍ إِلَى قَوْمٍ , وَنَهْيٍ عَنْ أُمُورٍ وَأَمْرٍ بِأُخْرَى , وَمَا كَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلَّغَهُ عَلِيٌّ: أَنَّ لَهُ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي مُدَّتِهِمْ , وَلَا مَأْمُورَ بِشَيْءٍ وَلَا مَنْهِيَّ عَنْهُ بِرِسَالَةِ عَلِيٍّ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَاحِدٌ , وَلَا تَقُومُ عَلَيَّ الْحُجَّةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَكَ إِلَيَّ بِنَقْضِ شَيْءٍ جَعَلَهُ لِي , وَلَا بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَا لِغَيْرِي , وَلَا بِنَهْيٍ عَنْ أَمْرٍ , لَمْ أَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ , وَلَا بِإِحْدَاثِ أَمْرٍ أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثَهُ , وَمَا يَجُوزُ هَذَا لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ قَطَعَهُ عَلَيْهِ عَلِيٌّ بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ , وَلَا أَعْطَاهُ ⦗٢٨٧⦘ إِيَّاهُ , وَلَا أَمَرَهُ بِهِ وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ , بِأَنْ يَقُولَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَوْ لَمْ يَنْقِلْهُ إِلَيْهِ عَدَدٌ , فَلَا أَقْبَلُ فِيهِ خَبَرَكَ وَأَنْتَ وَاحِدٌ , وَلَا كَانَ لِأَحَدٍ وَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِلًا يَعْرِفُهُ أَوْ يُعَرِّفُهُ لَهُ مَنْ يُصَدِّقُهُ فَصَدَّقَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْعَامِلُ: عَلَيْكَ أَنْ تُعْطِيَ كَذَا أَوْ تَفْعَلَ كَذَا , أَوْ يُفْعَلَ بِكَ كَذَا , فَيَقُولُ: لَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْكَ لِأَنَّكَ وَاحِدٌ حَتَّى أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَا عَنْ خَبَرِكَ , وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَغْلَطَ , أَوْ يُحَدِّثُنِيهِ عَامَّةٌ يَشْتَرِطُ فِي عَدَدِهِمْ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَشَهَادَتَهِمْ مَعًا أَوْ مُتَفَرِّقِينَ , ثُمَّ لَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْ خَبَرِ الْعَامَّةِ عَدَدًا أَبَدًا إِلَّا وَفِي الْعَامَّةِ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْهُ , وَلَا مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ حِينَ يُخْبِرُونَ تَفَرُّقَهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْكَنَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ , أَوْ بَعْضِ زَمَانِهِ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ لِتَثْبِيتِ الْأَخْبَارِ غَايَةٌ أَبَدًا يُنْتَهَى إِلَيْهَا , ثُمَّ لَا يَكُونُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ , أَجْوَزَ مِنْهُ لِمَنْ قَالَ هَذَا , وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَيُدْرِكُ ذَلِكَ لَهُ أَبُوهُ وَإِخْوَتَهُ وَقَرَابَتَهُ وَمَنْ يُصَدِّقُهُ فِي نَفْسِهِ وَيُفَضِّلُ صِدْقَهُ بِالنَّظَرِ لَهُ , فَإِنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يُصَدِّقُ مَنْ نَظَرَ لَهُ , فَإِذَا لَمْ يَجُزْ هَذَا لِأَحَدٍ يُدْرِكُ لِقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَيُدْرِكُ خَبَرَ مَنْ يُصَدِّقُ مِنْ أَهْلِهِ وَالْعَامَّةِ عَنْهُ كَانَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِمَّنْ لَا يَلْقَاهُ فِي الدُّنْيَا أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ "

стр. 342

أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ , نا أَبُو الْعَبَّاسِ , مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ , أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , أنا الشَّافِعِيُّ , أَخْبَرَنِي أَبُو ⦗٢٨٨⦘ حَنِيفَةَ بْنُ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ , قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , عَنِ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: " مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الْعَقْلَ , وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الْقَوَدُ " فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , أَتَأْخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا الْحَارِثِ؟ فَضَرَبَ صَدْرِي وَصَاحَ عَلَيَّ صِيَاحًا مُنْكَرًا , وَنَالَ مِنِّي , وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقُولُ: تَأْخُذُ بِهِ؟ وَذَلِكَ الْفَرْضُ عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ , إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ النَّاسِ فَهَدَاهُمْ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ , وَاخْتَارَ لَهُمْ مَا اخْتَارَ لَهُ عَلَى لِسَانِهِ , فَعَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ طَائِعِينَ أَوْ دَاخِرِينَ , لَا مَخْرَجَ لِمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: وَمَا سَكَتَ عَنِّي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ يَسْكُتَ

стр. 343

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ , نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - أنا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رِجَالٍ , مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ⦗٢٨٩⦘: «الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَنِ نَجَاةٌ»

стр. 344

أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِكْرَانَ الْفَوِيُّ بِالْبَصْرَةِ , نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ , نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , حَدَّثَنِي اللَّيْثُ , حَدَّثَنِي يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رِجَالٍ , مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: «الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَنِ نَجَاةٌ , وَالْعِلْمُ يُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا , فَنَعْشُ الْعِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا , وَذَهَابُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي ذَهَابِ الْعِلْمِ»

стр. 345

أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ , ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّوْكِيُّ , قَالَا: نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ , نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ , نا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: «مَنْ رَدَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ»

стр. 346

حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ , مَسْعُودُ بْنُ ناصرِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ السِّجْزِيُّ , أنا عَلِيُّ بْنُ بُشْرَى السِّجِسْتَانِيُّ , قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآبِرِيُّ , ⦗٢٩٠⦘ قَالَ سَمِعْتُ الْإِمَامَ , مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ﵁ يَقُولُ مَا لَا أُحْصِي مِنْ مَرَّةٍ: «أَنَا عَبْدٌ لِأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »

стр. 347

وَصْفُ الْخَبَرِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُهُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ , حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَةُ رِجَالِهِ , وَاتِّصَالُ إِسْنَادِهِ وَثُبُوتُ الْعَدَالَةِ , أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي بَعْدَ بُلُوغِهِ وَصِحَّةِ عَقْلِهِ ثِقَةً مَأْمُونًا جَمِيلَ الِاعْتِقَادِ غَيْرَ مُبْتَدَعٍ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ مُتَنَزِّهًا عَنْ كُلِّ مَا يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ مِنَ الْمُجُونِ وَالسُّخْفِ وَالْأَفْعَالِ الدَّنِيئَةِ , وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُدَلِّسًا فِي رِوَايَتِهِ , وَيَكُونَ ضَابِطًا حَالَ الرِّوَايَةِ مُحَصِّلًا لِمَا يَرْوِيهِ , وَيَكُونَ شَيْخُهُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الصُّفَّةِ وَكَذَلِكَ حَالُ شَيْخِ شَيْخِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ إِلَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَإِنْ كَانَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلٌ ثَبَتَ فِسْقُهُ أَوْ جُهِلَ حَالُهُ , فَلَمْ يُعْرَفْ بِالْعَدَالَةِ وَلَا بِالْفِسْقِ لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَأَمَّا الْمُرْسَلُ: فَهُوَ مَا انْقَطَعَ إِسْنَادُهُ , وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ الْمُحَدِّثُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , أَوْ يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ , وَيَتْرُكَ اسْمَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ فَلَا يَذْكُرُهُ , فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ قُبِلَ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ مَقْطُوعٌ بِعَدَالَتِهِمْ , فَإِرْسَالُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ صَحِيحٌ

стр. 348

وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ , لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ , وَالَّذِي تَرَكَ تَسْمِيَتَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ عَدْلًا , فَلَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِهِ حَتَّى يُعْلَمَ

стр. 349

أنا الْجَوْهَرِيُّ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ , نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا يُقْبَلُ إِلَّا حَدِيثٌ ثَابِتٌ , كَمَا لَا يُقْبَلُ مِنَ الشُّهُودِ إِلَّا مَنْ عَرَفْنَا عَدْلَهُ , فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَجْهُولًا أَوْ مَرْغُوبًا عَمَّنْ حَمَلَهُ كَانَ كَمَا لَمْ يَأْتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ»

стр. 350

بَابُ أَوْصَافِ وُجُوهِ السُّنَنِ وَنُعُوتِهَا قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْإِسْنَادِ , وَالْكَلَامُ هَا هُنَا فِي الْمَتْنِ وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ فِيَ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِثْلُ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ , وَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ , وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ , وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَنَحْنُ نُورِدُ مِنْ كُلِّ مَعْنًى ذَكَرْنَاهُ شَيْئًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَمِنَ الْمَجَازِ مَا:

стр. 351

أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى السُّمَيْسَاطِيُّ - بِدِمَشْقَ - , أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِلَابِيُّ , أنا أَبُو الْحَسَنِ , أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ جُوصَا , نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , أَخْبَرَهُ: قَالَ ابْنُ جُوصَا: وَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ , قَالَ: أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ , حَدَّثَنِي مَالِكٌ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ , سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ , تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» ⦗٢٩٤⦘ قَالَ يُونُسُ: قَالَ لَنَا ابْنُ وَهْبٍ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى؟ قَالَ: تُفْتَحُ الْقُرَى

стр. 352

أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ , نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ , فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» قَالَ: تَفْسِيرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: تُفْتَحُ الْقُرَى , فُتِحَتْ مَكَّةُ بِالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِهَا , لَا أَنَّهَا تَأْكُلُ أَكْلًا , إِنَّمَا تُفْتَحُ الْقُرَى بِالْمَدِينَةِ قُلْتُ: قَوْلُهُ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ» , عَلَى مَعْنَى أُمِرْتُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ , وَقَوْلُهُ: «تَأْكُلُ الْقُرَى» بِمَعْنَى: يَأْكُلُ أَهْلُهَا الْقُرَى , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مِثْلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] يَعْنِي: قَرْيَةً كَانَ أَهْلُهَا مُطْمَئِنَّيْنَ , وَكَانَ ذِكْرُ الْقَرْيَةِ فِي هَذَا كِنَايَةً عَنْ أَهْلِهَا , وَأَهْلُهَا الْمُرَادُونَ بِهَا لَا هِيَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] وَالْقَرْيَةُ لَا صُنْعَ لَهَا , وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفَّرْتُ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] وَالْقَرْيَةُ: لَا كُفْرَ لَهَا وَقَوْلُهُ ﷺ : تَأْكُلُ الْقَرْيَةَ بِمَعْنَى: تَقْدِرُ عَلَيْهَا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] لَيْسَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَكَلَتَهَا دُونَ مُحْتَجِبِيهَا عَنِ الْيَتَامَى لَا بِأَكْلٍ لَهَا , وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُوا﴾ [النساء: ٦] يَعْنِي تُغْلَبُوا عَلَيْهَا إِسْرَافًا عَلَى أَنْفُسَكُمْ ⦗٢٩٥⦘ وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُوا , فَيُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَيْكُمْ بِهَا فَيَنْتَزِعُوهَا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِهِمْ , فَكَانَ الْأَكْلُ فِيمَا ذَكَرْنَا يُرَادُ بِهِ الْغَلَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ , فَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخِرَ

стр. 353

أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ , نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ , نا أَبُو دَاوُدَ , نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ , نا أَبُو الْمُغِيرَةِ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ , حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عُتْبَةَ , عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ , يَقُولُ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ الْفِتَنَ , فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا , حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ , فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ؟ قَالَ: " هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ , ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي , وَلَيْسَ مِنِّي , وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونِ , ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلْعٍ , ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ , لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً , فَإِذَا قِيلَ انْقَبَضَتْ تَمَادَتْ , يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا , وَيُمْسِي كَافِرًا , حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ , وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ , فَإِذَا كَانَ ذَلِكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ قَوْلُهُ ﷺ : «فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ» وَالْأَحْلَاسُ: جَمْعُ حِلْسٍ , وَإِنَّمَا ⦗٢٩٦⦘ شَبَّهَهَا بِالْحِلْسِ لِظُلْمَتِهَا وَالْتِبَاسِهَا , أَوْ لِأَنَّهَا تَرْكُدُ وَتَدُومُ فَلَا تُقْلِعُ , يُقَالُ: فُلَانٌ حِلْسُ بَيْتِهِ إِذَا كَانَ يُلَازِمُ قَعْرَ بَيْتِهِ لَا يَبْرَحُ , وَيُقَالُ: هُمْ أَحْلَاسُ الْخَيْلِ: إِذَا كَانُوا يَلْزَمُونَ ظُهُورَهَا وَالدَّخَنُ: الدُّخَانُ , يُرِيدُ أَنَّهُ سَبَبُ إِثَارَتِهَا وَهَيْجِهَا وَقَوْلُهُ: كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ خَلِيقٍ لِلْمُلْكِ وَلَا مُسْتَقِلٍّ بِهِ , لِأَنَّ الْوَرِكَ لَا يَسْتَقِلَّ عَلَى الضِّلَعِ وَلَا يُلَائِمُهَا , وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي بَابِ الْمُشَاكَلَةِ هُوَ كَرَأْسٍ عَلَى جَسَدٍ أَوْ كَفٍّ فِي ذِرَاعٍ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْكَلَامِ وَالدُّهَيْمَاءُ: تَصْغِيرُ الدَّهْمَاءِ , وَلَعَلَّهُ صَغَّرَهَا عَلَى طَرِيقِ الْمَذَمَّةِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَحَدِيثٌ آخَرُ

стр. 354

أَخْبَرَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ , نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ , قَالَ: قُرِيءَ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ , وَأَنَا أَسْمَعُ , قَالَ: قَرَأْنَا عَلَى قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ رِبْعِيٍّ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ فِي خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ , فَإِنْ يَهْلَكُوا فَسَبِيلُ مَنْ يَهْلَكُ , وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمُ لَهُمْ ⦗٢٩٧⦘ سَبْعِينَ عَامًا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مِمَّا مَضَى أَوْ مِمَّا بَقَّى؟ قَالَ: «مِمَّا بَقَّى» قَوْلُهُ: تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ , مِثْلُ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِذَا انْتَهَتْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ يَخَافُ لِذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ الْهَلَاكَ , يُقَالُ لِلْأَمْرِ إِذَا تَغَيَّرَ وَاسْتَحَالَ: قَدْ دَارَتْ رَحَاهُ , وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِشَارَةٌ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِلَافَةِ وَقَوْلُهُ: يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ أَيْ مُلْكُهُمْ وَسُلْطَانُهُمْ وَالدِّينُ: الْمُلْكُ وَالسُّلْطَانُ , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] , وَكَانَ بَيْنَ مُبَايَعَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى انْقِضَاءِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمَشْرِقِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً

стр. 355

بَابٌ مِنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ إِذَا تَعَارَضَ لَفْظَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَكَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا مِثْلُ مَا:
следующие страницы →