← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كشركات ومؤسسات؛ لأنها أمانة والفرض أداؤها إلى أهلها، وإلا ضيع الأمانة. فإن كان الموظف سفيها حَرُمَ توليته ولو في ملك خاص لفرد؛ للنص في ذلك (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥). توزيع الدرجات الوظيفية: والواجب على الدولة في توزيع الدرجات الوظيفية العدل على سائر نواحي البلاد؛ لأنه من عموم العدل المأمور به (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠). وليس من العدل والإحسان حرمان مناطق في البلاد إهمالا، وإعطاء أخرى. وهو مع خلافه العدل والإحسان مؤد إلى مفاسد وفتن في الدولة، ودفع هذه واجب. وإنما قلنا إهمالا؛ لأن حرمان بعض المناطق إن حصل لأجل عجز مالي أو لمبرر مشروع فالحرج فيه مرفوع. الالتزام بتوجيهات الإدارة: والواجب على الموظف طاعة مدرائه فيما يخص مصلحة العمل؛ لأن هذا هو مقتضى العقد الملفوظ، أو المكتوب، أو المعروف عرفا؛ إذ المعروف عرفا كالمشروط شرطا. والله يقول (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). وإنما قلنا فيما يخص مصلحة العمل؛ لأن الإلزام بالطاعة هنا هو لأجل العقد، والعقد إنما هو في دائرة العمل. ومسئولو العمل ومدراؤه يشملهم النص (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩). ويحتمل أن الجمع للفظ (وَأُوْلِي الأَمْرِ)؛ لإيهام إفراده اختصاصه بولي الأمر الأعظم. والإدارة فيها إجارة ونوع إمارة، أما الإجارة فلأن الموظف أجير بعوض مالي، أما كونها إمارة فإمارة مقيدة بدائرة العمل لوجوب الطاعة فيها بالعقد. ومن خالف الأوامر والتوجيهات العامة، أو الخاصة المتعلقة بالوظيفة، فهو آثم لإخلاله بالطاعة لأولي الأمر، وتركه مشروط العقد في ذلك الأمر على الخصوص إن كان منصوصا

стр. 37

في العقد، أو على العموم وإن لم يكن منصوصاً؛ لأن العقد يتضمن كل ما يتعلق بمصلحة العمل مما جرى عليه العرف في أمثاله بالخصوص والعموم. ومن ترتب على مخالفته ضرر معتبر في العمل ضمن في الجملة. ومن خالف خصوص أو عموم العقد لفظا أو عرفا بغياب، أو إهمال، أو نحوه، فلا مانع من خصمٍ من راتبه مقابل ذلك بشرط موافقة الخصم للائحة الداخلية؛ لأنها مفسرة للعقد وجزء من الالتزام به، وما فسّر العقد شمله الأمر بالوفاء به؛ لأنه جزء معتبر مقصود. فإن لم تكن هناك لائحة اتفق مجلس الإدارة بالتشاور على تقدير ذلك بالعدل لا ضرر ولا ضرار (١)، فإن لم يكن مجلس نُظِرَ إلى تغريم مثله عرفا فغرم مثله.

стр. 38

والمثل هنا هو تعامل الجهات الوظيفية مع الموظفين في حالة المخالفات، وتمام المثلية أن تكون

стр. 39

تلك الجهات تعمل نفس العمل، والموظف في نفس الرتبة الوظيفية حتى ينطبق عليه العرف الإداري. السكن الوظيفي: ومن أعطي سكنا من السكن العام من القطاع الخاص، أو العام كأساتذة الجامعات، أو قيم المسجد، فإنه لا يصح له تأجيره؛ لأنه ممنوع بالشرط الملفوظ أو العرفي؛ والعادة محكمة (١). ولأن الأصل حرمة أموال الغير إلا بإذن (٢)، فإن أذن جاز، ويحرم تجاوز الإذن إلى أكثر منه.

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 42

ولم يؤذن له ذلك في العقد، ولا العرف. والإيفاء بالعقود واجب بالنص (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). فمن أجر السكن العام الممنوح له، فلم يف بالعقد، فهو آثم حينئذ وضامن كذلك عند الضرر، ولا يحل له الإيجار، بل يورد للجهة المانحة للسكن. الوظيفة في مرفق آخر في فترة أخرى: ومن كان موظفا في فترة صباحية مثلا وشرط عليه عدم العمل في فترة مسائية فالشرط باطل؛ لأنه تعنت؛ لأنه شرط منع الحلال المحض عن الغير بلا معنى مرتبط بالعقد معتبر شرعا، فكان هذا من باب الاعتداء على حق الغير، والله يقول (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠).

стр. 43

ولأن التصرف في الوقت في الفترة الصباحية والمسائية هو حق للشخص، وإنما قيد في الصباحية لأنه مقتضى العقد الوظيفي مع الجهة، فبقي وقته في الفترة المسائية حقا محضا له يتصرف فيه كيف شاء. فمن منعه بلا مانع معتبر شرعا فهو معتد (١)، إلا في حال تأثيره على عمله تأثيرا ظاهرا، أو كون العقد حصريا (٢)، وسيضر عمله مع الآخر بالقطاع الذي يعمل فيه، وكان الشرط جائزا حينئذ؛ لأنه يدفع الضرر؛ ولأن العقود لا تتضمن الأضرار. التأجير في الحرام حرام: ولا يجوز التأجير لمن يستعمله للحرام كالمراقص الماجنة، والفنادق الخليعة، أو بارة خمر، أو عصابة سرقة، أو قطاع طرق، أو جواسيس، أو أهل فتنة، أو مؤسسة تستعمله في معصية؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢). الضمان في الوظيفة والإجارة: وأما ضمان الأجراء فإن كان الأجير خاصا كسواق، أو عامل في بيت، أو طباخ، أو سكرتير، فهؤلاء لا يضمنون إلا بالتفريط، وهذا استثناء من أصل الضمان. وهنا تأتي قاعدة «لا يجتمع الأجر والضمان»؛ لعدم استقلاله بالتصرف؛ لأن يده تحت يد صاحبه، وهذه علة تدفع الضمان؛ لأن الضمان إنما هو تابع للفعل، فاجتمع هنا فعل المالك، وفعل الموظف أو الأجير (٣)، وأحدهما فيه ضمان، والآخر ليس فيه، ويتعذر التفصيل. فرفع

стр. 44

الضمان بيقين حتى يعلم سببه بيقين، والله يقول (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: ١٦٤). فلا ينفرد شخص بالضمان وجوبا مع اشتراك الأيدي والأمر والنهي والتصرفات؛ لأنه خلاف العدل المأمور به (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولأنه لا تكليف إلا بيقين، ولا يقين هنا. ولأنه إن ضمن ما يُتلِف أدى إلى التضييق والحرج في هذه الإجارات وهو مرفوع (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥)؛ لأن العادة جارية في هذه الإجارات على بعض الإتلافات. ومن فرط منهم تفريطا ظاهرا ضمن؛ لأنه حينئذ يُقْطع بانفراده بالسبب. وأما الأجير العام كصاحب محل خياطة، أو حياكة، أو صياغة، أو حذّاء، أو طبيب، أو مهندس، فإن كل ما سلم له بالضمان عليه إن تلف عملا بالأصل؛ لأن الأصل الضمان؛ ولأن جنايته على ذلك من قِبَلِه خالصةً على وجه لا يحتمل معه مشاركة المالك؛ لأن يد المالك مرفوعة قطعا بعد تسليمها لصاحب المحل ويد هذا الأجير مطلقة في التصرف. والأصل في الطب الضمان؛ لأن الأصل في بدن الإنسان الضمان، فلا يهدر له دم ولا نفس ولا عضو (١)، فإن تنازل هو أو أولياؤه قبل العملية فلا ضمان. وإن تبين أن سبب الوفاة فشل الجراحة بأمر ليس من الطبيب بل للمرض كشدته واستفحاله فإنه لا ضمان. الوظيفة في البنوك الربوية: والوظيفة في بنوك الربا محرمة ما كانت حتى الحراسة أو المراسلة أو التحويلة، فكله من تسهيل عمل المعصية، ومن يستغن يغنه الله.

стр. 45

وقد لعن في الشرع «الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده» (١)، فلم يستقل اللعن بمباشر الأكل بل شمل من لم يأكل ممن سهل المعصية من كاتب وشاهد وقد لا يكون لهما معرفة بالعاقدين البتة سوى مجرد مهنة الكتابة والشهادة. عقود الصيانة المحرمة: وتحرم عقود الصيانة لأماكن المحرمات كالمراقص الماجنة وبيوت الدعارة ومصانع الخمر ومزارع الخنزير وبيوت الربا؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان؛ ولأنها وسائل إلى دوام المعصية القطعية فقطع بتحريم وسائلها والعقد باطل والكسب حرام (٢). وظيفة المرأة: ويجوز أن تتوظف المرأة. ويشترط الحجاب، والحشمة، وعدم الخلوة، وعدم الاختلاط المؤدي إلى محضور شرعي غالب، وسائر ضوابط الشريعة (٣). ويشترط ألا تضيّع ولدها، وزوجها، وبيتها، وإلا حرم؛ لأن رعاية بيتها وولدها فرض عين عليها (٤)، ووظيفتها مباحة في الأصل، فإن أدى المباح إلى ضياع الفرض حرم وإن

стр. 46

أمكن الجمع جاز. جواز الضمان التجاري في الوظائف: ويجوز مع تأجير العين كالعقار، أو السيارة، أو الكتب أن يأخذ عليها ضمانا تجاريا أو نقديا أو غير ذلك؛ لأن مقصود الرهن هو ضمان الأداء، ودعوى اختصاص الرهن بالدين في الذمة لا تصح إذ لا دليل على هذا الاختصاص بل يلحق به غيره بدلالة المقصود الشرعي من الرهن وهو موجود هنا وهو ضمان الأداء. وكل شرط لم يمنع منه الشرع فهو جائز؛ ولأن أخذ الضمانة أدعى لحفظ الأموال، وكل ما يحفظ به الأموال مطلوب بالجملة في مقصد الشرع، خاصة عند خراب الذمم؛ لاحتمال تعد بإتلاف متعمد أو ناتج عن إهمال فيما لا يتغاضى في مثله. وكذلك يجوز طلب ضمانة تجارية أو نحوها لمن يتقدم لوظيفة عامة أو خاصة ضمانا لعدم التفريط في ما سلم لهم من عهدات، والضمانة هنا تجري في حال التفريط فقط، لا في إتلاف بغير تفريط مما يمكن تلفه عادة. تنظيم وتسعير الإيجارات: ويجوز للدولة إصدار قانون ينظم ويسعر قدر الأجرة في أمور معلومة (١) حتى لا يزيد الناس الإيجارات زيادة تخل بالسوق والحركة التجارية؛ وهذا من المصالح العامة وهو مقدم على المصلحة الخاصة؛ كما أنه يدفع مفاسد عامة؛ فرجح جوازه.

стр. 47

مهنة المحاماة: ومهنة المحاماة جائزة، وهي إجارة إن كان الأجر معلوما، أما إن كان بشرط نجاح القضية فهي إجارة جعالة لا يعطى إلا إن وفى بالشرط. ولا تجوز المحاماة عمن تبين ظلمه، فإن فعل عصى الله ومحقت بركة عمله، لقوله تعالى (وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: ١٠٥)، وقوله تعالى (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ) (النساء: ١٠٧). الوظيفة العلمية وأخذ الأجرة عليها: والاستئجار لتعليم العلم والقرآن جائز لقوله ﷺ : «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (١). والأحاديث التي تنهى عن ذلك هي حوادث عين وردت في تعليم مضطر للتعليم مما تقوم به الصلاة والدين من الفروض فامتنع عن تعليمه إلا بأجر، وهذا ما نراه جمعا بين النصوص (٢).

стр. 48

أما من فرغ نفسه ووقته لذلك فأجرته جائزة بإجماع. وعليه استقرت المذاهب، والفتاوى، وهي كما يأخذ المجاهد والقضاة والحكام وقد قلت قديما نظما: وأجرة للحج والمنافع ... والعلم والقرآن أفتى الشافعي ومالك وأحمد روايهْ ... ومنع النعمان ذو الدرايهْ وظيفة المعلم: والمعلم موظف أجير مؤتمن أمانة كبيرة، ومقتضى العقد قائم على ذلك. ولا يدرس إلا كفؤ مؤهل ذو خلق لا سيء ولا متهتك (١).

стр. 49

فالكفاءة القدرة العملية، والمؤهل القدرة العلمية وحسن الخلق، وما بعده هو حسن السيرة والسلوك في العرف الوظيفي الآن، والحفاظ على الشعائر والقيم الدينية والمجتمعية. ولا يجوز الغياب إلا بعذر لا تلاعب، ولا البدل إلا بمثله في الكفاءة ولضرورة وبإذن الجهة المسئولة. ويجب الإحسان في التعليم لسائر المواد، والرفق مع الطالب، والنصح له، وبذل الوسع؛ لأن هذا مقتضى العقد، فهو من الإيفاء المأمور به (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). ويجوز الضرب المؤدب لا المتلف إن اقتضى الأمر ذلك. وقد قرص رسول الله ﷺ أذن ابن عباس طفلا (١). ويجب على الدولة توفير وسائل التعليم المطلوبة لتحقيق المقصد منه من معامل وتطبيقات وتكنولوجيا، ويستعمل كل ما استحدث من الوسائل؛ لأن الشريعة قاصدة للإحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).

стр. 50

ومن أتلف شيئا من أثاث وغيره بتفريط ضمنه. ويحرم الغش بكافة صوره لعموم «من غش فليس منا» (١)، ومن أقبحه انتحال شخصية الغير، والاختبار عنه، والغشاش كذاب خائن، ومن أعطاه شهادة عالماً بحاله فهو شاهد زور (٢) خائن للأمانة كذاب، وكذلك من سكت تواطؤاً أو عاون؛ لقوله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨ - ٧٩). فإن أخذ عليه مالا كثرت الذنوب، وهو رشوة (٣)، ويجب خلع وفصل من يثبت تهاونه وتمريره وتعاونه على الغش من مدراء ومسئولين، وموجهين، أو مدرسين؛ لأنه ثبت فسقه بالخيانة، وهذه ولاية أمانة. ويحقق مع المتورط قبل ذلك؛ لأن ذلك من تمام العدل والله يأمر بالعدل والإحسان (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، فإن تعهد بعدم العود فهل يُقبل منه؛ لأن من تاب تاب الله عليه؟

стр. 51

هذا لا يجيء هنا؛ لأن المال العام لا يتصرف فيه إلا بالمصلحة وليس رد مثل هذا من المصلحة العامة. ويمكن النظر في قبول تعهد بعض الحالات بحسب قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». وعلى الدولة تشجيع العلم وإكرام المعلم والمتعلم، وتشجيع المبدعين والمتفوقين، لأداء هذا إلى تحقيق المصالح العامة، وهي مطلوبة شرعا فكذلك وسائلها؛ لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد (١). ويجب حضور طاقم التدريس كاملا من مدراء ومدرسين في أول دقيقة للدوام إلى آخر دقيقة؛ لأن هذا مقتضى العقد معهم. ويعفى عن نحو خمس دقائق لجريان العرف الوظيفي على التسامح فيها بلا تكرار كثير خارج عن الحد المتسامح فيه، وإلا حرم وحوسب؛ لأن تكرارها لمن معه ست حصص يومية مثلا، ينتج عنه غياب نصف ساعة في اليوم، وفي ستة أيام ثلاث ساعات، وفي شهر اثنتي عشرة ساعة، أي: ما يعادل ست عشرة حصة شهريا. ويجب على الدولة إصلاح المناهج على أربعة مستويات: ١. المناهج الشرعية العامة التي تحافظ على الدين والعقيدة واللغة والهوية الإسلامية وتعلم هذا القدر فرض؛ لأن حفظ الدين وما يتعلق به هو أول المقاصد الكبرى للشرع. ٢. المناهج العلمية التكنولوجية التي تنهض بالأمة. ٣. المناهج التطبيقية والبحثية. ٤. المناهج الفكرية والمجتمعية والأدبية والسياسية والاقتصادية؛ لأن هذه المستويات تحقق الإحسان الكلي المأمور به (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، ولأن هذه من القوة وهي مطلوب شرعي (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: ٦٠).

стр. 52

وفرض على الدولة وسائر القطاعات التعليمية تعليم الشعائر الكبرى للدين والعمل بها والصلاة بالطلبة في أوقات الصلاة، وتعظيم القرآن وسنة رسول الله ﷺ في قلوبهم؛ لعموم (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١). وغربلة الطلاب؛ لإخراج الأذكياء والعباقرة ودعم تخصصاتهم؛ لأن هذا يحقق العمل بفرض الكفاية في إيجاد التخصصات. وتوزع المنح الدراسية للمؤهلين، ويحرم إدخال غير مؤهل بوساطة، أو رشوة، أو تحايل، أو أي وسيلة؛ لأنه يؤدي إلى إعطاء الحق لغير أهله، ومنع المستحق ويؤدي إلى مفاسد وفساد تعليمي وتخلف البلاد، وهذا كله من الظلم، والشريعة جاءت لدفعه ومنعه. وجوب التزام الدوام من أول الوقت إلى آخره وما يلزم عند التفريط: والأجراء والموظفون يجب عليهم الدوام من أول دقيقة في الوقت إلى آخر دقيقة، وجاز خصم قسط مقابل التفريط في الدوام بما لا يتسامح في مثله عرفاً. ويجب على الموظف القيام بجميع ما عليه من عمل، فإن لم يقم بذلك لمماطلة أو تلاعب أو كسل أثم؛ لأنه خالف الوفاء بالعقود (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). فإن كان موظفا بأجرة شهرية، أو يومية؛ فإنه يأثم؛ لأن هذا نوع خيانة للأمانة. وعليه إثم من جهة عدم قضاء حاجات الناس ومعاملاتهم؛ لأنه المقصد الشرعي من الوظيفة وقد ضيعه وما إبرام العقد إلا لهذا المقصد. وجاز تأديبه بالتحقيق والإنذار والخصم ثم الفصل إن اقتضى الأمر ذلك. فإن كان أجيرا بالعمل لا بالمدة كبناء، أو هندسة، أو طلاء، أو خياطة، أو نحو ذلك من كل وظيفة أو أجرة تنضبط بالعمل لا بالمدة؛ فإنه يأثم لتلاعبه، ومماطلته، ولا يخصم من أجره إلا إن أدى مطله إلى الضرر الفاحش، كمن عقد مع شركة استيراد توريد سلعة لموسم كعيد فأخرها عن موسمها، لم يلزمه قبضها، فإن أمكن بيعها في غير موسمها بلا ضرر قبضت، فإن حصل ضرر ضمن بحكم عدلين عارفين بذلك. وإنما يحكم عدلان دفعا للضرر عن الطرفين وقطعا للنزاع والأطماع.

стр. 53

أخذ الموظف المال من المعاملين بمسمى إكرامية: ولا يجوز لموظف في قطاع خاص أو عام، أخذ مال من العميل بمسمى «إكرامية»، أو «بقشيش» لتعجيل معاملته وإجراءاته، فإنه مكس محرم يفتح باب خيانة الأمانة والتلاعب، فلا يعمل الموظف عمله المدفوع عليه راتب شهري إلا بهذا الفعل؛ ويؤدي إلى ظلم الناس، والإضرار بهم من تأخير وعرقلة إجراءاتهم وتقديم المتأخر الدافع، وأكل أموال بظلم وإكراه وباطل، وهو محرم لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩). فإن كان صاحب المعاملة غير مؤهل لما تقدم له، فدفع مالا للتغاضي عن الشروط وتمريره، فهي رشوة ملعون هو ومن أخذ ومن سعى بالنص «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما» (١) وهو الساعي. الوساطات والهدايا: وتحرم الشفاعات والوساطات التي تخل بالنظام العام والمصلحة العامة؛ لأدائها إلى مظالم كثيرة ومفاسد جمة، وما أدى إلى المفسدة حرم. فإن أخذ عليها مالا زاد إثمه وجرمه. وأما الشفاعات والوساطات الجائزة والمشروعة فهي التي تؤدي إلى إعطاء ذي الحق حقه، وإيصال الحق إلى أهله، فهذا مشروع وقد يصل إلى الوجوب إن كان فيه نصرة لمظلوم لقوله تعالى (مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا) (النساء: ٨٥) (٢). والهدايا والضيافة للولاة والموظفين كبارا أو صغارا إن حصلت من محتاج لقضاء حاجة له

стр. 54

عندهم، لا يجوز فعلها، ولا أخذها، ولا إجابة الدعوة؛ لأنها في معنى المكس أو الرشوة. وقد جاء رجل فقال «هذا لكم وهذا أهدي لي» فذمه الشرع ومنعه (١). ويجب على الإجراء من كبار المسئولين أو صغار الموظفين معاملة ما بأيديهم من العمل كمعاملة ما هو لأنفسهم لقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢). تدوير المناصب وتوريثها: ويجب الآن على الدولة في الوظيفة العامة تدوير المناصب؛ لأن هذا هو مقتضى العدل والمساواة، وبه تدفع مفاسد كثيرة، وتوضع لذلك شروط وتأهيلات من كانت فيه دخل في قانون تدوير المناصب. ولا يجوز التوريث للوظائف العامة؛ لأن المناصب أمانات؛ ولا تؤدى إلا إلى أهلها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨). وقال تعالى (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) (النساء: ٥). حتى الميراث الشرعي شرط تسليمه للورثة بلوغهم راشدين (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦). فإن كان في أحدهم سفه؛ فلا يسلم له ميراثه، بل يعين القاضي عدلا يدير له ماله حتى يرشد. فهذا في الملك الخاص، فكيف في العام، فالأمور العامة لا طريق فيها للتوريث أصلا، ولا يدل لها أصل ولا فرع في الشريعة، فالوظائف العامة والإدارات ومجالس الشورى والنواب

стр. 55

وسائر الوظائف العامة الشرط فيها الكفاءة وهي «القوة والأمانة» ولا نظر إلى غير ذلك في الأصل. العهدات الوظيفية: ومن أعطيت له عهدة فهي: إما داخلية أو خارجية. فالداخلية ما يستعمله من أقلام ودفاتر، وتلفون، وكمبيوترات، وطباعة، وآلة تصوير، ودباسات، وورقيات وصرفيات حال عمله في مكتبه، وهذه أمانات فلا يجوز صرف شيء منها، أو استعماله استعمالات خاصة فيما لا يتسامح بمثله مما جرت به العادات والأعراف الرسمية بخلاف كونه على جهة الاستغلال للمال العام، أو استعماله فيما لا يعفى عنه، ويتغاضى لحقارته وعدم إمكان التحرز منه، فلا يكتب بقلم المال العام ولا يطبع ولا يصور ما هو خاص به لا علاقة له بالمصلحة العامة. ومن فعل ذلك فهو غال (١)، يقول (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١). وأما العهد الخارجية كالسيارات مثلا، أو التلفونات النقالة، فإن أذن له في قضاء أموره بها جاز بحسب القوانين المنظمة لذلك ولا يتجاوز.

стр. 56

فإن لم يكن مأذونا له استعمالها في خاصياته، حرم عليه؛ فإن فعل دخل في الغلول. تناول الإفطار وقراءة الصحف للموظف: ويعطى الموظف وقتا معلوما لتناول الإفطار، فإن لم يحدد له ذلك جاز له بقدره لأن الضرورة تقدر بقدرها، ولأن العقود قائمة على نص «لا ضرر ولا ضرار». وأما قراءة الصحف في وقت الدوام، فلا مانع إن كان في وقت فراغه عن قضاء المعاملات للناس، وإلا دخل في الإثم؛ لأن العقد لا يتضمن الضرر وقد أضر بالغير إلا إن كانت قراءة الصحف ذات صلة بعمله أو موقعه. سجل الحضور والغياب الإلكتروني والعادي: ومن المصلحة العامة ضبط سجل الحضور والغياب. ولما كان الشرع قائماً على طلب الإحسان في كل شيء، فإن وضع توقيعات إلكترونية للحضور والغياب من ذلك الإحسان؛ لما يحقق من العدل والضبط وإعطاء كل ذي حق حقه؛ لعموم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولحديث «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (١)، وهذا من العدل والإحسان. فإن لم يتوفر الضبط الإلكتروني ضُبِطَ في سجل لدى مؤتمن لا يجامل ولا يداهن، فإن فعل ذلك تحمل أوزارا من فعله ومن فعل غيره (٢)، وجنى على نفسه؛ لأنه متعاون على الإثم والعدوان وهو محرم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢). التوقيع عن الغير: ولا يجوز التوقيع بدلا عن الغير، ولا التغطية عليه، فكل هذا من المظالم والخيانة للأمانة،

стр. 57

والغش للأمة، وخلاف النصيحة. الصلاة وشعائر الله في المرافق الوظيفية: وفرض على الدولة أن تجعل وقتا للصلاة ومصلى في جميع الدوائر الحكومية والجهات إلا في حال وجود مسجد قريب؛ ليؤدي الموظف شعائر الدين الكبرى فإن لم يكن ذلك من الدولة ففرض على الموظف الصلاة، ولو في مكتبه أو في مسجد قريب. وعليه أن يترك -تأجيلا- ما عنده من عمل ليتفرغ للصلاة، ويرجع فورا لإتمام عمله بعد فراغه من الفرض والتطوع الراتب. ولو اتخذ الموظفون قاعة للصلاة، أو مكانا، أو غرفة فقد أحسنوا؛ لأن الجماعة إظهار للدين وتعظيم له. ومن منع الموظف من أداء الصلاة في مكتبه أو في مسجد قريب، فهو صاد عن سبيل الله عدو لله ورسوله، ويجب محاسبته، فإن عاد لذلك وجب عزله عن ولايته؛ لأنه مضار للناس في دينهم وهو ضرر فاحش وفي النص عزل الإمام بصده عن الصلاة «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (١). فإذا كان هذا في الولايات الكبرى العامة ففي مثل هذا أولى. وهكذا الأمر في المدارس والجامعات وغيرها، فيجب جعل وقت الصلاة في الجدول العام كما تجعل أوقات الراحة؛ لأن هذا هو مقتضى تعظيم شعائر الله (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢). فإن إقامة الصلاة على الدولة أول واجب في سياساتها. وهو فرض شرعي (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).

стр. 58

ويرافق الحق الأول، ويتلوه: النظر في توزيع النسبة الواجبة من الثروات والأموال على شرائح المجتمع الفقيرة والأصناف الثمانية (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠). ومع هذا بالتوازي: السعي للإصلاح الشامل في كل المرافق والإدارات وإقامة عوامل النهضة سياسيا، وأخلاقيا، ومجتمعيا، واقتصاديا، وعسكريا، وعلميا، وهو المعبر عنه بالمعروف. ومحاربة كل مظاهر الفساد في كل المجالات، وهو من المقصود بالمنكر في الآية. حقوق الموظف والأجير: ويجب إعطاء الرواتب والأجرة في وقتها بلا تأخير، ولا تؤخر عن آخر يوم في الشهر حتى يبدأ الشهر الآخر، لما ورد في التشديد من النصوص كحديث أبي هريرة عند البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (١)، ولحديث «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (٢).

стр. 59

ومقدار الراتب يحدد بعدل، والعدل هنا ما يكفي حاجاته وضرورياته بتوسط، وهو عادة وشرعا ما وافق أمثاله في الوظيفة، فإن كان الراتب زهيدا لا يكفي ضرورياته وحاجياته فإن هذا عقد بغبن فاحش، وهو محرم، ولا يقال هو بالخيار لأن الوظيفة العامة الغالب عليها الآن الاضطرار للقبول مع الضرورة والضرر، وهذا ليس من العدل والإحسان والإكرام (١). ويجب العدل في الترقيات للمستحق. ويعطى الموظف حقه من الإجازات، والعلاوات، والترقيات، والمساعدات، والقروض، والعلاجات، والبعثات أسوة بأمثاله وهذا مما أمر الله به في عموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠). تسهيل الوصول إلى مسئولي العمل: ولا يجوز احتجاب المسئول عن الناس، وتعسير الوصول إليه لقوله ﷺ : «من احتجب عن رعيته احتجب الله عن حاجته يوم القيامة» (٢). ولأنه يؤدي إلى خلاف مقصود الولاية، وما خالف مقصود الولاية حَرُم.

стр. 60

الغلول والاختلاس والتحايل: واختلاس المال العام، والتحايل عليه تحت أي مسمى من نثريات أو غير ذلك من أكبر المحرمات الشرعية. ومن الغلول والخيانة رفع تقديرات كاذبة لصرف أموال واعتمادات، أو المبالغة فيها فوق حقيقتها بغية جناية المال. وقد اجتمع هنا من المعصية الكذب والخيانة والغش والغلول. ومن الغلول: كتم قيمة المخيط والقلم؛ لحديث «من كتمنا مخيطا فما دونه جاء به غلولا يوم القيامة» (١). ومن الغلول والخيانة صرف أموال عامة للنزهة والسفر والترفيه على كبار الموظفين، مما لا يعود بالنفع على الموازنة العامة ولا المصلحة ويفتح الشهية والشهوة أمام الاختلاس والاختلال، إلا ما اقتضته البرامج المتعلقة بالعمل وضبطت بالعدل وجرى العرف الرسمي في أمثالها من الدول غير الفاسدة إداريا. محاسبة الموظفين المفسدين: ومن الكبائر عدم محاسبة المفسدين والمختلسين واستمرار توليتهم والمناكفة عنهم؛ لحديث «من أعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه» (٢). ويجب محاسبتهم أمام الجهات المعنية المختصة، وإن اقتضى الأمر حوسب أمام القضاء،

стр. 61

وليحكم القاضي بما أراه الله من العدل في هؤلاء بلا خوف أو رغبة أو رهبة، يقول تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: ١٠٥). ويحرم الدفاع عنهم لعموم (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ) (النساء: ١٠٧)، أو حمايتهم (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) (القصص: ١٧). الوظيفة الأمنية: ورجال الأمن، والشرطة، والبحث، والنيابة، وسائر الجهات المعنية أجراء. ومقتضى العقد لهم أنه يجب عليهم ضبط الأمن، والعدل مع الخلق، ومنع كل ما يغضب الله من الجرائم والمنكرات والفواحش لعموم (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١). وكل مكان فيه ذلك من بارات، أو مراقص، أو فنادق فيجب عليهم شرعا منعها أو إزالة منكراتها. ويجب عليهم ضبط المفسد ولو كان نافذا في الدولة؛ فإنَّ أَخْذَ الضعيفِ وتَرْكَ الظالمِ القوي محرمٌ، وفيه هلاك للخلق «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (١). ولا يجوز لأحد اختلاس مواطن أو مقيم. ويحرم استعمال هذه الأجهزة لأي غرض شخصي؛ لأنها للأمة ككل تحفظ أمنها واستقرارها ودينها، وهذا هو مقتضى العقد معها، واستغلالها لأغراض شخصية خارجة عن النظام خلاف لهذا العقد.

стр. 62

وتعيون عسكري -أي أجرته- على الدولة لا على المواطن. وتحرم الرُسَّامة عند خروج سجين، وهي عطاء مالي جبري لبواب السجن، وهي مكس وسحت؛ لأنها لا معنى لها بحق فتكون من الباطل المحرم بعموم (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩). وإذا ضبط الأمن من يفعل الفواحش لزم تأديبه وتعزيره، فإن كان وكرا وجب منعه. ويحرم الستر على مروجي وتجار المخدرات، والخمر، ومروجي الزنا، واللواط، والعصابات، وقطاع الطرق، والقتلة. وكذا يحرم التغطية على مهربي كل ضار ومحرم، ولا يجوز أخذ رشوة منهم لإخلاء سبيلهم، وهو خيانة للأمانة، ومن ثبت فعله لذلك وجب إحالته للجهات المعنية للتحقيق معه؛ لأنه من الإصلاح في الأرض (وَأَصْلِحُوا) (الأنفال: ١)، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤). التقدم للوظيفة: وطلب الوظيفة مباح، ويجب على جهة القبول العدل والإحسان في ذلك. والعمل للمعيشة لكفاية النفس والأهل ممن يعول واجب لقوله ﷺ «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» (١). ولا إثم إلا في تضييع الواجبات. ولأن «الرجل راع على أهله ومسئول عن رعيته» (٢). ولأن النفقة واجبة على الرجل (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٣). (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: ٧).

стр. 63

وتضبط بالمثل العرفي (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦). ويقول (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، وأول حقوقه النفقة على القادر لغير قادر. وفي النص «لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (١). وخير ما يأكل الإنسان من عمل يده «وما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من عمل يده» (٢). وقد رعى النبي ﷺ الغنم (٣)، ورعاها موسى ﵇ (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص: ٢٧)؛ فتبين بهذا مشروعية العمل. وطلب الوظيفة الحكومية والأهلية وسيلة إلى تحصيل الرزق فشرعت. ويجب طلبها إن لم يكن غيرها تحصيلا لنفقته ونفقة من يعول. وعند التقدم للوظيفة يساوى بين المتقدمين في النظر إلى توفر الشروط؛ لأن هذا من العدل المأمور به (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠). ولا مانع عند تساوي المتقدمين في الكفاءة والمؤهلات والخبرات أن يقدم ذو فاقة وحاجة؛

стр. 64

لأن مقصود الوظيفة تولية كفؤ أمانة العمل، وهذه مصلحة عامة، ومن جهة أخرى منفعة الموظف براتب مجزئ يسد حاجته ومن يعول، وهذه مصلحة خاصة معتبرة، والجمع بين المصالح عند القدرة على ذلك مطلوب شرعي؛ لأنه إحسان فوق إحسان. فيشمله النص في قوله تعالى (وَأَحْسِنُوَا)، وقوله سبحانه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، شمولا أوليا مقدما على ما يحقق مصلحة من جهة واحدة. المكافآت والتحفيزات: ويشرع الثناء على من أحسن من الموظفين وتشجيعه لما لذلك من المصلحة؛ ولأنه محسن، ومقابلة الإحسان بالإحسان أمر مشروع وهذا منه (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠). وفي النص «صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف» (١)؛ وهو يدل على الثناء الحسن على الأمر الحسن. ويعطى المحسن في عمله ما يناسب من المكافآت والترقيات والتحفيزات مادية ومعنوية، وهو أمر مصلحي يخدم العمل وتقره الشريعة وتطلبه؛ لأنها جارية على مكافأة المحسن على إحسانه. الزي الوظيفي: وإلزام الموظفين بزي معين أمر مباح يلزم بالعقد والشرط فيه لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولأنه مباح لا يتعلق بالإلزام به في العقود مفسدة أو معارضة شرعية فجاز؛

стр. 65

ولأنه مشمول بالعفو (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، ولأن الزي المعين على وجه عام في الوظيفة الرسمية أو غير الرسمية له مقصد مصلحي أقله أنه داخل في التحسينات، وللشركات مقصد مصلحي غير هذا يمثل رمزا للشركة وشارة تجارية دعائية محمولة، وهذا نوع مقصود في التجارات؛ ولأنه يؤدي إلى تساوي الموظفين على اختلاف طبقاتهم المادية والوظيفية وهذا أمر حسن؛ ولأنه يشيع الانسجام والعمل بروح الفريق الواحد، وهذا يحقق نوع مصلحة للعمل؛ فلا مانع من ذلك إذا. عمالة الأطفال: وعمالة الأطفال ضررها أكبر من نفعها عليهم لغلبة تركه بسببها ما ينفعه في حياته من تعليم وتربية ومصالح جمة، ويعظم الضرر عليه حال انعدام ناظر عدل لمصالحه؛ لاحتمال وقوعه في يد من لا خلاق له فيضطهده نفسيا وبدنيا وماليا (١). ويجوز تعليم الأطفال العمل تدريبا؛ لأن الله شرع لناظر اليتيم أن يختبره ويدربه قبل بلوغه، فإذا بلغ فإن كان راشدا دفع له المال وإلا انتظر حتى يرشد (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦). تأهيل أصحاب الاحتياجات الخاصة: وتأهيل أصحاب الاحتياجات الخاصة كأعمى، أو أخرس، أو مقعد عن الحركة من المصالح العامة التي يجب على الدولة القيام بها؛ لأنها ناظرة للمسلمين نظر مصلحة وهذا منه. ولأن ترك تأهيلهم بما ينفعهم في حياتهم ويتناسب مع حالاتهم مؤد إلى مفسدة في شريحة كبيرة من المجتمع فيكون كثير منهم عالة يتكفف الناس.

стр. 66

وقد ولّى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم الأذان (١) وهو أعمى، وكان له من يخبره بالوقت، وولاه على المدينة لما ذهب إلى مكة فاتحا (٢). ومع توفر كثير من العلوم التكنولوجية يسهل تأهيلهم، واستيعابهم في الوظائف المختلفة المناسبة لهم، والتي تكف حاجاتهم الحياتية وتدفع عنهم الفاقة والمسألة. نقابات الموظفين والعمال: وللموظفين والعمال إنشاء نقابة لهم تدافع عن حقوقهم العادلة، وتنصر المظلوم منهم، وتمنع البغي والعدوان على أحدهم، وتمثلهم في الجهات المختلفة فيما يحق لها من أنواع التمثيل الحقوقي. وكل هذا، الأصل مشروعيته لعموم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢). والتعاون على طلب الحقوق العادلة ونصرة المظلوم من البر. جمعية الادخار والتعاون بين الموظفين برواتبهم: وللموظفين وغيرهم إنشاء جمعية شخصية يتعاونون من خلالها على الادخار بجمع جزء متساو من رواتبهم ويسلم المبلغ كاملا لأحد المشتركين معهم شهريا حتى يدور ذلك على الكل. وهو عقد إرفاق مشمول بعموم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢)، وبعموم (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، فالكل محسن ويقابل بمثل إحسانه. وتخريجه الشرعي أنه عقد قرض معين من متعددين معينين بأجل معين لكل فرد منهم بتاريخ مستقل، فهذا تعريفُ أوَّلِهم قبضا. وأما آخرهم قبضا فهي له جباية قرض آجل معين من معينين في أجل واحد.

стр. 67

وأما ما بين الأول والآخر فهو عقد قرض معين آجل أقرضه لآخرين واقترضه من آخرين معينين يَقْبضه منهم ويُقْبضه في أجل معين لكل شخص. ومن منعه بعلة أنه قرض جر نفعا (١) فلم يصب؛ لأن الحديث في ذلك ساقط ولا يصح كقاعدة فقهية كذلك. وعلى فرض التسليم بالاحتجاج به أو بالقاعدة فنقول بعدم صوابية ذلك؛ ولأن عموم الحديث مخصوص قطعا لجواز قبول الهدية بلا شرط وهذا جر نفعا. ولأن صور التجارات بالدين جائزة في الأصل مع جرها نفعا تجاريا قطعيا، فدافع رأس مال السلم هو مقرض، وقابضه مقترض مقابل سلعة، وأجازه الشرع للحاجة، وخَرَّجَهُ الفقهاء على بيع في الذمة علة جوازه عموم الحاجة. وكذا من يداين الناس في السلع التجارية بآجل مع زيادة ثمن يفيد ويستفيد، وقد جر نفعا، وهو مباح؛ لأن الأصل حل التجارات. فلا بد أن يؤول الحديث أنه قرض إحسان وإرفاق شرط معه ربحٌ زائدٌ على أصله، وإلا لزم بعمومه إبطال معلومات الجواز من الأدلة وهي كثيرة، لأنه ما من إقراض تجاري إلا وله نفع.

стр. 68

ولأن المسألة في المعاملات أصلها على الإباحة، فإن جاء معارض ناقل عارضه أصل مبق على الأصل زائد على مجرد الإباحة كما هنا، قدم: لأن المبقي على الأصل أولى حتى يقطع بما يزحزحه عن يقين الإباحة الأصلية وعواضدها. وهاهنا تعارض أصل الإباحة الأصلية مع ناقل وهو: أي قرض جر نفعا؛ فضعف الناقل لكثرة استثناءاته، وعضد الأصل بأصول الأمر بالتعاون والإحسان. وبقي النص الناقل لحالة متيقنة واحدة لا ترد هنا، وهي القرض مع شرط رده وربح زائد عليه. فهذا هو اليقين من تأويلاته وغيرها ضعيفة. وهذا التأويل اليقيني لا يرد هنا في مسألة جمعية الموظفين. الوظيفة في بلاد الكفار: والوظيفة في البلاد غير المسلمة جائزة؛ لعموم أصل الإباحة، ومن ادعى المنع فعليه بالدليل الصحيح الصريح الخالي من المعارضة. والنهي عن الإقامة بين ظهراني المشركين كان للإلزام بالهجرة إلى المدينة، فلما فتحت مكة رفع الإلزام بـ «لا هجرة بعد الفتح» (١)، ويحمل المنع بعدها على حالة الحرب؛ لإمكان إصابة مقيمين من المسلمين، ولأنه -أي المقيم- ناقص النصرة، لا نصرة له في حالة استنصاره وهو في بلد معاهدة (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) (الأنفال: ٧٢). وهذه من علل النهي عن الإقامة. وقد كف الله أيدي المؤمنين عن مكة؛ لأجل المقيمين من المسرين بالإسلام (وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء) (الفتح: ٢٥)، والعلة هي (فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الفتح: ٢٥)، وهذه تبعة، فنهى عن الإقامة تبرئة للذمة في مثل هذه الحالات.

стр. 69

فالبراءة في حديث «أنا بريء من مقيم بين ظهراني المشركين تتراءى نارها» (١) هي براءة تبعة من إصابته حال حدوث حرب، فلا يلزم إثم ولا دية؛ لتعذر التمييز بين مشرك ومسلم مقيم بينهم. ولأن الصحابة بأمر من النبي ﷺ أقاموا في الحبشة مهاجرين الهجرتين واستمروا بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة ولم يلزمهم بترك بلاد الكفر إلى المدينة كما ألزم من كان في مكه، وكانت الحبشة على النصرانية، فدل على جواز الإقامة في بلد غير مسلمة، ولا يقال هو منسوخ بحديث المنع؛ لعدم ثبوت التاريخ، بل هو دليل على ما قدمنا أنه نهى لرفع التبعية والمسئولية عن المقيم في بلد الحرب حال الحرب. ولأنه لو حمل حديث المنع من الإقامة في بلاد الكفار على عمومه للزم وجوب هجرة المسلمين كافة إلى بلاد الإسلام، وهذه مشقة خارجة عن المعتاد، وقد نسخ هذا بـ «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (٢). فلو منع من أسلم من الإقامة في أهله وأرضه لشق ذلك على من أراد أن يسلم في أصقاع الأرض، وللزمه الهجرة، ولم يقل بهذا أحد من أهل الإسلام، ولأدى ذلك إلى الصد عن الدخول في الإسلام لهذه المشقة؛ لأن مفارقة الوطن والأهل من أعظم المشقات.

стр. 70

ولذلك اختبر الله بها عباده المهاجرين الأولين، وألزمهم بها نصرة لدولته ورسالته ثم نسخت إلى يوم القيامة بالنص الصحيح الصريح المجمع على العمل به. فالأصل الإباحة الأصلية العامة زمانا ومكانا، وأشخاصا في العمل في أي مكان على وجه الأرض. ويجوز لمسلم أن يلي ولاية للكفار في بلادهم تعود بالنفع الإنساني عليهم، لفعل يوسف الصديق، وله أن يقدم الاستشارات والخبرات في وظيفته، وأن يقوم فيها بالعدل والقسط والإحسان والأمانة؛ لعموم الأدلة في ذلك ولم يخصصها دليل إلا أن يعمل لحربيين ما يقويهم على ضرر الإسلام فيحرم. ولأن يوسف تولى ولاية عامة للكفار وهو من الرسل، ولم يخصص ذلك دليل. بل ساقه الله مساق المدح والامتنان عليه وسماه تمكينا ورحمة (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء) (يوسف: ٥٦). فمن تولى ولاية عامة أو غيرها في بلاد المسلمين أو غير المسلمين فهو تمكين ورفعة ورحمة. وظيفة المسلم في القوات المسلحة غير المسلمة: ويجوز الوظيفة في القوات المسلحة في غير بلاد المسلمين بشرط أن لا تكون حربية على المسلمين تحالف عدوهم، وتحميه أو تظاهر عليهم في قراراتها، أو تشارك في احتلال بلادهم؛ لأنه حينئذ تعاون على العدوان على المسلمين (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢). فإن كانت كدولة النجاشي الملك العادل جاز، ولا يقال ثبت إسلامه؛ لأنه ولو كان مسلما كان حاكما لدولة نصرانية. ويرجح المنع أن وظيفة الجيش والأمن في أي دولة هو حماية الدولة ونظامها ودستورها وقوانينها ومعلوم أنها تقوم في دستورها وقوانينها على حكم الطاغوت المأمور بالكفر به فوظيفة المسلم في القوات المسلحة غير المسلمة مناقض لهذا الأصل؛ لأنه حماية للطاغوت.

стр. 71

الوظيفة في قوات حفظ السلام: والوظيفة في قوات حفظ السلام الدولي إن كانت تعاونا على الإثم والعدوان حرمت، وإن كان فيها فك نزاع في دول غير المسلمين جاز. أما في بلاد المسلمين فالأصل حرمة تواجد أي قوة دولية غير مسلمة في بلاد المسلمين حيثما كانت؛ لأنه محرم أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١). واستقدام قوات حفظ سلام دولية غير مسلمة في بلاد الإسلام هو من أعظم السبيل والتمكين لهم، وهو سبيل لانتقاص سيادتهم على بلادهم والتدخل في مصيرهم وقضاياهم وشئونهم الداخلية. ويدل له واقعا أن الدول الكبرى تمنع وجود قوات حفظ سلام على أراضيها بقرار سيادي، وإنما جعلت هذه القوات للتمكن من رقاب الدول الإسلامية، والدول الضعيفة. فإن فرضت بسلطان القوة الدولية على بلد إسلامي، ولم يستطع منعها، فيكون أعضاؤها من المسلمين شرطا، فإن تعذر كانوا الكثرة ما استطاعوا؛ ليكونوا على اطلاع بعمل القوات ودفع ضررها قبل وقوعه. الوظيفة في الأمم المتحدة: وعمل المسلم موظفا في الأمم المتحدة ممثلا عن دولته أو موظفا في ولاية عامة أو عادية فيها: الأصل جوازه؛ لأنها لا تخرج شرعا عن كونها نيابة شخص مسلم عن الدولة المسلمة في عمل معين أمام دول العالم في مكان معين هو الأمم المتحدة، فيما ينفع الدولة المسلمة ويدفع عنها الضرر، وهذا ظاهر في الجواز، ولفعل يوسف الصديق؛ ولأن تقليل المفاسد واجب وهذا منه. ويجب عليه الدفع للضرر والتآمر والمكايد عن الإسلام والمسلمين وجوبا عينيا، فإن لم يفعل مع استطاعته أثم وإلا فـ (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦).

стр. 72

فإن كانت الوظيفة في الأمم المتحدة لا بد منها حينئذ ولا بد من الضرر لعجز الممثل عن دفعه حرمت؛ لأنها ضرر على الإسلام والمسلمين (١). الوظيفة في المنظمات الدولية: أما المنظمات الدولية الإنسانية التي يقتصر عملها على العمل الإنساني، فلا مانع من الوظيفة فيها والعمل معها. بل هو أمر في بعض حالاته كالإغاثة وإسعاف الجرحى، ونحوها من المشمولة بالأمر الشرعي العام في التعاون على البر والتقوى والبر المأمور به ولو مع غير مسلم مسالم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨). ولأن الوظيفة في هذه المنظمات أنفع من قطيعتها؛ لإمكان الدفاع عن قضايا الأمة وشعوبها ومظالمها، وإيصال المعونات والمساعدات والمنافع إلى المتضررين، ودفع القرارات الجائرة ضدهم، وهذا إن كان يتحقق بالوظيفة فهي من دفع المفاسد وجلب المصالح، وهذا أمر شرعي مقاصدي مقرر. وظيفة الكافر في بلاد الإسلام مباحة: وتوظيف غير المسلم في بلاد الإسلام مباح ولا مانع منه، وقد استأجر رسول الله هادياً خريتاً كافراً في هجرته (٢)، وعامل يهود خيبر على اختلاف الدين فدل على الجواز، ولأن الله يقول (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)، وذلك من أفراد هذا العام.

стр. 73

استثناء الولايات العامة لأنها وظائف سيادية: ويستثنى تولية غير المسلم ولاية عامة على المسلمين؛ لأنها وظائف سيادية للدولة يحق لها منعها بالشرط الدستوري أو القانوني والشرعي. أما الدستوري والقانوني فبالنص على ذلك بآلية تتخذها الدولة. أما الشرعي فلأن الله حصر الطاعة لأولي الأمر من المؤمنين (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)، وهو قيد معتبر وإلا كان لغوا لا معنى له. ولحرمة موالاتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١). وولايتهم أكبر من مجرد موالاتهم؛ ولأن الشرع أجاز خلع حاكم مسلم ارتكب كفرا بواحا، ولو بالسيف «ألا نقاتلهم؟ قال: لا. إلا أن تروا كفرا بواحا .. » (١). فمنعه -ابتداء- أولى بالوجوب: ولأن السمع والطاعة ممنوعة للكافر والمنافق (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ١). وما الولاية إلا سمع وطاعة؛ فحرمت لكافر ومنافق على مسلمين؛ ولأن المقصود من الولاية حفظ المقاصد وأعلاها حفظ دين الإسلام وإقامة شعائره، وفعل ذلك لا يكون إلا من مسلم، فولاية مسلمٍ مقصودة شرعاً (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥). والأمر ببرهم في النص لمن لم يحارب أو يظاهر لا يستلزم توليتهم؛ لأنه مستثنى بالأدلة السابقة، وبمقاصد الشريعة من تمكين أهل الإسلام لحفظ الدين. ويُنَصُّ على شرط الإسلام وشرط المواطنة فضلا عن السن والعقل والكفاءة في هذه

стр. 74

الولايات العامة وجوبا شرعيا؛ لأنها وسيلة إلى حفظ سيادة الدولة ومصالحها فوجبت؛ ولأن الدول غير المسلمة تتعامل بهذا الشرط إما بالنص أو بالواقع، وتزيد الجنسية، حفظا لسيادتها، وموالاة شعبها والله يقول (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣). أي: إلا تفعلوا تلك الموالاة بينكم أيها المؤمنون يكن فساد في الأرض عظيم، وفتنة. والشرط في الولاية العامة أن يكون مسلما، ومواطن الجنسية من أوضح صور هذه الموالاة السيادية فيما بيننا؛ فوجبت علينا بهذا التكليف في الآية، فاتخاذ هذه الدول من المشركين والكفار، وثنيين، ولا دينيين، وأهل كتاب شرطَ الجنسية والديانة لهذه الولايات العامة عندهم؛ لأن بعضهم أولياء بعض، وحمايةً للسيادة والمصلحة العليا، فوجب أن تكون دول الإسلام كذلك في هذه الشروط بدلالة (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (الأنفال: ٧٣). ولقوله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١)، فهذان نصان في الموالاة، ومن مقتضياتها ما ذكرنا، وقال (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: ٦٧). فتولية المنافق ولاية عامة هو تمكين لآمر بمنكر ومفسد؛ فوجب اشتراط العدالة فوق مجرد اشتراط الإسلام. الشروط للأعمال والوظائف: يشترط في إجارة العاملين والعمال في أي مهنة: البلوغ راشدا والعقل والكفاءة، وهي القوة والأمانة. فشرط البلوغ راشدا؛ لأن الإجارة عقد ولا يصح مع صبي؛ لأنه لا نظر له في الأموال، فينظر له وليه حتى يرشد، والرشد مقارن للبلوغ، أو بعده (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن

стр. 75

كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦). وأما شرط العقل؛ فلأن المجنون أولى من الصبي في المنع؛ لإمكان تدريبه بخلاف المجنون. وأما شرط الكفاءة وهي القوة والأمانة: فـ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: ٢٦)، وهي الحفظ والعلم في نص (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: ٥٥). وسياق هذا النص مساق الإقرار دليل على أنه مقصود شرعاً في الولايات، ودل على وجوبه أن نقيضهما الضعف والخيانة وهما موصلان إلى خلاف مقصود الشرع في دفع المفاسد بل يوصلان إلى مفاسد وفساد كثير يجب دفعه. ويشترط في الوظائف العامة -أي الولايات العامة في الدولة- البلوغ راشدا، والعقل، والكفاءة، والإسلام، والعدالة. ويزاد بالتوافق الشرطي الدستوري والقانوني شرط الجنسية الوطنية؛ ولا مانع منه؛ لأنه شرط مصلحي اعتبره أهل اعتبار المصالح من الشعب. ويزاد لبعض الولايات الهامة مع هذه الشروط الجنسية الوطنيةُ وإسلامُ الزوجة والأبوين، ولا مانع منه؛ لأنه مباح اعتبر اليوم خادما للمصلحة العليا للبلاد فيلزم بالشرط. ودل على أنه خادم للمصلحة العليا أنه شرط توافقي للجماعة بأكثرية، ورأيها المصلحي معتبر ويد الله مع الجماعة، ولأن دول العصر من غير المسلمين تشترطه لا ديانة؛ فلم يبق سوى ملاحظتها للمصلحة الدولية المعاصرة. ويزاد بالتوافق من الشروط ما لا يناقض العقد ولا يبطله ولا ينقض المنفعة ولا يضر بالطرفين. ومن الشروط المباحة الزائدة شرط المواطنة (١)، فتجوز في الأصل وما شرط في العقود مما لا يناقض الشرع فهو جزء من العقد يشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولأن الأصل
следующие страницы →