الوظيفة في قوات حفظ السلام:
والوظيفة في قوات حفظ السلام الدولي إن كانت تعاونا على الإثم والعدوان حرمت، وإن كان فيها فك نزاع في دول غير المسلمين جاز.
أما في بلاد المسلمين فالأصل حرمة تواجد أي قوة دولية غير مسلمة في بلاد المسلمين حيثما كانت؛ لأنه محرم أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١).
واستقدام قوات حفظ سلام دولية غير مسلمة في بلاد الإسلام هو من أعظم السبيل والتمكين لهم، وهو سبيل لانتقاص سيادتهم على بلادهم والتدخل في مصيرهم وقضاياهم وشئونهم الداخلية.
ويدل له واقعا أن الدول الكبرى تمنع وجود قوات حفظ سلام على أراضيها بقرار سيادي، وإنما جعلت هذه القوات للتمكن من رقاب الدول الإسلامية، والدول الضعيفة.
فإن فرضت بسلطان القوة الدولية على بلد إسلامي، ولم يستطع منعها، فيكون أعضاؤها من المسلمين شرطا، فإن تعذر كانوا الكثرة ما استطاعوا؛ ليكونوا على اطلاع بعمل القوات ودفع ضررها قبل وقوعه.
الوظيفة في الأمم المتحدة:
وعمل المسلم موظفا في الأمم المتحدة ممثلا عن دولته أو موظفا في ولاية عامة أو عادية فيها: الأصل جوازه؛ لأنها لا تخرج شرعا عن كونها نيابة شخص مسلم عن الدولة المسلمة في عمل معين أمام دول العالم في مكان معين هو الأمم المتحدة، فيما ينفع الدولة المسلمة ويدفع عنها الضرر، وهذا ظاهر في الجواز، ولفعل يوسف الصديق؛ ولأن تقليل المفاسد واجب وهذا منه.
ويجب عليه الدفع للضرر والتآمر والمكايد عن الإسلام والمسلمين وجوبا عينيا، فإن لم يفعل مع استطاعته أثم وإلا فـ (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦).
стр. 72
فإن كانت الوظيفة في الأمم المتحدة لا بد منها حينئذ ولا بد من الضرر لعجز الممثل عن دفعه حرمت؛ لأنها ضرر على الإسلام والمسلمين (١).
الوظيفة في المنظمات الدولية:
أما المنظمات الدولية الإنسانية التي يقتصر عملها على العمل الإنساني، فلا مانع من الوظيفة فيها والعمل معها.
بل هو أمر في بعض حالاته كالإغاثة وإسعاف الجرحى، ونحوها من المشمولة بالأمر الشرعي العام في التعاون على البر والتقوى والبر المأمور به ولو مع غير مسلم مسالم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
ولأن الوظيفة في هذه المنظمات أنفع من قطيعتها؛ لإمكان الدفاع عن قضايا الأمة وشعوبها ومظالمها، وإيصال المعونات والمساعدات والمنافع إلى المتضررين، ودفع القرارات الجائرة ضدهم، وهذا إن كان يتحقق بالوظيفة فهي من دفع المفاسد وجلب المصالح، وهذا أمر شرعي مقاصدي مقرر.
وظيفة الكافر في بلاد الإسلام مباحة:
وتوظيف غير المسلم في بلاد الإسلام مباح ولا مانع منه، وقد استأجر رسول الله هادياً خريتاً كافراً في هجرته (٢)، وعامل يهود خيبر على اختلاف الدين فدل على الجواز، ولأن الله يقول (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)، وذلك من أفراد هذا العام.
стр. 73
استثناء الولايات العامة لأنها وظائف سيادية:
ويستثنى تولية غير المسلم ولاية عامة على المسلمين؛ لأنها وظائف سيادية للدولة يحق لها منعها بالشرط الدستوري أو القانوني والشرعي.
أما الدستوري والقانوني فبالنص على ذلك بآلية تتخذها الدولة.
أما الشرعي فلأن الله حصر الطاعة لأولي الأمر من المؤمنين (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)، وهو قيد معتبر وإلا كان لغوا لا معنى له.
ولحرمة موالاتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١).
وولايتهم أكبر من مجرد موالاتهم؛ ولأن الشرع أجاز خلع حاكم مسلم ارتكب كفرا بواحا، ولو بالسيف «ألا نقاتلهم؟ قال: لا. إلا أن تروا كفرا بواحا .. » (١).
فمنعه -ابتداء- أولى بالوجوب: ولأن السمع والطاعة ممنوعة للكافر والمنافق (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ١).
وما الولاية إلا سمع وطاعة؛ فحرمت لكافر ومنافق على مسلمين؛ ولأن المقصود من الولاية حفظ المقاصد وأعلاها حفظ دين الإسلام وإقامة شعائره، وفعل ذلك لا يكون إلا من مسلم، فولاية مسلمٍ مقصودة شرعاً (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
والأمر ببرهم في النص لمن لم يحارب أو يظاهر لا يستلزم توليتهم؛ لأنه مستثنى بالأدلة السابقة، وبمقاصد الشريعة من تمكين أهل الإسلام لحفظ الدين.
ويُنَصُّ على شرط الإسلام وشرط المواطنة فضلا عن السن والعقل والكفاءة في هذه
стр. 74
الولايات العامة وجوبا شرعيا؛ لأنها وسيلة إلى حفظ سيادة الدولة ومصالحها فوجبت؛ ولأن الدول غير المسلمة تتعامل بهذا الشرط إما بالنص أو بالواقع، وتزيد الجنسية، حفظا لسيادتها، وموالاة شعبها والله يقول (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣).
أي: إلا تفعلوا تلك الموالاة بينكم أيها المؤمنون يكن فساد في الأرض عظيم، وفتنة.
والشرط في الولاية العامة أن يكون مسلما، ومواطن الجنسية من أوضح صور هذه الموالاة السيادية فيما بيننا؛ فوجبت علينا بهذا التكليف في الآية، فاتخاذ هذه الدول من المشركين والكفار، وثنيين، ولا دينيين، وأهل كتاب شرطَ الجنسية والديانة لهذه الولايات العامة عندهم؛ لأن بعضهم أولياء بعض، وحمايةً للسيادة والمصلحة العليا، فوجب أن تكون دول الإسلام كذلك في هذه الشروط بدلالة (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (الأنفال: ٧٣).
ولقوله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١)، فهذان نصان في الموالاة، ومن مقتضياتها ما ذكرنا، وقال (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: ٦٧).
فتولية المنافق ولاية عامة هو تمكين لآمر بمنكر ومفسد؛ فوجب اشتراط العدالة فوق مجرد اشتراط الإسلام.
الشروط للأعمال والوظائف:
يشترط في إجارة العاملين والعمال في أي مهنة: البلوغ راشدا والعقل والكفاءة، وهي القوة والأمانة.
فشرط البلوغ راشدا؛ لأن الإجارة عقد ولا يصح مع صبي؛ لأنه لا نظر له في الأموال، فينظر له وليه حتى يرشد، والرشد مقارن للبلوغ، أو بعده (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن
стр. 75
كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
وأما شرط العقل؛ فلأن المجنون أولى من الصبي في المنع؛ لإمكان تدريبه بخلاف المجنون. وأما شرط الكفاءة وهي القوة والأمانة: فـ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: ٢٦)، وهي الحفظ والعلم في نص (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: ٥٥).
وسياق هذا النص مساق الإقرار دليل على أنه مقصود شرعاً في الولايات، ودل على وجوبه أن نقيضهما الضعف والخيانة وهما موصلان إلى خلاف مقصود الشرع في دفع المفاسد بل يوصلان إلى مفاسد وفساد كثير يجب دفعه.
ويشترط في الوظائف العامة -أي الولايات العامة في الدولة- البلوغ راشدا، والعقل، والكفاءة، والإسلام، والعدالة.
ويزاد بالتوافق الشرطي الدستوري والقانوني شرط الجنسية الوطنية؛ ولا مانع منه؛ لأنه شرط مصلحي اعتبره أهل اعتبار المصالح من الشعب.
ويزاد لبعض الولايات الهامة مع هذه الشروط الجنسية الوطنيةُ وإسلامُ الزوجة والأبوين، ولا مانع منه؛ لأنه مباح اعتبر اليوم خادما للمصلحة العليا للبلاد فيلزم بالشرط.
ودل على أنه خادم للمصلحة العليا أنه شرط توافقي للجماعة بأكثرية، ورأيها المصلحي معتبر ويد الله مع الجماعة، ولأن دول العصر من غير المسلمين تشترطه لا ديانة؛ فلم يبق سوى ملاحظتها للمصلحة الدولية المعاصرة.
ويزاد بالتوافق من الشروط ما لا يناقض العقد ولا يبطله ولا ينقض المنفعة ولا يضر بالطرفين.
ومن الشروط المباحة الزائدة شرط المواطنة (١)، فتجوز في الأصل وما شرط في العقود مما لا يناقض الشرع فهو جزء من العقد يشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولأن الأصل
стр. 76
عدم المانع، ولأنه شرط يحقق مصلحة لمن اشترطه في بعض المؤسسات والشركات.
وإذا اشترط هذا الشرط في الدولة رسميا جاز في الأصل، وعلة جوازه تحقيقه مصلحة دفع مفسدة الفقر والبطالة في الشعب بتوظيف المواطنين، وهي معتبرة الآن كمصلحة اقتصادية تحقق الأمن والاستقرار، ويشترط لها أن تكون بتوسط معقول لا تضر بالبلد من حيث منع الاستفادة من الخبرات الوافدة.
ويشترط كذلك ألا يُضَر بالمقيمين من المسلمين في ذلك البلد المسلم من غير الحاصلين على جنسيتها، فلا يسرحون من أعمالهم.
بل يرتب لهم وضع وظيفي بلا ضرر بهم؛ لأن الضرر محرم «لا ضرر ولا ضرار» (١)، ولأن الضرر لا يزال بالضرر؛ ولأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض بالنص، وهؤلاء المقيمون مؤمنون وولايتهم واجبة، وليس من ولايتهم الإضرار بهم في وظائفهم.
أنواع المهن والوظائف:
الأصل في كل المهن الإباحة ما كانت، ولا يثبت تحريم نوع إلا بنص، وما يثبت بالنص تحريمه قليل جدا وهو: كاتب الربا وشاهداه وهذا يشمل طباعة الوثائق والمحاسب الربوي، ومدخل البيانات، والشيكات، والكمبيالات، والسندات، والشاهد على ذلك -سواء كان شخصا، أو جهة كشركة، أو بنك- فإن هذا محرم «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه» (٢).
ويحرم امتهان صناعة الخمر فرديا أو جماعيا أو رسميا أو أهليا. وكل ما تعلق بخدمة الخمر وصناعته وتوريده وتوزيعه وتقديمه فهو محرم بالنص «لعن الله في الخمر عشرة عاصرها ومتعصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له» (٣).
стр. 77
وتهريب المخدرات بأنواعها محرم، والمعاونة على ذلك بأي شكل أو وسيلة (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢).
ولا تجوز وظيفة في ملهى ماجن ما كانت؛ لأنها تعاون على الإثم.
وكل وظيفة فيها معصية منصوصة بالدليل الثابت فهي من المكاسب المحرمة.
وأقبحها العمالة للعدو على المسلمين؛ لإطلاعه عدوهم على أسرارهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١).
وعمل القوّاد (١) محرم، والساحر، وكذا تجارة الأعراض، وجاسوس على الشعب لحاكم لعموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢)، وعصابات بيع الأعضاء، والقرصنة البحرية أو البرية أو الجوية أو الإلكترونية، أو ناشر ضلالة، وهؤلاء يجتهد القضاء في عقوبتهم وقد تصل إلى حد الحرابة؛ لأنه فساد في الأرض (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
مهمات الوظائف:
وأهم الوظائف التعليمُ، والفتوى، والدعوة إلى الله، وولايةٌ عامةٌ لعادل، والقيام على الحقوق
стр. 78
للشرائح الضعيفة والدفاع عنها، ونصرة المظلوم، والقضاء، والمالية، والإعلام، والأمومة، والتربية، والطب، والجيش، والزراعة، والصناعة، وعلوم النهضة.
أما التعليم؛ فلأنه وسيلة لحفظ الدين والدنيا وحفظ العقل وهو أحد المقاصد الكبرى.
وأما الفتوى والدعوة إلى الله فلقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: ٣٣).
وأما الولاية العامة لعادل؛ فلأنها وسيلة لحفظ المقاصد الكبرى، وجلب المصالح ودفع المفاسد عن الناس.
وما عظم فيه منفعة الخلق عظم طلبه شرعا.
وأما القيام على الحقوق ونصرة المظلوم فلعموم «القائم على المسكين والأرملة كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر» (١).
فيعم النقابات والمنظمات والهيئات والمؤسسات والجمعيات المدافعة عن الحقوق والدافعة للضرر الواقع والمتوقع.
وأما القضاء فلفصله النزاع ودفع الخصومة والفتنة ورفع المظالم، وهذا مقصود شرعي معلوم ضرورةً بِحَكم النصوص وتعليلاتها ودلالاتها، والاختلال فيه باب فساد عام وفتنة.
وأما حفظ المالية سواء كان عاما أو خاصا؛ فلأنه يخدم أحد أكبر مقاصد الشريعة الكبرى وهو حفظ المال وبه تقوم الحياة (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥)، فسماها قياما أي: للحياة.
وأما الإعلام؛ فلأنه قولٌ للحق، ونشر للفضيلة على وجه عام لا يقوم غيره مقامه، وصلاح العمل تابع لسداد القول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
وأما الأمومة؛ فلأنها تحفظ الطفولة والنشء، وهو مقصد شرعي ضروري يعبر عنه بحفظ النسل.
стр. 79
وأما التربية فهي رعاية المكارم وترك أضدادها (١)، وهو مقصود معتبر في الشرع، موصل إلى الإصلاح المجتمعي العام.
وأما الطب؛ فمتعلق بحفظ النفس.
وأما الجيش؛ فمتعلق بحماية المقاصد والجهاد والأمن والاستقرار.
وأما الزراعة والصناعة والإنتاج فوسائل ضرورية وحاجية للاستخلاف في الأرض.
وأما علوم النهضة والتكنولوجيا؛ فلأنها موصلة إلى تمام القوة والتمكين في الأرض، وهذا مقصود شرعي (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
стр. 80
الفقه الطبي
* (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢)
* «من تصدق بشيء من جسده كان له من الأجر بمثل ما تصدق» حديث صحيح
* «تداووا فإن الله عزوجل ما أنزل داء إلا أنزل له شفاء» حديث صحيح
* «من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» حديث صحيح
* الطب إيجاده وتعليمه وإنشاء جامعاته وكلياته ومراكز أبحاثه وتخريج المتخصصين بما يكافئ العصر وإمكاناته فرض عين على الدولة
* أيها الطبيب:
- الإنسان حمل أمانة تبرأت منها الجبال والسماوات والمخلوقات، فكيف إذا كانت تلك الأمانة التي بين يديك هي الإنسان نفسه! ؟
- المرض حالة من حالات الحياة، موضوعة لتختبر التصرفات فيها من المريض والمجتمع
- لا تكشف أسرار ما تطلع عليه من المريض؛ لأنها أمانات
* حفظ العورات وسترها من الفرائض الكبرى، ولا تُكْشف إلا للضرورة القصوى، وبقدر الضرورات فقط
стр. 81
الفقه الطبي
مهنة الطب: فرض كفاية، وما لا يقوم فرض الكفاية إلا به فهو فرض مثله؛ لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد (١)، كبناء الجامعات الطبية المتخصصة عالية التقنية، وتأهيل الأطباء بتخصصات فائقة، وتوفير مجالات البحث ومراكزه، والدراسات العليا.
والطب تتعلق به من المقاصد الستة للشريعة: حفظ النفس والنسل.
وعلى المريض التوبة النصوح فإنه في أشد الأوقات حاجة إلى الله ويُذكَّر بالله والتخلص من الذنوب، وهذا على الطبيب وغيره.
ويجب على الطبيب أمر من يمرضه بالصلاة والصيام إن رآه قصر؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن التناصح (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣).
ولا يجوز لطبيب أن يأمر المريض بترك الصلاة أو ركن منها، أو ترك الصيام. بل يشخص الحالة طبياً ويعرض المسألة فقهياً على عالم يفتي في ذلك؛ لقوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦)، ولقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧).
وأمراض النساء يجب أن تختص بها النساء في الأصل، دفعا لمفسدة كشف العورات للرجال الأجانب وإقامة لفرض الكفاية.
وتخصص له أخصائيات؛ لأن المرأة عرض، ويحرم كشف عوراتها إلا لزوج لا لغيره، ولو كان أخا أو محرما.
ولا يجوز في الحالات الجارية مجرى العاديات أن يولد المرأة إلا امرأة، ويحسن خبيرة، أو طبيبة نساء وتوليد، وللزوج توليد زوجته، ولا يجوز للرجل الأجنبي ذلك ولو كان طبيبا إلا للضرورة ولا ضرورة اليوم في ذلك؛ لكثرة طبيبات النساء، فإن تعذر ذلك وتضررت المرأة في الولادة لعسر ولادتها، ولا توجد طبيبة، أو توجد ولا يسمح زمن بالذهاب إليها فيذهب
стр. 82
بها ولو إلى طبيب أجنبي لتوليدها دفعا للضرر البالغ عنها، والضرورات تبيح المحضورات (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: ١٧٣)، وتقدر الضرورة بقدرها ولا يزاد عليها، فيكشف من المرأة ما لا بد منه للعملية أو الولادة فحسب.
ويؤمر المريض بالصدقة «داوو مرضاكم بالصدقة» (١)، وكذا الاستغفار، فإنه قوة لقوله تعالى (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود: ٥٢).
والتوبة من الذنوب قال ﷺ : «ما اختلج عرق ولا عين في ابن آدم إلا بذنب وما يدفع الله عنه أكثر» (٢).
والدعاء لله (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ) (النمل: ٦٢).
وزيارة المريض قربة عظيمة عند الله للأدلة على ذلك (٣).
стр. 83
ومن زار مريضا دعا له (١).
ويحرم على الطبيب إفشاء سر مما أطلعه عليه المريض إلا لأمر شرعي ويرجع في تقرير ذلك إلى عالم (٢).
ويحرم على المرأة أن تكشف عورتها لطبيب، وكذا رجل على طبيبة إلا في الحال الطارئ الضروري من إنقاذ حياة ونحوها.
أما في الحالات التي جرت عليها العادة وهي غير حالة الضرورة؛ فإن المرأة لا تولدها إلا المرأة، ويحرم على الرجل ولو كان محرما لها كأخ أو أب إلا الزوج.
وإذا دعت الضرورة لكشف عورة المريض فإن الضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع في هذا.
فإذا زال الداعي لذلك عادت الحرمة.
ويجب على الطبيب النصيحة للمريض والحرص على صحته وماله، فلا يكلفه ما يمكن الاستغناء عنه ولا داعي له من فحوصات، ورقود، وأدوية؛ لأن الدين النصيحة (٣).
стр. 84
وإذا اقتضى الأمر أن يدل مريضه على طبيب غيره أو مستشفى فإنه يجب ذلك؛ لأن
стр. 85
الدين النصيحة، ويجب عليه في الحالات الطارئة والضرورية أو حالة لا يمكن علاجها إلا في تلك الجهة.
ولا يجوز لطبيب أن يحيل على عيادته حال دوامه الرسمي في المستشفى مع إمكان علاجه فيه؛ لأنه إضرار به وبماله، ومال المسلم حرام إلا بحقه (١)، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢).
فإن قصد نفعه لعجز إمكانات المستشفى جاز.
وإذا اضطرت المرأة الطبيبة للعمل في مكان فيه أجانب، فإنه يجب عليها الحشمة، والحجاب، ويحرم المزاح مع الرجال الأجانب؛ لأنه من الخضوع في القول، أو الكلام الخارج
стр. 86
عن الآداب واللياقة؛ لأنه ليس من القول المعروف (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، أو الحركات الخاضعة أو إظهار الزينة ورائحة العطور أو الخلوة بأجنبي.
فإن الله حرم ذلك كله:
(فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) (الأحزاب: ٣٢)، (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١)، (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (النور: ٣١).
وزميل العمل أجنبي في كل الأحكام.
وتسمية الزميل، والصديق للمرأة قد يؤدي إلى تساهل مضر، فيكون من تلبيس الشيطان، بل هو أجنبي.
فالرجال بالنسبة للمرأة إما مَحْرَمٌ، أو زوج، أو أجنبي.
والأجانب ولو كانوا من أهل الإيمان، فالأحكام واحدة، فلا تخضع بالقول، ولا تظهر الزينة، ولا تخلو (١)، ولا تفعل كل ما يمكن فهمه منها أنه تساهل وخضوع، أو يمكن أن يفتح باب الفتنة أو الشهوات.
стр. 87
والتبرع بالدم جائز، وقد يجب لإنقاذ مضطر، بشرط عدم الضرر بالمتبرع؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، وفي الحديث «من تصدق بشيء من جسده كان له من الأجر بمثل ما تصدق» (١).
والتبرع بعضو تتعلق به حياة المتبرع محرم قطعا (٢).
стр. 88
فإن كان من الأعضاء الثنائية كالكلى حرم كذلك؛ لأن البقاء بواحدة مفض للضرر والخطر،
стр. 89
وأجاز بعض العلماء ذلك، فيجوز العمل بهذه الفتوى عند غلبة السلامة، بخلاف ما لو كانت الكلية الأخرى مشارفة على التلف، أو احتمال مشارفتها احتمالا غالبا بقول أطباء عدول فيحرم -حينئذ- إن تبرع بالأخرى (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) (النساء: ٢٩)، (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥).
وما ليس فيه خطر على الحياة من الأعضاء الزوجية، كالعين مثلا فيحتمل الجواز؛ لأنه نوع إحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
وأما ما لا يضر أصلا كالدم ونحوه فإنه جائز؛ ويجب لإنقاذ حياة آخر (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢).
وأما الأعضاء التناسلية والخصى والمبايض، فالراجح لدى المجامع الفقهية الحرمة؛ لأنه يعارض مقاصد الشريعة من حفظ العرض والنسل؛ لأن زراعة ذلك هو: إنتاج لنفس نسل
стр. 90
المتبرع في رحم غير زوجته وهذا محرم.
وإنما يجوز زراعة طفل الأنابيب من منوي الزوج إلى بويضة الزوجة، ثم وضعها في رحمها بعد ذلك.
وغيرها من الصور محرمة (١).
وإذا مات الدماغ والقلب نابض، فلا يجوز نزع أجهزة الإنعاش؛ لاحتمال الحياة على الراجح من فتوى فقهاء العصر، وهي مسألة خلافية شديدة.
стр. 91
والأصل البقاء على الحرمة، ولا تنقل إلا بيقين (١).
ويجب التعقيم التام لكل ما يستعمل من أدوات طبية.
ومن أهمل ذلك فترتب عليه انتقال مرض كالكبد، أو الإيدز أو غيرها؛ فإنه آثم ضامن لهذه الأضرار بشروطه.
ولا يجوز إسقاط الحمل ولو في بدايته وقبل تخلقه ونفخ الروح فيه؛ لأنه إهلاك للنسل وسماه الله فسادا (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
فإن كان خطرا على حياة الأم بقرار أطباء عدول من أهل التخصص فيمكن جوازه، سواء نفخ فيه الروح أم لا، لعموم قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء: ٢٣)، وليس من الإحسان قتل الأم لأجل حياة ولدها الجنين.
وإسقاطه بدون مبرر شرعي معتبر بفتوى من مؤهل إن كان قد نفخ فيه الروح وثبت حياته ففاعله مرتكبٌ لكبيرة، وتلزم الكفارة صيام شهرين متتابعين على الطبيب، وعلى الأم، وعلى الآذن، فإن لم ينفخ فيه الروح حرم وهو من الفساد (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
ومن زالت بكارتها بغير فاحشة، بل لوثبة، أو رياضة، أو حادث طريق؛ فللطبيب والجهة المعنية عمل تقرير عن الحادث يفيد ذلك حفظا لعرضها.
وجراحة التجميل إن كانت لعلاج أمر خَلْقِي على خلاف الفطرة العادية؛ فإنه يجوز؛ لأنه علاج للخلقة لا تغيير لها؛ ولأن العلاج جائز وهذا منه.
стр. 92
فإن كان لا تشويه في الخلق حرم تغييره، وهو من عمل الشيطان (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩)، ولهذا لعن المتنمصات والفالجات (١).
ولا يخلو الطبيب بامرأة أثناء المعاينة إلا بمحرمها (٢)، أو دخول نساء ثقات معها (٣).
وعند إجراء العمليات تزول الخلوة بحضور مساعدي الطبيب.
ولا تتناول أدوية على خلاف الطبيعة والجبلة كدواء رافع للنوم، أو عكسه إلا اضطرارا بإذن طبيب؛ لأن حفظ الفطرة مقصد شرعي (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠).
فجعل حفظ الفطرة والخلقة والجبلة من الدين وتبديلها خلافه.
ولأن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: ٤)، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار: ٧). وهذا عام فيشمل كل إنسان كلا وجزءا، فتعديل شيء منه خروج عن أحسن تقويم وتعديل إلى خلافه، والخروج عنه لا يكون إلا إلى الضرر، ولا يجوز إلا لعلاج ضرر (٤).
стр. 93
وتعاطي منشطات للجنس مباح إن كان لضعف؛ لأنه من التداوي، والتداوي مباح، فإن تعلق بضعفه تضرر زوجته تداوى وجوبا؛ لأن لها عليه حقا «ولزوجك عليك حقا» (١).
والحجامة مستحبة للنصوص فيها، وقد احتجم النبي ﷺ (٢)، وثبت عظيم نفعها بالنقل والتجربة والبحث الطبي الحديث.
وأثر الدم الباقي على الجروح إن تعذر إزالته عفي عنه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، وصلاته صحيحة (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨).
ونجاسة الدم قول قديم في المذاهب، ولم أجد له دليلاً صحيحاً صريحاً خالياً عن المعارضة.
والاستدلال بوصفه بالرجس في قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: ١٤٥)، لا يدل على النجاسة بل على الاستخباث؛ لأن ما ذكاه غير مسلم وصف بالرجسية في نفس الموضع، وليس بنجس، ووصف به الميسر والأزلام، ولم يقل أحد أنها نجاسة، ولأن الصحابة كانوا يصلون في جراحاتهم (٣)، ولعموم النص «إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا» (٤)، وهذا عام في سائر أجزائه وما يخرج منه إلا البول
стр. 94
والغائط للدليل الشرعي الضروري.
ولأنه لو كان بمنزلة البول والغائط لما ترك بيانه المبين، لعموم الابتلاء به؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والرقية مشروعة، وثبتت بها النصوص، ومنها الفاتحة لحديث ابن عباس في اللديغ في الصحيحين (١)، والمعوذات (٢)، والمأثورات والأدعية (٣).
وينفث الراقي، وهو نفث الهواء بلا ريق، وكل ما ينفع من الرقيا جائز ما لم تكن شركا لعموم «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٤)، والرقيا جائزة ما لم تكن شركا (٥).
стр. 95
وإذا كان في الرقية ما لا يفهم من القول فهو شعوذة وهي محرمة.
ويجوز أن يقرأ على ماء ليشربه المريض، أو يغتسل به، وكتب بعض السلف في إناء آيات من القرآن ثم صب عليها ماء وأشربها المريض (١)، عملا بعموم الإذن في النص.
ولوصفه سبحانه القرآن أنه شفاء، فيعم المعنوي والمحسوس.
والرقيا من العين والسحر أمر مشروع؛ لورود النصوص بذلك (٢).
وعمل السحر وتعليمه كفر (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٢).
وطلبه وشراؤه محبط للعمل موجب للنار (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ) (البقرة: ١٠٢).
ولا يضر إلا بإذن الله (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: ١٠٢).
ومن أدام الحفظ للصلوات، وتحصن بالمأثور صباحا ومساءً لا يضره سحر.
стр. 96
والسحر: تخييل لا حقيقة، وقد خيل لموسى (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: ٦٦)، (قَالَ أَلْقُوْا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: ١١٦).
ولما قرأ النبي ﷺ المعوذات بطل الذي رآه من السحر كما رأى موسى سحر السحرة وأبطله لما ألقى عصاه.
فلم يسحر موسى ولا محمد ﷺ بل رأيا السحر، وأوجس موسى خيفة، ولم يوجس محمد ﷺ ، وحديث البخاري في سحره ﷺ يوافق الآية في أنه رؤية للسحر لا أنه أثر على عقله.
وحد الساحر ضربة بالسيف بالنص (١).
стр. 97
ومن به سلس بول أو بها استحاضة رحم لزمهما التوضؤ لكل صلاة؛ لأمر الشرع بذلك «توضئي لكل صلاة» (١).
ونزول شيء بعد الوضوء أو خلال الصلاة لا يضر للدليل «إنها كانت تستحاض وتضع الطست تحتها وهي تصلي» (٢)، وهذه إحدى زوجاته ﷺ أمرها بذلك.
ولأن المشقة تجلب التيسير (٣)، وإذا ضاق الأمر اتسع (٤)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥).
و(لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، فهذه النصوص من المعلومات ضرورة، وهي أصل على ما ذكرنا.
ويحرم التداوي بالمحرم؛ للنص «إن الله لم يجعل دواء أمتي فيما حرم عليها» (٥).
ولأنه لو شرع التداوي بالمحرمات لدخل الخلل في التكليف بالحرمة؛ لعدم إمكان ضبط ذلك فيعود على الأصول بالإبطال، وهذا باطل فمُنِع.
стр. 98
ولا يشترط المريض الشفاء مقابل الأجر؛ لأن الطبيب باع منفعة فله أجرة ولو لم ينتفع بها المريض، كمن استأجر دارا ولم يسكنها، أو صرف له دواء لم يستعمله، وكاستئجار الأرض للإنبات ولم تنبت لعارض كقحط.
ولأن الشروط على المجهول الممكن حصوله عادة أو عدم حصوله كالشفاء للمريض لا يغير من الحكم الشرعي، وهو صحة أجرة الطبيب؛ لأن تخلف الشفاء على خلاف الأصل.
والحكم الشرعي متعلق بالعادي الأكثر لا على القليل المخالف للعادة؛ لأن العمل بالأكثر والأغلب لا بالأقل أو النادر أصل كبير في الشرع.
والقسم الطبي جائز ويجب الوفاء به (١)؛ لعموم (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة: ١٧٧)، (وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) (النحل: ٩١).
ويجب على الطبيب الصبر على مريضه؛ لأنه من مقتضى العقد معه والوفاء بالعقود ومقتضياتها واجب (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
وعلى المريض وجوبا الصبر على قضاء الله والتضرع إليه (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧).
والوصية واجبة للنص (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠).
ويحرم تبديلها أو تغييرها (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٨١).
ولا وصية إلا لمن كان عنده خير وهو المال الكثير للنص الشرطي (إِن تَرَكَ خَيْرًا) (البقرة: ١٨٠) والخير في لغة العرب هنا هو المال الوافر.
стр. 99
ومقدارها الأعلى الثلث لصراحة النهي عن ما فوقه «أتصدق بالنصف؟ قال: لا. قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير» (١).
والوصية للوالدين جائزة للنص القطعي في الآية، وللأقربين، ويشترط في الأقربين كونهم غير ورثة لحديث «لا وصية لوارث» (٢) وإنما استثنينا الوالدين تقديما للخاص على العام والقطعي على ما سواه.
стр. 100
وجمعا بين النصوص؛ لأنه أولى من دعوى النسخ مع إمكان نوع من الجمع.
ويتوضأ المريض للصلاة ويغتسل للجنابة فإن لم يستطع تيمم (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء: ٤٣).
فإن لم يستطع التيمم صلى على حاله للعموم القطعي (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (الأنعام: ١٥٢)، وهو أصل قطعي معلوم ضرورة من دين الله.
ويصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب للنص في ذلك (١).
ويستقبل القبلة، فإن لم يستطع سقط التكليف القطعي الخاص (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: ١٤٤) وقطع بالآخر (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١١٥) لعموم الأصل القطعي (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (الأنعام: ١٥٢).
فإذا عجز عن أداء الصلاة لشدة مرض قضاها حال استطاعته لعموم «دين الله أحق أن يقضى» (٢).
ولقضائه ﷺ وصحابته الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء لما اشتد عليهم الحصار في الخندق (٣).
فدل على عدم سقوطها عند العجز عنها أداءً لمانع.
стр. 101
ومن أغمي عليه صلاها إذا أفاق لحديث «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (١).
ولا فارق معتبرٌ بينهما؛ إذ هما يجتمعان في المفردات وبمعرفتها -أي المفردات- يُعرَّف النوم والإغماء.
فالنوم: ذهاب التعقل وخمول الحس والحركة طبيعة مع بقاء الحياة.
والإغماء: ذهاب التعقل وخمول الحس والحركة مع بقاء الحياة لطارئ.
وقلنا «لطارئ» ليشمل سائر الطوارئ كالمرض، أو الإعياء، أو حصول صدمة نفسية لخبر سيء مع قلة صبر.
وقلنا «ذهاب التعقل» ولم نقل خموله؛ لأن الخمول قد يحصل في خفيف نعاس أو الشعور بإعياء أو دوار ودوخة.
وذهابه إنما يكون بالنوم المستغرق، أو الإغماء.
وقلنا «خمول الحس والحركة» ولم نقل ذهاب؛ لأن حركة حس النائم والمغمى عليه باق في أدنى درجاته ولا تذهب إلا لموت.
والنوم كالموت إلا ببقاء الحياة (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأنعام: ٦٠)، فسمى النوم وفاة.
وسماه كذلك موتا (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر: ٤٢)، أي يتوفاها حين نومها فيقبضها قبضا نهائيا لمن حضر أجله وقضى عليه بالموت، ويرسل الأخرى التي لم يكتب عليها الموت في النوم إلى أجل.
فالفرق بين النوم والموت هو القبض التام، ولا فرق بينه وبين الإغماء سوى أن الإغماء طارئ.
стр. 102
والطارئ نادر خارج عن العادة فلا ينفرد بحكم، فحكمه حكم النوم.
وطول الوقت ليس بفارق؛ لأن الإغماء الطويل الخارج عن العادة كشهر كالنوم الطويل الخارج عن العادة كشهر لمرض معروف (١).
وكلاهما نادر جدا؛ لأن الإغماء -عادة- دقائق معدودة، ويندر ساعة فما فوقها، فيبقى حكم النوم على أصله، ولو طال لطارئ، وحكم الإغماء كالنوم ولو طال لطارئ.
والنوم المستغرق على العادة ناقض للوضوء «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» (٢).
وهذه العلة المنصوصة جارية في الإغماء بلا فرق.
وقلنا «النوم المستغرق على العادة»؛ لثبوت نعاس الصحابة في المسجد انتظارا للإقامة وقيامهم بعده إلى الصلاة بلا وضوء (٣)، فدل على أنه غير مستغرق.
وقلنا «على العادة»؛ ليخرج نوم الجالس ولو مستغرقا؛ لأن العلة في الحديث «العين وكاء
стр. 103
السه» ظاهرة في المضطجع المستغرق لا الجالس، والاضطجاع عادة النوم، وتعليقها بمجرد النوم خطأ؛ لأن النص معلل بعلة منصوصة يبعد وقوعها من جالس متمكن.
ويجب إسعاف المغمى عليه، وعمل ما يزيل الضرر عنه؛ لأن دفع الضرر عن النفس واجب.
ويجب ستر عورته، وحفظ ماله وخصوصياته؛ لأن «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (١)، وستر عورته من حفظ عرضه.
وإذا أغمي عليه وهو صائم نهار رمضان، فإن أفاق صح صومه؛ لأنه كالنائم، وإن لم يفق حتى غربت الشمس فكذلك؛ لأن غايته كالنائم، والنوم والصوم يجتمعان.
فإن طال الإغماء أو النوم حتى خرج عن العادة كأيام أو شهر فهو مرض عادة، وكذا في لوائح الطب، وله حكم المريض شرعا: يقضي الصلاة والصوم للنص في الصوم (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٤). ولعموم «دين الله أحق أن يقضى» (٢) في الصلاة.
وقوله تعالى (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (الأنعام: ١٥٢)، يدل على ترك التكليف أداءً وقضاءً حال انعدام الوسع كما هنا، فإذا زال المانع كالمرض والإغماء ومستديم النوم عاد الوسع. فيقضي الصوم بخصوص النص والصلاة بعموم النص، وكذا بخصوص النص في قضائه ﷺ والصحابة ما فاتهم يوم الخندق.
ولو صح الاستدلال بها على الإسقاط لسقطت في الخندق؛ لانعدام وسعهم فعلها أداء، ولسقطت على النائم؛ لانعدام استطاعته أداءً، فلما قضى النبي ﷺ وأمر النائم والناسي بالقضاء علمنا أن الوسع لازم قضاء ولو تعذر أداء.
ولم تسقط الصلاة في دين الله إلا على حائض ونفساء أداء وقضاء، ومفروضة فيما سوى
стр. 104
ذلك في حرب وسلم ومرض وصحة وسفر وحضر ونسيان ونوم وانعدام ماء أو تراب أو كليهما، وانعدام ستر للعورة، وتعذر معرفة القبلة، أو تعذر تطهير ثوب ومكان وبدن من نجس، أو قذر، أو رفع جنابة.
أو عند تعذر معرفة الأوقات، ويقدر لذلك قدره في أي زمان ومكان، ولو تخلف الزمن واضطرب فصار اليوم كسنة، أو السنة كيوم كما في حديث الدجال، فيقدر لذلك قدره بالنص (١).
فعموم التكليف وبقاؤه أداء أو قضاء قطعي، ومن ادعى استثناء أحد غير منصوص عليه قطعا فقد تعمد رفع التكليف القطعي بموهومات، ولا تسقط العبادة في دين الله أداء وقضاء إلا الصلاة على حائض ونفساء، وعن المجنون يسقط كل تعبد؛ لانحراف تعقله الحقائق؛ لخلل عقله وهو مناط التكليف.
أو صوم على مريض دام مرضه، وانعدمت استطاعته إلى الوفاة فلا عبادة عليه لا أداء ولا قضاء.
فإن صح قضى الصوم بالنص، وقضى الصلاة على الأصل (٢)، وعموم النص وخصوصه (٣)، ولو كثرت قضى ما بوسعه؛ لأن التكليف على الوسع بالنص (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦).
وتعريف الجنون: هو اضطراب التعقل واختلال العقل للداء، فهو مرض.
وقلنا «اضطراب التعقل» لا ذهابه ولا غيابه كما قلنا في النوم والإغماء؛ لأنه يعقل الأمور
стр. 105
بجميع الحواس لكن على غير الحقيقة العادية، فدل على خلل في العقل.
وقولنا «هو مرض»؛ لأنه على خلاف أصل الخلقة، وما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً.
أما السُّكْر: فهو اضطراب التعقل لطارئ بسبب محرم كخمر ومخدر، ولذا قال تعالى (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج: ٢)، مع وجود عقولهم لكن اضطرب تعقلهم أول الأمر لشدة هول الساعة، فهم سكارى في التصرف لكن حقيقة ليسوا كذلك.
فالسكران كالمجنون، ويفارقه بأنه مُسَبَّبٌ مؤقت مع سلامة عقله.
والمجنون غير مكلف لعلة اضطراب عقله وتعقله.
والسكران مكلف بالعبادات؛ لبقاء عقله، لا بالإنشاءات كالنائم والمغمى عليه.
فالنائم لو طلق، أو باع، أو تبرع، أو نطق بكفر فكله لغو وهذيان، ومثله السكران.
وأما المُتْلَفَات فهي مضمونة ولو على مجنون.
فالمجنون قتله خطأ تحمله معه العاقلة، ولا صوم عليه للكفارة؛ لارتفاع تكليفه، ولا يمكن إسقاط تضمين الدية لعلة الجنون؛ لأنه حينئذ إهدار لدمٍ، وهو لا يهدر بحالٍ، وإنما حملته معه العاقلة؛ لأنه في حكم الخطأ؛ لعدم إمكان إجراء حكم العمدية عليه؛ لأن الصارف في المجنون عن الحكم عليه بالعمدية أقوى وأولى من الصارف في عاقل مكلف مدعٍ للخطأ على خلاف الأصل، إذ الأصل العمدية، والناقل عنه البينة المعتبرة.
والسكران: الأصل بقاء عقله فإتلافاته عمد في الأموال والأنفس؛ لأن سكره دعوى؛ فإن قطع به بشهادة عدول أثبات فيحد، ويضمن الدية، ويجوز تغليظها عقوبة، ودفعا للفتنة.
أما انحراف التعقل عن الحقائق فهو الضلال، وهو غير الأقسام السابقة وصارت به خمسة أقسام: النائم، والمغمى، والمجنون، والسكران، والضال.
ويمكن هنا صياغة ضابط لجميع الحالات، وهو: اختلال العقل والتعقل يرفع التكليف قضاء وأداء وهو الجنون، واختلال التعقل مع سلامة العقل لا يرفع التكليف كالنائم والناسي والمغمى والسكران، فلزمهم القضاء.
стр. 106
والتشريح في الطب لجثة مسلم محرم شرعا؛ لأن حرمته ميتا كحرمته وهو حي «كسر عظم ميت ككسره وهو حي» (١).
ولأن تكريم الإنسان مقصد شرعي (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠)، وهذا عامٌّ في الحياة والممات، والتشريح ليس من التكريم.
وعندي امتناع في تشريح جثة غير مسلم ولو حربيا؛ لأنه كالمثلة، وهي محرمة لذاتها، فهي علة ذاتية مستقلة حتى لا يقال إن العلة خوف المجازات بالمثل في الحرب.
ولذا امتنع رسول الله ﷺ عن المثلة لجثة حربي كافر في الحرب مع تمثيلهم بمسلمين مع أن العموم ظاهر في (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
فتركه ذلك دليل على قصد المنع منها، ولمخالفٍ العمل بفتوى غير هذه.
ويجوز تشريح حيوان من الأنعام لجواز ذبحه وتقطيعه وهو أبلغ من التشريح.
ويجوز كذلك من غير الأنعام تشريح حيوان؛ لأن التشريح من وسائل المداواة؛ لدفع الضرر البالغ عن البشر، وكل ما في الأرض خلق لنفعه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩)، ومن أعظم منافعه المداواة، ومن أهم وسائلها التشريح للحيوان فجاز؛ لأن للوسائل أحكام ما تُوُسِّلَ بها إليه، ولقوله تعالى في المسائل التي لم ينص على حرمتها (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، فدل على جواز الانتفاع بها تشريحا للتعلم وللتجارب.
ولجواز صيدها للانتفاع بجلدها أو عظمها في لبس وأثاث وزينة، فمن باب أولى تشريحها للطب.
وعمل تجارب على الفئران والخنازير وغيرها جائز من هذا الباب؛ لعموم خلق ما في الأرض لمنافع الإنسان (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).
стр. 107
وإرجاع يد سارق قطعت في سرقة بحدٍ لا شبهة فيه لا يجوز؛ لأنه خلاف مقصد الشرع من النكال به (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة: ٣٨).
ويحتمل الجواز؛ لأنه مداواة وهي جائزة في قصاص الجروح بعد الاقتصاص بالمثل، ولأن النكال وقع بمجرد القطع، فالمداواة لم تعارض مقصدا ووافقت مثلا مشروعا في مداواة القصاص في الجرح.
والاستنساخ محرمٌ لما فيه من تغيير الخِلقة والعبث بها ولما يؤدي إليه من مفاسد كارثية على البشرية، وما أدى إلى ذلك فهو محرمٌ؛ لأنه من الفساد في الأرض.
ويستثنى من ذلك حالة الاستنساخ العلاجي الذي لا ضرر فيه على أصل الخِلقة البشرية.
والأصل أن حكم الاستنساخ هذا -أعني التحريم- جارٍ في الاستنساخ البشري أو الحيواني؛ لأن من مقصودات الشرع الحنيف حفظ خلق الله على أصل خلقتها بالنص.
والهندسة الوراثية لمعرفة الداء والدواء علم نافع من الطب، فجاز ويحرم استعماله في تغيير الخلقة عن طبيعتها؛ لعموم (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠).
فحرم تغيير الخلق وأكده بأن هذا الحكم هو الدين القيم.
وجعل تغيير الخلق من فعل الشيطان (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩).
والنهي عن النامصة والفالجة والواصلة من هذا الباب (١).
ومعرفة النسب لمتنازع بين أطراف يدّعونه جائز بالقيافة (٢).
стр. 108
وأولى منها بفحص الخصائص الوراثية المعلومة لدى خبراء علم الوراثة.
أما إن كان عن زنى فلا حكم في الإلحاق بالنسب، بل يلحق بأمه، لتوقف الشرع عن بناء الحكم على ذلك، ولو مع معرفة صفاته (١) في هذا الباب، ولذلك لا يثبت الزنى بفحص المني ولا بالحمض الوراثي ولا بالقيافة.
وضرب الإبر الوريدية والعضلية لا يؤثر في الصيام؛ لأنه ليس بغذاء ولا في معناه، فإن كان العلاج عبر الوريد للتغذية أفطر، وبخاخ الربو لمحتاج إلى استعماله في نهار الصيام لا يضر، وكذا الحقنة الشرجية، وقطرة العين والأذن.
ومن ادعى أنها مفطرات لم يأت بحجة بينة معتبرة من الكتاب والسنة (٢).
الصحة النفسية ..
ويجب على المكلف أن يحافظ على صحته النفسية لما في ذلك من دفع الأضرار البالغة على النفس والحياة، ودفع المفاسد والأضرار واجب، وهي إحدى مقصودات الشرع العظيم، ولعموم (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥).
واليأس والقنوط من المحرمات الشرعية لما لهما من المفاسد العظيمة على المكلف وتقلبه في الحياة (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: ٨٧)، (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ) (الحجر: ٥٦).
وقد تؤثر الأحوال النفسية على الصحة فتتلف بعض الأعضاء (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: ٨٤)، وهذا النوع من الحزن محرم في شريعتنا.
وقد استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال لما يترتب عليها من المفاسد والأضرار على الحياة.
ونهى الله رسوله عن الحزن والتحسر والضيق ولو كان حرصا على إيمان بعض الكفار (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: ٨)، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل: ١٢٧)، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٣).
وحارب الخوف والمخاوف في كثير من النصوص (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٧٥)، (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه: ٤٦).