← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»

стр. 282

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا» ⦗٣١٧⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ غَيْرَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فَاجْتَزَأْنَا بِهِمَا لِصِحَّتِهِمَا وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِمَا

стр. 283

قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ شَدَّادٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ وَبَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَحَيَّرَ فِي مَعْنَاهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مَا يَبْعُدُ أَوْ لَا يَجُوزُ فَقَالَ مَعْنَى بَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ عَلَى الْمَجَازِ أَيْ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا فَقِيلَ لَهُمَا عَمَّتَانِ كَمَا قِيلَ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ قَالَ وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ مِثْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ قَالَ وَفِي الْأَوَّلِ حَذْفٌ أَيْ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَهَذَا مِنَ التَّعَسُّفِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُسْمَعُ بِمِثْلِهِ وَفِيهِ أَيْضًا مَعَ التَّعَسُّفِ أَنَّهُ يَكُونُ كَلَامًا مُكَرَّرًا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى نَهْيٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ يَعْنِي بِهِ الْعَمَّةَ وَبِنْتَ أَخِيهَا صَارَ الْكَلَامُ مُكَرَّرًا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَبَيْنَ الْخَالَةِ وَلَيْسَ كَذَا الْحَدِيثُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَالْوَاجِبُ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَمَّةُ الْأُخْرَى وَالْأُخْرَى خَالَةُ الْأُخْرَى وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ يَكَوْنُ رَجُلٍ وَابْنِهِ تَزَوَّجَا امْرَأَةً وَابْنَتَهَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِنْتَ وَتَزَوَّجَ الِابْنُ الْأُمَّ فَوُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةٌ مِنْ هَاتَيْنِ الزَّوْجَتَيْنِ، فَابْنَةُ الْأَبِ عَمَّةُ ابْنَةِ ⦗٣١٨⦘ الِابْنِ وَابْنَةُ الِابْنِ خَالَةُ ابْنَةِ الْأَبِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَالَتَيْنِ فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَا امْرَأَتَينِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَالَةُ صَاحِبَتِهَا وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ تَزَوَّجَ ابْنَةَ رَجُلٍ وَتَزَوَّجَ الْآخَرُ ابْنَتَهُ فَوُلِدَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةٌ فَابْنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَالَةُ الْأُخْرَى وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ فَيُوجِبُ أَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَمَّةُ الْأُخْرَى وَذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَجُلٌ أُمَّ رَجُلٍ وَيَتَزَوَّجُ الْآخَرُ أُمَّ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةٌ فَابْنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّةُ الْأُخْرَى ⦗٣١٩⦘ فَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَقِيلَ الْحِكْمَةُ السُّنَّةُ ثُمَّ قَاسَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا فَقَالُوا: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا رَجُلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ فِي الْآيَةِ

стр. 284

مَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُحَرِّمُ الرَّضَاعَةُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ اجْتَزَأْنَا بِهَذَا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا تَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَطْ ⦗٣٢٠⦘ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا عَائِشَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَنْهُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِيَسِيرٍ نَحْوَ الشَّهْرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَالَ زُفَرُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسِنَةٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى الرَّضَاعُ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ بِمَعْنًى وَاحِدٌ فَمِمَّنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ عَائِشَةُ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَكَانَ يُفْتِي بِهِ قَالَ ⦗٣٢١⦘ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ تُرِيدُ الْحَجَّ وَلَيْسَ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَقَالَ امْضِي إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَتُرْضِعَكَ فَيَكُونُ زَوْجُهَا أَبَاكِ فَتَحُجِّي مَعَهُ وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ "

стр. 285

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَمِعْنَاهُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَيَّ إِذَا دَخَلَ سَالِمٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَأَرْضِعِيهِ» قَالَتْ: كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ قَالَ: أَلَسْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ؟ " ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدُ شَيْئًا أَكْرَهُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ لَا غَيْرُ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَفْيُ مَا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ إِنَّمَا فِيهِ إِزَالَةُ كَرَاهَةٍ فَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: لَمْ تَزَلْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُومُ بِرَضَاعِ ⦗٣٢٢⦘ الْكَبِيرِ مَعْرُوفًا ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَسْرُوقًا رَوَى عَنْ عَائِشَةَ: كُنَّ عَشْرَ رَضَعَاتٍ نَزَلْنَ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ ثُمَّ نُسِخْنَ وَرَوَى أَيْضًا، مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ مَعْنَى هَذَا إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ لِلصَّبِيِّ الَّذِي إِذَا جَاعَ أَشْبَعَهُ اللَّبَنُ وَنَفَعَهُ مِنَ الْجُوعِ فَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا رَضَاعَةَ لَهُ

стр. 286

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ، رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» ⦗٣٢٣⦘ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا بَعْدَ اجْتِمَاعِ مَنْ تَقُومُ بِهِ ⦗٣٢٤⦘ الْحُجَّةُ أَنَّ الْمُتْعَةَ حَرَامٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَتَوْقِيفِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَوْلُهُ لَهُ إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ " وَلَا اخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ وَسَنَذْكُرُ ⦗٣٢٥⦘ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ قَوْمٌ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً هُوَ النِّكَاحُ بِعَيْنِهِ وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْمُتْعَةَ قَطُّ فِي كِتَابِهِ فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ

стр. 287

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] قَالَ: «النِّكَاحُ»

стр. 288

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] قَالَ: «النِّكَاحُ» وَكَذَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَسَنَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ وَشَرْحِهِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: كَانَتِ الْمُتْعَةُ حَلَالًا ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَهُوَ يَرْوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ وعُرْوَةَ

стр. 289

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ ⦗٣٢٦⦘، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] قَالَ: " نَسَخَتْهَا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] يَقُولُ: الطَّلَاقُ لِلطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ "

стр. 290

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: «نَسَخَتِ الْمُتْعَةُ آيَةَ الْمِيرَاثِ يَعْنِي وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجِكُمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا مِيرَاثَ فِيهَا فَلِهَذَا قَالَ بِالنَّسْخِ وَإِنَّمَا الْمُتْعَةُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَتَزَوَّجُكِ يَوْمًا أوْ مَا أَشْبَهَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَنَا وَلَا طَلَاقَ وَلَا شَاهِدَ يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ﵁: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ مُتْعَةً إِلَّا غَيَّبْتُهُ تَحْتَ الْحِجَارَةِ

стр. 291

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُذَاكِرُنِي: «يَقُولُونَ بِالْمُتْعَةِ هَؤُلَاءِ فَهَلْ رَأَيْتَ نِكَاحًا لَا ⦗٣٢٧⦘ طَلَاقَ فِيهِ وَلَا عِدَّةَ لَهُ وَلَا مِيرَاثَ فِيهِ؟» قَالَ: وَقَالَ لِيَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، " كَيْفَ يَجْتَرِئُونَ عَلَى الْفُتْيَا بِالْمُتْعَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٦] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ تُطَلَّقُ وَلَا تَعْتَدُّ وَلَا تَرِثُ فَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ النَّاسِخُ لِلْمُتْعَةِ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 292

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ يَقُولُ لِابْنِ ⦗٣٢٨⦘ عَبَّاسٍ إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ فَاجْتَزَأْنَا بِهَذَا لِصِحَّتِهِ وَلِجَلَالَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَأَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا خَاطَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِهَذَا لَمْ يُحَاجِجْهُ فَصَارَ تَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ إِجْمَاعًا لِأَنَّ الَّذِينَ يُحِلُّونَهَا اعْتِمَادُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ قَوْمٌ نُسِخَتِ الْمُتْعَةُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَدْ رَوَى، الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ، أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «حَرَّمَ الْمُتْعَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ» فَقَدْ صَحَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ التَّحْرِيمُ وَلَمْ يَصِحَّ التَّحْلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ النِّكَاحُ عَلَى أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ قَدْ رَوَى عَنْ، أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ «اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ» قَالَ: «وَالِاسْتِمْتَاعُ عِنْدَنَا يَوْمَئِذٍ التَّزَوُّجُ»

стр. 293

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ⦗٣٢٩⦘ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] يَقُولُ: " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَنَكَحَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ كُلُّهُ وَالِاسْتِمْتَاعُ النِّكَاحُ قَالَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] " فَبَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ هُوَ النِّكَاحُ بِأَحْسَنِ بَيَانٍ، فَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِمَّنْ قَدْ تَزَوَّجْتُمُوهُ بِالنِّكَاحِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْطُوهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا إِلَّا أَنْ تَهَبَهُ أَوْ تَهَبَ مِنْهُ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَمَنِ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ، وَمَا بِمَعْنَى مَنْ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْ دُخُولٍ بِالْمَرْأَةِ فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا أَوِ النِّصْفُ إِنْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] فَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْجُهَّالِ الْمُجْتَرِئِينَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَرَضِيَتْ بِذَلِكَ زَادَتْهُ وَزَادَهَا، وَهَذَا الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمِنْ أَصَحِّ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يَتَرَاضَيَا بَعْدَمَا انْقَطَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ الصَّدَاقِ أَنْ تَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَنْقُصُهُ مِنْهُ أَوْ يَزِيدُهَا فِيهِ ⦗٣٣٠⦘، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ نَاسِخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ غَيْرَ نَاسِخَةٍ وَلَا مَنْسُوخَةٍ

стр. 294

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَمِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِسْنَادًا وَأَجَلَهُ قَائِلًا

стр. 295

مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: " كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تُوَرِّثُ الْأَنْصَارَ دُونَ رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِي مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ مِنَ النَّصْرِ وَالنُّصْحِ وَالرِّفَادَةِ وَيُوصِي لَهُ وَهُوَ لَا يَرِثُ " ⦗٣٣٢⦘ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَحُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ وَأُدْخِلَ فِي الْمُسْنَدِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ وَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] نَاسِخًا لِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَأَنْ يَكُونَ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] غَيْرَ نَاسِخٍ وَلَا مَنْسُوخٍ وَلَكِنْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَنُبَيِّنُ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَلَكِنْ مِمَّنْ قَالَ: الْآيَةُ نَاسِخَةٌ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ

стр. 296

كَمَا حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، سَمِعَ الزُّهْرِيَّ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: " الْحُلَفَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَنَزَعَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِيرَاثَهُمْ وَأَثْبَتَ لَهُمُ الْوَصِيَّةَ " وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانُوا يَتَوَارَثُونَ حَتَّى أُزِيلَ ذَلِكَ ⦗٣٣٣⦘ وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ

стр. 297

كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَرِثَهُ الْآخَرُ فَنَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ» وَقَالَ قَتَادَةُ " كَانَ يَقُولُ تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ فَنَسَخَهَا ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] " وَقَالَ الضَّحَّاكُ: «كَانُوا يَتَحَالَفُونَ وَيَتَعَاقَدُونَ عَلَى النُّصْرَةِ وَالْوِرَاثَةِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ نَصِيبِ ابْنِهِ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالْمَوَارِيثِ» وَمَثَلُ هَذَا أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشْرُوحًا

стр. 298

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] " كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ وَرِثَهُ الْآخَرُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] ⦗٣٣٤⦘ قَالَ يَقُولُ: «يُوصِي لَهُ وَصِيَّةً فَهِيَ جَائِزَةٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ» وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ

стр. 299

كَمَا قُرِئَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْجَوْزِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: «مِنَ الْعَقْلِ وَالْمَشُورَةِ وَالرِّفْدِ» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مِنَ الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُحْمَلُ النَّسْخُ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ الْمَعْنَى إِلَّا بِهِ وَمَا كَانَ مُنَافِيًا فَأَمَّا مَا صَحَّ مَعْنَاهُ وَهُوَ مَتْلُوٌّ فَبَعِيدٌ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْعِلَّةُ الْأُخْرَى الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّحِيحُ الْإِسْنَادِ

стр. 300

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ⦗٣٣٥⦘: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شِدَّةً» فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحِلْفَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَتَبَيَّنَ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَقَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ فِي النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْعَوْنِ وَالرِّفْدِ وَيَكُونُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَسَخَتْهَا يَعْنِي ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالتَّبَنِّي وَتَوَارَثُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِالْإِخَاءِ ثُمَّ نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ فَرَائِضُ اللَّهِ بِالْمَوَارِيثِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ

стр. 301

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي النَّاسِخِ لَهَا

стр. 302

فَمِنْ ذَلِكَ مَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ: " نَسَخَتْهَا ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] " الْآيَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَيَكُونُ عَلَى هَذَا قَدْ نُسِخَتِ الْآيَةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَكُونُونَ أُمِرُوا بِأَلَّا يُصَلُّوا إِذَا سَكِرُوا ثُمَّ أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنْ ⦗٣٣٧⦘ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ مَا يَقْرَءُونَ وَمَا يَفْعَلُونَ فَعَلَيْهِمِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانُوا يَعْقِلُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وَهَذَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَأَمَّا بَعْدَ التَّحْرِيمِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَفْعَلُوا ذَلِكَ أَعْنِي مِنَ الشُّرْبِ فَإِنْ فَعَلُوا فَقَدْ أَسَاءُوا وَالْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ وَاحِدٌ إِلَّا الزِّيَادَةَ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ الْمُسْكِرِ لِأَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَ صَارَ نَجِسًا فَهَذَا قَوْلٌ

стр. 303

وَقَدْ رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ: «فِي الْمَسَاجِدِ» وَتَقْدِيرُ هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ لَا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ مِثْلَ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]

стр. 304

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ: «فَكَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْرَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ نُسِخَتْ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «نُسِخَتْ بِتَحْرِيمِ ⦗٣٣٨⦘ الْخَمْرِ» وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ الضَّحَّاكُ قَالَ: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] مِنَ النَّوْمِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِتَوَاتُرِ الْآثَارِ بِصِحَّتِهِ

стр. 305

كَمَا قُرِئَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْجَوْزِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: " دَعَانَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَصَلَى بِنَا الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَلَبِسَ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا لَيْسَ مِنَ النَّوْمِ فِي شَيْءٍ مَعَ التَّوْقِيفِ فِي نُزُولِ الْآيَةِ ⦗٣٣٩⦘ وَقَدْ عَارَضَ مُعَارِضٌ فَقَالَ: كَيْفَ يَتَعَبَّدُ السَّكْرَانُ بِأَلَّا يَقْرَبَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَهُوَ لَا يَفْهَمُ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، وَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَعَبَّدَ أَلَّا يُسْكِرَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ وَالْجَوَابُ الْآخَرُ وَهُوَ أَصَحُّهُمَا أَنَّ السَّكْرَانَ هَاهُنَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَزُلْ فَهْمُهُ، وَإِنَّمَا خُدِّرَ جِسْمُهُ مِنَ الشُّرْبِ وَفَهْمُهُ قَائِمٌ فَهُوَ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ فَأَمَّا مَنْ لَا يَفْهَمُ فَقَدْ خَرَجَ إِلَى الْخَبْلِ وَحَالِ الْمَجَانِينَ فَهَذَا لَمْ يَزَلْ مَكْرُوهًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ زَادَهُ الْإِسْلَامُ تَوْكِيدًا كَمَا رُوِيَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: " مَا سَكِرْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَلَا تَغَيَّبْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ وَلَا مَسِسْتُ ذَكَرِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ فَالْإِسْلَامُ حَجَزَكَ فَمَا بَالُ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أَكُونَ لُعْبَةً لِأَهْلِي " فَيَكُونُ الْمَنْسُوخُ مِنَ الْآيَةِ التَّحْرِيمَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَالْبَيِّنُ فِي الْآيَةِ التَّاسِعَةِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ

стр. 306

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْقِتَالِ

стр. 307

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] الْآيَةَ قَالَ: " نَسَخَتْهَا بَرَاءَةٌ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] "

стр. 308

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] قَالَ: " ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَنَبَذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ نُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] "

стр. 309

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ⦗٣٤١⦘، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] قَالَ: " نَسَخَتْهَا بَرَاءَةٌ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ نَسَخَهَا الْجِهَادُ وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ [النساء: ٩٠] أَي يَتَّصِلُونَ أَيْ يَنْتَمُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَيْ يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمْ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: [البحر الطويل] إِذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ أَبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالْأُنُوفُ رَوَاغِمُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَظَرَ أَنْ يُقَاتَلَ أَحَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ نَسَبٌ وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْسَابٌ وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا الْجَهْلِ الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ أَنَّ النَّاسِخَ لَهُ بَرَاءَةٌ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ بَعْدَ الْفَتْحِ وَبَعْدَ أَنِ انْقَطَعَتِ الْحُرُوبُ وَإِنَّمَا يُؤْتَى هَذَا مِنَ الْجَهْلِ بِقَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ⦗٣٤٢⦘ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَحَمْلِهِ عَلَى الْمَعْقُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، وَأُولَئِكَ الْقَوْمُ خُزَاعَةُ صَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ وَمَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ فَدَخَلَ فِي الصُّلْحِ مَعَهُمْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُمْ ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أَيْ وَإِلَّا الَّذِينَ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ وَهُمْ بَنُو مُدْلِجٍ وَبَنُو خُزَيْمَةَ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ بَنِي مُدْلِجٍ وَحَصِرَتْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وَقِيلَ حُذِفَتْ مِنْهُ قَدْ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ دُعَاءً فَمُخَالِفٌ لِقَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ أَلَّا يُقَاتَلُوا فَكَيْفَ يَدَّعِي عَلَيْهِمْ وَقِيلَ الْمَعْنَى: أَوْ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أَيْ لَسَلَّطَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَالَّذِينَ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ ⦗٣٤٣⦘ صُدُورُهُمْ، أَيْ وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَاقْبَلُوا أَمْرَهُ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] أَيِ الصُّلْحُ ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] أَيْ طَرِيقًا إِلَى قَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا كُلُّهُ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَنَبَذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] ثُمَّ لَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْقَتْلُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ فَقَالُوا فِيهَا خَمْسَةَ أَقْوَالٍ

стр. 310

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: لَا تَوْبَةَ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا وَبَعْضُ مَنْ قَالَ هَذَا قَالَ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ فَهَذَا قَوْلٌ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَوَعِيدٌ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مُتَوَلٍّ عِقَابَهُ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ النَّارَ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ الْمَعْنَى فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ التَّقْدِيرُ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ فَهَذَا جَزَاؤُهُ لِأَنَّهُ كَافِرٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لِلْقَاتِلِ مَرْوِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ

стр. 311

عَبَّاسٍ

стр. 312

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي خَالِدٌ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ جَهْمِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ، خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ، أَبِيهِ، زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] عَجِبْنَا لِلِينِهَا فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي النِّسَاءِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] حَتَّى فَرَغَ

стр. 313

وقُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: " هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَقَالَ هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]

стр. 314

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى فَقَالَ: " وَأَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَقَدْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا يَقُولُ أَيْ رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي» ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ مَا نَسَخَهَا

стр. 315

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»

стр. 316

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ⦗٣٤٨⦘: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ يَحْتَجُّ بِهَا أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» وَعَنْهُ ﵇: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» وَمَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَائِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " جَلَّ وَعَزَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ لَهُ تَوْبَةً قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 317

كَمَا قُرِئَ عَلَى بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَو سَالِمٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا؟ قَالَ: «أَأَنْتَ قَتَلْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «تُبْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ يَتُبْ عَلَيْكَ»

стр. 318

وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوْبَةٌ؟» قَالَ: «لَا إِلَّا النَّارَ» قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ أَهَكَذَا كُنْتَ تُفْتِينَا كُنْتَ تُفْتِينَا أَنَّ لِمَنْ قَتَلَ تَوْبَةً مَقْبُولَةً قَالَ: «إِنِّي لَأَحْسِبُهُ رَجُلًا مُغْضَبًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا قَالَ فَبَعَثُوا فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ حُجَجُهُمْ ظَاهِرَةٌ مِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْأَخْبَارَ لَا يَقَعُ فِيهَا نَسْخٌ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْضًا فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنِي الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ وَعَنْهُ نَسَخَتْهَا الَّتِي فِي النِّسَاءِ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى نَسَخَتْهَا نَزَلَتْ بِنُسْخَتِهَا ⦗٣٥٠⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ كَمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أَنَّ الَّتِيَ فِي الْفُرْقَانِ نَزَلَتْ بَعْدَهَا أَوْ يَكُونُ هَذَا وَتَكُونُ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ نَزَلَتْ بَعْدَهَا أَوْ تَكُونَا نَزَلَتَا مَعًا وَلَيْسَ ثَمَّ قِسْمٌ رَابِعٌ فَإِنْ كَانَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ فَهِيَ مُبَيِّنَةٌ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] مَبْنِيٌّ عَلَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَإِنْ كَانَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ فَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا فَإِنْ كَانَتَا نَزَلَتَا مَعًا فَإِحْدَاهُمَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأُخْرَى وَهَذَا بَابٌ مِنَ النَّظَرِ إِذَا تَدَبَّرْتَهُ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا مَدْفَعَ لَهُ مَعَ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يُنَازَعُ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَإِنِّي لِغِفَارَ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ فَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا يَقُولُ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ مَعْنَى هَذَا ⦗٣٥١⦘ وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مِجْلَزٍ إِنَّ الْمَعْنَى إِنْ جَازَاهُ فَالْغَلَطُ فِيهِ بَيِّنٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٦] وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مَعْنَاهُ إِنْ جَازَاهُمْ وَهُوَ خَطَأٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ بَعْدَهُ ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى جَازَاهُ وَأَمَّا الْقَوْلُ الْخَامِسُ إِنَّ الْمَعْنَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ فَغَلَطٌ لِأَنَّ مَنْ عَامٌّ لَا يُخَصُّ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ أَوْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُقَالُ إِنَّهُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ ارْتَدَّ ⦗٣٥٢⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ عَشْرُ آيَاتٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ ذَكَرَ آيَةً سِوَى هَذِهِ الْعَشَرِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا لَمْ أُفْرِدْ لَهَا بَابًا لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أَنَّهَا نَاسِخَةٌ وَلَا مَنْسُوخَةٌ وَلَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَيْنِكَ فَنَذْكُرُ قَوْلَهُ وَلَيْسَ يَخْلُو أَمْرُهَا مِنْ إِحْدَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ لَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ نَسْخٌ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ يَحْتَجُّ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] قَالَ فَكَانَ فِي هَذَا مَنْعٌ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي الْخَوْفِ ثُمَّ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَصَرَ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ آمِنٌ مَا كَانَ النَّاسُ فِي السَّفَرِ، فَجَعَلَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ نَاسِخًا لِلْآيَةِ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَنْعٌ لِلْقَصْرِ فِي الْأَمْنِ وَإِنَّمَا فِيهَا إِبَاحَةُ الْقَصْرِ فِي الْخَوْفِ فَقَطْ وَالْجِهَاتُ الَّتِي فِيهَا عَنِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُنَّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ حُدُودِهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ وَذَلِكَ تَرْكُ إِقَامَةِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَأَدَاؤهَا كَيْفَ أَمْكَنَ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَمُسْتَدْبِرَهَا وَمَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي حَالِ الْحَرْبِ وَهِيَ حَالُ الْخَوْفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَهَكَذَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذَا قَوْلٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ⦗٣٥٣⦘ بِأَنَّ بَعْدَهُ ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] فَإِقَامَتُهَا إِتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَسَائِرِ فَرَائِضِهَا وَتَرْكُ إِقَامَتِهَا فِي غَيْرِ الطُّمَأْنِينَةِ هُوَ تَرْكُ إِقَامَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمِنَ الْجِهَاتِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا: قَصْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ لَيْسَ بِقَصْرٍ لِأَنَّ فَرْضَهَا رَكْعَتَانِ وَمِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيٍنِ ثُمَّ أَتَمَّتْ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَأَقَرَّتْ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِحَالِهَا عَائِشَةُ ﵂ ⦗٣٥٤⦘، وَمِمَّنْ قَالَ صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ حُذَيْفَةُ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 319

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْمُقْرِئِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ لِلْمُقِيمِ أَرْبَعًا وَلِلْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ مَقْصُورَةً مِنْ أَرْبَعٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَصَلَاةُ السَّفَرِ فِي الْأَمْنِ رَكْعَتَانِ مَقْصُورَةً فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا بِالْقُرْآنِ وَلَا بِنَسْخٍ لِلْقُرْآنِ

стр. 320

وَيَدُلُّكَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا قُرِئَ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١] مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَقَدْ زَالَ الْخَوْفُ فَمَا بَالُ ⦗٣٥٥⦘ الْقَصْرِ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمْ يَقُلْ ﵇ قَدْ نُسِخَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا نَسَبُهُ ﵇ إِلَى الرُّخْصَةِ فَصَحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ قَصْرُ صَلَاةِ السَّفَرِ بِالسُّنَّةِ وَقَصْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يُقَالُ مَنْسُوخٌ لِمَا ثَبَتَ فِي التَّنْزِيلِ وَصَحَّ فِيهِ التَّأْوِيلُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ أَوْ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ
следующие страницы →