← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَرُمِيَ رَمْيَةً عَلَى كَتِفِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ⦗٢٨٨⦘ " وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِمَا تَقَدَّمَ يِكَوْنُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا كَانَا فَنَزَلَتِ الْآيَةُ

стр. 247

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ السَّبْيِ تَقُولُ قَدْ سُبِيَ الْعَرَبُ ثُمَّ تَحَوَّلُ فَحَوَّلَ قَفَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَشَفَ اسْتَهُ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَنَهُ وَدَعَا عَلَيْهِ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ثُمَّ أَسْلَمَ الرَّجُلُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ

стр. 248

وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ سَالِمًا هُوَ الَّذِي وَصَلَهُ عَنْ أَبِيهِ وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ أَنَّ الرَّجُلَ أَسْلَمَ فَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ شَيْئًا وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ يَتُوبُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُعَجِّلُ الْعُقُوبَةَ لِمَنْ يَشَاءُ وَالتَّقْدِيرُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ دُونَكَ وَدُونَهُمْ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَتُوبُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنْ لَا نَاسِخَ وَلَا مَنْسُوخَ فِي هَذَا

стр. 249

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، قَالَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ حِينَ كُسِرَ رَبَاعِيَتُهُ وَدَمِيَ وَجْهُهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا يَبْلُغُ الْحَوْلَ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا» قَالَ فَمَا بَلَغَ الْحَوْلَ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ

стр. 250

سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ وَتَفْسِيرٌ وَنَحْوٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّسْخِ فَإِنَّهَا عَلَى مَذْهَبِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ نَاسِخَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَبُرْهَةٍ مِنَ الْإِسْلَامِ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ مِنَ الْحَرَائِرِ فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَمَلِ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ أَرْبَعٍ وَنَسَخَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ كَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرَةُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ مَنْ قَدْ تَزَوَّجَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمِنْهُنَّ مَنْ قَدْ تَزَوَّجَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ حَتَّى سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْيَتَامَى فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] أَيْ تَعْدِلُوا ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] أَيْ فَكَمَا خِفْتُمْ فِي الْيَتَامَى فَخَافُوا فِي نِكَاحِ النِّسَاءِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ قَالَ: يُخَلِّي مِنْهُنَّ سِتًّا وَيُمْسِكُ أَرْبَعًا مِنَ اللَّوَاتِيِ تَزَوَّجَ بَدْءًا فَبَدْءًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَإِنِ احْتُجَّ بِالْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَيَّرَ غَيْلَانَ فَقَالَ: «اخْتَرْ أَرْبَعًا» قِيلَ لِلْمُحْتَجِّ بِهَذَا إِنَّ غَيْلَانَ تَزَوَّجَ عَشْرًا وَذَلِكَ مُبَاحٌ فَكَانَ

стр. 251

الْعَشْرُ مُبَاحَاتٍ فَلَمَّا رُفِعَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ اخْتَرْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا كَلَامٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وأَبَا حَنِيفَةَ يُخِيِّرُونَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ يُحَرِّمُونَ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ

стр. 252

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ⦗٢٩٣⦘ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَسْلَمَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ»

стр. 253

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: أَسْلَمْتُ وَكَانَ تَحْتِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثَمَانِي نِسْوَةٍ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَخَلِّ سَائِرَهُنَّ» فَفَعَلْتُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَعْنَى مَثْنَى فِي اللُّغَةِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثُلَاثٍ ثَلَاثًا ⦗٢٩٤⦘ ثَلَاثًا هَذَا قَوْلُ الْخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وَالْكِسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ وَلِهَذَا لَمْ يُصْرَفْ، وَقِيلَ مَعْدُولٌ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ فَيُعَارِضُ مُعَارِضٌ بِأَنْ يَقُولَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ تِسْعٌ وَأَيْضًا فَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُصَحَاءِ اشْتَرِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ تِسْعًا لَكَانَ الْمَعْنَى انْكَحُوا تِسْعًا أَوْ وَاحِدَةً وَكَانَ مَحْظُورًا مَا بَيْنَ ذَيْنِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ احْتِجَاجَاتٌ قَاطِعَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي تَوْقِيفِ الرَّسُولِ ﷺ كِفَايَةٌ مَعَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى غَلَطٍ وَلَا خَطَأٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ

стр. 254

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ مُخَاطِبًا لِلْأَوْصِيَاءِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] فَمَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَحَكَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: لَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا إِذَا كَانَ مُقِيمًا مَعَهُ فِي الْمِصْرِ فَإِنِ احْتَاجَ أَنْ يُسَافِرَ مِنْ أَجْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلَا يَقْتَنِي شَيْئًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ

стр. 255

وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] ، قَالَ نُسِخَ: الظُّلْمُ وَالِاعْتِدَاءُ وَنَسَخَتْهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ⦗٢٩٦⦘ " ثُمَّ افْتَرَقَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ فِرَقًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنِ احْتَاجَ الْوَصِيُّ فَلَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعُبَيْدَةَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَاسْتَشْهَدَ عُبَيْدَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ بِأَنَّ بَعْدَهُ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]

стр. 256

كَمَا قُرِئَ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ غُلَيْبِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ يَرْفَأَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «يَا يَرْفَأُ إِنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللَّهِ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيمِ، إِنِ احْتَجْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُهُ، وَإِنِّي إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَمْرًا عَظِيمًا» ⦗٢٩٧⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ عُبَيْدَةُ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِلَّا قَرْضًا وَاسْتَشْهَدَ بِأَنَّ بَعْدَ هَذَا ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ

стр. 257

كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «يَسْتَلِفُ وَالِي الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ فَإِذَا أَيْسَرَ رَدَّهُ»

стр. 258

قَالَ رَوْحٌ وَحَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ سَعِيدٍ، ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالَ: «قَرْضًا» ، وَفُقَهَاءُ الْكُوفِيِّينَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا يَجْنِي مِنَ الْغَلَّةِ فَأَمَّا الْمَالُ النَّاضُّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِقْدَارَ قُوتِهِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ

стр. 259

كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ ⦗٢٩٨⦘: «إِذَا احْتَاجَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذَا أَيْسَرَ قَضَاؤُهُ وَالْمَعْرُوفُ قُوتُهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ

стр. 260

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالَ: «مَا سَدَّ الْجُوعَةَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ وَلَيْسَ يَلْبَسُ الْكَتَّانَ وَلَا الْحُلَلَ» وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا عَلَى أَنَّ الْأَسَانِيدَ عَنْهُ صِحَاحٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُتُونِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ

стр. 261

قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّ لِي إِبِلًا أَفْقِرُ ظُهُورَهَا وَأَحْمِلُ عَلَيْهَا وَلِي يَتِيمٌ لَهُ إِبِلٌ فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا؟ قَالَ: إِذَا كُنْتَ تَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلُوطُ حَوْضَهَا وَتَنْشُدُ ضَالَّتَهَا وَتَسْقِي وِرْدَهَا فَاحْلُبْهَا غَيْرَ نَاهِكٍ لَهَا فِي الْحَلْبِ وَلَا مُضِرٍّ بِنَسْلِهَا "

стр. 262

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَأَنَّ الْوَصِيَّ إِنَّمَا يَأْخُذُ مِقْدَارَ عَمَلِهِ كَانَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بَيْنَهُمَا فِي الْآيَةِ بِعَيْنِهَا وَرَوَى، عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالَ إِذَا احْتَاجَ وَاضْطُرَّ " وَقَالَ الشَّعْبِيُّ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَخَذَ فَإِذَا وَجَدَ أَوْفَى وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ إِذَا اضْطُرَّ هَذَا الِاضْطِرَارَ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا يُقِيمُهُ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ

стр. 263

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] قَالَ: " بِغِنَاهُ وَلَا يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالَ يَقُوتُ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ " ⦗٣٠٠⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ لِأَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ مَحْظُورَةٌ لَا يُطْلَقُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْآيَةِ وَاحْتَمَلَتْ غَيْرَ تَأْوِيلٍ فَعَدَلْنَا إِلَى هَذَا لِمَا قُلْنَا، وَهُوَ قَوْلٌ مَحْكِيٌّ مَعْنَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ عَلَى الْقَرْضِ فَأَمَّا مُذْهِبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ وَاحْتَجَّ لَهُمْ مُحْتَجٌّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 264

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " إِنَّ فِي حَجْرِي يَتِيمًا أَفَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: " مِمَّا تَضْرِبُ مِنْهُ وَلَدَكَ قَالَ: أَفَأُصِيبُ مِنْ مَالِهِ قَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا وَلَا وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهُ "

стр. 265

وَقُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النَّيْسَابُورِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا أَوَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِيَتِيمُي مَالٌ، قَالَ: كُلْ مِنْهُ غَيْرَ مُسْرِفٍ ⦗٣٠١⦘ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا " قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَا تَفْدِ مَالَكَ بِمَالِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى هَذَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِنَّمَا يُجِيزُونَ أَخْذَ الْقُوتِ وَمَا لَا يَضُرُّ بِالْيَتِيمِ وَالَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الْمَشَايخِ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مُحْكَمَةٌ

стр. 266

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَاجِبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ عَلَى النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ وَالْحَضِّ، فَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ

стр. 267

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: " نَسَخَهَا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] "

стр. 268

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ، قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ قَالَ: «نَسَخَهَا الْمِيرَاثُ وَالْوَصِيَّةُ» ⦗٣٠٣⦘ وَقَالَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ أَبُو مَالِكٍ، وعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَتُؤُوِّلَ قَوْلُهُ عَلَى النَّدْبِ عُبَيْدَةُ، وَعُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 269

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: «أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ قِسْمَةِ مَوَارِيثِهِمْ أَنْ يَصِلُوا أَرْحَامَهُمْ وَأَيْتَامَهُمْ وَمَسَاكِينَهُمْ مِنَ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةٌ وُصِّلَ لَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الَّذِينَ فَرَضَ لَهُمُ الْمِيرَاثَ إِذَا حَضَرُوا الْقِسْمَةَ وَحَضَرَ مَعَهُمْ مَنْ لَا يَرِثُ مِنَ الْأَقْرِبَاءِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ أَنْ يَرْزُقُوهُمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فَرَضَ لَهُمْ ⦗٣٠٤⦘ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا نَسْخٌ لِأَنَّ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ لَا يَخْلُو أَمْرُهُ مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ كَانَتْ نَدْبًا ثُمَّ نُسِخَتْ وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ النَّدْبَ إِلَى الْخَيْرِ لَا يُنْسَخُ لَأَنَّ نَسْخَهُ لَا تَفْعَلُوا الْخَيْرَ وَهَذَا مُحَالٌ أَوْ تَكُونُ كَانَتْ وَاجِبَةً فَنُسِخَتْ وَهَذَا أَيْضًا لَا يَكُونُ لِأَنَّ قَائِلَهُ يَقُولُ إِنَّهِ كَانَ إِذَا حَضَرَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ أَعْطَوْهُمْ وَلَمْ يُعْطُوا الْعَصَبَةَ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالْفَرْضِ وَهَذَا لَمْ يُعْرَفْ قَطُّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَةَ إِذَا ثَبَتَتْ فَلَا يُقَالُ فِيهَا مَنْسُوخَةٌ إِلَّا أَنْ يَنْفَى حُكْمُهَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ عَنْهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مُخَاطَبَةً لِلْمُوصِي نَفْسِهِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قِيلَ لِلْمُوصِي أَوْصِ لِذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِأَنَّ بَعْدَهُ ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] أَيْ إِنْ لَمْ تُوصُوا لَهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ خَيْرًا وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ فَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مُحْكَمَةٌ وَاجِبَةٌ

стр. 270

كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ ⦗٣٠٥⦘ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ قَالَ: «هِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا مُجَاهِدٌ يَقُولُ بِإِيجَابِهَا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي لَا تُدْفَعُ صِحَّتَهُ وَهَذَا خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَادُ أَصَحُّ

стр. 271

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ قَالَا: «هِيَ مُحْكَمَةٌ مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيرَاثِ» وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّتَهُ وَالصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ أَنَّهُمَا مَنْسُوخَتَانِ

стр. 272

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ

стр. 273

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] قَالَ: نَسَخَتْهَا الْحُدُودُ " وَفِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] قَالَ نَسَخَتْهَا الْحُدُودُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي الْآيَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى نَسْخِهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ حُكْمُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ إِذَا زَنَيَا وَكَانَا ثَيِّبَيْنِ أَوْ بِكْرَيْنِ أَنْ يُحْبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فَصَارَ حُكْمُهُمَا أَنْ يُؤْذَيَا بِالسَّبِّ وَالتَّعْيِيرِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَصَارَ حُكْمُ الْبِكْرِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا زَنَا أَنْ يُجْلَدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَيُنْفَى عَامًا وَحُكْمُ الثَّيِّبِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يُجْلَدَ مِائَةً وَيُرْجَمُ حَتَّى يَمُوتَ وَهَذَا الْقَوْلُ مَذْهَبُ عِكْرِمَةَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ ⦗٣٠٧⦘ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَهَذَا قَوْلٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِنَّهُ كَانَ حُكْمُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ الثَّيِّبَيْنِ إِذَا زَنَيَا أَنْ يُحْبَسَا حَتَّى يَمُوتَا وَحُكْمُ الْبِكْرَيْنِ أَنْ يُؤْذَيَا وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَبُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يُرَادُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْبِكْرَانِ قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِجَمِيعِ الزُّنَاةِ لَكَانَ وَالَّذِينَ كَمَا أَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ قَالَ وَلَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُوعَدُ اثْنَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَا شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] عَامًّا لِكُلِّ مَنْ زَنَتْ مِنْ ثَيِّبٍ وَبِكْرٍ وَأَنْ يَكُونَ ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] عَامًّا لِكُلِّ مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ ثَيِّبًا كَانَ أَوْ بِكْرًا ⦗٣٠٨⦘، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ لِحُجَجٍ بَيِّنَةٍ سَنَذْكُرُهَا فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَالْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ

стр. 274

كَمَا قُرِئَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ، رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» فَتَبَيَّنَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُنْسَخْ قَبْلَ هَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تُؤُوِّلَ فِيهِ شَيْءٌ سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ

стр. 275

وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى مَا قُلْنَا إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيَّ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو شُرَيْحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] قَالَ: «فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ مَاتَتْ أَوْ عَاشَتْ حَتَّى نَزَلَتْ فِي سُورَةِ النُّورِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْحُدُودِ فَكَانَ مَنْ عَمِلَ سُوءًا جُلِدَ وَأُرْسِلَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ بِنَفْيِ الزَّانِي فَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فَفِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَهَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَجَازٍ وَلَا يُحْمَلُ الشَّيْءُ عَلَى مَجَازٍ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَالَّذِي عَارَضَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُوعَدُ اثْنَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَا شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهَذَا إِنْ صَحَّ فَهُمَا شَخْصَانِ مُخْتَلِفَانُ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَاللَّذَانِ لِلرَّجُلَيْنِ الثَّيِّبَيْنِ وَالْبِكْرَيْنِ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَمُعَارَضَتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَكَذَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَالَّذِينَ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَحْمِلُ عَلَى اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَعْنَىِ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ⦗٣١٠⦘ وَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 276

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ تُحْبَسُ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَإِنْ كَانَا مُحْصِنَيْنِ رُجِمَا فَهَذَا السَّبِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَهُمَا " قَالَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَنَى أُوذِيَ بِالتَّعْيِيرِ وَضَرْبِ النِّعَالِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَإِنْ كَانَا مُحْصِنَيْنِ رُجِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا نَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ زَنَى مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْآيَتَيْنِ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ⦗٣١١⦘ فَمَرَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِعْمَالِ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ الْبِكْرَيْنِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الثَّيِّبَيْنِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ هَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَا اخْتِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ جَلَدَ شَرَاحَةَ مِائَةً وَرَجَمَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ⦗٣١٢⦘ وَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَثَبَتَ الْجَلْدُ بِالْقُرْآنِ وَالرَّجْمُ بِالسُّنَّةِ وَمَعَ هَذَا فَقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَلْ عَلَى الثَّيِّبِ الرَّجْمُ بِلَا جَلْدٍ وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ والثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ فَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِأَنَّ الْجَلْدَ مَنْسُوخٌ عَنِ الْمُحْصَنِ بِالرَّجْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ آيَةُ الْجَلْدِ مَخْصُوصَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْسُوخٌ مِنْهُ الْجَلْدُ الَّذِي عَلَى الثَّيِّبِ وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ سَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ

стр. 277

فَمِنْهَا مَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ»

стр. 278

وَقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ، عَنْ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: " أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ: مَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ ⦗٣١٣⦘: «بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ وَقَعْتَ عَلَى جَارِيَةِ آلِ بَنِي فُلَانٍ» قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ " قَالُوا فَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ذِكْرُ الْجَلْدِ مَعَ الرَّجْمِ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا فَارْجُمْهَا» وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَلْدَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى نَسْخِهِ وَقَالَ الْمُخَالِفُ لَهُمْ: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَجْلِدْ وَقَدْ ثَبَتَ الْجَلْدُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ لِشُهْرَتِهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي نَظِيرِ هَذَا فَقَالُوا قَدْ يَحْفَظُ الْبَعْضُ مَا لَا يَحْفَظُ الْكَلُّ وَقَدْ يُرْوَى بَعْضُ الْحَدِيثِ وَيُحْذَفُ بَعْضُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَحْكَامِ الزِّنَا فَقَالَ قَوْمٌ فِي الْبِكْرِ يُجْلَدُ وَيَنْفَى وَقَالَ قَوْمٌ يُجْلَدُ وَلَا يُنْفَى وَقَالَ قَوْمٌ النَّفْيُ إِلَى الْإِمَامِ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى فَمِمَّنْ قَالَ يُجْلَدُ وَيُنْفَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ⦗٣١٤⦘، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وسُفْيَانُ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ بِتَرْكِ النَّفْيِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالنَّفْيِ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ بَدْءًا ثُمَّ كَثْرَةُ مَنْ قَالَ بِهِ وَجَلَالَتُهُمْ

стр. 279

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَشِبْلٍ، قَالُوا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهُ مِنْهُ فَقَالَ: صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ: قُلْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ كَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ عَلَى ابْنِهِ الرَّجْمَ فَافْتَدَى مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَمَّا مِائَةُ الشَّاةِ وَالْخَادِمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ اغْدُ يَا ⦗٣١٥⦘ أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا فَارْجُمْهَا» فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا فَرَجَمَهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَثَبَتَ التَّغْرِيبُ بِلَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَنِ ادَّعَى نَسْخَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّوْقِيفِ بِذَلِكَ فَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُنْفَى بِالزِّنَا فَغَيْرُ لَازِمَةٍ وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ أَمَتَهُ فِي الزِّنَا وَنَفَاهَا وَلَوْ وَجَبَ أَلَّا يَنْفِي الْأَمَةَ وَالْعَبْدَ لَمَا وَجَبَ ذَلِكَ فِي الْأَحْرَارِ، وَكَانَ هَذَا مُخْرِجًا مِنَ الْحَدِيثِ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي النِّسَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُزَنِيَّ قَدْ حَكَى أَنَّ الْأَوْلَى بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنْ تُنْفَى الْأَمَةُ نِصْفَ سَنَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وَمَنْ قَالَ النَّفْيُ إِلَى الْإِمَامِ احْتَجَّ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ وَغَرَّبَ وَلَيْسَ فِيهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَفِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ مَوْضِعَانِ قَدْ أُدْخِلَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 280

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَفِيهَا ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] فَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، لَوْلَا مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ النَّسْخِ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمٌ سِوَى مَا فِي الْآيَةِ وَحَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ

стр. 281

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»

стр. 282

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا» ⦗٣١٧⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ غَيْرَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فَاجْتَزَأْنَا بِهِمَا لِصِحَّتِهِمَا وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِمَا

стр. 283

قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ شَدَّادٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ وَبَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَحَيَّرَ فِي مَعْنَاهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مَا يَبْعُدُ أَوْ لَا يَجُوزُ فَقَالَ مَعْنَى بَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ عَلَى الْمَجَازِ أَيْ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا فَقِيلَ لَهُمَا عَمَّتَانِ كَمَا قِيلَ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ قَالَ وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ مِثْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ قَالَ وَفِي الْأَوَّلِ حَذْفٌ أَيْ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَهَذَا مِنَ التَّعَسُّفِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُسْمَعُ بِمِثْلِهِ وَفِيهِ أَيْضًا مَعَ التَّعَسُّفِ أَنَّهُ يَكُونُ كَلَامًا مُكَرَّرًا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى نَهْيٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ يَعْنِي بِهِ الْعَمَّةَ وَبِنْتَ أَخِيهَا صَارَ الْكَلَامُ مُكَرَّرًا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَبَيْنَ الْخَالَةِ وَلَيْسَ كَذَا الْحَدِيثُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ نَهَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَالْوَاجِبُ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَمَّةُ الْأُخْرَى وَالْأُخْرَى خَالَةُ الْأُخْرَى وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ يَكَوْنُ رَجُلٍ وَابْنِهِ تَزَوَّجَا امْرَأَةً وَابْنَتَهَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِنْتَ وَتَزَوَّجَ الِابْنُ الْأُمَّ فَوُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةٌ مِنْ هَاتَيْنِ الزَّوْجَتَيْنِ، فَابْنَةُ الْأَبِ عَمَّةُ ابْنَةِ ⦗٣١٨⦘ الِابْنِ وَابْنَةُ الِابْنِ خَالَةُ ابْنَةِ الْأَبِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَالَتَيْنِ فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَا امْرَأَتَينِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَالَةُ صَاحِبَتِهَا وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ تَزَوَّجَ ابْنَةَ رَجُلٍ وَتَزَوَّجَ الْآخَرُ ابْنَتَهُ فَوُلِدَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةٌ فَابْنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَالَةُ الْأُخْرَى وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ فَيُوجِبُ أَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَمَّةُ الْأُخْرَى وَذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَجُلٌ أُمَّ رَجُلٍ وَيَتَزَوَّجُ الْآخَرُ أُمَّ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنَةٌ فَابْنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّةُ الْأُخْرَى ⦗٣١٩⦘ فَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَقِيلَ الْحِكْمَةُ السُّنَّةُ ثُمَّ قَاسَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا فَقَالُوا: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا رَجُلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ فِي الْآيَةِ

стр. 284

مَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُحَرِّمُ الرَّضَاعَةُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ اجْتَزَأْنَا بِهَذَا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا تَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَطْ ⦗٣٢٠⦘ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا عَائِشَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَنْهُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِيَسِيرٍ نَحْوَ الشَّهْرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَالَ زُفَرُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسِنَةٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى الرَّضَاعُ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ بِمَعْنًى وَاحِدٌ فَمِمَّنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ عَائِشَةُ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَكَانَ يُفْتِي بِهِ قَالَ ⦗٣٢١⦘ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ تُرِيدُ الْحَجَّ وَلَيْسَ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَقَالَ امْضِي إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَتُرْضِعَكَ فَيَكُونُ زَوْجُهَا أَبَاكِ فَتَحُجِّي مَعَهُ وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ "

стр. 285

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَمِعْنَاهُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَيَّ إِذَا دَخَلَ سَالِمٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَأَرْضِعِيهِ» قَالَتْ: كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ قَالَ: أَلَسْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ؟ " ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدُ شَيْئًا أَكْرَهُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ لَا غَيْرُ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَفْيُ مَا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ إِنَّمَا فِيهِ إِزَالَةُ كَرَاهَةٍ فَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: لَمْ تَزَلْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُومُ بِرَضَاعِ ⦗٣٢٢⦘ الْكَبِيرِ مَعْرُوفًا ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَسْرُوقًا رَوَى عَنْ عَائِشَةَ: كُنَّ عَشْرَ رَضَعَاتٍ نَزَلْنَ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ ثُمَّ نُسِخْنَ وَرَوَى أَيْضًا، مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ مَعْنَى هَذَا إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ لِلصَّبِيِّ الَّذِي إِذَا جَاعَ أَشْبَعَهُ اللَّبَنُ وَنَفَعَهُ مِنَ الْجُوعِ فَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا رَضَاعَةَ لَهُ
следующие страницы →