Полный текст (735 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْبَرَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، ثِقَةً مَأْمُونًا قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «إِنَّمَا سَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ وَأَغْرَبِهِ وَأَصَحِّهِ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقِصَاصِ ⦗٣٨٥⦘، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ جَعَلَ الْآيَةَ نَاسِخَةً وَفِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُهُ: فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ قَالَ أَبُو زَيْدٍ يُقَالُ اجْتَوَيْتُ الْبِلَادَ إِذَا كَرِهْتُهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لَكَ فِي بَدَنِكَ، وَاسْتَوَبَلْتَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تُوَافِقُكَ فِي بَدَنِكَ وَإِنْ كُنْتَ مُحِبًّا لَهَا وَفِيهِ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: السَّمْلُ أَنْ تُفْقَأَ الْعَيْنُ بِحَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ يُقَالُ: سَمَلْتُهَا أَسْمُلُهَا سَمْلًا وَقَدْ يَكُونُ السَّمْلُ بِالشُّوكِ كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَرْثِي بَنِينَ لَهُ مَاتُوا:
[البحر الكامل]
فَالْعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَهَا ... سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ
وَبَعْضُ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ غَيْرُ نَاسِخَةٍ يَقُولُ الْحُكَمَانِ قَائِمَانِ جَمِيعًا وَيُحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ أَنَّ السَّمْلَ كَانَ قِصَاصًا وَهُوَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ﷺ وَعَظَ وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ فَلَمْ يَعُدْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ كَمَا فَعَلَ فِي الْغَنَائِمِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الْآيَةَ وَقَالَ آخَرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ إِلَّا بِوَحْيٍ مُنَزَّلٍ أَوْ إِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وَلِفَرْضِهِ طَاعَتَهُ وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرَ بِالْحُدُودِ ⦗٣٨٦⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ مَا قَالَ فَأَمَّا مَا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوْ؛ وَمِنَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَخْيِيرِ الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ هَذِهِ شَاءَ وَمِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ بَلْ ذَلِكَ عَلَى التَّرْتِيبِ فَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَكْمُلُ بِهِ الْفَائِدَةُ فِي عِلْمِ الْآيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْ يَلْزَمُهُ اسْمُ مُحَارَبَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولِهِ ﷺ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمُحَارِبُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولِهِ هُوَ الْمُشْرِكُ الْمُعَانِدُ دِينَ اللَّهِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا وَخَرَجَ مُتَلَصِّصًا فَلَا يَلْزَمُهُ هَذَا الِاسْمُ وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَرْوَى عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ الْمُحَارِبُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولِهِ الْمُرْتَدُّ وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
стр. 352
كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «إِذَا خَرَجَ الْمُسْلِمُ فَشَهَرَ سِلَاحَهُ ثُمَّ تَلَصَّصَ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ تُرِكَ لَبَطَلَتِ الْعُقُوبَاتُ إِلَّا أَنْ يَلْحَقَ بِبِلَادِ الشِّرْكِ ثُمَّ يَأْتِي تَائِبًا فَيُقْبَلُ مِنْهُ» ⦗٣٨٧⦘ وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُحَارِبُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ فَسَقَ فَشَهَرَ سِلَاحَهُ وَخَرَجَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُحَارِبُهُمْ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَكُونُ الْمُحَارِبُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولِهِ إِلَّا مُشْرِكًا بِحَدِيثِ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ عَادَى وَلِيًّا مِنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَقَدْ نَادَى اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ بِالْمُحَارَبَةِ»
стр. 353
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحِبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ صُبَيحٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ ﵃ أَنَا سَلَمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ» أَفَلَا تَرَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَتَسْمِيَتَهُ إِيَّاهُ مُحَارِبًا وَقَدْ رَدَّ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْآيَةَ فِي الْمُشْرِكِينَ بِأَشْيَاءَ بَيِّنَةٍ ⦗٣٨٨⦘ قَالَ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ شَيْءٍ مِنْ حُدُودِهَا لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فَهَذَا كَلَامٌ بَيِّنٌ حَسَنٌ وَقَالَ غَيْرُهُ لَوْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ لَوَجَبَ فِي أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ عَامَّةً عَلَى ظَاهِرِهَا إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خَارِجٍ مِنْهَا فَيَخْرُجُ بِالدَّلِيلِ فَقَدْ دَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ خَارِجُونَ مِنْهَا فَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَزِمَهُ اسْمُ الْمُحَارَبَةِ أَيَكُونُ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِيهِ أَمْ تَكُونُ عُقُوبَتُهُ عَلَى قَدْرِ جِنَايَتِهِ فَقَالَ قَوْمٌ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَهِدُ وَيَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا مِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ ⦗٣٨٩⦘ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكُ وَمِمَّنْ قَالَ الْعُقُوبَةُ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ إِلَى الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَجَّاجُ وَعَطِيَّةُ لَيْسَا بِذَاكَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ بِهَذَا مِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ⦗٣٩٠⦘ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، سُفْيَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّرْتِيبِ فِي أَكْثَرِ الْآيَةِ فَمَا عَلِمْتُ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا إِلَّا فِيمَنْ خَرَجَ فَقَتَلَ فَإِنَّ أَصْحَابَ التَّرْتِيبِ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فَأَمَّا أَصْحَابُ التَّخْيِيرِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ فَحُجَّتُهُمْ ظَاهَرُ الْآيَةِ وَأَنَّ أَوْ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَذَا مَعْنَاهَا إِذَا قُلْتَ خُذْ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا وَرَأَيْتُ زَيْدًا، أَوْ عَمْرًا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَكَذَا ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ أَنَّ هَذَا عَلَى التَّخْيِيرِ وَكَذَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مَرْدُودٌ إِلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَإِلَى لُغَةِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بَلَغَتْهُمْ فَعَارَضَهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالتَّرْتِيبِ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» فَعَارَضَهُمُ الْآخَرُونَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ الْمُحَارِبُ مُضْمُومٌ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا ضَمَمْتُمْ إِلَيْهَا أَشْيَاءَ لَيْسَتْ كُفْرًا وَكَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ، فَضَمَمْتُمْ إِلَيْهَا تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ⦗٣٩١⦘ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لْآيَةِ الْمُحَارِبَةَ حُكْمًا آخَرَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْمُحَارِبِ لَيْسَ إِلَى الْوَلِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى الْإِمَامِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذِكْرَ الْمُحَارِبِ
стр. 354
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مِحْصَنٌ يُرْجَمُ، أَوْ رَجُلٌ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، أَوْ رَجُلٌ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ " وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ أَكْثَرَ التَّابِعِينَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ وَكَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ
стр. 355
كَمَا قُرِئَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْجَوْزِيِّ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ قَالَا: «الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ»
стр. 356
وَحَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ: " مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فِي فِئَةِ الْإِسْلَامِ وَأَفْسَدَ السَّبِيلَ فَظُهِرَ عَلَيْهِ وَقُدِرَ فَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ فِيهِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ قَالَ: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قَالَ: يَهْرُبُوا وَيَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنِ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ثُمَّ قَالَ بِهَذَا مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا
стр. 357
مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ، قَالَ: «إِذَا خَرَجَ وَأَظْهَرَ السِّلَاحَ وَقَتْلَ قُتِلَ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ» وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَزَعَمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا عَنْهُمَا يَعْنِي مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ضَعِيفَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ⦗٣٩٣⦘ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا خَرَجَ وَقَتَلَ قُتِلَ فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ صُلِبَ وَقُتِلَ مَصْلُوبًا وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ صُلِبَ وَقُتِلَ بِالْحَرْبَةِ مَصْلُوبًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ صُلِبَ وَقُتِلَ عَلَى الْخَشَبَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا قَتَلَ قُتِلَ وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ فَالسُّلْطَانُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَتْلَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَتْلَهَ وَصَلَبَهُ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى كُلُّ شَيءٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «إِذَا أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَحُسِمَتْ، ثُمَّ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحُسِمَتْ وَخُلِّيَ وَإِذَا قَتَلَ قُتِلَ وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُتِلَ وَصُلِبَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ وَإِنْ حَضَرَ وَكَثُرَ وهِيبَ فَكَانَ رِدَاءً لِلْعَدُوِّ عُزِّرَ وَحُبِسَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِالتَّرْتِيبِ وَاخْتُلِفَ عَنْ بَعْضِهِمْ حَتَّى وَقَعَ فِي ذَلِكَ اضْطِرَابٌ كَثِيرٌ فَمِمَّنِ اخْتُلِفَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَالْحَسَنُ فَرُوِيَ عَنْهُ التَّخْيِيرُ وَالتَّرْتِيبُ وَأَنَّهُ قَالَ إِذَا خَرَجَ وَقَتَلَ قُتِلَ فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ وَنُفِيَ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُتِلَ ⦗٣٩٤⦘ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ: «إِنْ قَتَلَ قُتِلَ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ» وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْلَبَ قَبْلَ الْقَتْلِ فَيُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ يَقْتَلَ مَصْلُوبًا لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: «الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ» وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِالتَّخْيِيرِ مَعَهُمْ ظَاهَرُ الْآيَةِ وَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِالتَّرْتِيبِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فَإِنَّكَ تَجِدُ فِي أَقْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ عَلَيْهِ حَدَّيْنِ فَيَقُولُونَ يُقْتُلُ وَيُصْلَبُ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ يُصْلَبُ وَيُقْتُلُ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ وَيُنْفَى، وَلَيْسَ كَذَا الْآيَةُ، وَلَا كَذَا مَعْنَى أَوْ فِي اللُّغَةِ فَأَمَّا مَعْنَى أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ مِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُمْ يَهْرُبُونَ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا أَيْضًا مَحْكِيٌّ مَعْنَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيُحَارَبُونَ، وَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ ⦗٣٩٥⦘ جُبَيْرٍ «يُنْفَوْنَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَكُلَّمَا أَقَامُوا فِي بَلَدٍ نُفُوا مِنْهُ» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ «يَنْفِيَهُ السُّلْطَانُ الَّذِي أَحْدَثَ هَذَا فِي عَمَلِهِ عَنْ عَمَلِهِ» وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀ «يُنْفَى مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ هَذَا إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ يُحْبَسُ فِيهِ» وَيَحْتَجُّ لِمَالِكٍ بِأَنَّ الزَّانِيَ كَذَا يُنْفَى وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدُّ أَنْ يَسْتَقِرُّوا فِي الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ الْحَبْسِ لِأَنَّهُ إِذَا حُبِسَ فَقَدْ نُفِيَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا مِنْ مَوْضِعَ اسْتِقْرَارِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ
стр. 358
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ وَرَدَّهُمْ إِلَى حُكَّامِهِمْ هَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
стр. 359
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَالَ: «إِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ» وَقَالَ بِهَذَا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ⦗٣٩٧⦘ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ إِذَا تَحَاكَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَى الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى حُكَّامِهِمْ، وَقَائِلُوا هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ إِنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ فِيهَا يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ فَكَانَ الْأَدْعَى لَهُمْ وَالْأَصْلَحُ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى حُكَّامِهِمْ فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ
стр. 360
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نُسِخَتْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ يَعْنِي الْمَائِدَةَ آيَتَانِ آيَةُ الْقَلَائِدِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَى حُكَّامِهِمْ فَنَزَلَتْ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِنَا " وَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يُدْخِلُونَهُ فِي الْمُسْنَدِ وَهُوَ مَعَ هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
стр. 361
كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّقْرِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَصْحَابُنَا، مَنْصُورٌ، وَغَيْرُهُ عَنِ الْحُكْمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] قَالَ: " نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالسُّدِّيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ وَلَا خِيَارَ لَهُ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الِاحْتِجَاجَاتِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَلَّا يُرَدُّوا إِلَى حُكَّامِهِمْ فَإِذَا وَجَبَ هَذَا فَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَةَ وزُفَرَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ إِذَا تَحَاكَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَى الْإِمَامِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ فَإِنْ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ لَمْ يَحْكُمْ وَقَالَ الْبَاقُونَ: بَلْ يَحْكُمُ ⦗٣٩٩⦘ فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ مَعَ مَا صَحَّ فِيهَا مِنْ تَوْقِيفِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكَانَ النَّظَرُ يُوجِبُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا جَمِيعًا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَى الْإِمَامِ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَهُمْ وَأَنَّهُ إِذَا نَظَرَ بَيْنَهُمْ مُصِيبٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَالْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ مُصِيبٌ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ وَأَلَّا يُعْرِضَ عَنْهُمْ فَيَكُونُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ تَارِكًا فَرْضًا فَاعِلًا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا يَسَعُهُ وَلِمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ قَوْلٌ آخِرُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا عَلِمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يُقِيمَهُ وَإِنْ لَمْ ⦗٤٠٠⦘ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْكَ، وَالْآخَرُ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْكَ إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، قَالُوا: فَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُوجِبُ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فَأَمَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] وَأَمَّا مَا فِي السُّنَّةِ فَحَدِيثُ الْبَرَاءِ
стр. 362
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: " مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ قَدْ جُلِدَ وَحُمِّمَ قَالَ: «أَهَكَذَا حَدُّ الزَّانِي عِنْدَكُمْ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: «سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ أَهَذَا حَدُّ الزَّانِي فِيكُمْ؟» فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ سَأَلْتَنِي بِهَذَا مَا أَخْبَرْتُكَ كَانَ الْحَدُّ عِنْدَنَا الرَّجْمُ فَكَانَ الشَّرِيفُ إِذَا زَنَى تَرَكْنَاهُ وَكَانَ الْوَضِيعُ إِذَا زَنَى رَجَمْنَاهُ فَقُلْنَا تَعَالَوْا نَجْتَمِعُ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ لِلشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَاجْتَمَعْنَا عَلَى الْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إِلَى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] أَيِ ائْتُوا مُحَمَّدًا فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَاقْبَلُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أَيْ فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَلَا تَقْبَلُوا إِلَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ، قَالَ فِي الْيَهُودِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]
⦗٤٠١⦘ قَالَ فِي الْيَهُودِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قَالَ فِي الْكُفَّارِ خَاصَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَهُودِيِّ فَرُجِمَ، وَقَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ» فَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،: أَنَّ الْيَهُودَ، أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ اللَّذَيْنِ زَنَيَا رَضِيًّا بِالْحُكْمِ وَقَدْ رَجَمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ⦗٤٠٢⦘ فَأَمَّا مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أَنَّهُ فِي الْيَهُودِ فَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مُشَاهِدٍ لِلتَّنْزِيلِ يُخْبِرُ أَنَّ بِذَلِكَ السَّبَبِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ فِيهِ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي قَوْلِهِ ﴿جَلَّ وَعَزَّ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْيَهُودُ غَيْرَ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِمْ كَحُكْمِهِمْ فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ جَاحِدًا لَهُ كَمَا جَحَدَتِ الْيَهُودُ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَهِيَ مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ
стр. 363
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الْآيَةَ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ مِنْهَا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ فِي السَّفَرِ إِذَا كَانَتْ وَصِيَّةً وَقَالَ قَوْمٌ كَانَ هَذَا هَكَذَا ثُمَّ نُسِخَ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ بِحَالٍ وَقَالَ قَوْمٌ الْآيَةُ كُلُّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ إِذَا شَهِدُوا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي تُؤَدَّى وَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْحُضُورِ وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْيَمِينِ فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: عَنْ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ⦗٤٠٤⦘، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
стр. 364
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] " فَهَذَا لِمَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْهِدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ عِدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَهَذَا لِمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنِ ارْتِيبَ بِشَهَادَتِهِمَا اسْتُحْلِفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَمْ نَشْتَرِ بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإِنِ اطَّلَعَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرِينَ كَذَّبَا حَلِفًا بِاللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِينَ بَاطِلَةٌ وَأَنَّا لَمْ نَعْتَدَّ فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] يَقُولُ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُمَا كَذِبَا قَامَ الْأَوْلَيَانِ فَحَلَفَا أَنَّهُمَا كَذِبَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ [المائدة: ١٠٨] أَنْ يَأْتِيَ الْكَافِرَانِ ﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] فَتُتْرَكُ شَهَادَةُ الْكَافِرِينَ وَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأَوْلِيَاءِ ⦗٤٠٥⦘ وَلَيْسَ عَلَى شُهُودِ الْمُسْلِمِينَ إِقْسَامٌ إِنَّمَا الْإِقْسَامُ إِذَا كَانَا كَافِرَيْنِ " فَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشْرُوحًا مُبَيَّنًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ شَرْحٍ، وَقَالَ بِهِ مِنَ التَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شُرَيْحٌ قَالَ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ إِذَا كَانَتْ وَصِيَّةً وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعُبَيْدَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ لِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ بِحَالٍ كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ شَهَادَةُ ⦗٤٠٦⦘ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ أَنَّهُ خَالَفَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِأَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ لَا مَنْسُوخَ فِيهَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ
стр. 365
كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّقْرِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ، قَالَ: «مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ» وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ إِنَّ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْحُضُورِ يَحْتَجُّ قَائِلُهُ بِمَا يَعَارَضُ بِهِ تِلْكَ الْأَقْوَالُ مِمَا سَنَذْكُرُهُ وَكَذَا الْقَوْلُ الْخَامِسُ إِنَّ الشَّهَادَةَ بِمَعْنَى الْيَمِينِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] فَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَنَصُّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَلَا يَرْضَى الْكُفَّارَ وَلَا يَكُونُونَ ذَوَيْ عَدْلٍ وَيُعَارَضُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ شَهَادَةَ الْفُسَّاقِ لَا تَجُوزُ وَالْكُفَّارُ فُسَّاقٌ وَأَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ لَا تَجُوزُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَيَرِدُ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ احْتِجَاجَاتٌ بَيِّنَةٌ ⦗٤٠٧⦘ وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَهَا بِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَأَنَّهُ قَدْ قَالَهُ صَحَابِيَّانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ وَمُخَالَفَةُ الصَّحَابَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ يَنْفُرُ مِنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ قَالَ فَيُجْعَلُ هَذَا عَلَى الضَّرُورَةِ كَمَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ وَكَمَا يَكُونُ التَّيَمُّمُ فِيهِ وَالْإِفْطَارُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الضَّرُورَاتُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْحَالِ وَلَيْسَ كَذَا الشَّهَادَةُ وَعُورِضَ مَنْ قَالَ بِنَسْخِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ شَهِدَ التَّنْزِيلَ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا شَيْئًا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ غَامِضًا وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى آخَرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ آخَرُ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ تَقُولُ مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وَكَرِيمٍ آخَرَ فَقَوْلُكَ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وَخَسِيسٍ آخَرَ وَلَا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وَحِمَارٍ آخَرَ فَوَجَبَ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ عَدْلَانِ وَالْكُفَّارُ لَا يَكُونُونَ عُدُولًا فَيَصِحُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ غَيْرِكُمْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عُورِضَ لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَخُوطِبَ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيُقَالُ لِمَنْ عَارَضَ بِهَذَا: هَذَا مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ كَثِيرٌ يَسْتَغْنِي عَنِ الِاحْتِجَاجِ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّ الشَّهَادَةَ بِمَعْنَى الْحُضُورِ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةَ، وَقَدِ احْتَجَّ قَائِلُهُ بِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرَ هَذَا ⦗٤٠٨⦘ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَيَرُدُّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِلَى مَا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ شَهِدْتُ وَصِيَّةَ فُلَانٍ أَيْ حَضَرْتُ وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِمَعْنَى الْيَمِينِ مَعْرُوفٌ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فِيهِ شَهَادَةِ أَحَدِكُمْ أَيْ يَمِينُ أَحَدِكُمْ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ وَحَقِيقَتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ: يَمِينُ اثْنَيْنِ مِثْلَ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]
стр. 366
قُرِئَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ يَخْتَلِفَانِ إِلَى مَكَّةَ لِلتِّجَارَةِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَتُوُفِّيَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا فَدَفَعَا تَرِكَتَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَحَبَسَا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَفَقَدَهُ أَوْلِيَاءُ السَّهْمِيِّ مِنْ تَرِكَتِهِ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا كَتَمْنَا وَلَا اطَّلَعْنَا ثُمَّ عُرِفَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ، وَعَدِيٍّ فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا لِجَامُ السَّهْمِيِّ وَلَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا أَنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ فَأَخَذَ الْجَامَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "
стр. 367
وقُرِئَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ زَاذَانَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبَى طَالِبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: " بَرِئَ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرُ عَدَيِّ بْنِ بَدَّاءٍ وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بُرَيْرُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ لِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبْلِغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا، وَفَقَدُوا الْجَامَ فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقُلْنَا مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا وَمَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قَدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِيٍّ مِثْلَهَا فَوَثَبُوا إِلَيْهِ فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]
⦗٤١٠⦘ قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَحَلَفَا فَنُزِعَتِ الْخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا مَا فِي الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْقِصَّةِ مِنَ الْآثَارِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَالنَّظَرِ ثُمَّ نُبَيِّنُهُمَا عَلَى مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْأَبْيَنُ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ قَسَمٌ بَيْنَكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَنْ يُقْسِمَ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي أَوْ هُنَا قَوْلَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَوْ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ وَأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ كَافِرَيْنِ وَهَذَا الْقَوْلُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَتَادَةَ ⦗٤١١⦘ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَوْ هَاهُنَا لِلتَّخْيِيرِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ وَقَدْ يَكُونُ الْمُوصِي يَرَى أَوْ يُسْنِدُ وَصِيَّتَهُ إِلَى كَافِرَيْنِ أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ هُوَ الْقَوْلُ الْبَيِّنُ الظَّاهِرُ ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «أَيْ سَافَرْتُمْ وَكَذَا هُوَ فِي اللُّغَةِ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ مُسْتَدَلٌّ عَلَيْهِ أَيْ إِنْ أَنْتُمْ سَافَرْتُمْ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ وَقَدْ أَسْنَدْتُمْ وَصِيَّتَكُمْ إِلَى اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِكُمْ فَإِنِ ارْتَبْتُمْ أَيِ اتَّهَمْتُمُ الْوَصِيَّيْنِ وَالتَّقْدِيرُ أَوْ آخَرَيْنَ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَكْثَرَهُمْ هِيَ الْعَصْرُ فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ وَاسْتَعْمَلَهُ وَقَضَى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَتَادَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ صَلَاةٌ مِنْ صَلَوَاتِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَهُوَ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَجَاءَتْ ⦗٤١٢⦘ مُعَرَّفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِذَا كَانَ بَعْدَ صَلَاةٍ مِنْ صَلَوَاتِهِمْ كَانَتْ نَكْرَةً، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَ الْعِجْلَانِيِّينَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَخَصَّهَا بِهَذَا وَيُقَالُ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ أَيْضًا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ وَهُمَا الْوَصِيَّانِ وَلَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا أَيْ لَا نَشْتَرِي بِقَسَمِنَا شَيْئًا نَأْخُذُهُ مِمَّا أَوْصَى بِهِ وَلَا نَدْفَعُهُ إِلَى أَحَدٍ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ أَيْ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ عِنْدَنَا إِنَّا إِذًا لِمَنِ الْآثِمِينَ أَيْ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] أَصْلُهُ مِنْ عَثُرْتُ بِالشَّيْءِ أَيْ وَقَعْتُ عَلَيْهِ أَيْ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَوْجَبَا إِثْمًا بِكَذِبِهِمَا فِي أَيْمَانِهِمَا وَأَخْذِهِمَا مَا لَيْسَ لَهُمَا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا أَيْ فِي الْأَيْمَانِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ تَقْدِيرُ هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنْهُمُ الْأَوْلَيَانِ وَعَلَيْهِمْ بِمَعْنَى مِنْهُمْ مِثْلَ: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى فِيهِمْ أَيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ فِيهِمْ إِثْمُ الْأَوْلَيَيْنِ ثُمَّ حُذِفَ إِثْمُ مِثْلَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ التَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْإِيصَاءُ وَالْأَوْلَيَانِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَآخَرَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]
⦗٤١٣⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ حَرْفًا بَدَلًا مِنْ حَرْفٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّفْسِيرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْأَوْلَيَانِ قِرَاءَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَثِيرٍ مِنَ الْقُرَّاءِ وَقِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَحَمْزَةَ الْإِوَّلَيْنِ وَفِيهَا مِنَ الْبُعْدِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ وَالْأَوَّلَيْنِ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا أَيْ لَقَسَمُنَا، فَصَحَّ أَنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ هَاهُنَا الْقَسَمُ وَمَا اعْتَدَيْنَا أَيْ وَمَا تَجَاوَزْنَا الْحَقَّ فِي قَسَمِنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أَيْ إِنْ كُنَّا حَلَفْنَا عَلَى بَاطِلٍ وَأَخَذْنَا مَا لَيْسَ لَنَا وَصَحَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ إِلَى آخَرَ فَاتَّهَمِ الْوَرَثَةُ الْمُوصَى إِلَيْهِ حَلَفَ الْمُوصَى إِلَيْهِ وَبَرِئَ فَإِنِ اطُّلِعَ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى إِلَيْهِ خَانَ وَذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ أَوْ يُوجَدُ شَيْءٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لِلْمَيِّتِ فَيَقُولُ الْمُوصَى إِلَيْهِ قَدِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ فَيَحْلِفُ الْوَارِثُ وَيَسْتَحِقُّهُ فَقَدْ بَيَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي اسْتِحْلَافِ الشَّاهِدَيْنِ هَاهُنَا لِمَنْ وَجَبَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِأَنَّهُمَا ادَّعَيَا وَصِيَّةً مِنَ الْمَيِّتِ وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ⦗٤١٤⦘ وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ وَصِيَّةً فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّمَا يَحْلِفَانِ إِذَا شَهِدَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِمَا لَا يَجُوزُ أَوْ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ وَهَذَا أَيْضًا لَا يُعْرَفُ فِي الْأَحْكَامِ أَنْ يَحْلِفَ الشَّاهِدُ إِذَا شَهِدَ أَنَّ الْمُوصَى أَوْصَى بِمَا لَا يَجُوزُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّمَا يَحْلِفَانِ إِذَا اتُّهِمَا ثُمَّ تُنْقَلُ الْيَمِينُ عَنْهُمَا إِذَا اطُّلِعَ عَلَى الْخِيَانَةِ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ [المائدة: ١٠٨] أَيْ أَقْرَبُ ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨] وَهُمَا الْمُوصَى إِلَيْهِمَا أَوْ يَخَافُوا ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] وَهِيَ أَيْمَانُ الْأَوْلَيَيْنِ أَيِ الْأَوْلَيَيْنِ بِالْيَمِينِ لَمَّا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْمُوصَى إِلَيْهِمَا، وَقِيلَ هُمَا الْأَوْلَيَانِ بِالْمَيِّتِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] أَيْ اسْمَعُوا مَا يُقَالُ لَكُمْ قَابِلِينَ لَهُ مُتَّبِعِينَ أَمْرَاللَّهِ تَعَالَى فِيهِ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] أَيِ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ «كُلُّ فَاسِقٍ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فَمَعْنَاهُ الْكَاذِبُ»
стр. 368
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
стр. 369
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ، يَقُولُ سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ تَلْخِيصِ آيِ الْقُرْآنِ الْمَدَنِيِّ مِنَ الْمَكِّيِّ فَقَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " سُورَةُ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥١] إِلَى تَمَامِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِذَا كَانَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] لِلزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَهَذَا يُشْرَحُ فِي مَوْضِعِهِ وَإِذَا كَانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً فَلَا يَكَادُ يَكُونُ فِيهَا آيَةٌ نَاسِخَةٌ ⦗٤١٦⦘ وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ السُّوَرِ فَهُنَّ مَدَنِيَّاتٌ أَعْنِي سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ حَدَّثَنِي يَمُوتُ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ آيَاتٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَالْآيَةُ الْأُولَى: مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]
стр. 370
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ أَبِي خَيْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] قَالَ: " نَسَخَ هَذَا آيَةُ السَّيْفِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ وَمَعْنَى: وَكِيلٌ حَفِيظٌ وَرَقِيبٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِمْ بِحَفِيظٍ إِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُنْذِرَهُمْ وَعِقَابُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ نَظِيرُهَا
стр. 371
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [ الأنعام: ٦٩]
стр. 372
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] قَالَ:: " هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نُسِخَتْ بِالْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠] فَنَسَخَ هَذَا مَا قَبْلَهُ وَأُمِرَ الْمُؤْمِنُونَ أَنْ لَا يَقْعُدُوا مَعَ مَنْ يَكْفُرُ بِالْقُرْآنِ وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] خَبَرٌ وَمُحَالٌ نَسْخُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ بَيِّنٌ لَيْسَ عَلَى مَنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى إِذَا نَهَى إِنْسَانًا عَنْ مُنْكَرٍ مِنْ حِسَابِهِ شَيْءٌ اللَّهُ مُطَالِبُهُ وَمُعَاقِبُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْهَاهُ وَلَا يَقْعُدَ مَعَهُ رَاضِيًا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِلَّا كَانَ مِثْلَهُ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ وَإِنْ كَانَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُمَا مِنْ حَدِيثِ جُوَيْبِرٍ، وَالْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَرِيبَةٌ مِنْهُمَا
стр. 373
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [ الأنعام: ٧٠]
стр. 374
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] قَالَ: " نَسَخَهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا لَيْسَ بِخَبَرٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ غَيْرَ أَنَّ الْبَيِّنَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَأَنَّهُ عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا أَيْ: ذَرْهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَالِبُهُ وَمُعَاقِبُهُ وَمِثْلُهُ ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] وَالصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ
стр. 375
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ الْعَشْرُ وَنِصْفُ الْعَشْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَعْنِي بِهَذَا الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَاجِبَةٌ يُرَادُ بِهَا غَيْرُ الزَّكَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ عَلَى النَّدْبِ فَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ
стр. 376
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ كَانَ الرَّجُلُ يَبْدَأُ بِعَلْفِ الدَّابَّةِ وَبِالشَّيْءِ» ⦗٤٢٠⦘ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةَ وَقَالَ الضَّحَّاكُ نَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَمِمَّنْ قَالَ نُسِخَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ بِالْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ
стр. 377
كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «نَسَخَتْهَا الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ»
стр. 378
وقُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ شِبَاكٍ، عَنْ ⦗٤٢١⦘ إِبْرَاهِيمَ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «نَسَخَتْهَا الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ» وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالسُّدِّيِّ وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
стр. 379
كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ دِرْهَمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «الزَّكَاةُ»
стр. 380
وقُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ، تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ» ⦗٤٢٢⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
стр. 381
قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] : «أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى التَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ فِي مَعْنَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَوْ بَعْدَهُ وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ بَعْدَهُ وَقَدْ قِيلَ بَلْ يَجِبُ عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً لِأَنَّهُ يَقُولُ لَيْسَ فِي الرُّمَّانِ زَكَاةٌ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ إِلَّا فِي النَّخْلِ، وَالْكَرْمِ وَفِي نَصِّ الْآيَةِ ذِكْرُ الرُّمَّانِ وَالزَّيْتُونِ وَقَدْ قَالَ بِمِصْرَ لَيْسَ فِي الزَّيْتُونِ زَكَاةٌ لِأَنَّهُ أُدْمٌ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ أَنَّ فِيَ الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ وَإِنَّ مَعْنَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أَنْ يُعْطِي مِنْهُ شَيْئًا سِوَى الزَّكَاةِ وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَ مَا سَقَطَ
стр. 382
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: «يَدَعُ الْمَسَاكِينَ يَتَّبِعُونَ أَثَرَ الْحَصَّادِ فَمَا سَقَطَ عَنِ الْمِنْجَلِ أَخَذُوهُ» وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَقَدْ رُوِيَ وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵁ أَنَّهُ أَنْكَرَ حَصَادَ اللَّيْلِ مِنْ أَجْلِ هَذَا
стр. 383
وقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «كَانُوا يُعْطُونَ مَنِ اعْتَرَّ بِهِمْ» وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ ⦗٤٢٤⦘ مُجَاهِدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وعَطِيَّةَ وَهَوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ حَصَادِ اللَّيْلِ» وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] عَلَى النَّدْبِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مَعْنَى آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا فَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُعَدَّ خِلَافًا فَبَطَلَ هَذَا، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَيُعَارَضُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَالزَّكَاةُ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَنَازُعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] لَوْ كَانَ لِلزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَجَبَ أَنْ تُعْطَى وَقْتَ الْحَصَادِ وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ وَصَحَّتْ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُعْطَى إِلَّا بَعْدَ الْكَيْلِ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي الْآيَةِ ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الزَّكَاةِ لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ الثَّمَرِ وَفِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا الْفُقَهَاءِ إِلَّا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنِ الْإِجْمَاعِ ⦗٤٢٥⦘ وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي هَذَا مِنْ قَوْلِ مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِيَ كُلِّ هَذَا الزَّكَاةَ إِلَّا فِي الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ وَقَدْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْآيَةِ وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ فِيَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِنْهَا الزَّكَاةَ: الْحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ فَهَذَا إِجْمَاعٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ إِلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ⦗٤٢٦⦘، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِحَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ إِنَّ مُعَاذًا وأَبَا مُوسَى لَمَّا بُعِثَا لِيُعَلِّمَا النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ لَمْ يَأْخُذَا الزَّكَاةَ فِيمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ أَنَّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ مَحْظُورَةٌ، فَلَمَّا أُجْمِعَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَجَبَتْ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ وَزَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ السُّلْتَ وَالزَّيْتُونَ وَزَادَ الزُّهْرِيُّ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْيَاءِ الزَّيْتُونَ وَالْحُبُوبَ كُلَّهَا وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ فِيَ الزَّيْتُونِ الزَّكَاةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ كَانَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ ثُمَّ قَالَ بِمِصْرَ فِي الزَّيْتُونِ لَا أَرَى أَنْ تَجِبَ فِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ أُدْمٌ لَا أَنَّهُ يُؤْكَلُ بِنَفْسِهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ فِيمَا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ وَيَبْقَى فَفِيهِ ⦗٤٢٧⦘ الزَّكَاةُ فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَأَكْثَرُهُمُ اعْتِمَادُهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهَا الْحُبُوبَ وَمَا يُقَتْاتُ بِهِ فَإِنَّمَا قَاسَهُ عَلَيْهَا وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهَا الزَّيْتُونَ فَإِنَّمَا قَاسَهُ عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ هَكَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ اَحْتَجَّ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ
стр. 384
بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قَالَ: «مَا سَقَطَ مِنَ السُّنْبُلِ» ⦗٤٢٨⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا كَالْآيَةِ وَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِأَنَّهُ لَا فَرْضَ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ إِلَّا لِمَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 385
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ نَسْمَعُ لِصَوْتِهِ دَوِيًّا وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَصِيَامُ رَمَضَانَ» قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ صِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا الْخَمْسُ وَلَا مِنَ الصَّدَقَةِ إِلَّا الزَّكَاةُ فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالْآيَةِ فَرْضٌ سِوَى الزَّكَاةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتِ الزَّكَاةُ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ ⦗٤٢٩⦘ نَدْبًا لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً فَأَمَّا ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] فَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مَعْنَى: " ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] لَا تَمْنَعُوا مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ" وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: " كَانُوا إِذَا حَصَدُوا أَعْطَوْا ثُمَّ تَبَارَوْا فِي ذَلِكَ حَتَّى أَجْحَفُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] " وَقَالَ السُّدِّيُّ: «لَا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ فَتَقْعُدُوا ⦗٤٣٠⦘ فُقَرَاءَ» وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ جَدَّ نَخْلًا لَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ أَلَا أَعْطَاهُ فَأَمْسَى لَيْسَتْ لَهُ تَمْرَةٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] " وَقَالَ ابْنُ زَيْدِ وَلَا تُسْرِفُوا لِلْوُلَاةِ أَيْ وَلَا تَأْخُذُوا مَا لَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا غَيْرُ مُتَنَاقِضَةٍ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ فِي اللُّغَةِ فِعْلُ مَا لَا يَنْبَغِي فَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ فَوَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ وَمَعْنَى ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] لَا يُثِيبُهُمْ وَلَا يَقْبَلُ أَعْمَالَهُمْ مَجَازًا، وَتَقْدِيرُ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَشَجَرُ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ مِثْلُ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ قَالَ قَتَادَةُ «مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ يَتَشَابَهُ وَرَقُهُ وَيَخْتَلِفُ ثَمَرُهُ» وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَشَابَهُ لَوْنُهُ وَيَخْتَلِفُ طَعْمُهُ وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] وَهِيَ قِرَاءَةٌ حَسَنَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَتْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فَثُمُرٌ جَمْعُ ثِمَارٍ وَثِمَارٌ جَمْعُ ثَمَرَةٍ ⦗٤٣١⦘ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ أَصْلُ الْإِسْرَافِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِخْطَاءُ فِي إِصَابَةِ غَيْرِ الْحَقِّ إِمَّا بِزِيَادَةٍ وَإِمَّا بِنُقْصَانٍ مِنَ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، وَأَنْشَدَ
[البحر البسيط]
أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ
أَيْ خَطَأٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
стр. 386
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، قَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهُ وَجَبَ مِنْهَا أَلَّا يَحْرُمُ أَلَا مَا فِيهَا فَلَمَّا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ نُسِخَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا حَرَامَ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا مَا فِيهَا وَأَحَلُّوا مَا ذَكَرْنَا وَغَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَاخِلٌ فِيهَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَضْمُومٌ إِلَيْهَا دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَوَّابٌ لِمَا سَأَلُوا عَنْهُ فَأُجِيبُوا عَمَّا سَأَلُوا، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ غَيْرَ مَا فِي الْآيَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تُنْسَخُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا حُرِّمَ وَإِحْلَالُ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَغَيْرِهَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ وَيُقَالُ إِنَّهُ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَثَمَّ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ نَبْدَأُ بِهَا
стр. 387
فَمِنْ ذَلِكَ
стр. 388
مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ، رِجَالٍ، مِنْ مُزَيْنَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَبْجَرَ أَوِ ابْنِ أَبْجَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْعِمَهُ أَهْلِي إِلَّا حُمُرٌ لِي، قَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ فَإِنَّمَا كَرِهْتُ لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ " فَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِحْلَالِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّمَا كَرِهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَذِرَ كَمَا كَرِهَ الْجَلَّالَةَ
стр. 389
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ ⦗٤٣٤⦘ فَقَالَ: أَكَلْتُ الْحُمُرَ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أَكَلْتُ الْحُمُرَ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولَهُ ﷺ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَكُفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ " فَهَذَا مَا فِيهِ مِنَ الْمُسْنَدِ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ
стр. 390
فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ رَحِمَهَا اللَّهُ " إِذْ ذُكِرَ لَهَا النَّهْيُ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ
следующие страницы →