Полный текст (735 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، قَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهُ وَجَبَ مِنْهَا أَلَّا يَحْرُمُ أَلَا مَا فِيهَا فَلَمَّا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ نُسِخَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا حَرَامَ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا مَا فِيهَا وَأَحَلُّوا مَا ذَكَرْنَا وَغَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَاخِلٌ فِيهَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَضْمُومٌ إِلَيْهَا دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَوَّابٌ لِمَا سَأَلُوا عَنْهُ فَأُجِيبُوا عَمَّا سَأَلُوا، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ غَيْرَ مَا فِي الْآيَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تُنْسَخُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا حُرِّمَ وَإِحْلَالُ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَغَيْرِهَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ وَيُقَالُ إِنَّهُ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَثَمَّ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ نَبْدَأُ بِهَا
стр. 387
فَمِنْ ذَلِكَ
стр. 388
مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ، رِجَالٍ، مِنْ مُزَيْنَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَبْجَرَ أَوِ ابْنِ أَبْجَرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْعِمَهُ أَهْلِي إِلَّا حُمُرٌ لِي، قَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ فَإِنَّمَا كَرِهْتُ لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ " فَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِحْلَالِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّمَا كَرِهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَذِرَ كَمَا كَرِهَ الْجَلَّالَةَ
стр. 389
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ ⦗٤٣٤⦘ فَقَالَ: أَكَلْتُ الْحُمُرَ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أَكَلْتُ الْحُمُرَ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولَهُ ﷺ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَكُفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ " فَهَذَا مَا فِيهِ مِنَ الْمُسْنَدِ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ
стр. 390
فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ رَحِمَهَا اللَّهُ " إِذْ ذُكِرَ لَهَا النَّهْيُ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ
стр. 391
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: «كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَنْهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَيَأْمُرُ بِلُحُومِ الْخَيْلِ» وَأَبَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَلَا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] " حَكَى ذَلِكَ عَمْروٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا مَا فِيهِ عَنِ التَّابِعِينَ
стр. 392
فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي ⦗٤٣٥⦘ إِسْحَاقَ، قَالَ: ذَكَرْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي النَّهْيِ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْحُمُرُ تَأْكُلُ الْقَذِرَ»
стр. 393
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ مَا تَقُولُ فِي لَحْمِ الْفِيلِ؟ فَقَالَ: " قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الْآيَةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تُعَارِضُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّابِتَةِ عَنْهُ فَأَمَّا مُعَارَضَتُهَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ الَّذِي فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ أُطْعِمُهُ أَهْلِي إِلَّا حُمُرٌ لِي قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُمُرُ وَحْشِيَّةً وَيَكُونُ أَكْلُهَا جَائِزًا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَلَّهَا لَهُ عَلَى الضَّرُورَةِ كَالْمَيْتَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي فِيهِ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي بِمَا نَادَى بِهِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فَالرِّجْسُ بِالْحَرَامِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْحَلَالِ وَفِيهِ فَكُفِئَتِ الْقُدُورُ وَالْحَلَالُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْلَبَ وَالَّذِي تَأَوَّلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُخَالِفُ فِيهِ وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ يُقَالُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ عَنْهُ لَمَّا قَالَ لَهُ ⦗٤٣٦⦘ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ قَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَقَالَ بِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ وَأَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ الرَّسُولِ ﵇ حُجَّةٌ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْخَيْلَ مِنَ الْآيَةِ وَالْحُمُرُ أَوْلَى» وَقَوْلُهُ فِي الْخَيْلِ قَوْلُ مَالِكٍ ⦗٤٣٧⦘، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ بِأَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ وَأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ دَاخِلَةٌ فِيهَا قَوْلٌ نَظَرِيٌّ لِأَنَّ التَّذْكِيَةَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ تَوْقِيفًا فَكُلُّ مَا لَمْ تُؤْخَذْ تَذْكِيَتُهُ بِالتَّوْقِيفِ فَهُوَ مَيْتَةٌ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنْ يُضَمَّ إِلَى الْآيَةِ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلٌ حَسَنٌ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقُولُ بِتَحْلِيلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ فَلَقِيَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ فَحَدَّثَهُ عَنْ، أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ فِيهِ نَهْيًا وَهُوَ عِنْدِي حَلَالٌ ⦗٤٣٨⦘ وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَقَعْ إِلَى مَالِكٍ فَعُذِرَ بِذَلِكَ وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْآيَةَ جَوَّابُ قَوْلٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ جَوَابًا فَقَدْ أُجِيبُوا عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ وَثَمَّ مُحَرَّمَاتٌ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِحَالِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا جَوَّابٌ أَنَّ قَبْلَهَا ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وَمَا مَعَهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا الْقَوْلُ الْخَامِسُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ شَيْءٌ قَدْ ذَكَرَهُ قَوْمٌ هُوَ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ وَلَكِنَّا نَذْكُرُهُ لِيَكُونَ الْكِتَابُ عَامَّ الْفَائِدَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَفِي هَذِه أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ⦗٤٣٩⦘ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمُ﴾ [المائدة: ٥] ، وَهُمْ يَذْكُرُونَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبِيحَةٍ إِلَّا أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَإِنْ تَرَكَهُ تَارِكٌ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنْ تُؤْكَلَ إِذَا نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنْ تُؤْكَلَ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قَالَ: فَنَسَخَ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَوْلِ: بِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ سُئِلَ عَنْ ذَبِيحَةِ النَّصَارَى، هَلْ تُؤْكَلُ إِذَا سَمَّوْا عَلَيْهَا بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: نَعَمْ تُؤْكَلُ وَلَوْ قَالُوا عَلَيْهَا بِاسْمِ جِرْجِسَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ، وَعَطَاءٍ قَالَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَبَاحَ ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَهُوَ يُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ كَانَ إِجْمَاعًا لَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْآيَةِ وَلَكَانَ اسْتِثْنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَلَا تَأْكُلْهُ فَإِنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ⦗٤٤٠⦘، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعْ فَكُلْ لِأَنَّهُ قَدْ أُحِلَّ لَكَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا لَمْ يُذْكَرِ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ وَعَارَضَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَسَادِهِ إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى غَيْرِهِ وَالْجَمَاعَةَ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا مِنْ فَسَادِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ
стр. 394
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: ﴿لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] " وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ إِذَا ذَبَحَ فَنَسِيَ التَّسْمِيَةَ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ، قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَيَعْقُوبَ، وَمُحَمَّدٍ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ ظَاهَرَ الْآيَةِ يُوجِبُ أَنْ لَا تُؤْكَلَ ذَبِيحَةُ مَنْ تَرَكَ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَامِدًا وَلَا نَاسِيًا أَلَا تَرَى أَنَّ فِيهَا ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَخَرَجَ بِهَذَا النِّسْيَانِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ نَسِيَ فِسْقٌ ⦗٤٤١⦘ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ إِنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا غَيْرَ مُتَهَاوِنٍ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 395
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قَالَ: " خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا: «مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ وَمَا ذَبَحْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ» فَهَذَا مِنْ أَصَحِّ مَا مَرَّ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُسْنَدِ وَخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَعْنِي بِهِ الْمَيْتَةَ وَمَا ذَبَحَهُ الْمُشْرِكُونَ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مَأْكُولٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ عَليهِ اسْمُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْمُسْلِمِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ حَكَى حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ، عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ قَالَ: " يُؤْكَلُ مَا ذَبَحُوا لِكَنَائِسِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِمِ الَّذِي ⦗٤٤٢⦘ أَحَلَّهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لَنَا قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالْمَجُوسِ " وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] رُوِيَ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَسَخَ هَذَا ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الْآيَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ هَذَا بِنَسْخٍ إِنَّمَا هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَعْرَضْتُ عَنْهُ أَيْ لَمْ أَنْبَسِطْ إِلَيْهِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَوْلَيْتُهُ عُرْضَ وَجْهِي وَهَذَا وَاجِبٌ أَنْ يُسْتَعْمَلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْمَعَاصِي، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]
стр. 396
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩] قَالَ: " الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تَرَكُوا الْإِسْلَامَ وَالدَّيْنَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ وَكَانُوا شِيَعًا فِرَقًا أَحْزَابًا مُخْتَلِفَةً ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ نَسَخَهَا ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة
стр. 397
: ٢٩] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ فِي هَذَا نَسْخٌ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لَسْتَ مِنْ فُلَانٍ وَلَا هُوَ مِنِّي إِذَا كُنْتَ مُخَالِفًا لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنْتَ مِنِّي فَرْسَخًا أَيْ مَادُمْتُ أَسِيرُ فَرْسَخًا عَلَى أَنَّهُ رَوَى، أَبُو غَالِبٍ، عَنْ، أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] قَالَ هُمُ الْخَوَارِجُ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَزِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَاحِدَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ لِأَنَّهُمْ إِذَا ابْتَدَعُوا تَجَادَلُوا وَتَخَاصَمُوا وَتَفَرَّقُوا فَلَيْسَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُمْ مُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مُخَالِفُونَ لَهُمْ فَهَذَا مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ
стр. 398
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
стр. 399
حَدَّثَنَا يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَسُورَةُ الْأَعْرَافِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ»
стр. 400
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ نَجِدْ فِيهَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إِلَّا آيَةً وَاحِدَةً مُخْتَلَفًا فِيهَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْغِلْظَةِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أَيِ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حَقٌّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ أَمْرٌ بِالِاحْتِمَالِ وَتَرْكُ الْغِلْظَةِ وَالْفَظَاظَةِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ فَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] يَقُولُ خُذْ مَا عَفَا وَمَا أَتَوْكَ بِهِ، قَالَ: وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ بَرَاءَةُ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْصِيلِهَا وَجَعَلَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَقَالَ الضَّحَّاكُ: «نَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ»
стр. 401
وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ
стр. 402
الْأَسْوَدُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَسْبَاطَ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قَالَ: «الْفَضْلَ مِنَ الْمَالِ نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ» وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْغِلْظَةِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ لَا يُعْرِضُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُقَاتِلُهُ ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَقْعُدَ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَأَنْزَلَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] فَنَسَخَ هَذَا الْعَفْوُ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْعَفْوَ الزَّكَاةُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ يَمِيلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ: لِأَنَّ الزَّكَاةَ يَسِيرٌ مِنْ كَثِيرٍ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْعَفْوَ شَيْءٌ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ قَوْلُ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ قَالَا: هُوَ فَضْلُ الْمَالِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى
стр. 403
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةَ ابْنَيْ الزُّبَيْرِ
стр. 404
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: " إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ " وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَأَنَّهُ عَنْ صَحَابِيٍّ يُخْبِرُ بِنُزُولِ الْآيَةِ وَإِذَا جَاءَ الشَّيْءُ هَذَا الْمَجِيءَ لَمْ يَسَعْ أَحَدًا مُخَالَفَتُهُ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أَيِ السَّهْلَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَلَا تَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَلَا تُعَنِّفْ بِهِمْ، وَكَذَا كَانَتْ أَخْلَاقُهُ ﷺ أَنَّهُ مَا لَقِيَ أَحَدًا قَطُّ بِمَكْرُوهٍ فِي وَجْهِهِ وَلَا ضَرَبَ أَحَدًا بِيَدِهِ وَقِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي مَدَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ " أَنَّ هَذَا أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُفَّارِ أَمَرَهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِيَ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ فِيهِمْ قَالَ لِأَنَّ قَبْلَهُ احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] وَبَعْدَهُ ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] " وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَخْلَاقِ السِّهْلَةِ اللِّينَةِ لِجَمِيعِ ⦗٤٤٩⦘ النَّاسِ، بَلْ هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ الَّذِي فَسَّرَ الْآيَةَ: وَاللَّهِ لَأَسْتَعْمِلَنَّ الْأَخْلَاقَ السِّهْلَةَ مَا بَقِيتُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْآيَةِ ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قَالَ عُرْوَةُ، وَالسُّدِّيُّ: «الْعُرْفُ الْمَعْرُوفُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي قَالَاهُ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةَ يُقَالُ أَوْلَانِي فُلَانٌ مَعْرُوفًا وَعْرُفًا وَعَارِفَةً وَفِي الْحَدِيثِ «الْعُرْفُ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ» وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمِنِ اخْتِصَارِ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقَبُولُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَدَبَ إِلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ مِنَ الْعُرْفِ وَفِيهَا ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] زَعَمَ ابْنُ زَيْدٍ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِالْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِاحْتِمَالِ مَنْ ظَلَمَ، وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ كَمَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَنَّهُ ﷺ أُمِرَ بِالسَّهْلِ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَتَرْكِ الْغِلْظَةِ لِأَنَّ بَعْدَهَا ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أَيْ وَإِمَّا يُغْضِبَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَسْوَسَةٌ وَتَحْمِيلٌ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِمَالِ ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أَيْ فَاسْتَجِرْ بِهِ مِمَّا عَرَضَ لَكَ ﴿إِنَّهُ سُمَيْعٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] لِاسْتِجَارَتِكَ وَغَيْرِهَا ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] بِمَا يُزِيلُ عَنْكَ مَا عَرَضَ لَكَ ⦗٤٥٠⦘، وَبَعْدَهَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٢٠١] أَيِ اتَّقَوُا اللَّهَ تَعَالَى بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَرْكِ مَعَاصِيهِ ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] أَيْ عَارِضٌ وَوِسْوَاسٌ مِنْهُ ﴿تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] وَعْدَ اللَّهِ وَوَعِيدَهُ وَعِقَابَهُ ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الْحَقَّ آخِذُونَ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ التَّحَامُلِ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْغِلْظَةِ عَلَى مَنْ قَدْ نُهُوا عَنِ الْغِلْظَةِ عَلَيْهِ
стр. 405
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
стр. 406
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الْآيَةَ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، فَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْمَرَ بِتَخْمِيسِ الْغَنَائِمِ وَكَانَ الْأَمْرُ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِجَعْلِ الْغَنَائِمِ حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ: الْأَنْفَالُ هَاهُنَا الْغَنَائِمُ وَيَجْعَلُ بَعْضُهُمُ اشْتِقَاقَهُ مِنَ النَّافِلَةِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ قَالَ: فَالْغَنَائِمُ أَنْفَالٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَّلَهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ
стр. 407
، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ، وَلِلْأَئِمَّةِ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا فَيَنْفِلُوا مَنْ شَاءُوا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجُّوا أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأَنْفَالُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا الْغَنَائِمُ لِأَنَّهَا زِيَادَاتٌ يُزَادُهَا الرَّجُلُ عَلَى غَنِيمَتِهِ أَوْ يَزِيدُهَا الْإِمَامُ مِنْ رَأْى وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْأَنْفَالَ مَا شَذَّ مِنَ الْعَدُوِّ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ ذَلِكَ مَنْ شَاءِ إِذَا كَانَ صَلَاحًا وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْأَنْفَالَ أَنْفَالُ السَّرَايَا خَاصَّةً وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: إِنَّ الْأَنْفَالَ الْخُمُسُ خَاصَّةً سَأَلُوا لِمَنْ هُوَ فَأُجِيبُوا بِهَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: الْأَنْفَالُ الْغَنَائِمُ الَّتِي كَانَتْ خَالِصَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ
стр. 408
كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمٌ، مَوْلَى أَبِي عَلِيٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " نُسِخَتْ نَسَخَتْهَا ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] " وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ
стр. 409
كَمَا قُرِئَ عَلَى ⦗٤٥٣⦘ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْجَوْزِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، قَالَا: " كَانَتِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] " وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالسُّدِّيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ إِلَّا مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ الْأَسْهُمَ الْأَرْبَعَةَ قَدْ صَارَتْ لِمَنْ شَهِدَ مِنَ الْجَيْشِ الْحَرْبَ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي السَّهْمِ الْخَامِسِ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ لِلْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ أَيْ لِمَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا التَّنْفِيلُ مِنْهُ فَالْقَوْلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ إِذَا صَارَتِ الْأَنْفَالُ تُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ إِنَّمَا تُقَسَّمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا ذُكِرَتِ الْأَصْنَافُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يُقْسَمَ السَّهْمُ فِيهَا فَإِنْ دُفِعَ إِلَى بَعْضِهَا جَازَ فَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ ⦗٤٥٤⦘ الْأَسْهُمَ لِمَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي السَّهْمِ الْخَامِسِ وَمِمَّا يُحَقِّقُ أَنَّهَا نَسَخَتْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا
стр. 410
كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " أُنْزِلَ فِيَّ آيَاتٌ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ وأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ فَأَخَذْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِيهِ فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتُهُ، قَالَ رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهَ فِي الْقَبْضِ لَامَتْنِي نَفْسِي فَرَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ قَالَ: فَشَدَّ صَوْتَهُ وَقَالَ رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الْآيَةَ ⦗٤٥٥⦘ وَحَكَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ رِشْدِينَ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ: «الْقَبْضُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْمَعُ الْغَزَاةُ فِيهِ مَا غَنِمُوا»
стр. 411
وقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنِ الْقُرَظِيِّ، قَالَ أَبُو صَخْرٍ، وَحَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،: " أَنَّ سَعْدًا، وَرَجُلًا، مِنَ الْأَنْصَارِ خَرَجَا يَتَنَفَّلَانِ فَوَجَدَا سَيْفًا مُلْقًى فَخَرَّا عَلَيْهِ جَمِيعًا فَقَالَ سَعْدٌ: هُوَ لِيَ وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: هُوَ لِيَ، قَالَ لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَكَ يَا سَعْدُ وَلَا لِلْأَنْصَارِيِّ وَلَكِنَّهُ لِي، فَنَزَلَتْ ⦗٤٥٦⦘ ﴿يَسْأَلُونَكِ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] " يَقُولُ سَلَّمَا السَّيْفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ حَسَنَةٌ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ فَإِنَّهَا عَنْ سَعْدٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ نَسْخَهَا وَقَدْ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ يَقُولُ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نَظَرْتُ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ فَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَنْكَرَهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا ثُمَّ رَفَعَ يَحْيَى فِي الْحَدِيثِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ مَنْ حَضَرَ الْحَرْبَ عَلَى سَهْمِهِ لِبَلَاءٍ أَبْلَاهُ أَوْ لِعَنَاءٍ أَتَاهُ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْضَخَ لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَتَأَوَّلُ قَائِلٌ هَذَا مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 412
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْأَنْفَالِ فَقَالَ ⦗٤٥٧⦘: «الْفَرَسُ مِنَ النَّفَلِ وَالسَّلَبُ مِنَ النَّفَلِ» ثُمَّ عَادَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: مَا الْأَنْفَالُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى كَادَ يُحْرِجُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا مَثَلُ هَذَا؟ مِثْلُهُ مَثَلُ صُبَيْغٍ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁؟ "
стр. 413
حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً فَطَارَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا التَّنْفِيلُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مِنَ الْخُمُسِ وَاحْتَجَّ قَائِلٌ هَذَا بِاللُّغَةِ أَيْضًا وَأَنَّ مَعْنَى التَّنْفِيلِ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ يَمِيلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْأَنْفَالَ مَا شَذَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ
стр. 414
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَسْبَاطٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ،: ﴿قُلِ ⦗٤٥٨⦘ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قَالَ: «الْأَنْفَالُ مَا شَذَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ دَابَّةٍ فَهُوَ النَّفَلُ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ»
стр. 415
قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، وَحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «فَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ يَصْنَعُ مَا شَاءَ بِهِ» وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْأَنْفَالَ أَنْفَالُ السَّرَايَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: إِنَّ الْأَنْفَالَ الْخُمُسُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: لَمْ يَخْرُجْ مِنَّا هَذَا الْخُمُسُ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يَدْخُلُ فِي بَعْضٍ لِأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ هُوَ مَا شَذَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ وَكَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ أَنْفَالُ السَّرَايَا وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ هِيَ الْخُمُسُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ التَّنْفِيلُ مِنَ الْخُمُسِ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ
стр. 416
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَخْصُوصَةٌ لِأَهْلِ بَدْرٍ لِأَنَّهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَحُكْمُهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمِمَّنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: «نَسَخَهَا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ⦗٤٦٠⦘ إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ أَيْ فَنُسِخَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ وَالْإِطْلَاقُ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا مِمَّنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ» وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ قَوْلِ الْحَسَنِ
стр. 417
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، بِالْأَنْبَارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " لَيْسَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ إِنَّمَا كَانَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] "
стр. 418
وقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نُضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: " نَزَلَتْ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]
⦗٤٦١⦘ فِي أَهْلِ بَدْرٍ " وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 419
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَ الْكَبَائِرَ، قَالَ: " وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَالَ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَوَعِيدٌ وَلَا يُنْسَخُ الْوَعِيدُ كَمَا لَا يُنْسَخُ الْوَعْدُ فَإِنْ قِيلَ فَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ وَقَدْ خَبَّرَ بِنُزُولِ الْآيَةِ فِي أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَكَيْفَ يَجُوزُ خِلَافُهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَعَمْرِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَالْقَوْلُ كَمَا قَالَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ وَحُكْمُهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُ بَدْرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِئَتَهُمْ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْحَازُوا إِلَيْهِ وَكَذَا كُلُّ إِمَامٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ
стр. 420
مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ⦗٤٦٢⦘، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " كُنْتُ فِي غَزْوَةِ مَسَالِحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَقِيَنَا الْعَدُوُّ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، وَيُقَالُ جَاضَ النَّاسُ جَيْضَةً فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ فَرَجَعْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا فَقُلْنَا كَيْفَ يَرَانَا الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ بُؤْنَا بِالْغَضَبِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] ، فَقُلْنَا نَأْتِي الْمَدِينَةَ فَنَبِيتُ بِهَا ثُمَّ نَخْرُجُ فَلَا يَرَانَا أَحَدٌ فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ قُلْنَا لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَصَدَنَاهُ حِينَ خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ قَالَ: لَا بَلُ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ قُلْنَا: إِنَّا قَدْ هَمَمْنَا بِكَذَا وَكَذَا قَالَ: لَا أَنَا فِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَعْنَى الْآيَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ⦗٤٦٣⦘ الْعِلْمِ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَرْبِ إِلَّا بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّ لِمَنْ حَارَبَ الْعَدُوَّ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَنْحَازَ إِلَى فِئَةٍ يَتَقَوَّى بِهَا وَالْعَكَّارُونَ الْكَرَّارُونَ الرَّاجِعُونَ يُقَالُ عَكَرَ وَعَكَّرَ وَاعْتَكَرَ إِذَا كَرَّ وَرَجَعَ فَلَمَّا رَجَعَ ابْنُ عُمَرَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَابِلِينَ مِنْهُ كَانُوا هُمُ الْعَكَّارِينَ الرَّاجِعِينَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِ أَنْفُسِهِمْ إِلَى الْجِهَادِ وَالْقَبُولِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لِأَنَّهَا مُشْكِلَةٌ
стр. 421
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَالَ الْحَسَنُ: نَسَخَ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] قَوْلُهُ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: النَّسْخُ هَاهُنَا مُحَالٌ لِأَنَّهُ خَبَرٌ خَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رُوِيَ عَنْهُ هَذَا إِلَّا الْحَسَنَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَقَالُوا فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فَمِنْ ذَلِكَ
стр. 422
مَا حَدَّثَنَاهُ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] قَالَ: " يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا وَأَنْبِيَاؤُهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قَالَ: يَقُولُ وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنْهُ الدُّخُولُ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ " ⦗٤٦٥⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: شَرْحُ هَذَا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] يَعْنِي الْكُفَّارَ جَمِيعًا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُسْلِمُ فَيَكُونُ وَهُمْ يُرَادُ بِهِمُ الْبَعْضُ مِثْلَ قَوْلِ الْعَرَبِ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] إِذَا أَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُسْلِمُ فَهَذَا الْقَوْلُ يَجُوزُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ هَذَا التَّعَسُّفَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ «وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ يُسْلِمُونَ وَهَذَا كَالْأَوَّلِ»
стр. 423
وَرَوِيَ أَبُو زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أَيْ: «وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ كَانُوا يَقُولُونَ غُفْرَانَكَ غُفْرَانَكَ، وَمَا لَهُمْ ألَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُهُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَعْجَلُوا بِعَذَابِ الدُّنْيَا لَا بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ إِنْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ، فَهَذَانِ قَوْلَانِ لِمَنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ الضَّحَّاكِ
стр. 424
كَمَا قُرِئَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْجَوْزِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال
стр. 425
: ٣٣] قَالَ: " الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] قَالَ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: جُعِلَ الضَّمِيرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَدْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ذِكْرٌ فَيُكَنَّى عَنْهُمْ فَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ السُّورَةِ فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِيَ الْمَعْنَى دَلِيلًا عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْكُفَّارِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّمَا قَالَ هَذَا مُسْتَهْزِئًا وَمُتَعَنِّتًا وَلَوْ قَصَدَ الْحَقَّ لَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدَكَ فَاهْدِنَا لَهُ وَلَكِنَّهُ كَفَرَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ رَسُولًا يُوحَى إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ أَيِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدَكِ فَأَهْلِكِ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مَعْنَى ذِكْرِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كَيْفَ يُهْلِكُ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مَعْنَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] يَعْنِي الْكَافِرِينَ وَقَوْلُ ابْنِ أَبْزَى كَقَوْلِ الضَّحَّاكِ قَالَ " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال
следующие страницы →