Полный текст (735 стр.). Показаны 701–735 · переход к 706.
стр. 701
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] قَالَ: " أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبِرِ عِنْدَ الْجَزَعِ، وَالْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ، وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوَّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيُّ﴾ [فصلت: ٣٥] حَمِيمٌ وَمَا يَلْقَاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يَلْقَاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ⦗٧٣٧⦘ قَالَ: الَّذِينَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ " وَفِي الْآيَةِ الَّتِي قَصَدْتُ لِذِكْرِهَا ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ، قَالَ: الشَّافِعِيُّ ﵀ وَإِذَا جَاءَتْنَا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ مِنْ أَهْلِ الْهُدْنَةِ مَسْلَمَةً مُهَاجِرَةً مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِلَى الْإِمَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْحَرْبِ فَمَنْ طَلَبَهَا مِنْ وَلِيٍّ سِوَى زَوْجِهَا مُنِعَ مِنْهَا بِلَا عِوَضٍ، وَإِذَا طَلَبَهَا زَوْجُهَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِوِكَالَتِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُعْطَى الْعِوَضَ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ اللَّهُ ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَلَا يُعْطَى الزَّوْجُ الْمُشْرِكُ الَّذِي جَاءَتْ زَوْجَتُهُ مَسْلَمَةً الْعِوَضَ وَإِنْ شَرَطَ الْإِمَامُ رَدَّ النِّسَاءِ كَانَ الشَّرْطُ مُنْتَقِضًا، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: إِنَّ شَرْطَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إِذْا فِيهِ: أَنْ يَرُدَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ، وَكَانَ النِّسَاءُ مِنْهُمْ كَانَ شَرْطًا صَحِيحًا فَفَسَخَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَرَدَّ الْعِوَضَ مِنْ فَسْخِ مَنْ فَسَخَهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَضَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ثُمَّ رَسُولُهُ ﷺ أَنْ لَا يَرُدَّ النِّسَاءَ كَانَ شَرْطُ مَنْ شَرَطَ رَدَّ النِّسَاءِ مَفْسُوخًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِوَضٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَفْسُوخُ بَاطِلٌ وَلَا عِوَضَ لِلْبَاطِلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَهُ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ أَلَا يُعْطَى عِوَضًا وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ نَسْخَ ذَلِكَ فَكَانَ فِي هَذَا نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَمَذْهَبُهُ غَيْرُ هَذَا؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ لَا يَنْسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ وَلَا يَنْسَخَ السُّنَّةَ إِلَّا سُنَّةٌ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ لَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ فَنَسَخَتِ السُّنَّةُ السُّنَّةَ ⦗٧٣٨⦘ وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِمَامُ رَدَّ النِّسَاءِ بِحُكْمِ اللَّهِ ثُمَّ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صُلْحِ الْإِمَامِ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا وَهُوَ مَنْسُوخٌ
стр. 702
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمٍ مِنْ خَثْعَمٍ فَاعْتَصِمُوا بِالسُّجُودِ فَقَتَلَهُمْ فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنِصْفِ الدِّيَةِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَقَامَ مَعَ مُشْرِكٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَرَاءَى نَارَهُمَا» قَالُوا: فَهَذَا نَاسِخٌ لِرَدِّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَرِئَ مِمَّنْ أَقَامَ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ⦗٧٣٩⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ هَذَا الْحَكَمَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِدَ هَذَا الْعَقْدَ إِلَّا الْخَلِيفَةُ أَوْ رَجُلٌ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلِي الْأَمْوَالَ كُلَّهَا فَمَنْ عَقَدَ غَيْرُ الْخَلِيفَةِ هَذَا الْعَقْدَ فَهُوَ مَرْدُودٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَفِي هَذَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ مِنْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَلَوْ كَانَ إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ لَمْ تَحِلَّ كَافِرَةٌ بِوَجْهٍ وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مُحْكَمَةٌ إِلَّا أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ لِمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا أَسْلَمَ وَثَنِيُّ أَوْ مَجُوسِيُّ وَلَمْ تُسْلِمِ امْرَأَتُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْتَظِرُ بِهَا تَمَامَ الْعِدَّةِ فَمِمَّنْ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنْتَظَرُ تَمَامُ الْعِدَّةِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وعَطَاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَنْتَظِرُ بِهَا الْعِدَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَنْتَظِرُ بِهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ إِذَا كَانَا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْآخَرُ فِي ⦗٧٤٠⦘ دَارِ الْإِسْلَامِ انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَلَا نَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي انْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ تَرْتَدُ وَزَوْجُهَا مُسْلِمٌ: انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا وَحُجَّتُهُ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهَا تَمَامَ الْعِدَّةِ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ نَصْرَانِيَّيْنِ فَأَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ فَفِيهِ أَيْضًا اخْتِلَافٌ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ وَهُوُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: الْوقُوفُ إِلَى تَمَامِ الْعِدَّةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَلْقَمَةَ: أَسْلَمَ جَدِّي وَلَمْ تُسْلِمْ جَدَّتِي فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا عُمَرُ ﵁، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وَقَالُوا: لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا إِلَّا بِخِطْبَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ غَلَطٌ لِأَنَّ الْكَوَافِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلنِّسَاءِ وَلَا يُجْمَعُ كَافِرٌ عَلَى كَوَافِرَ. الْحُجَّةَ فِيهِ ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ⦗٧٤١⦘ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «لَا يَزُولُ النِّكَاحُ إِذَا كَانَا فِي دَارِ الْهِجْرَةِ» وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَزُولُ النِّكَاحُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقْتُهُ. فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بِحَالِهَا لِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ، فَإِنْ أَسْلَمَا جَمِيعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ
стр. 703
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ: قَالَ قَتَادَةُ: " ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١١] الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] ثُمَّ نَسْخَ هَذَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ "
стр. 704
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «انْقَطَعَ هَذَا يَوْمَ الْفَتْحِ» وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «لَا يُعْمَلُ بِهِ الْيَوْمَ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١١] الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ أَوْ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] أَيْ: فَاقْتَصَصْتُمْ ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] أَيْ: الصَّدَقَاتُ "، فَصَارَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ: أَنَّهَا فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ حِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ
стр. 705
كَمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " حَكَمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُ إِنْ جَاءَتْكُمُ امْرَأَةٌ مِنَّا أَنْ تُوَجِّهُوا إِلَيْنَا بِصَدَاقِهَا، وَإِنْ جَاءَتْنَا امْرَأَةٌ مِنْكُمْ وَجَّهْنَا إِلَيْكُمْ بِصَدَاقِهَا. فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ: أَمَّا نَحْنُ فَلَا نَعْلَمُ لَكُمْ عِنْدَنَا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ لَنَا عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَوَجِّهُوا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] "
стр. 706
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الْآيَةَ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِنَّ هَذَا عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّسْخِ فَقَالَ: هَذَا هُوَ إِطْلَاقُ التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْسَخَ بِآيَةٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قَالَ: نُنْسِهَا نُطْلِقُ لَكُمْ تَرْكَهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ وَأَصْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ نَنْسَخْ وَنَنْسِي وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ، فَإِذَا تَبَاعَدَتِ الدَّارُ وَاحْتِيجَ إِلَى الْمِحْنَةِ كَانَ عَلَى إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ إِقَامَةُ الْمِحْنَةِ
стр. 707
سُورَةُ الصَّفِّ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ، وَالتَّغَابُنِ، وَالطَّلَاقِ، وَالتَّحْرِيمِ
стр. 708
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،: «أَنَّ هَذِهِ السُّوَرَ، مَدَنِيَّاتٌ نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ»
стр. 709
وَحَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: " أَنَّ سُورَةَ الصَّفِّ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَ سُورَةَ التَّغَابُنِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إِلَّا آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ فِي عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ شَكَا إِلَى ⦗٧٤٦⦘ النَّبِيِّ ﷺ جَفَاءَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَأَنَّ سُورَةَ الطَّلَاقِ، وَالتَّحْرِيمِ، مَدَنِيَّتَانِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ السُّوَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَفِيهِنَّ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي حَكْمِهَا: أَنَّهَا إِذْ وَلَدَتْ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَقُولُ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، فَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا وَلَدَتْ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُمْ ⦗٧٤٧⦘ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ بَعْدَ تِلْكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَكَذَا السُّنَّةُ
стр. 710
سُورَةُ الْمُلْكِ، ونُونَ، وَالْحَاقَّةِ، وسَأَلَ سَائِلٌ، ونُوحٍ، وَالْجِنِّ
стр. 711
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: «أَنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِمَكَّةَ فَهُنَّ مِكِّيَّاتٌ» فِيهِنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] مَذْهَبُ ابْنِ زَيْدٍ: أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، فَلَمَّا أَمَرَ بِالْقِتَالِ أَمَرَ بِالْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ صَابِرًا عَلَيْهِمْ ⦗٧٥٠⦘ صَبْرًا جَمِيلًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِ خِلَافٍ وَقْتٌ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَفِيهِنَّ ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي سُورَةِ وَالذَّارِيَاتِ بِمَا لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى زِيَادَةٍ
стр. 712
سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ
стр. 713
حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: " أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْهَا فَإِنَّهُمَا نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِّ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إِلَى آخِرِهَا " فِيهَا مَوْضِعَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] الْآيَةُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَدْبًا وَحَضًّا، وَأَنْ يَكُونَ حَتْمًا وَفَرْضًا، غَيْرَ أَنَّ بَابَهُ أَنْ يَكُونَ حَتْمًا وَفَرْضًا إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالدَّلَائِلُ تُقَوِّي أَنَّهُ كَانَ حَتْمًا وَفَرْضًا وَذَلِكَ أَنَّ النَّدْبَ وَالْحَضَّ لَا يَقَعُ عَلَى بَعْضِ اللَّيْلِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّ قِيَامَهُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهِ وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ التَّوْقِيفُ بِمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَجَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا حَتْمًا وَفَرْضًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ فَجَاءَ التَّوْقِيفُ: بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ نُسِخَ
стр. 714
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ ⦗٧٥٢⦘ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي بِقِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ الْقِيَامَ فِي أَوَّلِ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ فَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ التَّخْفِيفَ فِي أَخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً " قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُخْتَصَرٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ نُسِخَ وَقَوْلُ عَائِشَةَ حَوْلًا يُبَيِّنُ لَكَ مَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِمَّا يُشْكَلُ عَلَى قَوْمٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَلُّوا كَذَا إِلَى حَوْلٍ، أَوْ قِيلَ لَهُمْ: صَلُّوا كَذَا ثُمًّ نُسِخَ بَعْدُ فَقَدْ كَانَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: صَلُّوا كَذَا أَنَّهُ إِلَى وَقْتِ كَذَا وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّسْخُ
стр. 715
وَقُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: " لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ ⦗٧٥٣⦘ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى نَزَلَتْ آخِرُهَا وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَبَيْنَ آخِرِهَا نَحْوٌ مِنْ سَنَةٍ "
стр. 716
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] " فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِّ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠] إِلَى آخَرِهَا "
стр. 717
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَمَضَانَ بْنِ شَاكِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: وَمِمَّا نَقْلَ بَعْضُ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: " أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلَا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ثُمَّ نَسَخَ هَذَا فِي السُّورَةِ مَعَهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِّ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثُهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] إِلَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَمْرِهِ بِقِيَامِ ⦗٧٥٤⦘ اللَّيْلِ نِصْفِهِ إِلَّا قَلِيلًا أَوِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِّ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ فَقَالَ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] إِلَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ كَانَ بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَسْخُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَنِصْفِهِ وَالنُّقْصَانِ مِنَ النِّصْفِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثُمَّ احْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَرْضًا ثَابِتًا لِأَنَّهُ أُزِيلَ بِهِ فَرَضٌ غَيْرُهُ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فَرْضًا مَنْسُوخًا أُزِيلَ بِغَيْرِهِ كَمَا أُزِيلَ بِهِ غَيْرُهُ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، فَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ [الإسراء: ٧٩] أَنْ يَتَهَجَّدَ بِغَيْرِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِ مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَكَانَ الْوَاجِبُ طَلَبُ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّنَّةِ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ فَوَجَدْنَا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَا وَاجِبَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَا الْخَمْسَ " ⦗٧٥٥⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هُجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]
стр. 718
قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] قَالَ: «كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ أُمِرَ بَعْدُ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ فَنَسَخَتْ آيَةُ الْقِتَالِ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنَ التَّرْكِ»
стр. 719
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ إِلَى آخِرِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [ العلق: ١]
стр. 720
حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: «أَنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِمَكَّةَ» وَجَدْنَا فِيهِنَّ أَرْبَعَةَ مَوَاضِعَ
стр. 721
بَابُ ذِكْرِ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " كَانَ هَذَا أَوَّلَ شَيْءٍ فَرِيضَةً، ثُمَّ خَفَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] "
стр. 722
بَابُ
стр. 723
ذِكْرِ الْمَوْضِعِ الثَّانِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَجْوِبَةٍ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: " ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] مِنَ الشِّرْكِ " وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَخْرَجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ» وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ، " ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] : مَنْ آمَنَ «وَعَنْ عِكْرِمَةَ» ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] : مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ «وَعَنْ قَتَادَةَ،» ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْوَرَعِ «وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ» ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦] بِمَالِهِ وَعَمَلِهِ " وَعَنْ عَطَاءٍ: «الصَّدَقَاتُ كُلُّهَا»
стр. 724
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " إِذَا خَرَجْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ لِأَنَّ التُّزَكِّيَ فِي اللُّغَةِ التَّطَهُّرُ، وَهَذَا كُلُّهُ تَطَهُّرٌ لِأَنَّهُ انْتِهَاءٌ إِلَى مَا يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ زَكَاةٌ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهَا تَطْهِيرٌ لِمَا فِي الْمَالِ، وَقِيلَ: هِيَ مِنَ الزَّكَاءِ أَيْ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلْتُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ تَأَوَّلُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " أَخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤] " وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وأَبِي الْعَالِيَةِ، ومُوسَى بْنِ وَرْدَانَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَفَرَضَهَا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الزَّكَاةُ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً لِأَنَّهَا بَعْدَهَا، وَجَازَ أَنْ تَكُونَا وَاجِبَتَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُهُمَا، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رُبَّمَا أَشْكَلَ فَتَوَهَّمَ سَامِعُهُ النَّسْخَ فِي ذَلِكَ
стр. 725
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ ⦗٧٦٢⦘ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَالْأَمْرُ مَرَّةً وَاحِدَةً يَكْفِي وَلَا يَزُولُ إِلَّا بِشَيْءٍ يَنْسَخُهُ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالزُّهْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، ومَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَابْنَ الْمُبَارَكَ قَالَا: «إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَلَى قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَعُولُهُ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ» وَأَهْلُ الرَّأْيِ يَقُولُونَ: لَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: «أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ»
стр. 726
قَالَ ⦗٧٦٣⦘: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ عَبْدِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ فُرِضَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْرَضَ عَلَى مَوْلَاهُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ فَذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا أُعْتِقَ وَهَذَا قَوْلٌ بِالظَّاهِرِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا تُدْفَعُ صِحَّتُهُ
стр. 727
رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ» فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ ذلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يُخْرِجُ عَنْهُ الْحَرُّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ وَذَلِكِ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ وَمَوْجُودٌ قَالَ اللَّهُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] لَا نَعْلَمُ اخْتِلَافًا أَنَّ مَعْنَاهُ: عَمَّا يَرَى وَأَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ
[البحر الوافر]
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
⦗٧٦٤⦘
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: «أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فُرِضَتْ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَسَخَهَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَالَ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ أَوْ حَدِيثٍ يُزِيلُهَا وَيُبَيِّنُ نَسْخَهَا، وَلَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَصَحَّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِيجَابُهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يُخْرِجُ مِنْهَا مِنَ الْبُرِّ وَالزَّبِيبِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ إِلَّا صَاعٌ فَمِمَّنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ إِلَّا صَاعٌ الْحَسَنُ، ومَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وأَحْمَدُ، وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ الْعَبَّاسِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمَا وَمِمَّنْ قَالَ: يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُثْمَانُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَسْمَاءُ، وجَابِرٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، ومُعَاوِيَةُ، فَهَؤُلَاءِ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وعُرْوَةُ، وَأَبُو سَلَمَةَ ⦗٧٦٥⦘، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، ومُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، فَهَؤُلَاءِ أَحَدَ عَشَرَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِمَّنْ دُونَهُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَرَضَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَكَانَ ذَلِكَ قُوتَهُمْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ قُوتٍ كَذَلِكَ وَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ هُمُ الَّذِينَ قَدَّرُوا نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُمْ إِلَّا إِلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُمَا وَلَيْسَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ إِلَّا بِالِاحْتِجَاجِ بِغَيْرِهِمَا
стр. 728
وَقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ يُخْبِرُ: أَنَّ النَّاسَ فَعَلُوا هَذَا وَالنَّاسُ أَتْبَاعُهُ ⦗٧٦٧⦘، فَأَمَّا الزَّبِيبُ فَأَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَّا صَاعٌ خَلَا أَبَا حَنِيفَةَ، فَإِنَّ أَبَا يوسُفَ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ نِصْفُ صَاعٍ كَمَا يُخْرَجُ مِنَ الْبُرِّ وَأَمَّا الِاخْتِيَارُ فِيمَا يُخْرِجُ فَأَهْلُ الْعِلْمِ مَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ: فَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ التَّمْرَ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ مَا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَيَّ التَّمْرُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: «إِخْرَاجُ التَّمْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ» ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ التَّمْرَ مَنْفَعَتُهُ عَاجِلَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «الْبُرُّ أَحَبُّ إِلَيَّ» ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: «أَعْجَلُهَا مَنْفَعَةً الدَّقِيقُ يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعِ دَقِيقٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، فَمِمَّنْ أَجَازَ ⦗٧٦٨⦘ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وأَحْمَدُ إِلَّا إِخْرَاجَ الْمِكْيَلَةِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: «يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ» فَأَمَّا دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى إِنْسَانٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ جَمَاعَةٍ فَمِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَأَجَازَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «تُقْسَمُ كَمَا تُقْسَمُ الزَّكَاةُ» ، وَأَمَّا إِعْطَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُجِيزُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، فَمِمَّنْ أَجَازَهُ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الرَّأْيِ فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ فَلَمْ يُجِيزُوا فِي الزَّكَاةِ إِلَّا دَفَعَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُدْفَعَ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَمَّا دَفْعُ الرَّجُلِ عَنْ زَوْجَتِهِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَوْجِبُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ: لَا «يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ» ⦗٧٦٩⦘ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِي أَدَّاءِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهُ أَيْضًا، فَقَالَ الْحَسَنُ، وعَطَاءٌ: «لَا يَجِبُ عَلَى مَوْلَاهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ» ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: «عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ» ⦗٧٧٠⦘ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُكَاتَبِ فَقَالَ مَالِكٌ: «عَلَى مَوْلَاهُ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ» ، وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ: «لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ» وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَّا عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» ، فَالْحُرُّ يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ، وَالْعَبْدُ يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ
стр. 729
كَمَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ فِي مَالِهِ شَيْءٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ» إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا يَقُولُونَ ⦗٧٧١⦘: عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ عَبْدِهِ فَأَمَّا تَقْدِيرُ الصَّاعِ فَقَدْ قَدَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ خُمْسُ وَيْبَةٍ، وَالْمُدُّ رُبُعُهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا نَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي الْكَيْلِ، فَمَنْ قَالَ: يُخْرِجُ الْإِنْسَانُ صَاعًا مِنْ بُرٍّ قَالَ: يُخْرِجُ الْوَيْبَةَ عَنْ خَمْسَةٍ، وَمَنْ قَالَ: يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعٍ مِنَ بُرٍّ قَالَ: الْوَبْيَةُ عَنْ عَشَرَةٍ وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ، وَالْمُتَفَقِّهُونَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِّ يَقُولُونَ: عَنْ ثَمَانِيَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ مِنَ الْوَزْنِ فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ: «أَنَّهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ» ، وَعَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أُخِذَ هَذَا، وَهُمْ ⦗٧٧٢⦘ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ: «هُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ» وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ فَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " أَيْ لَسْتَ تَكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] ، ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] فَنَسَخَ هَذَا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] فَجَاءَ: قَتْلُهُ أَوْ يُسَلِّمُ، وَالتَّذْكِرَةُ كَمَا هِيَ لَمْ تُنْسَخْ «وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ،» ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] قَالَ: بِجَبَّارٍ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ: تَسَيْطَرَ عَلَى الْقَوْمِ إِذَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ، أَيْ: لَسْتَ تُجْبِرُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَدْعُوَهُمُ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَكِلُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ: فَقَوْلُهُ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ
стр. 730
فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ⦗٧٧٣⦘ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ،: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] قَالَ: «إِذَا فَرَغْتَ مِنْ صَلَاتِكِ فَانْصَبْ فِي الدُّعَاءِ» وَقَالَ الْحَسَنُ: «إِذَا فَرَغْتَ مِنْ غَزْوِكَ وِجِهَادِكَ فَتَعَبَّدْ لِلَّهِ تَعَالَى» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «إِذَا فَرَغْتَ مِنْ شُغْلِكَ بِأُمُورٍ الدُّنْيَا فَصَلِّ وَاجْعَلْ رَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا أُدْخِلَ هَذَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي مَعْنَى فَانْصَبْ: أَنَّهُ «فَانْصَبْ لَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَفَرْضُ قِيَامِ اللَّيْلِ مَنْسُوخٌ عَلَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ وَاجِبُ» وَالْمَعَانِي فِي الْآيَةِ مُتَقَارِبَةٌ أَيْ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ شُغْلِكَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ تَشْتَغِلَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَوِ الْآخِرَةِ فَانْصَبْ، أَيْ: انْتَصِبْ لِلَّهِ تَعَالَى وَاشْتَغِلْ بِذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَالصَّلَاةِ لَهُ، وَلَا تَشْتَغِلْ بِاللَّهْوِ وَمَا يُؤْثِمُ وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ لَقِيَامِ اللَّيْلِ
стр. 731
سُورَةُ الْقَدْرِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ
стр. 732
حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: «أَنَّ سُورَةَ الْقَدْرِ، وَلَمْ يَكُنْ مَدَنِيَّتَانِ، وَأَنَّ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا إِلَى آخِرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ مَكِّيَّةٌ، وَأَنَّ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ إِلَى آخِرِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَدَنِيَّةٌ»
стр. 733
وَقَالَ كُرَيْبٌ: وَجَدْنَا فِي كِتَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ مِنْ سُورَةِ الْقَدْرِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ مَكِّيَّةٌ إِلَّا إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَإِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
стр. 734
، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فَإِنَّهُنَّ مَدَنِيَّاتٌ» وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ يَجِدْ فِيهِنَّ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا، وَإِذَا تَدَبَّرْتَ ذَلِكَ وَجَدْتَ أَكْثَرَهُنَّ وَأَكْثَرَ مَا لَيْسَ فِيهِ نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ إِنَّمَا هُو فِيمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ نَسْخٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ نَسْخٌ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَلَا فِي أَسْمَائِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: وَلَا فِي إِخْبَارِهِ، وَمَعْنَاهُ: وَلَا فِي إِخْبَارِهِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا: أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُنْقَلَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَمْرِ إِلَى النَّهْي، وَمَنَ النَّهْي إِلَى الْأَمْرِ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: افْعَلْ كَذَا، وَكَذَا مُحْرِمٌ عَلَيْكَ سَنَةً، جَازَ أَنْ تُبِيحَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، وَإِذَا قُلْتَ: افْعَلْ كَذَا، وَكَذَا مُحْرِمٌ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ وَقْتًا أَوْ شَرْطًا فَكَذَا أَيْضًا سَوَاءٌ عَلَيْكَ ذَكَرْتَهُ أَمْ لَمْ تَذْكُرْهُ، فَهَذَا مُحَالٌ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَإِخْبَارِهِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ تَقُولَ: قَامَ فُلَانٌ، ثُمَّ تَقُولَ بَعْدَ وَقْتٍ: لَمْ يَقُمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْأَوَّلِ اشْتِرَاطٌ، وَلَا زَمَانٌ، فَالنَّسْخُ فِي الْإِخْبَارِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ
стр. 735
كَذِبٌ، وَفِي الْأَمْرِ وَالنَّهْي أَيْضًا مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ نَسْخٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَخَصَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَاتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ وَفَضَلٍ وَكَرَمٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ