← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] قَالَ: «حِينَ تَقُومُ مِنَ الْمَجْلِسِ تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَيَكُونُ هَذَا نَدْبًا لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ رَغَّبَ فِي ذَلِكَ وَكَانَ يَقُولُ كُلَّمَا قَامَ مِنْ مَجْلِسٍ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهُ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» . وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ

стр. 667

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَمَّا كَانَ مُخَاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ فَرْضَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَنَدْبًا عَلَى قَوْلِ قَوْمٍ. وَحَجَّةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْكَلَامَ عَامٌ فَلَا يُخَصُّ بِهِ الْقِيَامُ مِنَ النَّوْمِ إِلَّا بِحُجَّةٍ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يَعْنِي بِهِ: الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " يَعْنِي بِهِ: الْمَغْرِبَ "

стр. 668

وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] «هُوَ التَّسْبِيحُ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ» ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ ﴿إِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] «صَلَاةُ الصُّبْحِ» ، وَاخْتَارَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَرْضٌ. وَالْأَوْلَى أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَيْهَا وَأَوْلَى مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ صَحَابِيٍّ لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا

стр. 669

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنِ عَلِيٍّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] قَالَ: «الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ» ⦗٦٨٩⦘ فَإِنْ قِيلَ فَالرَّكْعَتَانِ غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ وَالْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَتْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ الْحَتْمِ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَتْمًا ثُمَّ نُسِخَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ إِلَّا الصَّلَوَاتُ الْخُمُسُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَيْسَتَا بِفَرْضٍ وَلَكِنَّهُمَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا لَا يَنْبَغِي تَرَكُهُمَا وَفِي وَالنَّجْمِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لِلنَّاسِ فِي هَذَا أَقْوَالٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ فَلَا يَنْفَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَدِّقَ عَنْهُ أَحَدٌ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ثَوَابَ شَيْءٍ عَمِلَهُ. قَالُوا: وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى كَمَا قَالَ تَعَالَى وَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَهِيَ مَضْمُومَةٌ إِلَى الْآيَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ الْأَحَادِيثُ لَهَا تَأْوِيلٌ: وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا سَعَى فَمِمَّنْ تُؤَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ابْنُ عَبَّاسٍ

стр. 670

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] " فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ﴾ : فَأَدْخَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآبَاءَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْأَبْنَاءِ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ⦗٦٩٠⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَذَا عِنْدِي فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَدْخَلَ اللَّهُ الْأَبْنَاءَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ الْآبَاءَ يُلْحَقُونَ بِالْأَبْنَاءِ كَمَا يُلْحَقُ الْأَبْنَاءُ بِالْآبَاءِ

стр. 671

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢١] أَيْ: نَقَصْنَاهُمْ "

стр. 672

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شكيبٍ الْكُوفِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَمَاعِةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لِيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ لِيُقِرَّ بِهِمْ عَيْنَهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] الْآيَةَ " فَصَارَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَذَا يَجِبُ ⦗٦٩١⦘ أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُ هَذَا إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا فَعَلَهُ وَبِمَعْنَى آيَةٍ أَنْزَلَهَا تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَنْفَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَدِّقَ عَنْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ فَقَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَسَعْ أَحَدًا رَدُّهُ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ سَنَذْكُرُ مِنْهَا شَيْئًا

стр. 673

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِالْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، زِيَادَةٌ وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: أَرَأَيْتِ لَوْ ⦗٦٩٢⦘ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوْلَى» فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: فِي الْحَجِّ صَلَاةٌ لَا بُدُّ مِنْهَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قِيلَ لَهُمْ الْحَجُّ مُخَالِفٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ ثَبَاتِ السُّنَّةِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ مَنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ

стр. 674

وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ، رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامٌ قَالَ: «فَصُمْ عَنْهَا» وَقَدْ قَالَ مَنْ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لَا يَصُمْ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، فَقَالَ مَنْ أَحْتَجُّ لَهُ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِيمَ الْإِسْنَادِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ الْمَحَلُّ الْجَلِيلُ فَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ غَلَطٌ وَقَدْ خَالَفَهُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ مِنَ الْإِتْقَانِ عَلَى مَا لَا خِفَاءَ بِهِ

стр. 675

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ⦗٦٩٣⦘، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذَرٌ قَالَ: «فَاقْضِهِ عَنْهَا»

стр. 676

وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْحَقُ الْمُسْلِمَ أَوْ يَنْفَعُ الْمُسْلِمَ ثَلَاثٌ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، وَعِلْمٌ نَشَرَهُ، وَصَدَقَةٌ جَارِيَةٌ» وَنَذْكُرُ قَوْلَ مَنْ تَأَوَّلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِيهَا أَقْوَالٌ: وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَلَمْ يُجِزْ فِيهَا التُّرْكَ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَكَانَ هَذَا مَذْهَبَهُ فَقَالَ: يَحُجُّ الْإِنْسَانُ عَنِ الْإِنْسَانِ وَيَتَصَدَّقُ عَنْهُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامِ نَذَرٍ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٦٩٤⦘ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ فَقَالَ: يَحُجُّ الْإِنْسَانِ عَنِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَصُومُ عَنْهُ وَلَا يُصَلِّي، وَهَذَا مُذْهِبُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ فِي عَمِلِ الْأَبْدَانِ أَنْ يَعْمَلَهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْآيَةِ وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْإِنْسَانُ عَنِ الْإِنْسَانِ إِذَا أَمَرَهُ أَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ ⦗٦٩٥⦘ سَعْيٌ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنْ عَمِلَهُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وَقَالَ فِي الْأَحَادِيثِ سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَنْ لَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي هَذَا بَيِّنٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَصْلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ يُرَدُّ هَذَا إِلَى الْآيَةِ فَفِي ذَلِكَ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَصَحَّ عَنْهُ فَهُوَ مَضْمُومٌ إِلَى الْقُرْآنِ

стр. 677

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ ⦗٦٩٦⦘ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيَهُ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا جَوَّابُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُضَمَّ الْحَدِيثُ إِلَى الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ثُمَّ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ فَكَانَ مَضْمُومًا إِلَى الْآيَةِ، وَكَانَ أَحْمَدُ ﵀ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِهَذَا حَتَّى قَالَ: مَنِ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَدْ أَفْطَرَ هُوَ وَحَاجِمُهُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٦٩٧⦘، وَفِي الْأَحَادِيثِ تَأْوِيلٌ آخَرَ فِيهِ لُطْفٌ وَدِقَّةُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا قَالَ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَلَامُ الْخَفْضِ مَعْنَاهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ الْمِلْكُ وَالْإِيجَابِ فَلَيْسَ يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَإِذَا تَصَدَّقَ عَنْهُ غَيْرُهُ فَلَيْسَ يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَجِبْ لَهُ كَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَى الْأَطْفَالِ بِإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ

стр. 678

وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ، رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا فَمَاتَتْ وَلَمْ تُوصِ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَيَكُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلَاتِ، وَفِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُهُ افْتُلِتَتْ مَعْنَاهُ مَاتَتْ فَجْأَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَلْتَةً فَوَقَى اللَّهُ تَعَالَى شَرَّهَا أَيْ فَجْأَةٌ وَفِي هَذَا مِنَ الْمَعْنَى أَنَّ عُمَرَ تَوَاعَدَ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ لَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي لَا تَدْفَعُ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْخِلَافَةُ وَأَنْ يُبَايَعَ فَجْأَةً وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَكَانَ لَهُ اسْتِخْلَافُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: «اسْتَخْلَافُهُ إِيَّاهُ عَلَى الصَّلَاةِ بِمَعْنَى اسْتَخْلَافُهُ إِيَّاهُ عَلَى إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا تُقِيمُهَا إِلَّا الْأَئِمَّةُ مِنَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ فَرُوجِعَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ يَأْبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ» ⦗٦٩٨⦘ وَقَالَ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ

стр. 679

رَوَى شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» ، فَلَمَّا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ عَلَى خَيْرِ أَعْمَالِنَا كَانَ مَا دُونَهُ تَابِعًا لَهُ

стр. 680

سُورَةُ الْحَدِيدِ وَالْمُجَادَلَةِ

стр. 681

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُمَا نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَجَدْنَا فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ مَوْضِعَيْنِ فَأَحَدُهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] الْآيَةَ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هَذِهِ نَاسِخَةٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ ⦗٧٠٠⦘ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا فَنُسِخَ ذَلِكَ وَجُعِلَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: «كَانَ الظِّهَارُ طَلَاقَ الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا أَبَدًا»

стр. 682

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ عَمْرو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ وَهُوَ ثَابِتُ بْنُ أَبِي صَفِيَّةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ١] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ «وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً» ﴾ [المجادلة: ١٢] أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ

стр. 683

كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ثُمَّ نُسِخَتْ»

стр. 684

وَقُرِئَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَوْصِلِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾ [المجادلة: ١٢] الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ؟ قَالَ: «دِينَارٌ» ، قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: «كَمْ» ، قُلْتُ: حَبَّةَ شَعِيرٍ، قَالَ: «إِنَّكَ لَزَهِيدٌ» ، قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] " الْآيَةَ

стр. 685

سُورَةُ الْحَشْرِ

стр. 686

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ» لَمْ نَجِدْ فِيهَا إِلَّا مَوْضِعًا وَاحِدًا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] فِي هَذِهِ الْآيَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ: الْفَيْءُ، وَالْغَنِيمَةُ وَاحِدٌ وَكَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَلَا يَكُونُ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ثُمَّ نَسْخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ الْخُمُسَ، وَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِمَنْ حَارَبَ فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ رَوَاهُ عَنْهُ سَعِيدٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفَيْءُ خِلَافُ الْغَنِيمَةِ الْغَنِيمَةُ مَا أُخِذَ عَنْوَةً بِالْغَلَبَةِ وَالْحَرْبِ يَكُونُ خُمُسُهُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلَّذِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهِ، وَالْفَيْءُ مَا صُولِحَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَقْسُومًا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ وَلَا يُخَمَّسُ

стр. 687

، هَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَوَاهُ عَنْهُ وَكِيعٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الْفَيْءُ أَيْضًا غَيْرُ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ يُخْرَجُ خُمُسُهُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَتَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ خَارِجَةً فِي صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ تُبَيِّينُ لِمَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: الْفَيْءُ مَا قُوتِلَ عَلَيْهِ وَأَوْجَفَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَالْقَوْلُ السَّادِسُ:

стр. 688

حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّهُ الْجِزْيَةُ، وَالْخَرَاجُ خَرَاجُ الْقُرَى يَعْنِي: الْقُرَى الَّتِي تُؤَدِّي الْخَرَاجَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا تُنَافِي الْأُخْرَى فَيَكُونُ النَّسْخُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْفَيْءَ خِلَافُ الْغَنِيمَةِ قَوْلٌ مُسْتَقِيمٌ صَحِيحٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَيْءَ مُشْتَقٌّ مِنْ فَاءَ يُفِيءُ إِذَا رَجَعَ، فَأَمْوَالُ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِ فَإِذَا امْتَنَعُوا ثُمَّ صَالَحُوا رَجَعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَقَوْلُ مَعْمَرٍ إِنَّهَا الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ ⦗٧٠٥⦘ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولَى فَغَلَطَ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى جَاءَ التَّوْقِيفُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ حِينَ جُلُوا عَنْ بِلَادِهِمْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لَأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] فَجَعَلَ اللَّهُ أَمْوَالُهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً فَلَمْ يَسْتَأْثِرْ بِهَا ﷺ وَفَرَّقَهَا فِي الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَأَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا ﷺ إِلَّا مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي أَهْلَهُ فَفِي هَذَا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ لِأَصْنَافٍ بِعَيْنِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَا كَانَ فِي أَصْنَافٍ بِعَيْنِهِمْ خِلَافُ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ وَيُبَيِّنُ لَكَ هَذَا الْحَدِيثُ حِينَ تَخَاصَمَ عَلِيُّ وَالْعَبَّاسُ ﵄ إِلَى عُمَرَ ﵁ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ

стр. 689

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ ⦗٧٠٦⦘ عَلِيٍّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: " أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِةَ فَقَالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: يَا مَالُ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ وَقَدْ أَمَرْتُ بِرَضْخِ فَخِذِهِ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، قُلْتُ لَهُ: لَوْ أَمَرْتَ غَيْرِي بِذَلِكَ، قَالَ: خُذْهُ فَجَاءَ يَرْفَأُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا يَعْنِي: عَلِيًّا ﵇ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْهُمَا، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا قَدِمَا أُولَئِكَ النَّفْرَ لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنْشُدُكُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ ⦗٧٠٧⦘ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ نَبِيَّهُ ﷺ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ فَقَالَ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَ اللَّهُ أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَهَا عَلَيْكُمْ وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجِئْتَ أَنْتَ تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ فَوُلِّيتُهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيَهَا، ثُمَّ جِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ وَأَمْرِكُمَا وَاحِدٌ فَسَأَلْتُمَانِيهَا فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ لَتَلِيَانِهَا بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلِيهَا بِهِ فَأَخَذْتُمَاهَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ " ⦗٧٠٨⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] الْأَوَّلُ خِلَافُ الثَّانِي وَأَنَّهُ جُعِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً وَأَنَّ الثَّانِي خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْنَاسِ جَمَاعَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﵇: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ، فَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَجْعَلُونَهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَمِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ، وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا نُورَثُ» قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ وَحْدَهُ ﷺ كَمَا يَقُولُ الرَّئِيسُ: فَعَلْنَا وَصَنَعْنَا، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ لَا نُورَثُ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَى أَحَدٍ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] وَمَا بَعْدَهُ فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا قَالَ زَكَرِيَّا ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] ؛ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَوَالِيهِ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى يَرِثُ النُّبُوَّةَ مِنْ بَعْدِهِ وَالشَّرِيعَةُ، فَقَالَ ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَى أَحَدٍ فَقَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ كَانَ نَبِيًّا فِي وَقْتِ أَبِيهِ قِيلَ لَهُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الشَّرَائِعَ كَانَتْ إِلَى دَاوُدَ ﵇ وَكَانَ سُلَيْمَانُ مَعِينًا لَهُ فِيهَا، وَكَذَا كَانَتْ سبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِذَا اجْتَمَعُوا أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَوَرِثَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ ⦗٧٠٩⦘ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ أَيْ: لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» بِالنَّصْبِ وَتَكُونُ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَتَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْضًا وَالْمَعَانِي فِي هَذَا مُتَقَارِبَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَا يُورَثُ عَلَيْهِ السَّلَامُ

стр. 690

سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ

стр. 691

حَدَّثَنَا يَمُوتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: «أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ» فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ أُولَاهُنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَخْصُوصَةٌ فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ فِي حُلَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ لَمْ يَقْضِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ عَامَّةٌ مُحْكَمَةٌفَمِمَّنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ قَتَادَةُ

стр. 692

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] قَالَ: " نَسَخَهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمُ﴾ [التوبة: ٥] ⦗٧١٢⦘ " وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَوْلُ مُجَاهِدٍ قَالَ: « ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا» وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: «هُمْ خُزَاعَةُ» وَقَالَ الْحَسَنُ: «هُمْ خُزَاعَةُ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ» ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] قَالَ: تُوَفُّوا لَهُمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّهَا عَامَّةٌ مُحْكَمَةٌ قَوْلٌ حَسَنٌ بَيِّنٌ وَفِيهِ أَرْبَعُ حُجَجٍ مِنْهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ مَطْعُونٌ فِيهَا،؛ لِأَنَّ قَوْلَ قَتَادَةَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَدْ رُدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لَيْسَ بِعَامٍّ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ثُمَّ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا فَصَارَتِ الْآيَةُ لِبَعْضِ السُّرَّاقِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤهُ فَكَذَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قَدْ خَرَجَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِنْ أَدَّوُا الْجِزْيَةَ، وَخَرَجَ مِنْهُ الرَّسُولُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى وَافَاهُ رَسُولَانِ مِنْ مُسَيْلِمَةَ فَقَالَ لَهُمَا: «أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» فَقَالَا ⦗٧١٣⦘: أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ لَوْلَا أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا» وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْعَسِيفِ " فَهَذَا كُلُّهُ خَارِجٌ مِنَ الْآيَةِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عَلَى مَا أُمِرْتُمْ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الْإِقْسَاطِ إِلَيْهِمْ وَهُوَ الْعَدْلُ فِيهِمْ، وَمِنْ بِرِّهِمْ أَيِ: الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ بِوَعْظِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ ثَابِتًا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ: أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا بَعُدَ وَجَبَ أَنْ لَا يُقَاتَلَ حَتَّى يُدْعَى وَيُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَهَذَا مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْعَدْلِ فِيهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ، عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ أَمَرَهُمْ أَلَا يُقَاتِلُوا حَتَّى يَدْعُوا مَنْ عَزَمُوا عَلَى قِتَالِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي كُلِّ مَنْ عُزِمَ عَلَى قِتَالِهِ وَهُوَ مَرْوِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ ⦗٧١٤⦘ وَقَوْلُ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، ورَبِيعَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ: لَا يُدْعَى مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأَحْمَدَ، وإِسْحَاقَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا مَطْعُونٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] وَالْكَلَامُ مُتَّصِلٌ فَلَيْسَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ يَكُونُ عَدُوًّا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ يُرَدُّ بِهَذَا فَصَحَّ الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَفِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا أَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبٌ أَوْ قَرَابَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ غَيْرُ مَنْهِيُّ عَنْهُ وَلَا مُحْرِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لَهُ وَلَا لِأَهْلِ دِينِهِ بِسِلَاحٍ وَلَا كُرَاعٍ وَلَا فِيهِ إِظْهَارُ عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ تَفْسِيرَ الْآيَةِ إِذَا جَاءَ عَنْ صَحَابِيٍّ لَمْ يَسَعْ أَحَدًا مُخَالَفُتُهُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَعَ قَوْلِهِ تَوْقِيفٌ بِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ

стр. 693

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ وَجَدْنَا هَذَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ ⦗٧١٥⦘ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِّي أُمَّكِ»

стр. 694

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ ابْنَةِ الْعُزَّى بْنِ أَسْعَدَ عَلَى ابْنَتَهَا أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ بِهَدَايَا: سَمْنٍ وَتَمْرٍ وَقَرَظٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَقْبَلَهَا وَلَمْ تَدْخِلْهَا مَنْزِلَهَا فَسَأَلْتُ لَهَا عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمُ﴾ [الممتحنة: ٨] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَدْ بَانَ مَا قُلْنَا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحُجَجِ

стр. 695

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَاهَدَ عَلَيْهِ قُرَيْشًا: أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُسْلِمًا رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، فَنَقَضَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا فِي النِّسَاءِ وَنَسَخَهُ وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا جَاءَتْهُمُ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ مُهَاجِرَةً امْتَحَنُوهَا فَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِمْ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا: بِأَنَّ الْقُرْآنَ يَنْسَخُ السُّنَّةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَهَذَا كُلَّهُ مَنْسُوخٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُهَادِنَ الْكُفَّارَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا رَدَّهُ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُقِيمَ مُسْلِمٌ بِأَرْضِ الشِّرْكِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَاخْتَلَفُوا فِي التِّجَارَةِ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ خَبَرُ صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّسْخِ، وَالْأَحْكَامِ وَالْفَوَائِدِ

стр. 696

فَمَنْ ذَلِكَ مَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَثَبَّتَنِي مَعْمَرٌ بَعْدُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ مِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنَ ⦗٧١٧⦘ الْحَكَمِ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ قَالَا: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةَ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا ثُمَّ بَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ وَذَكَرَ كَلِمَةً - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الصَّوَابُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطَ أَتَى عَيْنُهُ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وَجَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ وَإِنَّهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ عَلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَعَانُوا عَلَيْنَا فَإِنْ نَجَوْا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى وَالصَّوَابُ: يَكُنِ قَدْ قَطَعَ عُنُقًا مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِلَّا تَرَكْتُهُمْ مَحْرُوبِينَ مَوْتُورِينَ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا خَرَجْتَ لِهَذَا الْوَجْهِ عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْتِ لَا تُرِيدُ قِتَالَ أَحَدٍ فَتَوَجَّهْ لَهُ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَحْسَبُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اخْتَصَرَ هَذَا الْحَدِيثَ لَمَّا فِيهِ وَالَّذِي فِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِهِ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَوْ يَكُونُ جَاءَ ⦗٧١٨⦘ بِمَا يُقَدِّرُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ بِتَمَامِهِ، فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا ثُمَّ قَالَ: فَرَاحُوا يَعْنِي: حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ» ، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُوَ بِغَبَرَةِ الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيْهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» ، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ بِهِ قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ أَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ إِنَّمَا تَبَرَّضَهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا فَلَمْ تَلْبَثْهُ النَّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ فَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ ⦗٧١٩⦘ خُزَاعَةَ وَكَانَ عَيْبَةُ نَصَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ لِإِعْدَادِ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ الْعَودُ الْمَطَافِيلُ وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا نَهَكَتْهُمُ الْحَرْبُ فَأَضَرَّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا هَادَنْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فَإِنْ أَظْهَرُ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا وَإِنْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمَرَهُ» فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا إِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تَحَدَّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ: أَيْ قَوْمِي أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَلَسْتُ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ عَلَيْكُمْ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا ⦗٧٢٠⦘ وَدَعُونِي آتِهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتُ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ هَلْ سَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنَّ تَكُنِ الْأُخْرَى فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا وَأَرَى أَوْبَاشًا مِنَ النَّاسِ خُلَقَاءَ أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ وَنَدَعُهُ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ، قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ وَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا ⦗٧٢١⦘: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: أَيْ غَدَرُ أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرِتِكَ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ قَدْ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ» ، ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ صَحَابَةَ النَّبِيَّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا يَتَنَخَّمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يَحِدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، قَالَ: فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِي وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيَّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَاللَّهُ إِنْ يَنْتَخِمُ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمَرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا مِنْهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِهِ فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَذَا فُلَانٌ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا ⦗٧٢٢⦘ لَهُ» فَبُعِثِتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ دَعُونِي آتِهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّاأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا مِكْرَزٌ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍ وفَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا الْكَاتِبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَمَا كُنْتَ تُكْتَبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ مَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُهُ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنِ اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا يَسْأَلُونَنِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ⦗٧٢٣⦘، فَقَالَ النَّبِيُّ: «أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ نَطُوفُ بِهِ» ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍ و: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكُ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍ وَهُوَ يَرْسِفُ فِي قُيُودِهِ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا نُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ» ، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذَنْ لَا أُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ فَأَجِزْهُ لِي "، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزُهُ لَكَ، قَالَ: " بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَقَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى، قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَاذَا لَقِيتُ - وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ - فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: وَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: «بَلَى» ، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: «بَلَى» ، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذَنْ، قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي» ، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ قَدْ وَعَدْتَنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: " بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ تَأْتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ» ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذَنْ؟ قَالَ: أَيُّهَا ⦗٧٢٤⦘ الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ، قُلْتُ: أَوَ لَيْسَ كَانَ يُحَدَّثَنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟، قَالَ: بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًافَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى تَنْحَرَ وَتَحْلِقُ، فَخَرَجَ فَنَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٌ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَا لَهُ فِي الشِّرْكِ فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ⦗٧٢٥⦘، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وعُتْبَةُ بْنُ أَسَدِ بْنِ حَارِثَةَ الثَّقَفِيُّ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا: الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، قَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْأَخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ رَأْي هَذَا ذُعْرًا» ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَتَلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ ⦗٧٢٦⦘، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سَيْفَ الْبَحْرِ قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ قَالَ: فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لِايَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُنَاشِدُونَهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ إِلَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمَنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] حَتَّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] ⦗٧٢٧⦘ ، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْأَحْكَامِ وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْآدَابِ وَالْأَحْكَامِ مِنَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِمَا وَمَنَ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ نَيْفٌ وَثَلَاثُونَ مَوْضِعًا نَذْكُرُ مِنْهَا مَوْضِعًا مَوْضِعًا إِنَّ شَاءَ اللَّهُ. فَمَنْ ذَلِكَ الْوقُوفُ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وَإِنَّ الْبِضْعَ يَقَعُ لِأَرْبَعٍ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَإِنَّ الْمِائَةَ تُعَدُ عَدَدَ الْوَاحِدَةِ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَنَّ لِمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ سَنَةَ سِتٍّ ثُمَّ أَقَامَ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ

стр. 697

كَمَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنْ بَلَدِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ ⦗٧٢٨⦘، وَمِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أَنْ يُحْرِمَ الْإِنْسَانُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ وَلَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَمَلِ بِهِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «إِتْمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ» قِيلَ: هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌ لِمَنْ كَانَ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ كَمَا رُوِيَ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمَهُلُّهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَهْلُهُ» كَمَا يُهِلُّ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْعَرَ الْبُدْنَ فَكَانَتْ هَذِهِ سُنَّةً عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُ الْكُوفِيُّونَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِشْعَارُ الْبُدْنِ

стр. 698

وَقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدْيَهُ بِيَدَيْهِ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّهُ لَهُ وَبَعَثَ ⦗٧٢٩⦘ بِالْهَدْيِ مَعَ أَبِي " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُ الْكُوفِيُّونَ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا: أَنَّ الْإِشْعَارَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ وَقِيلَ فِي وَقْعَةِ خَيْبَرَ، وَحَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِالنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْإِشْعَارُ بَعْدُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَنْسَخَ الْأَوَّلُ الْآخِرَ وَقَدْ كَانَ الْإِشْعَارُ أَيْضًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَفِيهِ أَيْضًا سُنَّةُ التَّقْلِيدِ وَفِيهِ أَنَّ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَفِيهِ السُّنَّةُ فِي التَّوْجِيهِ بِعَيْنٍ إِلَى الْعَدُوِّ وَفِيهِ التَّوْجِيهِ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَافَرَ وَحْدَهُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاحِدِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «مَنْ يَعْرِفُ لَنَا خَبَرَ الْقَوْمِ» ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيُّ وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» وَفِيهِ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَوْلَا أَنَّهُ مَقْبُولٌ مَا وَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ بِوَاحِدٍ لِيُخْبِرَهُ بِخَبَرِ الْقُومِ وَفِيهِ: مُشَاوَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: فَعَلَ ذَلِكَ لِتَسْتَنَّ بِهِ أُمَّتُهُ، وَمَا شَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ الْأُمُورِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَشُورَةَ نِصْفُ الْعَقْلِ

стр. 699

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ⦗٧٣٠⦘، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄» وَفِيهِ: مَشُورَةُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَيَنْحَرَ وَيَحْلِقَ، لِأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَ فِعْلَهُ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ لَيْسَ فِي الْمَشُورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْوَلَايَةِ وَفِيهِ: السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «انْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» وَفِيهِ: أَنَّ مَنَ قَلَّدَ وَأَشْعَرَ فَلَمْ يُحْرِمْ عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَفِيهِ: إِبَاحَةُ سَبْي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعَانُوا مُشْرِكِينَ ⦗٧٣١⦘ آخَرِينَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: «أَتَرَوْنَ أَنَّ نَمِيلَ عَلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ» وَفِيهِ: إِجَازَةُ قِتَالِ الْمُحْرِمِ مَنْ صَدَّهُ عَنِ الْبَيْتِ وَمَنْعَهُ مِنْ نُسُكِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَوَ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ» وَفِيهِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونَنِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» ، وَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا أَجْوِبَةٌ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا شَيْئًا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَذَا فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا أُمِرَ بِالِاسْتَثْنَاءِ فِيمَا يَخَافُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ حَذْفًا لَعِلْمِ السَّامِعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ الْمُحَدِّثُ، أَوْ جَرَى عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ. وَفِيهِ: إِعْطَاءُ النَّبِيِّ ﷺ السَّهْمَ لِأَصْحَابِهِ حَتَّى جَعَلُوهُ فِي الْمَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وَازْدِيَادِهِمْ بَصِيرَةً وَفِيهِ: إِجَازَةُ مُهَادَنَةِ الْمُشْرِكِينَ بِلَا مَالٍ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ ثَمَّ ضَعْفٌ وَفِيهِ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ قَالَ: «هَادِنْهَمْ عَشْرَ سِنِينَ» ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَالُوا: لَا تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ إِذَا كَانَ ثَمَّ خَوْفٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ يَفْعَلُ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ ⦗٧٣٢⦘ وَفِيهِ: إِجَازَةُ مُهَادَنَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا فِيهِ ضَعْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ،؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَبَوْا أَنْ يَكْتُبُوا إِلَّا: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لِلَّهِ ، وَكَذَا لَمَّا قَالُوا: لَا تَكْتَبُ إِلَّا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَفِيهِ: مِنَ الْمَشْكِلِ أَنَّهُ قَاضَاهُمْ عَلَى أَنَّهُ: مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا رَدَّهُ إِلَيْهِمْ حَتَّى نَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ هَذَا مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ حَتَّى ثَبَّتَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵄، وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْفِعْلِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا لِقِلَّةِ أَصْحَابِهِ وَكَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ قُرَيْشٍ حَتَّى يَفْرُغَ لَهُمْ، وَأَنْ يُقَوِّيَ أَصْحَابَهُ وَمِنْ أَصَحِّ مَا قِيلَ فِيهِ: وَهُوَ مُذْهِبُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَثُرَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَا يُخَاطِبُ أَحَدًا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ إِلَّا أَسْلَمَ فَمَعْنَى هَذَا أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ مِنْهُمَ مَنْ سَيُسْلِمُ وَأَنَّ فِي هَذَا الصَّلَاحَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي رَدِّهِ مَنْ أَسْلَمَ إِلَيْهِمْ إِلَّا أَحَدُأَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْتَنَ فَيَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ بِقَلْبِهِ فَالْوِزْرُ سَاقِطٌ عَنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يُعَذَّبَ فِي اللَّهِ فَيُثَابَ، عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا بِحَيِّ أَهَالِيهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ فَهُمْ مُشْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ فِيَ ذَلِكَ الصَّلَاحِ إِحْمَادَهُمُ الْعَاقِبَةَ بِأَنْ سَأَلَ الْكُفَّارُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُوزُوا إِلَيْهِمْ كُلَّ مَنْ أَسْلَمُوا ⦗٧٣٣⦘ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : " إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا أَعْصِيهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَفِيهِ تَبْيِينُ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَأَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَحْكَامِ اللَّهِ وَشَرَائِعِ نَبِيِّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ عُمَرُ بِمِثْلِ جَوَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَبَّتَهُ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ كَرَاهَةً لِإِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ وَفِيهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ فِي هَذَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ: هَذَا مَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، قَالَ:؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ نَفْيًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا إِغْفَالٌ، قَالَ اللَّهُ ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣] وَفِيهِ: إِجَازَةُ صُلْحِ الْإِمَامِ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ جَمِيعِهِمْ،؛ لِأَنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍ وَهُوَ الَّذِي صَالَحَ، وَفِيهِ: اسْتِحْبَابُ الْفَأْلِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ: «قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمَرَكُمْ» وَفِيهِ: إِجَازَةُ قِيَامِ النَّاسِ عَلَى رَأْسِ الْإِمَامِ بِالسُّيُوفِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ وَمَخَافَةً لِلْغَدْرِ،؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُغِيرَةِ بْنَ شُعْبَةَ كَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَهُ الْمُغِيرَةُ بِنَعْلِ - سَيْفِهِ، وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَعَ يَدَهُ ⦗٧٣٤⦘ وَفِيهِ: خَبَرُ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مَعَ قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ مَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْلِمًا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا إِسْلَامُكَ فَأَقْبَلُهُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ "،؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ مَغْنُومَةً عِنْدَ الْقَهْرِ فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهَا عِنْدَ الْأَمْنِ، وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُصَاحِبًا لَهُمْ فَقَدْ أَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ، فَسَفْكُ الدِّمَاءِ وَأَخْذُ الْمَالِ عِنْدَ ذَلِكَ غَدْرٌ، وَالْغَدْرُ مُحْظَورٌ، وَأَمْوَالُ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَارِ لَهُمْ يَسْتَوونَ فِي ذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِالْحَقِّ وَفِيهِ: طَهَارَةُ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَنَخَّمَ: مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ النُّخَامَةَ فَيَحُكُّ بِهَا جِلْدَهُ، عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَنَّ النُّخَامَةَ إِذَا سَقَطَتْ فِي مَاءٍ اهْرِيقَ. وَفِيهِ: مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَإِنَّكَ تَأْتِيهِ» ، فَدُلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى فَعْلٍ وَلَمْ يُوجِبْ وَقْتًا أَنَّ وَقْتَهُ أَيَّامُ حَيَاتِهِ وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَنَحَرَ هَدْيَهُ مَكَانَهُ،؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَذَا فَعَلَ لَمَّا حُصِرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حَلَّ، وَنَحَرَ فِي الْحِلِّ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَفِيهِ: أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ لَمَّا سَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يُطَالِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ لَمَّا لَمْ يُطَالِبْ بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ، فَكَانَ الْحُكْمُ فَكَذَا فِي نَظِيرِ هَذَا وَفِيهِ: أَنَّهُ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ فَلَمَّا اعْتَزَلَ ⦗٧٣٥⦘ أَبُو بَصِيرٍ بِسَيْفِ الْبَحْرِ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ لَمْ يُأْمَرْ بَرْدِهِمْ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِنْ صَالَحَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَفِيهِ: وَلَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا وَكَانَ هَذَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النِّسَاءِ فَلَا نَسْخَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ: وَلَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، وَأَحَدٌ مُحِيطٌ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَسْخَ هَذَا فِي النِّسَاءِ وَكَانَ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَفِيهِ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا اجْتَمَعُوا بِسَيْفِ الْبَحْرِ وَضَيَّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَضُمَّهُمْ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَف أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وَقَدْ رُوِيَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا

стр. 700

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،: " أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٧٣٦⦘ وَأَصْحَابِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمُ﴾ [الفتح: ٢٤] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ جِهَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ هَذَا الْحَدِيثِ: هَبَطُوا مِنَ التَّنْعِيمِ وَالتَّنْعِيمِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ، وَأَبُو بَصِيرٍ كَانَ بِسَيْفِ الْبَحْرِ، وَسَيْفُ الْبَحْرِ لَيْسَ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الظَّفَرُ بِهِمْ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ظَفَرٌ وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ جَالَسَ إِمَامًا أَوْ عَالِمًا فَرَأَى إِنْسَانًا قَدْ أَلْحَقَهُ مَكْرُوهًا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغِيرَهُ وَيَصُونَ الْإِمَامَ أَوِ الْعَالِمَ عَنِ الْكَلَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا أَخَذَ بِلِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ: اسْتِعْمَالُ الْحِلْمِ مِنْ أَدَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤهُ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ، ﴿وَمَا يَلْقَاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يَلْقَاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمِنْ حَسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

стр. 701

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] قَالَ: " أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبِرِ عِنْدَ الْجَزَعِ، وَالْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ، وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوَّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيُّ﴾ [فصلت: ٣٥] حَمِيمٌ وَمَا يَلْقَاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يَلْقَاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ⦗٧٣٧⦘ قَالَ: الَّذِينَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ " وَفِي الْآيَةِ الَّتِي قَصَدْتُ لِذِكْرِهَا ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ، قَالَ: الشَّافِعِيُّ ﵀ وَإِذَا جَاءَتْنَا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ مِنْ أَهْلِ الْهُدْنَةِ مَسْلَمَةً مُهَاجِرَةً مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِلَى الْإِمَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْحَرْبِ فَمَنْ طَلَبَهَا مِنْ وَلِيٍّ سِوَى زَوْجِهَا مُنِعَ مِنْهَا بِلَا عِوَضٍ، وَإِذَا طَلَبَهَا زَوْجُهَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِوِكَالَتِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُعْطَى الْعِوَضَ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ اللَّهُ ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَلَا يُعْطَى الزَّوْجُ الْمُشْرِكُ الَّذِي جَاءَتْ زَوْجَتُهُ مَسْلَمَةً الْعِوَضَ وَإِنْ شَرَطَ الْإِمَامُ رَدَّ النِّسَاءِ كَانَ الشَّرْطُ مُنْتَقِضًا، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: إِنَّ شَرْطَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إِذْا فِيهِ: أَنْ يَرُدَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ، وَكَانَ النِّسَاءُ مِنْهُمْ كَانَ شَرْطًا صَحِيحًا فَفَسَخَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَرَدَّ الْعِوَضَ مِنْ فَسْخِ مَنْ فَسَخَهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَضَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ثُمَّ رَسُولُهُ ﷺ أَنْ لَا يَرُدَّ النِّسَاءَ كَانَ شَرْطُ مَنْ شَرَطَ رَدَّ النِّسَاءِ مَفْسُوخًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِوَضٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَفْسُوخُ بَاطِلٌ وَلَا عِوَضَ لِلْبَاطِلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَهُ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ أَلَا يُعْطَى عِوَضًا وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ نَسْخَ ذَلِكَ فَكَانَ فِي هَذَا نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَمَذْهَبُهُ غَيْرُ هَذَا؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ لَا يَنْسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ وَلَا يَنْسَخَ السُّنَّةَ إِلَّا سُنَّةٌ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ لَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ فَنَسَخَتِ السُّنَّةُ السُّنَّةَ ⦗٧٣٨⦘ وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِمَامُ رَدَّ النِّسَاءِ بِحُكْمِ اللَّهِ ثُمَّ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صُلْحِ الْإِمَامِ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا وَهُوَ مَنْسُوخٌ

стр. 702

وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمٍ مِنْ خَثْعَمٍ فَاعْتَصِمُوا بِالسُّجُودِ فَقَتَلَهُمْ فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنِصْفِ الدِّيَةِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَقَامَ مَعَ مُشْرِكٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَرَاءَى نَارَهُمَا» قَالُوا: فَهَذَا نَاسِخٌ لِرَدِّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَرِئَ مِمَّنْ أَقَامَ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ⦗٧٣٩⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ هَذَا الْحَكَمَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِدَ هَذَا الْعَقْدَ إِلَّا الْخَلِيفَةُ أَوْ رَجُلٌ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلِي الْأَمْوَالَ كُلَّهَا فَمَنْ عَقَدَ غَيْرُ الْخَلِيفَةِ هَذَا الْعَقْدَ فَهُوَ مَرْدُودٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَفِي هَذَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ مِنْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَلَوْ كَانَ إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ لَمْ تَحِلَّ كَافِرَةٌ بِوَجْهٍ وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مُحْكَمَةٌ إِلَّا أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ لِمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا أَسْلَمَ وَثَنِيُّ أَوْ مَجُوسِيُّ وَلَمْ تُسْلِمِ امْرَأَتُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْتَظِرُ بِهَا تَمَامَ الْعِدَّةِ فَمِمَّنْ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنْتَظَرُ تَمَامُ الْعِدَّةِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وعَطَاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَنْتَظِرُ بِهَا الْعِدَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَنْتَظِرُ بِهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ إِذَا كَانَا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْآخَرُ فِي ⦗٧٤٠⦘ دَارِ الْإِسْلَامِ انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَلَا نَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي انْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ تَرْتَدُ وَزَوْجُهَا مُسْلِمٌ: انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا وَحُجَّتُهُ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهَا تَمَامَ الْعِدَّةِ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ نَصْرَانِيَّيْنِ فَأَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ فَفِيهِ أَيْضًا اخْتِلَافٌ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ وَهُوُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: الْوقُوفُ إِلَى تَمَامِ الْعِدَّةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَلْقَمَةَ: أَسْلَمَ جَدِّي وَلَمْ تُسْلِمْ جَدَّتِي فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا عُمَرُ ﵁، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وَقَالُوا: لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا إِلَّا بِخِطْبَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ غَلَطٌ لِأَنَّ الْكَوَافِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلنِّسَاءِ وَلَا يُجْمَعُ كَافِرٌ عَلَى كَوَافِرَ. الْحُجَّةَ فِيهِ ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ⦗٧٤١⦘ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «لَا يَزُولُ النِّكَاحُ إِذَا كَانَا فِي دَارِ الْهِجْرَةِ» وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَزُولُ النِّكَاحُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقْتُهُ. فَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ بِحَالِهَا لِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ، فَإِنْ أَسْلَمَا جَمِيعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ

стр. 703

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ: قَالَ قَتَادَةُ: " ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١١] الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] ثُمَّ نَسْخَ هَذَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ "

стр. 704

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «انْقَطَعَ هَذَا يَوْمَ الْفَتْحِ» وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «لَا يُعْمَلُ بِهِ الْيَوْمَ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١١] الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ أَوْ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] أَيْ: فَاقْتَصَصْتُمْ ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] أَيْ: الصَّدَقَاتُ "، فَصَارَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ: أَنَّهَا فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ حِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ

стр. 705

كَمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " حَكَمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُ إِنْ جَاءَتْكُمُ امْرَأَةٌ مِنَّا أَنْ تُوَجِّهُوا إِلَيْنَا بِصَدَاقِهَا، وَإِنْ جَاءَتْنَا امْرَأَةٌ مِنْكُمْ وَجَّهْنَا إِلَيْكُمْ بِصَدَاقِهَا. فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ: أَمَّا نَحْنُ فَلَا نَعْلَمُ لَكُمْ عِنْدَنَا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ لَنَا عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَوَجِّهُوا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] "
следующие страницы →