← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13080

الروايتين والوجهين - المسائل الأصولية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (123 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين تأليف القاضي أبي يعلى الحنبلي تحقيق عبد الكريم محمد اللاحم مكتبة المعارف

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م مكتبة المعارف ص. ب: ٣٢٨١ - هاتف: ٤٠١٣٧٠٨ - ٤٠٣٣٩٧٩ الرياض - المملكة العربية السعودية

стр. 3

مقدمة التحقيق

стр. 4

المقدمة الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. وبعد: فإني سأقتصر في مقدمة التحقيق لهذا الجزء على ثلاثة أمور هي: - ١ - التعريف بالمؤلف. ٢ - التعريف بالكتاب. ٣ - منهج التحقيق. وقد ذكرتها مفصلة في مقدمة تحقيق "المسائل الفقهية" من هذا الكتاب لكنه قد لا يتيسر لمن يقرأ هذا الجزء الإطلاع عليها قبل ما يتم طبع الكتاب مكتملًا. لذا فسأوجزها هنا بما يغني عن الرجوع إليها هناك.

стр. 5

التعريف بالمؤلف ويشمل ١ - اسمه ونسبه ٢ - مولده. ٣ - نشأته وحياته العلمية ورحلاته في طلب العلم. ٤ - مشائخه وتلاميذه. ٥ - مكانته العلمية. ٦ - مكانته الإِجتماعية. ٧ - آثاره العلمية. ٨ - زهده وورعه. ٩ - أعماله. ١٠ - وفاته.

стр. 6

اسمه ونسبه هو العالم العلامة شيخ الحنابلة وإمامهم في عصره: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرَّاء القاضي أبو يعلى البغدادي الحنبلي المعروف في زمانه بإبن الفراء (١)، واشتهر بعد ذلك بأبي يعلى (٢). مولده: ولد لتسع وعشرين أو ثمانٍ وعشرين خَلَتْ من شهر المحرم سنة ٣٨٠ هـ ثمانين وثلاثمائة (٣)، وقيل: ولد لسبعٍ وعشرين أو ثمانٍ وعشرين من المحرّم (٤). نشأته وحياته العلمية ورحلاته في طلبِ العِلم: نشأ في بيت علمٍ، فكان أبوه على جانبٍ كبيرٍ من العلمِ والفقه، فحرص على تعليم ابنه، وتنشئته تنشئة عِلميَّة صالحة، فكانَ يتولى تعليمَه بِنَفْسهِ. _________ (١) الفرَّاء نسبة إلى خياطة الفراء والتجارة بها. (٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣، والمنهج الأحمد ٢/ ١٠٥، والمنتظم ٨/ ٢٤٣، والأعلام ٤/ ٣٣١, وتاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦، ومناقب الإِمام أحمد/ ٥٢٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٦، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٢. (٣) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥. (٤) تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٦.

стр. 7

كما نَشَأ في بيئة علميَّة، فكانت نشأته في بغداد حاضرة العالم الإِسلامي، ومهد العلماء في عصرهِ، وكانت النهضة العلمية في ذلك العصر مكتملة الأسباب، متوافرة الدَّواعي، ولم تكن خاصة بعلم دون آخر، بل كانت متعددة الجوانب ومتنوعة الفنون. وكان الأساتذة متوافرون في كلِ علمٍ، والمكتباتُ زاخرةٌ بالمصادرِ والمراجع في كلِّ فنٍ. وكانت مدرسة الحديث عامرةً بشيوخِها وأساتِذتها. فكانَ لهذا أثرٌ كبير في نبوغِه ورسوخ قَدَمِهِ، وعلُوِّ منزِلَتِه في العلمِ والمعرفةِ، توفي والده سنةَ تسعين وثلاثمائة، وعمر أبي يعلى عشرُ سِنينَ (١)، وكان الوصِيُّ عليه رجل يعرف بالحربي، كان يسكن بدار القز (٢)، فانتقل أبو يعلى من باب الطاق الذي كان يسكن فيه مع والده إلى دار القزّ حيث يسكن الوصي، وكان بهذا الحي رجل صالح -يعرف بابن مفرحة المقرئ- يُقرئ القرآن، ويلقن طلابه بعض العبارات من "مختصر الخرقي"، فقرأ عليه أبو يعلى وأخذ عنه ما كان يلقِّنه لطلابِهِ، ولم يكتفِ أبو يعلى بهذا القدر، بل طلبَ من معلمه الزيادة فقال لَهُ: هذا القدرُ الذي أُحسنه، فإن أردت زيادةً فعليكَ بالشيخ أبي عبد اللَّه بن حامد، فإنه شيخ هذه الطائفة (٣)، يعني: الحنابلة، فقصده أبو يعلى وتتلمذ عليه، وصحبه إلى أن تُوفي، وبهذا انتقلَ من دَور التلقين إلى دور الدراسة والتحمّل، وقد نال إعجابه، وحاز رضاه، وفاق زملاءه وأقرانه، فحينما أراد ابن حامد الحج سنة اثنتين وأربعمائة سئل عمَّن يقوم بالتدريس أثناء غيابه فأشار إلى أبي يعلى وقال: هذا الفتَى (٤). _________ (١) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣. (٢) حي من أحياء بغداد. (٣) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٤. (٤) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥.

стр. 8

وقد رحل في طلب العلم إلى مكة، ودمشق، وحلب، وهناك سمع الحديث من بعض محدِّثيها (١). مشائخه ومن سمع منهم: بدأ بالتلقّي والسماع وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره (٢)، وكان أول سماعه من أبي الحسن علي بن معروف سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (٣)، وأبرز مشائخه الَّذين استفاد منهم أبو عبد اللَّه بن حامد، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وسمع من جماعة عن البغوي، وحدَّث عن البغوي عن أحمد بن حنبل. كما سمع من أبي الحسن السَّكري، عن أحمد بن عبد الجبار الصوفي، عن يحيى بن معين وغيره. وسمع أيضًا من أبي القاسم موسى بن عيسى السَّراج عن البغوي وغيره. ومن أبي القاسم بن حبابة، عن البغوي، عن علي بن الجعد، عن شعبة وغيره. ومن أبي الطيب بن المنار، عن البغوي، وابن صاعد وغيرهما. ومن أبي طاهر المخلص، عن البغوي وابن صاعد وغيرهم. ومن أبي القاسم عيسى بن علي الوزير عن البغوي وغيره. _________ (١) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣. (٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣. (٣) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.

стр. 9

ومن أبي القاسم بن سويد عن ابن مجاهد وابن الأنباري وغيرهما. وهت أبي القاسم الصَّيدلاني عن ابن صاعد وغيره. ومن أم الفتح بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل. ومن جده لأُمه أبي القاسم بن حنيفا. ومن أبي عبد اللَّه عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم السوسي وغيره. ومن أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن مالك. ومن القاضي أبي محمد الأكفاني. ومن أبي نصر بن الشاه. ومن أبي عبد اللَّه النَيْسابوري. ومن أبي الحسن الحمامي. ومن أبي الفتح بن الفوارس. وسمع آخرين بمكة ودمشق وحلب (١). مكانته العلمية: كان عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقرج دهره، عالمًا ثقةً وفقيهًا فاضلًا، معدودًا من الأماثل والأعيان، حظي بالتوقير والتقدير من المخالفين له والموافقين، انتهت إليه رياسة مذهب الحنابلة في عصره، وعنه انتشر مذهبهم. _________ (١) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥ و ١٩٦، وتاريخ بغداد: ٢/ ٢٥٩، والمنتظم: ٨/ ٢٤٣. وسير أعلام النبلاء: ١٢/ ٣٣٣

стр. 10

كان له القدم الرفيع والباع الطويل في كثير من الفنون، الأصول والفروع، عالمًا بالقرآن وعلومه، والحديث والفتوى، انتشرت تصانيفُهُ، وذاع صيته، فكثر تلاميذه وأصحابه، وقصده الناس من سائر الأقطار (١). قال ابنه القاضي أبو الحسين: "ولقد حَضَرَ الناس مجلسه وهو يُملى حديث رسول اللَّه ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد اللَّه بن إمامنا أحمد ﵁، وكان المبلِّغون عنه في حلقته والمستملون: ثلاثة: أحدهم: خالي أبو محمد جابر، والثاني: أبو منصور الأنباري، والثالث: أبو علي البرداني. وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإِملاء أنَّهم سجدوا في حلقة الإِملاء على ظهور الناس لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإِملاء، وما رأى الناس في زمانهم مجلسًا اجتمع فيه ذلك الجمّ الغفير، والعدد الكثير. وسمعت من يذكر أنه حرر العدد بالألوف، وذلك مع نباهة من حضره من الأعيان، وأماثل هذا الزمان من النقباء، وقاضي القضاة، والشهود، والفقهاء، وكان يومًا مشهودًا" (٢). مكانته الإِجتماعية: حاز رضى الناس عامتهم وخاصتهم، بماكان عليه من مكانة علمية، وما يتصف به من فضل وتقى وزهد وورع وحلم وتواضع، فكانوا يجلِّونه ويقدِّرونه ويوقِّرونه، فلما توفي عُطِّلت الأسواق، وأُغلقت المتاجر لشهود جنازته، واجتمع في جنازته جمع لم يُرَ مثله بعد جنازة أبي الحسن القزويني الزاهد، _________ (١) طبقات الحنابلة: ٢/ ١٩٣، والبداية والنهاية: ١٢/ ٩٤، والوافي بالوفيات: ٣/ ٧، والكامل لابن الأثير: ١٠/ ٥٢، ومناقب الإمام أحمد: / ٥٢٠، والأعلام: ٦/ ٣٣٠، والمنتظم: ٨/ ٢٤٣، وتاريخ بغداد: ٢/ ٢٥٦، وشذرات الذهب: ٣/ ٣٠٦. (٢) طبقات الحنابلة: ٢/ ٢٠٠، والمنتظم: ٨/ ٢٤٤.

стр. 11

وحضره القضاة والأعيان، وأرباب الدولة، وجماعة الفقهاء والشهود، ومشى في جنازته القاضي أبو عبد اللَّه الدامغاني، ونقيب الهاشميين أبو الفوارس طرَّاد، وأبو منصور بن يوسف وأبو عبد اللَّه بن جردة، وأفطر جماعة ممن تبع جنازته من شدة الحر (١)، والفطر في رمضان من أجل شهود الجنازة -وإن كان غير جائز- فإنه يعطي صورة واضحة لما له في النفوس من مكانة واحترام وتقدير، حيث لم تسمح بالتخلف عنه مع ما لحقها من التعب والمشقة. آثاره العلمية: يتجلَّى ذلك في تصانيفه ومؤلفاته التي دوَّنها وتناقلها العلماء، وانتفعوا بها بعدَهُ وفي أصحابه و تلاميذه الذين نهلوا من علمه ونشروه في الناس بالفتوى والتدريس، وسنشير إلى بعض هؤلاء التلاميذِ والأصحاب وبعض هذه المصنفات. تلاميذه: لما تولَّى التدريس بعد شيخه أبي عبد اللَّه الحسن بن حامد، انتشرت اخباره، وذاع صيته وازدحم الناس عليه، وانتفع به خلق كثير، وممن تفقه عليه وأخذ عنه: أبو الحسين البغدادي، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغباري وأبو علي بن البناء، وأبو الوفاء بن الفوارس، والقاضي علي البرديني، والقاضي أبو الفتح بن جبلة، وعلي بن عمرو الضرير الحراني، وأبو ياسر بن الحصري، _________ (١) طبقات الحنابلة: ٢/ ٢١٦.

стр. 12

وأبو عبد اللَّه الأنماطي، والحسن بن البرداني، وأبو السحن النهري أبو الفتح، وأبو البركات بن شبلي (١) وغير هؤلاء كثير. وممن سمع منه الحديث: أحمد بن علي بن ثابت، وعبد العزيز العاصمي النخشبي، وعمر بن أبي الحسن الدهستاني الخياط، وهبة اللَّه بن عبد الوارث الشيرازي، وإسحاق بن عبد الوهاب بن منده الحافظ المقرئ، ومكي بن بجير الهمداني، وعمر الأرموي وأحمد بن الحسن بن خيرون، وابنا خاله: أبو طاهر، وأبو غالب، وأبو علي البرداني، وأبو الغنائم بن النرس الكوفي، وأبو جعفر الأصفهاني، وأبو نصر، وأبو الحسين، وآخرون (٢). مؤلفاته: لم يقتصر في تأليفه على نوع خاص أو جانب معين من العلوم، بل تناول كثيرًا من العلوم وجوانب متعددة من المعارف، وكانت مؤلفاته كثيرة العدد، جمة المنافع، عظيمة الفائدة، أثرى منها المذهب الحنبلي إثراءً واسعًا حتى قيل إنها التي حفظت على الحنابلة مذهبهم، ومن هذه التصانيف والمؤلفات: ١ - أحكام القرآن ٢ - نقل القرآن ٣ - إيضاح البيان ٤ - مسائل الإيمان ٥ - المعتمد ٦ - مختصر المعتمد ٧ - المقتبس ٨ - مختصر المقتبس _________ (١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٤ و ٢٠٥. (٢) المرجع السابق ٢/ ٢٠٤.

стр. 13

٩ - عيون المسائل ١٠ - الرد على الأشعرية ١١ - الرد على الكِرامية ١٢ - الرد على الباطنية ١٣ - الرد على المجسمة ١٤ - الرد على ابن اللبان ١٥ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١٦ - مختصر إبطال التأويلات ١٧ - الإِنتصار ١٨ - الكلام في الدستور ١٩ - الكلام في حروف المعجم ٢٠ - تبرئة معاوية ٢١ - القطع على خلود الكفار في النار ٢٢ - أربع مقدمات في الأصول والديانات ٢٣ - العدة في أصول الفقه ٢٤ - إثبات إمامة الخلفاء الأربعة ٢٥ - الرسالة إلى إمام الوقت ٢٦ - مختصر العدة ٢٧ - جوابات مسائل وردت من الحرم ٢٨ - جوابات مسائل وردت من تنيس ٢٩ - الكفاية في أصول الفقه ٣٠ - جوابات مسائل وردت من ميافارقين ٣١ - جوابات مسائل وردت من اصفهان ٣٢ - مختصر الكفاية ٣٣ - إيجاب الصيام ليلة الإِغماء ٣٤ - تفضيل الفقر على الغنى ٣٥ - الأحكام السلطانية ٣٦ - فضائل أحمد ٣٧ - مختصر الصيام ٣٨ - مقدمة في الأدب ٣٩ - كتاب اللباس ٤٠ - الأمر بالمعروف ٤١ - شروط أهل الذمة ٤٢ - الاختلاف في [الذبيح] ٤٣ - التوكل ٤٤ - [ذم] الغناء ٤٥ - فضل ليلة الجمعة على ليلة القدر ٤٦ - أبطال الحيل ٤٧ - تكذيب الخيايرة فيما يدعون من إسقاط الجزية. ٤٨ - الفرق بين الآل والأهل ٤٩ - المجرد في المذهب ٥٠ - شرح الخرقي

стр. 14

٥١ - الجامع الصغير ٥٢ - شرح المذهب ٥٣ - الخصال والأقسام ٥٤ - الخلاف الكبير ٥٥ - قطعة من الجامع الكبير فيها الطهارة، وبعض الصلاة، والنكاح، والصداق والخلع، والوليمة، والطلاق (١). زهده وورعه: كان زاهدًا ورعًا، تقيًّا، متعفِّفًا، تعرضت له الدنيا بمفاتنها مرات عديدة فرفضها ولم يقبلها، واكتفى منها بما يصلح حاله، وشد رمقه، فلم يقبل من حاكم صلة أو عطية، ذهب إلى الخليفة القائم بأمر اللَّه يومًا ليهنئه بالشفاء من مرضٍ أصابه، فلما خرج من عنده أتبع بجائزة سنية فلم يقبلها (٢). ولم يُعرف عنه أنَّه وقف بباب حاكم أو سلطان من أجل الدنيا (٣)، مع فقره وحاجته، فقد كان يمر به أوقات يقتات الخبز اليابس يبلّه بالماء ويأكله حتى لحقه المرض بسبب ذلك (٤)، وكان ينهى دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا، والنظر إليهم والإجتماع بهم، ويأمر بمخالطة الصالحين، والإِشتغال بالعلم، لما قدم الوزير ابن دارست إلى بغداد ذهب أحد تلاميذ أبي يعلى، أبو الحسن النهري ليبصره، فلمّا علم عنفه وأنكر عليه إنكارًا شديدًا وقال: ويحك تمضي وتنظر إلى الظَّلمة (٥). وعُرض عليه منصب القضاء عدة مرات فلم يقبله، وهذا أكبر دليل على ورعه وزهده في الدنيا، وعدم الافتتان بمظاهرها، وإلَّا لما فوّت ما يمر به من _________ (١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٥ و ٢٠٦. (٢) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٢٣. (٣) المرجع السابق ٢/ ٢٠٣. (٤) المرجع السابق ٢/ ٢٢٣. (٥) المرجع السابق ٢/ ٢٢٢.

стр. 15

فُرصها الثمينة التي تضفي على أقلِّ منه مكانة العظمة والجلال. وبزهده وورعه وفضله شهد العلماء. قال فيه أبو نصر عبيد اللَّه بن سعيد السجزي الحافظ: حللت عن التصنع في وداد ... فلم تر في توددك اعوجاجا وقد كثر المداجي والمرائي ... فلا تحفل بمن رأى وداجا حييت معمرًا وجزيت خيرًا ... وعشت لدين ذي التقوى سراجا وقال فيه الذهبي: ". . . وكان ذا عبادة وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والمهابة، وكان متعففًا نزيه النفس، كبير القدر، ثخين الورع" (١). وقال فيه ابن الجوزي: ". . . وجمع الإمامة والعفة والصدق وحسن الخلق والتعبد والتقشف والخضوع وحسن السمت والصمت عما لا يعني" (٢). أعماله: قضى معظم عمره في التدريس والإِملاء والقراءة والتأليف. وكان زاهدًا في أعمال الدولة ومناصبها، فلم يتولَّ منها غير القضاء في آخر عمره بعد إلحاحٍ شديد، وبشروط اشترطها لنفسه كما سيأتي. توليه التدريس: كان الشيخ أبو عبد اللَّه الحسن بن حامد، هو الذي يقوم بتدريس الفقه _________ (١) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣. (٢) المنتظم ٨/ ٢٤٣ و ٢٤٤.

стр. 16

والأصول على مذهب الإمام أحمد في وقتط أبي يعلى، فقصده وتتلمذ عليه كما سبقت الإشارة الى ذلك. ولمَّا أراد الشيخ بن حامد أن يحج عام ٤٠٢ اثنتين وأربعمائة، سُئِلَ عمن يتولى التدريس أثناء غيابه، فأشار إلى القاضي أبي يعلى، وقال هذا الفتى (١). ولمَّا رجع ابن حامد من الحج توفي في الطريق وذلك عام ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة (٢)، فتولى أبو يعلى التدريس والافتاء مكانه في جامع المنصور على كرسي عبد اللَّه بن أحمد (٣). وفي عام ٤١٤ أربع عشرة وأربعمائة، سافر الى مكة لأداء فريضة الحج ثم عاد -بعد رجوعه- الى مواصلة التدريس، والتأليف والإِفتاء، (٤) فذاع صيته وانتشرت أخباره، وازدحم الناس عليه يسمعون منه ويسألون عما يشكل عليهم، ويقرأون عليه ويكتبون عنه، وقد نقلت عند ذكر مكانته العلمية عن إبنه أبي الحسين حكاية ما كان عليه مجلسه من الزحام، وما كان يحضرهُ من الأعيان والنقباء والشهود والقضاة والفقهاء. وقد تخرج على يديه الجمع الغفير من فقهاء الحنابلة، ومن أبرزهم أبو الوفاء بن عقيل، وأبو الخطاب الكولذاني، والخطيب البغدادي , وغيرهم ممن تقدم ذكرهم عند ذكر تلاميذه. توليه القضاء: لمَّا توفي رئيس القضاة إبن ماكولا عام ٤٤٧ سبع وأربعين وأربعمائة (٥)، شغر منصبه في القضاء فخوطب أبو يعلى لِيَلي القضاء بدار الخلافة والحريم، _________ (١) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥. (٢) شذرات الذهب ٣/ ١٦٦، والمنتظم ٧/ ٢٦٧، وطبقات الحنابلة ٢/ ١٩٦. (٣) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٠. (٤) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٦. (٥) شذرات الذهب ٣/ ٢٧٥.

стр. 17

فامتنع ثم كرر عليه فقبل بشروط اشترطها لنفسه منها: ١ - ألا يحضر أيام المواكب الشريفة. ٢ - ألا يخرج في الإستقبالات. ٣ - ألا يقصد دار السلطان. ٤ - وفي كل شهر يقصد نهر المعلى يومًا وباب الأزج يومًا ويستخلف من ينوب عنه في الحريم، فأُجيب إلى ذلك (١). وقُلد القضاء في الدماء، والفروج، والأموال، ثم أُضيف الى ولايته قضاء حرّان، وحلوان، فاستناب فيهما (٢). وقد استعان بمن يثق به فردّ إليهم القضاء في بعض الأبواب، فجعل القضاء بباب الأزج إلى الجيلي. ثم عزله لعدم صلاحيته، وجعل النظر في عقُود الأنكحة والمداينات بباب الأزج إلى تلميذه أبي علي يعقوب، وجعل النظر في العقارات بباب الأزج أيضًا إلى أبي عبد اللَّه البقال، واستناب بدار الخلافة ونهر المعلى: أبا الحسن السيبي. وظل أبو يعلى على منصبه في القضاء إلى أن توفي (٣). وفاته: بعد حياة حافلة بالعلم والعمل، ونشر العلم بالتدريس والفتوى والكتابة والتأليف، توفي القاضي أبو يعلى بمدينة بغداد، وذلك ليلة الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ٤٥٨ ثمان وخمسين وأربعمائة هجرية، _________ (١) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٨. (٢) المرجع السابق ٢/ ١٩٩. (٣) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٠.

стр. 18

وصلى عليه ابنه أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور (١)، ودُفِن بمقبرة حرب (٢)، وقد عطلت الأسواق واجتمع في جنازته جمع لم ير مثله، وحضره القضاة والأعيان، وأرباب الدولة، وجماعة الفقهاء، والشهود، وكان قد أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر، وأن يُكفن بثلاثة أثواب، وألا يُدفن معه إلا ما عَزله لنفسه من الأكفان، وألا يخرق عليه ثوب ولا يقعد لعزاء (٣). _________ (١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢١٦. (٢) تاريخ بغداد ٢/ ٢٥١، والمنتظم ٨/ ٢٤٤. (٣) المنتظم ٨/ ٢٤٤.

стр. 19

التعريف بالكتاب: ويشمل: ١ - اسم الكتاب ٢ - نسبته إلى المؤلف ٣ - نسخه ٤ - قيمته العلمية. ٥ - مادته العلمية. اسم الكتاب: " كتاب الروايتين والوجهين" نسبته إلى المؤلف: تظافرت الأدلة على صحة نسبته إليه فمن ذلك: أ- أنه منسوب إليه في نفس المخطوطة، ولم أجد من نسبه إلى غيره أو ذكر خلافًا في نسبته إليه. ب- نسبه إليه عددٌ من المتقنين، منهم: ١ - إبنه أبو الحسين صاحب طبقات الحنابلة في الطبقات (١)، في ترجمة أبيه أبي يعلى. ٢ - أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي صاحب ذيل طبقات الحنابلة في ذيل الطبقات (٢)، في ترجمة أبى الحسين محمد بن أبي يعلى. ٣ - العليمي في المنهج الأحمد (٣)، في ترجمة القاضي أبي يعلى وترجمة ابنه أبي الحسين. _________ (١) ٢/ ٢٠٥. (٢) ١/ ١٧٧. (٣) ٢/ ١١٢ و ٢٣٦.

стр. 20

٤ - المرداوي في مقدمة الإِنصاف (١) ذكره ضمن المتون التي نقل منها. ٥ - ابن العماد في شذرات الذهب (٢) في ترجمة أبي الحسين محمد بن أبي يعلى. ٦ - الذهبي في تاريخ الإِسلام (٣)، في ترجمة أبي يعلى. جـ- كثيرًا ما يقول المؤلف: "قال شيخنا أبو عبد اللَّه" وشيخ أبي يعلى هو: أبو عبد اللَّه الحسن بن حامد. د- نقل أبو الحسين محمد بن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٤)، في ترجمة أحمد بن العباس بن الأشرس، نصًا من كِتاب الروايتين منسوبًا إلى أبيه فقال: "فنقلت من كتاب الروايتين للوالد السعيد، قال: واختلفت الرواية في الخنثى إذا مات". فنقل أحمد بن أبي عبدة: أنه ييمم، لأنه يحتمل أن يكون ذكرًا فلا يغسله النساء، ويَحتمل أن يكون أُنثى فلا يغسله الرجال. ونقل أحمد بن أشرس: أنه يغسله الرجال ويصلُّون عليه، ومعناه: أنه يُغَسل من فوق ثوب، كما قلنا في الرجل إذا مات بين النساء، والمرأة بين الرجال، انتهى. وهذا نص عبارة كتاب "الروايتين والوجهين" (٥)، في الجنائز، في مسألة تغسيل الخنثى. _________ (١) ١/ ١٣. (٢) ٤/ ٧٩. (٣) الورقة (١٩٤) من الجزء (١٢) من النسخة التركية رقم (٢٩١٧) مكتبة أحمد الثالث. الموجود صورتها في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية برقم (٨٠٢/ ف). (٤) ١/ ٥٣. (٥) الورقة (٣٣) في المخطوطة وص ١٠٩ من المطبوع.

стр. 21

ولعله بعدما تقدم لا يبقى مجال للشك في أن كتاب "الروايتين والوجهين" للقاضي أبي يعلى. قيمته العلمية: هذا الكتاب -حسب معرفتي- هو الوحيد من نوعه، من حيث العناية بالروايات الواردة عن الإِمام أحمد، وجمعها وإفرادها في مؤلف مستقل، مع توجيهها والإِستدلال لها، وبيان الراجح منها، جمع فيه المؤلف ما يقارب ألف مسألة، وذكر في كل مسألة روايتين أو وجهين، مع الإِستدلال لكل رواية أو وجه بدليل أو أكثر من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو التابعين، أو ذكر وجه ذلك من قياس أو تعليل مع بيان ما يرى أنه الراجح أو المذهب، ويذكر في بعض المسائل، من يقول بكل رواية أو وجه من الأصحاب، لذا فهو -في نظري- يعتبر من أهم المصادر في المذهب الحنبلي التي لا تزال المكتبات الاسلامية والباحثون الاسلاميون ورواد المكتبات بأمس الحاجة إليها. مادته العلمية: يشتمل الكتاب على: ١ - فقه ٢ - أصول فقه ٣ - عقائد الجزء الأول: الفقه وهو الجزء الأكبر من الكتاب وتبلغ صفحاته ٤٦٦ ستا وستين وأربعمائة صفحة، وقد تم تحقيقه للحصول على درجة الدكتوراه. الجزء الثاني: الأصول، وتبلغ صفحاته ٣٠: ثلاثين صفحة وهو الجزء الذي بين أيدينا. الجزء الثالث: العقائد: وتبلغ صفحاته، ٢٠: عشرين صفحة، وسأبدأ بتحقيقه إن شاء اللَّه إكمالًا للفائدة من الكتاب، أرجو اللَّه أن يمن بإنجازه ويعم بنفعه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 22

منهج التحقيق: ويشتمل على: ١ - نسخ النص . ٢ - تخريج الأحاديث والآثار. ٣ - الترجمة للأعلام. ٤ - الفهارس. راعيتُ في نسخ النص: القواعد الإِملائية الحديثة، من وضع الفواصل والنقط، وعلامات التنصيص، والبدء من أول السطر ووضعت عنوانًا لكل مسألة، مستمدًا من الحكم الوارد في المسألة، وجعلت تحت هذه العناوين خطًا تمييزًا لها عن كلام المؤلف. كما رقّمتُ المسائل بأرقام خاصة تسهيلًا للرجوع إليها عند الإِحالة. التخريج: خرّجت كل ما في المخطوطة من الأحاديث والآثار حسب الإمكان سواء صرح بنص الحديث، أو الأثر أو اكتفى بالإشارة إليه دون تصريح بنصه، وقد يتكرر تخريج الحديث أو الأثر بتكرر وروده تيسيرًا على القارئ، لأن ذلك

стр. 23

أيسر عليه من الإِحالة على موضع التخريج المتقدم وأذكر الكتاب، والباب، والجزء والصفحة، ورقم الحديث إذا كان المرجع مرقمًا، مبتدئًا برقم الجزء، ثم الصفحة، ثم الحديث. التراجم: ترجّمت جميع الأعلام الذين مرّوا في الكتاب واهتديت إلى تراجمهم، سواء كانوا مشهورين أو غير مشهورين، وذلك: ١ - أن الكتاب ليس لطبقة معينة، أو مستوى مخصوص من الباحثين والدارسين، بل يحتاجه الطالب المبتدئ، وذو المستوى الأعلى، وليس كل باحث أو دارس -يكون الكتاب بين يديه- يستغني عن التعريف بالأعلام الذين يمر بهم ولو كانوا مشهورين. ٢ - وهناك جوانب عن المترجم قد يحتاج اليها ذوو المستويات العالية. ٣ - وَكُتُب التراجم ليست متوفرة لدى الباحث في كل مكان، أو في كل وقت، ليتمكن من الرجوع إلى الترجمة عند إرادتها. ٤ - ووجود الترجمة في الكتاب، يوفر على الباحث الرجوع إلى كتب التراجم، ويُبْصره بمواضع الترجمة فيها إن أراد مزيدًا من البحث عن الشخص المترجم. ٥ - كما أن الترجمة للأعلام -ولو كانوا مشهورين- إن لم يكن لها جَوانب إيجابية مفيدة، فليس لها من سلبيات تمنع من الترجمة وقد جعلت التراجم ملحقًا في آخر الكتاب، لكثرتهم وتكرر مرورهم في صفحات متتالية بل في الصفحة الواحدة، مما يصعب معه الإشارة إلى موضع الترجمة للشخص كلما مر، وإذا لم يشر إلى موضع الترجمة لم يهتد إليها الباحث الذي تكون قراءته في غير موضع الترجمة، وجمع التراجم في

стр. 24

ملحق خاص أسهل في الرجوع الى الشخص المراد مما إذا كان الرجوع إليها يحتاج إلى مراجعة الفهرس، ثم البحث عن الترجمة داخل الكتاب، وقد رتبتهم على حروف المعجم حسب اسمائهم كما هو المتبع في كتب التراجم، ومن ذكره المؤلف بغير اسمه، ذكرته مرة أخرى في الحرف المناسب حسب اللفظ الذي ذكره المؤلف مع عدم إعتبار (الألف واللام) وكلمة (أب) و (ابن) وذكرت إسمه ليعرف به موضع الترجمة. الفهارس: الفهرس الأول: للآيات القرآنية وقد رتبتها حسب ترتيب السور، وورود الآيات في السورة مبتدئًا بسورة الفاتحة فالبقرة وهكذا. الفهرس الثاني: للأحاديث والآثار مرتبة على حروف المعجم حسب أول الحديث أو الأثر أو حكاية الراوي لذلك. الفهرس الثالث: الموضوعات. أما الأعلام فقد اكتفيت بترتيبهم حين الترجمة عن الفهرسة لهم مرة أخرى.

стр. 25

مسائل من أصول الفقه ما يحمل عليه لفظ الأمر المطلق المجرد عن القرائن: ١ - مسألة: هل للأمر صيغة مبينة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرًا إذا تعَّرت عن القرائن؟ أم لا؟ نقل عبد اللَّه عنه في الآية إذا جاءت عامة مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) أنَّ قومًا قالوا: نتوقف فيها، فقال أحمد: قال اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢)، فكنا نقف لا نورث حتى ينزل (٣) أن لا يرث قاتل ولا مشرك. ونقل صالح أيضًا في كتاب طاعة الرسول، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه إسم سارق وإن (٤) قَلَّ وجب

стр. 26

عليه القطع، حتى يبين النبي ﷺ القطع في ربع دينار (١) وقيمة المجن (٢)، فقد صرح بالأخذ بمجرد اللفظ، ومنع من الوقف فيه، وهذا يدل على أن (له) صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا. وقال في رواية أبي عبد الرحمن الجوزجاني: من تأوَّل القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع، لأن الآية قد تكون عامة قصدت شيئًا (٣) بعينه، ورسول اللَّه ﷺ المعبر عن كتاب اللَّه، فقد منع من الأخذ بظاهر الآية حتى يقترن بيان رسول اللَّه ﷺ . فظاهر هذا أنه لا صيغة له تدل بمجردها على كونه أمرًا، بل هو على الوقف حتى يدلُّ الدليل على المراد بها، من وجوب، أو ندب، والمذهب هو الأول، وأن له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا، ولا يجب الوقف فيه، وقد صرح به في مواضع كثيرة من كلامه في مسائل الفروع. وجه من ذهب إلى الوقف، أن هذه الصيغة ترد والمراد بها الوجوب، كقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وترد والمراد بها الندب، كقوله:

стр. 27

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ (١)، (وترد) والمراد بها التهديد، كقوله -تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٢) وترد والمراد بها الإِباحة، مثل قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)، وإذا كان ورودها مشتركًا لم تدل على شيء، فلم يكن حملها على الوجوب بأولى من حملها على الندب، أو الإِباحة أو التهديد، وإذا تساويا وقف، كقوله: كون، لما لم يدل على شيء وقف حتى يدل على المراد، والدلالة على نفي الوقف أشياء، منها قوله -تعالى-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٤)، فسمى ذلك أمرًا، وعاتبه على ترك السجود، وسجدت الملائكة بظاهر هذا اللفظ، ولم يوجد إلا أمرًا مطلقًا مجردًا عن القرائن، فدل على أنّه يسمى أمرًا، وأنه يدل على الأمر بمطلقه، ولأن الصحابة أجمعوا على أنّ للأمر صيغة تدل بمجردها على كونه أمرًا. وهذا ظاهر في احتجاج بعضهم على بعض، منه قصة مانعي الزكاة، قال عمر لأبي بكر حين أراد قتالهم: كيف تقاتلهم وقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أُمرتُ أنْ أُقاتلَ النَّاس حتى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللَّه فإذا قالوها عَصَمُوا مِنِّي دماءَهُمْ وأموالَهُمْ إلَّا بحقها" (٥)، فقال أبو بكر (٦): قال اللَّه -تعالى-:

стр. 28

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) واللَّه لا أفرق بينهما (٢) فاحتج أبو بكر عليه بالأمر المطلق فأقره عليه، ولو كان مطلق الأمر على الوقف ما احتج عليه بذلك، ولم يقره عمر على ذلك، ولأن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام: أمر، ونهي، واستخبار، وخبر، ومن خالفنا قال: لا فرق بين الأمر والنهي، وأن كل واحد منهما لا يدل على شيء، فلا يدل الأمر على إيجاد فعل، ولا النهي يدل على ترك فعل، فلو كان الأمر على ما قالوه بطلت فائدة القسمة لأن من يقول: إن قوله افعل يقتضي لا تفعل، لأنه يكون على التهديد، ومن قال لا تفعل يقتضي افعل فقد جعل الأمر نهيًا، والنهي أمرًا بعكس اللغة، وما ذكر من أن هذه اللفظة ترد مشتركةً في الوجوب والندب والإِباحة لا يمنع من الصيغة، كأسماء الحقائق وهو الأسد والحمار وهو حقيقة للبهيمة ويراد به الرجل بقرينة، ومع هذا فلا يمتنع أن يكون إطلاقها لحقيقة البهيمة، وكذلك العشرة حقيقة في العشرة، وهي تستعمل في الخمسة مع القرينة التي هي الإِستثناء، بقوله عشرة إلا خمسة، ويبطل بقوله: فرضت وأوجبت وألزمت فإن هذا يرد والمراد به الوجوب، ويرد والمراد به الندب، كقوله: "غُسل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ مُحتلمٍ" (٣)، ومعناه وجوب اختيار وكذلك فرضت يحتمل الوجوب، ويحتمل التقدير، وكذلك الوعيد، يرد والمراد به الوجوب، والمندوب، قال اللَّه -تعالى- ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٤)، فتوعدهم على منع

стр. 29

الماعون وذلك مندوب إليه ومع هذا إطلاقه يقتضي الوجوب. مقتضى الأمر عند الإِطلاق: ٢ - فصل وإذا ثبت أن له صيغة مبيّنة له تدل بمجردها على كونه أمرًا، فهل يدل إطلاقها على الوجوب أم لا؟ نقل أبو الحارث إذا ثبت الخبر عن النبي ﷺ وجب العمل به، فظاهر هذا أنه يقتضي الوجوب. وكذلك نقل صالح عنه فيمن صلَّى خلف الصف وحده يعيد الصلاة "أمر النبي ﷺ رجلًا صلّى خلْفَ الصفِّ وحده أن يعيد الصلاة" (١) وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث، إذا أخرج القيمة من الزكاة أخشى أن لا يجزيه، لأنَّ النبي ﷺ أمر بكذا وكذا. نقل صالح في كتاب طاعة الرسول ﷺ قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) فالظاهر يدل على أنه إذا ابتاع شيئًا أشهد، فلمّا تبايع الناس وتركوا الإِشهاد استقر حكم الآية على ذلك. ونقل الميموني عنه وقد سأله عن قول النبي ﷺ "إذَا أمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فأْتُوا

стр. 30

مِنْه ما اسْتَطَعْتُم وَمَا نهَيْتُكُم عَنْهُ فانْتَهوا" (١) فقال: "الأمْرُ اْسْهَل مِن النهي". وكذلك نقل علي بن سعيد فقال: ما أمر به النبي ﷺ هو لدي أسهل مما نهى عنه، فقد غلَّظ في النهي وسهل في الأمر، فظاهر هذا يمنع الوجوب، وأنه على الندب. ووجه هذا القول أن هذه اللفظة ترد والمراد بها الوجوب وترد والمراد بها الندب، فيجب أن يحمل عليه، لأنه أقل ما يقتضيه الأمر، ولأن هذه اللفظة ترد والمراد بها الوجوب، بقرينة، فإذا عريت عن القرينة فلا تحمل على الوجوب. والدلالة على أن إطلاقها يدل على الوجوب ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٢)، فوجه الدلالة أنّه وبخه وعاتبه على مخالفة أمره المطلق، فدل على أن إطلاقه إقتضى الوجوب. وأيضًا حديث بريرة، لما قال لها النبيُّ ﷺ "لو راجعتِيه فإِنَّه أبو وَلَدك" فقالت: أبأمرك يا رسول اللَّه؟ فقال لها: "إِنَّما أَنَا شافِعٌ" (٣) والامر والشفاعة عندهم سواء، لأن كل واحد منهما يدل على الندب، فلو كانا سواء لما تبرأ من الأمر وتمسك بالشفاعة، وأيضًا فإن هذا القائل وافق على أن النهي على الوجوب، ومعناه على التحريم، والنهي يقتضي الكف عن الفعل، والأمر

стр. 31

يقتضي إيجاد الفعل، فلمّا كان بترك الكف في النهي عاصيًا وجب أن يكون بترك إيجاد الفعل في الأمر عاصيًا. اقتضاء الأمر المطلق للتكرار: ٣ - مسألة: في الأمر إذا ورد مطلقًا من غير تقييد بوقت هل يقتضي التكرار أم لا؟ قال شيخنا أبو عبد اللَّه: يقتضي التكرار، كما لو ورد مقيدًا بوقت. وقد نص أحمد في رواية صالح في كتاب "طاعة الرسول" على الأمر المقيد بوقت أنّه يقتضي التكرار، فقال: قوله -تعالى-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١). فالظاهر يدل على أنه إذا قام فعليه ما وصف، فلما كان يوم الفتح صلى النبي ﷺ بوضوء واحد (٢)، وعندي أنّ ذلك لا يقتضي التكرار، وقد قال في رواية يعقوب بن بختان وقد سأَله إذا أذن له سيده كم يتزوج، قال: واحدة فإن أراد أن يتزوج أخرى إستأذنه، وقال أيضًا: إذا خير زوجته لم يكن لها أن تطلق نفسها إلا طلقة. ووجه من قال يقتضي التكرار، أنّ النهي يتعلق بالترك، والأمر يتعلق بالفعل، وما تعلق بالترك اقتضى الدوام والاتصال، بدليل أنه لو قال: واللَّه لا

стр. 32

دخلت الدار، ثم أمسك عن الدخول ساعة ثم دخل حنث، كذلك يجب أن يكون الأمر بالفعل يقتضي التكرار واعتبارًا به إذا كان معلقًا بشرط أنّه يقتضي التكرار، كذلك المطلق. والوجه في أنّه لا يقتضي التكرار، أنّه إذا قال: كل ثم كل، فإنه أمر بالأكل مرتين، فلو كان الأمر يقتضي الإِتصال أبدًا كان قوله: ثم كل، تأكيدًا لا عطفًا، وقد قال الكل إنه عطف فثبت أنّه لا يقتضي التكرار، ولأنه لو اقتضى التكرار أفضى إلى أن يكون الأمر بسببين مختلفين من المحال مثل أن يقول جاهد وحج، لأنّه لا يمكنه أن يواصل كل واحد منهما أبدًا، وإذا أفضى إلى المناقضة بطل القول به، ومن قال بهذا فرق بين المطلق وبين المعلق بشرط، أنه إذا كان الأمر بالصلاة معلقًا بزوال الشمس فقد جعل الزوال سببًا فيه فهو كالصلاة، فوجب أن يوجد بوجودها، ويفارق هذا المطلق، لأنه لم يقترن به صلة، فلهذا لم يقتضي التكرار. ترادف الفرض والواجب: ٤ - مسألة: في الفرض والواجب، هل ذلك عبارة عن شيء واحد أم لا؟ فقال في رواية أبي داود، وابن إبراهيم: المضمضة والإِستنشاق لا يسمى فرضًا، ولا يسمى فرضًا إلا ما كان في كتاب اللَّه تعالى، وكذلك نقل المروذي وقد سأله عن صدقة الفطر أفرض هي؟ قال: ما أجترئ أن أقول إنها فرض، فقد منع من الإِسم مع قوله بوجوبها، وكذلك نقل الميموني وقد سأله هل تقول برّ الوالدين فرض؟ قال: لا، ولكن أقول: واجب، ما لم يكن معصية، فظاهر هذا الفرق بين الفرض والواجب، وأن (ليس) كل فرض واجب، وقد يكون واجبًا لا يطلق عليه أنّه فرض، وأنّ الفرض عبارة عن الواجب الذي هو

стр. 33

في أعلى المنازل، وهو معرفة اللَّه -تعالى-، والفرائض التي نقلت من الإِستفاضة والنقل المتواتر، والواجب الذي ليس بفرض عبارة عما كان في أدنى منازله، وهو ما ثبت من جهة الآحاد، أو ما ساغ الإِجتهاد في تركه، مثل المضمضة والإِستنشاق وصدقة الفطر، أو يثبت من المكلف على نفسه، من غير إيجاب اللَّه -تعالى-، مثل النذور وما يوجبه على نفسه بالدخول فيه. وقد نقل عبد اللَّه وأبو الحارث عنه، كل ما في الصلاة فرض، فظاهر هذا أن التسبيح في الركوع والسجود، والتكبير غير تكبيرة الإِحرام، وقول: سمع اللَّه لمن حمده، والتشهد الأول، ونحو ذلك ممّا هو واجب ويثبت من طريق يسوغ في الإِجتهاد أنه يسمى فرضًا فعلى هذا الفرض والواجب سواء، والأول إختيار أبي إسحاق بن شاقلا، لأنني وجدت له كلامًا يدل على ذلك. وجه من قال: هما في الإِسم سواء، قال حدّ الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه إلى غير بدل، وحدّ الفرض كذلك وإذا كانا في الحكم سواءًا، وجب أن يكونا في المرتبة سواءًا، ولو قيل الواجب أقوى لأنَّه لا ينقسم إلى غير واجب كان أولى، فإن الفرض ينقسم إلى واجب، وإلى تقدير، يؤكد هذا أن النقل والندب يجريان مجرًى واحدًا في المنزلة، وإن كانا يختلفان في الإِسم، كذلك هاهنا. ووجه من فرق بينهما، قال: موضوعها مختلف في اللغة، وذلك أنّ الوجوب مأخوذ من السقوط، يقال وجب الحائط يعني سقط، والفرض عبارة عن التأثير يقال فرضة القوس لموضع حزه، وفرضة النهر، لأنه جرى في المسلك في النهر، والسقوط قد يحصل من غير أن يؤثر فيما يسقط عليه، فصار ما يؤثر أبلغ في بابه مما لا يؤثر، فكان الفرض عبارة عما يؤثر في نفس المكان من الدعاء إلى إيقاعه، وفعله، والمبادرة إليه، بما لا يؤثر فيه الواجب، فبان أن المستفاد بأحد اللفظين غير المستفاد بالآخر، وقد قيل: إن الفرض عبارة عن التقدير، من ذلك قوله: فرائض الإِبل، يعني مقاديرها،

стр. 34

وذلك التقدير في الشيء يدل على حصره للمكلف، وجمعه له في المبادرة إلى فعله، والإِئتمار له، والحث على فعله، فجرى مجرى ضرب من ضروب التأكيد المقترن بالإِيجاب، فبان أنّه يفيد زيادة معنى لا يفيده الواجب الذي ليس فيه معنى الحصر. تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس: ٥ - مسألة: هل يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس أم لا؟ اختلف أصحابنا، فذهب شيخنا أبو عبد اللَّه مع جماعة من أصحابنا إلى أنّه لا يجوز ذلك، وحكي عن أبي الحسن الخرزي جوازه، وهو قول أبي بكر، قال أبو إسحاق: الزمنى الشيخ يعني أبا بكر، يدل على أنّ الظاهر يخص بالقياس، أنّ اللَّه -تعالى- نصّ على الإِماء في قوله -تعالى-: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١)، والعبد مقيس عليه، قال أبو إسحاق: نظرت وإذا هذا ليس فيه حجة، وإنما هذا قياس على الظاهر، وليس بتخصيص الظاهر، وقد أومأ أحمد إلى الوجهين جميعًا، فقال في رواية الحسن بن ثواب حديث رسول اللَّه ﷺ لا يردّه إلا مثله، فظاهر هذا أنّه لا يخصّ الظاهر. ونُقَل عنه في مواضع كلامًا يدل على جواز التخصيص، فقال في رواية بكر بن محمد: إذا قذفها بعد الثلاث وله منها ولد يريد نفيه يلاعن، فقيل له: أليس يقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢)، وهذه ليست بزوجة، فاحتج بأن الرجل يطلق ثلاثًا وهو مريض وترثه، لأنه فار من الميراث

стр. 35

وهذا فار من الولد، فقد عارض الظاهر بضرب من القياس، وكذلك نقل الأثرم عنه المرأة تنفى بغير محرم، فقيل له: فالنبي ﷺ يقول: "لا تُسافُر المَرْأَةُ إلَّا مع ذي محرم" (١) فقال: هذا أمرٌ قد لزمها، يسافر بها، وهم يقولون إذا وجب عليها حق والقاضي على أيام رفعت إلى القاضي، ولو أصابت حدًّا في البادية جيء بها حتى يقام عليها، وكذلك نقل أبو داود في رجل قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثًا، فهي واحدة فقيل له: إسحاق يقول: هي ثلاث ويأخذ بالحديث "الأعمال بالنيات" (٢) فقال: ليس هذا من ذلك، أرأيت إن نوى أن يطلق امرأته ولم يلفظ أيكون طلاقًا؟ وكذلك نقل الميمونى في الرجل يزوج ابنته وهي كبيرة أحب إليّ أن يستأمرها، فإن زوَّجها من غير أن يستأمرها جاز النكاح وهذا للأب خاصة، لأن يده مبسوطة في المال، فإن زوَّجها من غير أن يستأمر فلم يرَ أنّ النكاح مردود. فمن قال: لا يخص الظاهر، فوجهه أن العموم أعلى رتبة في الحجة من القياس، ألا ترى أن القياس قد يمتنع في كثير من الأصول، والعموم لا يجوز وجوده عاريًا من إيجاب حكم، فإذا كان كذلك لم يجز ترك الأقوى بالأضعف، ولأن النسخ كالتخصيص لأن النسخ تخصيص للزمان، وها هنا هو تخصيص الأعيان، ثم ثبت أنه لا يجوز نسخ العموم به، كذلك لا يجوز

стр. 36

التخصيص به، والعمدة لهذا القائل: أن القياس إنما يصح إذا جرى على الأصول واطرد، وهذا العموم من جملته، وهو ينافيه، فيجب أن لا يصح القياس معه، كما لا يجوز مع وجود الإِجماع على ضده، لأنه لم يجر على الأصول هناك، كذلك ها هنا، ويبين صحة هذا أنّه لا يجوز النسخ به، لأنّ المنسوخ معارض له، ومضاد له، فلم يصح نسخه به، لأنّه لا يجري على الأصول، كذلك في التخصيص، لأنّه ضد العموم، فلم يقابله، لأنّه لا يجري على الأصول، والنسخ والتخصيص سواء، لأن النسخ تخصيص الزمان، وهذا تخصيص الأعيان، فإن قيل: ليس إذا لم ينسخ لم يخص، كخبر الأحاد لا ينسخ ويخص، قيل: لأن خبر الواحد ليس من شرطه أن يسلم على الأصول، فإن قيل: فلا يسلم إنما خصصه كان مرادًا بالعموم حتى يكون معارضًا له، ومضادًا له، قيل: الدلالة على صحة ذلك أنّه لولا القياس لوجب إجراء العموم في هذه العين المختلف فيها، وإنما هذا القياس عارضه ومنعه عندك. ومن أجاز التخصيص به فوجهه أن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل، كالمجمل وتفسيره، قلنا نقضي بتفسيره عليه، ولأن العموم ظاهر والقياس باطن، فكان الباطن مقدمًا عليه، كالجرح والتعديل، ولأن القياس -وإن لم يكن معلومًا- فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وكذلك شهادة الشاهدين لا يقطع الحاكم بها، ولكن يثبت بأمر مقطوع به وما ثبت عن أمر مقطوع به جرى مجراه في العمل، ألا ترى أن النبي ﷺ لو قال: إذا زالت الشمس فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه وإن لم يكن مقطوعًا به، كذلك ها هنا، ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد، فإذا اجتمع مع آخر وأمكن استعمال كل واحد منهما كان أولى من إسقاط أحدهما، كالمطلق والمقيد، كذلك ها هنا، يمكن استعمالهما جميعًا.

стр. 37

تخصيص السنة بالقرآن: ٦ - مسألة: هل يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن أم لا؟ ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه روايتين، إحداهما لا يجوز، وقال: لأن أحمد قال في رواية أبي عبد الرحيم الجوزجاني: قد تكون الآية عامة، ورسول اللَّه ﷺ المعبر عن كتاب اللَّه تعالى وما أراد، وكذلك قال في رواية حنبل: السُّنة مفسرة للقرآن، وكذلك قال في كتاب طاعة الرسول: إن اللَّه جعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك نقل محمد بن أشرس، إذا كان الحديث صحيحًا معه ظاهر القرآن، وحديثان مجرّدان في ضد ذلك، فالحديثان أحب إليّ إذا صحا فظاهر هذا كله أن السنة تفسر القرآن وتخصصه. والثانية: يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن. وجه الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فأخبر أن النبي ﷺ هو المبيّن عن اللَّه، يعني ما أراد، فأما أن يكون اللَّه هو المبين عن النبي ﷺ ما أراد فلا, ولأنّا متى خصصنا السنة بالآية جعلنا السنة أصلًا والقرآن تابعًا لها ومفسرًا لمعناها، وهذا فيه نقصان منزلة القرآن. ووجه من أجاز ذلك -وهو أصح عندي قوله -تعالى- ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وسنة النبي ﷺ شيء فوجب أن يبينها القرآن، ولأن القرآن أقوى من السنة، لأن السنة إن كانت متواترة كانت كالقرآن في

стр. 38

القطع عليها، وانفرد القرآن بكونه معجزًا، وإن كانت خبرًا لواحد فالقرآن أقوى بكل حال، ثم ثبت أنّ القرآن يخص بالسنة، فبأن تخص السنة (بالقرآن أولى). اشتمال القرآن على المجاز: ٧ - مسألة: هل في القرآن مجاز أم لا؟ المنصوص عن أحمد أنّ فيه مجازًا، ذكره الخلال في متشابه القرآن فيما أخرجه في مجلسه في قوله -تعالى- ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١) فهذا في مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرًا، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ (٢) فهو جائز في اللغة يقول الرجل الواحد للرجل سأجري عليك رزقًا، أي سأفعل بك خيرًا. وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنّه لا مجاز فيه. والدلالة على جوازه، أن أهل اللغة قد صنفوا كتبًا في ذلك، فمن دفع ذلك فهو كمن دفع أن يكون في اللسان مجاز، ولأن تسميتنا اللفظ بأنه مجاز يفيد أنه يستعمل في غير موضعه، وأنه أريد به غير ما هو موضوع له، فإن سلم هذا القائل ذلك وقال لا أسميه مجازًا فهو مخالف في التسمية ولا طائل في مناظرته، وإن قال لا أسلم ذلك المعنى، فإن الكتاب يبطل قوله، قال -تعالى- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) ومعناه أولياء اللَّه، لأن اللَّه -تعالى- أن يلحقه الأذى، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤) معناه ليس مثله

стр. 39

شيء، لأنّه لا مثل له، فلا معنى أن ينفي التشبيه عن مثله، وقال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) ومعناه أهلها، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٢) معناه حب العجل. واحتج من قال لا مجاز فيه، بأن المجاز إنما يحتاج إليه من لا يتبع كلامه للحقائق، فيعيرا للفظ الموضوع لمعنى فيستعمله في غير موضعه، وهذا لا يجوز بوهم على اللَّه، وهذا غلط، لأن إستعمال اللفظ في غير موضعه يحسن في لغتهم، كما يحسن في موضعه، كما أنّ الإِطالة قد تحسن في موضوع كما يحسن الإِيجاز، وقد وجدت الإِطالة في كتاب اللَّه -تعالى-، ولم يجز أن يقال: إن الإِطالة لا تجوز في كلامه، لأن الإِطالة إنّما يحتاج إليها من لا يقدر على الإِيجاز، ومعلوم أن ليس جملة كلامه إيجازًا. الإِحتجاج بقول الصحابي: ٨ - مسألة: إذا قال الصحابي قولًا ولم ينتشر في الصحابة هل يكون حجة ويقدم على القياس أم لا؟ على روايتين، إحداهما أنه حجة مقدم على القياس، نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي طالب: إذا أخذ المشركون أموال المسلمين فأدركه قبل قسمته فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسّمَ فلا حق له، كذا قال عمر (٣). ولو كان القياس كان له، لأن الملك لا يزول إلا بهبة أو صدقة، ولكن كذا قال عمر، فقد قدم قول الصحابي على القياس.

стр. 40

ونقل أيضًا أبو طالب في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: يقضي يومًا مكانه، وإن أكل ناسيًا بالنهار فليس عليه شيء، فقيل له: فإذا لم يعلم فهو كالناسي؟ فقال: كذا القياس، ولكن عمر أكل في النهار يظن أنه ليلًا، قال: أقضي يومًا مكانه (١). وكذلك نقل المروذي يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها، فقيل له: كيف تشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان، واحتج بأن أصحاب النبي ﷺ رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها (٢)، وهذا يشبه ذلك. وكذلك نقل أبو طالب عنه لا يجوز هبة المرأة حتى يأتى عليها في بيت زوجها سنة أو تلد، مثل قول عمر (٣)، ونظائر هذا كثير في مسائله. والرواية الثانية أنه ليس بحجة، والقياس مقدم عليه، نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي داود: ليس أحد إلا ويؤخذ من قوله ويدع إلَّا النبي ﷺ . وكذلك نقل المروذي عنه: ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد
следующие страницы →