← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13080

الروايتين والوجهين - المسائل الأصولية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (123 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التخصيص به، والعمدة لهذا القائل: أن القياس إنما يصح إذا جرى على الأصول واطرد، وهذا العموم من جملته، وهو ينافيه، فيجب أن لا يصح القياس معه، كما لا يجوز مع وجود الإِجماع على ضده، لأنه لم يجر على الأصول هناك، كذلك ها هنا، ويبين صحة هذا أنّه لا يجوز النسخ به، لأنّ المنسوخ معارض له، ومضاد له، فلم يصح نسخه به، لأنّه لا يجري على الأصول، كذلك في التخصيص، لأنّه ضد العموم، فلم يقابله، لأنّه لا يجري على الأصول، والنسخ والتخصيص سواء، لأن النسخ تخصيص الزمان، وهذا تخصيص الأعيان، فإن قيل: ليس إذا لم ينسخ لم يخص، كخبر الأحاد لا ينسخ ويخص، قيل: لأن خبر الواحد ليس من شرطه أن يسلم على الأصول، فإن قيل: فلا يسلم إنما خصصه كان مرادًا بالعموم حتى يكون معارضًا له، ومضادًا له، قيل: الدلالة على صحة ذلك أنّه لولا القياس لوجب إجراء العموم في هذه العين المختلف فيها، وإنما هذا القياس عارضه ومنعه عندك. ومن أجاز التخصيص به فوجهه أن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل، كالمجمل وتفسيره، قلنا نقضي بتفسيره عليه، ولأن العموم ظاهر والقياس باطن، فكان الباطن مقدمًا عليه، كالجرح والتعديل، ولأن القياس -وإن لم يكن معلومًا- فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وكذلك شهادة الشاهدين لا يقطع الحاكم بها، ولكن يثبت بأمر مقطوع به وما ثبت عن أمر مقطوع به جرى مجراه في العمل، ألا ترى أن النبي ﷺ لو قال: إذا زالت الشمس فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه وإن لم يكن مقطوعًا به، كذلك ها هنا، ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد، فإذا اجتمع مع آخر وأمكن استعمال كل واحد منهما كان أولى من إسقاط أحدهما، كالمطلق والمقيد، كذلك ها هنا، يمكن استعمالهما جميعًا.

стр. 37

تخصيص السنة بالقرآن: ٦ - مسألة: هل يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن أم لا؟ ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه روايتين، إحداهما لا يجوز، وقال: لأن أحمد قال في رواية أبي عبد الرحيم الجوزجاني: قد تكون الآية عامة، ورسول اللَّه ﷺ المعبر عن كتاب اللَّه تعالى وما أراد، وكذلك قال في رواية حنبل: السُّنة مفسرة للقرآن، وكذلك قال في كتاب طاعة الرسول: إن اللَّه جعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك نقل محمد بن أشرس، إذا كان الحديث صحيحًا معه ظاهر القرآن، وحديثان مجرّدان في ضد ذلك، فالحديثان أحب إليّ إذا صحا فظاهر هذا كله أن السنة تفسر القرآن وتخصصه. والثانية: يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن. وجه الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فأخبر أن النبي ﷺ هو المبيّن عن اللَّه، يعني ما أراد، فأما أن يكون اللَّه هو المبين عن النبي ﷺ ما أراد فلا, ولأنّا متى خصصنا السنة بالآية جعلنا السنة أصلًا والقرآن تابعًا لها ومفسرًا لمعناها، وهذا فيه نقصان منزلة القرآن. ووجه من أجاز ذلك -وهو أصح عندي قوله -تعالى- ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وسنة النبي ﷺ شيء فوجب أن يبينها القرآن، ولأن القرآن أقوى من السنة، لأن السنة إن كانت متواترة كانت كالقرآن في

стр. 38

القطع عليها، وانفرد القرآن بكونه معجزًا، وإن كانت خبرًا لواحد فالقرآن أقوى بكل حال، ثم ثبت أنّ القرآن يخص بالسنة، فبأن تخص السنة (بالقرآن أولى). اشتمال القرآن على المجاز: ٧ - مسألة: هل في القرآن مجاز أم لا؟ المنصوص عن أحمد أنّ فيه مجازًا، ذكره الخلال في متشابه القرآن فيما أخرجه في مجلسه في قوله -تعالى- ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١) فهذا في مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرًا، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ (٢) فهو جائز في اللغة يقول الرجل الواحد للرجل سأجري عليك رزقًا، أي سأفعل بك خيرًا. وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنّه لا مجاز فيه. والدلالة على جوازه، أن أهل اللغة قد صنفوا كتبًا في ذلك، فمن دفع ذلك فهو كمن دفع أن يكون في اللسان مجاز، ولأن تسميتنا اللفظ بأنه مجاز يفيد أنه يستعمل في غير موضعه، وأنه أريد به غير ما هو موضوع له، فإن سلم هذا القائل ذلك وقال لا أسميه مجازًا فهو مخالف في التسمية ولا طائل في مناظرته، وإن قال لا أسلم ذلك المعنى، فإن الكتاب يبطل قوله، قال -تعالى- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) ومعناه أولياء اللَّه، لأن اللَّه -تعالى- أن يلحقه الأذى، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤) معناه ليس مثله

стр. 39

شيء، لأنّه لا مثل له، فلا معنى أن ينفي التشبيه عن مثله، وقال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) ومعناه أهلها، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٢) معناه حب العجل. واحتج من قال لا مجاز فيه، بأن المجاز إنما يحتاج إليه من لا يتبع كلامه للحقائق، فيعيرا للفظ الموضوع لمعنى فيستعمله في غير موضعه، وهذا لا يجوز بوهم على اللَّه، وهذا غلط، لأن إستعمال اللفظ في غير موضعه يحسن في لغتهم، كما يحسن في موضعه، كما أنّ الإِطالة قد تحسن في موضوع كما يحسن الإِيجاز، وقد وجدت الإِطالة في كتاب اللَّه -تعالى-، ولم يجز أن يقال: إن الإِطالة لا تجوز في كلامه، لأن الإِطالة إنّما يحتاج إليها من لا يقدر على الإِيجاز، ومعلوم أن ليس جملة كلامه إيجازًا. الإِحتجاج بقول الصحابي: ٨ - مسألة: إذا قال الصحابي قولًا ولم ينتشر في الصحابة هل يكون حجة ويقدم على القياس أم لا؟ على روايتين، إحداهما أنه حجة مقدم على القياس، نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي طالب: إذا أخذ المشركون أموال المسلمين فأدركه قبل قسمته فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسّمَ فلا حق له، كذا قال عمر (٣). ولو كان القياس كان له، لأن الملك لا يزول إلا بهبة أو صدقة، ولكن كذا قال عمر، فقد قدم قول الصحابي على القياس.

стр. 40

ونقل أيضًا أبو طالب في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: يقضي يومًا مكانه، وإن أكل ناسيًا بالنهار فليس عليه شيء، فقيل له: فإذا لم يعلم فهو كالناسي؟ فقال: كذا القياس، ولكن عمر أكل في النهار يظن أنه ليلًا، قال: أقضي يومًا مكانه (١). وكذلك نقل المروذي يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها، فقيل له: كيف تشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان، واحتج بأن أصحاب النبي ﷺ رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها (٢)، وهذا يشبه ذلك. وكذلك نقل أبو طالب عنه لا يجوز هبة المرأة حتى يأتى عليها في بيت زوجها سنة أو تلد، مثل قول عمر (٣)، ونظائر هذا كثير في مسائله. والرواية الثانية أنه ليس بحجة، والقياس مقدم عليه، نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي داود: ليس أحد إلا ويؤخذ من قوله ويدع إلَّا النبي ﷺ . وكذلك نقل المروذي عنه: ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد

стр. 41

الحدّ (١)، وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هي أمة أحكامها أحكام الإماء، فظاهر هذا أنه يُقَدم القياس على قوله. وكذلك نقل الميموني وقيل له: قوم يحتجون في النحل بفعل أبي بكر وقوله حزتبه (٢) فقال: هذا فعل ورأى من أبي بكر ليس هو عن النبي ﷺ ، فظاهر هذا أن قوله ليس بحجة وإنما قول النبي ﷺ حجة. وكذلك نقل مهني عنه فيمن ركب دابةً فأصابت إنسانًا فعلى الراكب الضمان، فقيل له: علي يقول: إذا قال: الطريق فأسمع فلا ضمان (٣)، فقال: أرأيت إذا قال: الطريق، فكان الذي يقال له أصم، فظاهر هذا أنه لم يأخذ بقوله. وكذلك نقل الميموني عنه وقد سأله في المسح على القلنسوة قال: ليس فيه عن النبي ﷺ شيء، وهو قول أبي موسى، وأنا أتوقاه، فظاهر هذا أنه لم يأخذ بقول أبى موسى، وفرق بينه وبين قول النبي ﷺ . وكذلك نقل ابن القاسم عنه، يروي عن ابن عمر من غير وجه -يعني في حد البلوغ- (٤) وهو صحيح، ولكن لا أرى هذا يستوي في الغلمان، وقد

стр. 42

يكون منهم الطويل وبعضهم أكبر من بعض، ولا يضبط، والحدّ عندي في البلوغ الثلاثة. وجه الأولى ما روى عن النبي ﷺ "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١). وروى عنه ﷺ أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر (٢) ولأن الصحابي إذا قال قولًا فإما أن يقوله عن توقيف أو قياس فإن قاله عن توقيف كان المصير إلى قوله واجبًا وإن كان عن قياس كان قوله أولى لأنه شاهد التنزيل وعرف البيان والتأويل ووقف على أغراض الكلام ومقاصد الرسول ﷺ فكان قوله أولى". ووجه الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣) ولأن الصحابة أجمعت على أن للتابعي مخالفة الصحابي، هذا ابن عباس كان يقول: عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا أقصى الأجلين من الوضع أو أربعة أشهر وعشر (٤) فخالفه أبو سلمه بن عبد الرحمن وقال: بل الوضع بكل حال (٥)، فلم

стр. 43

يقل له ابن عباس قولي (حجة) عليك، ولا أنكر عليه أحد من الصحابة إظهار الخلاف وهو من التابعين، ولأن القياس حجة، فلم يترك لقول الصحابي، كالكتاب والسنة، ولأن الصحابي يترك قوله للخبر والظاهر، فلم يكن حجة كقول التابعي، يبين صحة هذا أن الصحابي كالتابعي، بدليل أنه لا يسوغ له القول في الحادثة إلا عن دليل، لأنه لا يقول القول من ذي قبل كالتابعي سواء، فيجب أن لا يكون قوله حجة. حجية قول الخلفاء الأربعة: ٩ - مسألة: قول الأئمة الأربعة هل يكون حجة يقدم على غيره أم لا؟ نقل علي بن سعيد قال سألت أحمد عمن زعم أنه لا يجوز الخروج من قول الخلفاء إلى من بعدهم، لقول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ" (١) فقال ما أبعد هذا القول أن يكون كذا فظاهر هذا أنه مقدم على غيره. ونقل المروذي عنه إذا اختلف أصحاب رسول اللَّه ﷺ لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم إلا على اختيار ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة، فظاهر هذا أنه ليس مقدمًا على غيره، لأنه جعله سواء، ورجع إلى قول من يشهد له الكتاب والسنة.

стр. 44

وجه الأولى قول النبي ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي" (١). وهذا أمر. ووجه الثانية قوله ﷺ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٢). حجية قول التابعي: ١٠ - مسألة: في التابعي هل يعد خلافًا على الصحابة. على روايتين إحداهما لا يعد، قال في رواية أبي الحارث وقد سأله إلى أي شيء تذهب في ترك الصلاة بين التراويح؟ فقال: ضرب عليها عقبة بن عامر (٣)، ونهى عنها عبادة بن الصامت (٤)، وحديث أبي الدرداء (٥) فقيل له: يروي عن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح (٦)، فقال له: أقول لك أصحاب رسول اللَّه ﷺ وتقول التابعين، وسأله أيضًا عن عدد قتلوا رجلًا قال يقتلون. يروى

стр. 45

عن عمر (١) وعلي (٢) قيل له: قد روى عن بعض التابعين أنه قال: لا يقتل اثنان بواحد (٣)، فقال: ما تصنع بالتابعين. نقل أيضًا أبو عبد اللَّه القواريري قال: سمعت أحمد يذاكر رجلًا فقال له الرجل: قال عطاء، فأخذ أحمد نعله وقال: أقول لك قال ابن عمر وتقول: قال عطاء، من عطاء؟ ومن أبوه؟ وظاهر هذا أنه لا يعد خلافًا على الصحابة. والرواية الثانية يعد خلافًا قال في رواية عبد اللَّه وأبي طالب لا ينظر العبد إلى شعر مولاته، قال سعيد بن المسيب لا تغرنكم هذه الآية التي في سورة النور ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٤)، إنما عني بها الإماء (٥) وابن عباس يقول لا

стр. 46

بأس بذلك (١) فظاهر هذا أنه جعل قول سعيد خلافًا لابن عباس وأخذ به. قال أبو بكر الخلال: إنما صار أحمد إلى هذا وترك قول ابن عباس لأنه ضعيف، ومذهبه أنه إذا صح قول أحد الصحابة فهو مقدم على من بعده من التابعين، وليس الأمر كما توهمه أبو بكر، فإن الحديث عن ابن عباس صحيح. روى الأثرم قال: قلت له السدي عن أبي مالك عن ابن عباس؟ ، قال: نعم، قلت: أفليس هذا إسناد؟ قال: ليس به بأس، فقد حكم بصحة إسناده، وقد أومأ إلى هذا في رواية مهني في رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن أنها أربع وسلم ثم سجد سجدتي السهو ثم قام ليصلي صلاة أخرى فذكر أنه صلى ثلاث ركعات، فهذا قد خرج من صلاة إلى صلاة أخرى، يعيد، قال إبراهيم والحسن: قد خرج من صلاة إلى صلاة أخرى، يعيد، وعن أنس بن مالك خلاف ما قال إبراهيم والحسن، وأعجب إليّ أنه يعيد، قد خرج من صلاة إلى صلاة، فظاهر هذا أنه أخذ بقول إبراهيم والحسن. وكذلك نقل الميموني في جراح العبد هو فيها بمنزلة الحر في ديته فإذا قطعت ففيها نصف قيمته، هكذا يقول سعيد بن المسيب (٢) وابن عباس يقول: هو مال (٣) فظاهر هذا أنه أخذ بقول سعيد في التقدير. وجه الأولى في أنه لا يعد خلافًا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال إقتدوا

стр. 47

بالذين من بعدي أبي بكر وعمر (١) فأمر بإتباعهما فاقتضى هذا وجوب إتباع التابعين لهما، وقال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (٢) وهذا يوجب على غيرهم إتباعهم ويمنع المساواة لهم، ولأن الصحابة لما كان لهم فضل مشاهدة النبي ﷺ والعلم بقصده ومخارج كلامه، ومصادره، ولم تحصل هذه المنزلة للتابعين، لم يجز أن يزاحمهم على ما يقولون، ولا يخالفهم فيما يحكمون، ولأنه لو كان خلافه خلافًا أفضى إلى أن لا ينعقد إجماع أبدًا، لأنه ما من عصر إلا ويلحق بهم من العصر الثاني من هو من أهل الإجتهاد، فإذا كان خلافه له خلافًا تسلسل هذا إلى أن لا يتصور إجماع عصر على قول، وما أفضى إلى هذا سقط في نفسه. ووجه الثانية، أن الصحابة قد سوغت للتابعين الإجتهاد معها والمخالفة لها، ألا ترى أن عمر وعليًا ﵄ وليّا شريحا القضاء (٣) ولم يتعقبا أحكامه بالفسخ مع إظهار الخلاف عليهما في كثير من المسائل، وكتب عمر ﵁ إليه فإن لم تجد في السنة فاجتهد رأيك (٤) ولم يأمره بالرجوع إليه ولا الحكم بقوله، وخاصم علي إلى شريح ورضي بحكمه حين

стр. 48

حكم عليه بخلاف رأيه (١) ولأن المعنى الذي لأجله إعتد بخلاف الصحابة على الصحابة هو كونه من أهل الإِجتهاد في زمن الصحابة، ألا ترى أنه لو لم يكن من أهل الإِجتهاد لم يعتد بخلافه مع كونه صحابيًا، فإذا كان كذلك وكان هذا المعنى موجودًا في التابعين، وجب أن يعتد بخلافه عليهم، ولأنه من أهل الإجتهاد، فوجب أن يعد خلافه خلافًا دليله الواحد من الصحابة، ولأن هذا يوجب على من كان من أهل الإِجتهاد تقليد غيره مع وجود الإجتهاد فيه. حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الجنس واختلف السبب: ١١ - مسألة: في المطلق وفي المقيد إذا كان الجنس واحدًا والسبب مختلفًا، كالرقبة في كفارة القتل والظهار، فالرقبة جنس واحد قيدت بالإيمان في كفارة القتل، وأطلقت في كفارة الظهار، وهذا سبب مختلف والجنس واحد، فهل يبني المطلق على المقيد أم لا؟ مسائل أحمد تقتضي روايتين نص عليهما في عتق الذمية في كفارة الظهار. نقل ابن منصور يجزئ، فعلى هذا يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. ونقل أبو طالب لا يجزيه، وصرح بحمل المطلق على المقيد، فقال: المسلم أحب إليَّ، وقال: وقد احتج من قال: إنها مؤمنة بأن اللَّه -تعالى- قال:

стр. 49

﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقال في موضع آخر ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) ولم يذكر عدلًا فلا يجوز إلا عدل، كذلك تكون مسلمة. وجه الأولى: أن المطلق لما كان المراد بظاهره معلومًا وجب أن يحمل على ما وضع له في اللغة والشريعة ولا يعدل به إلا بدليل. ووجه الثانية: أن العرب قد تذكر الشيء مقيدًا ثم تذكره مطلقًا إكتفاء بذلك المقيد، نحو قوله -تعالى- ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (٣) ومعناه والحافظات فروجهن، وقوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٤) ومعناه والذاكرات اللَّه، وقوله ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٥) ومعناه عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، وقال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف ومعناه نحن بما عندنا راضون، وقال آخر: وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يلينى أألشر الذي أنا أتقيه ... أم الخير الذي لا يأتليني يعني أريد الخير وأتوقى الشر فاكتفي بذكر أحدهما عن الآخر ولأن في بناء المطلق على المقيد تخصيص ما يتناوله اللفظ والتخصيص جائز فهو كما قلنا في العموم والخصوص فإنه يخص العموم بالخصوص كذلك هاهنا.

стр. 50

تأخير البيان عن وقت الخطاب: ١٢ - مسألة: في تأخير البيان عن وقت الخطاب هل يجوز أم لا؟ قال أبو بكر في كتاب السنة، وأبو الحسن التميمي لا يجوز تأخير البيان عن وقت النطق، ولم يفرقوا بين أن يكون الخطاب عامًا أو مجملًا. وقال شيخنا أبو عبد اللَّه يجوز ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد فيما تقدم من رواية أبي عبد الرحيم الجوزجاني، من تأول القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول، ولا أحد من الصحابة، فهو تأويل أهل البدع، لأن الآية تكون عامة قصدت شيئًا بعينه، ورسول اللَّه ﷺ المعبر عنها، فظاهر هذا أنه أوقف الحكم بها على بيان النبي ﷺ . ووجه من قال لا يجوز تأخره أن صيغة العموم إذا وردت بتجريدها أفادت إستغراق الجنس وتعلق الحكم بالكل، وإذا كان المراد الخصوص كان قد أمرنا باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، وهذا لا يجوز على اللَّه ﵎، ولأن دلالة الخصوص مع لفظ العموم بمنزلة اقتران الإستثناء بالمستثنى منه، بدليل أن كل واحد منهما يخرج من اللفظ ما ليس بمراد، ثم ثبت أن الإستثناء لا يجوز تأخره عن المستثنى منه، كذلك قرينة الخصوص مع لفظ العموم مثله. ووجه من أجاز تأخيره إلى وقت الفعل قوله -تعالى- ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١) وهذا نص في تأخير البيان، لأن حرف ثم للمهلة والتراخي، ولأن لفظة العموم ترد مستغرقة للأعيان، كما ترد مستغرقة للأزمان، فالأعيان كقوله -تعالى- ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، والأزمان كقوله

стр. 51

صلّ كل يوم بعد الزوال، ثم يرد النسخ مخصصًا للأزمان، كما يرد التخصيص مخصصًا لعموم الأعيان، ثم ثبت أنّ النسخ يتأخر عن الخطاب إذا ورد، وليس من شرطه بيان النسخ حين وروده، فوجب أن يكون تخصيص الأعيان كذلك، وأن يجوز تأخير البيان عنها والتخصيص. مقتضى أفعال النبي ﷺ الواقعة على وجه القربة: ١٣ - مسألة: وأفعال النبي ﷺ إذا وقعت على سبيل القربة والطاعة ابتداء من غير سبب يستند إليه فهل هي على الوجوب أم لا؟ على روايتين، إحداهما أنها على الوجوب وهي اختيار شيخنا أبي عبد اللَّه، وقال في رواية حرب: يمسح رأسه كله، كذا جاء الحديث أن النبي ﷺ يمسح على الرأس كله (١) وقال أيضًا في رواية الأثرم: إذا رمى الجمار فبدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى لم يعجبني، قد فعل النبي ﷺ الجمار وسن فيها سنة مبيّنة (٢) وقال أيضًا

стр. 52

في رواية الجماعة المغمي عليه يقضي، لأن النبي ﵇ أغمي عليه فقضي (١). والثانية أن ذلك على الندب، وهو ظاهر كلامه في رواية إسحاق بن إبراهيم، قال الأمر من النبي ﷺ سوى الفعل، لأن النبي ﷺ يفعل الشيء على جهة الفضل، وقد يفعل الشيء وهو له خاص، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين، وهذا ظاهر من كلامه أن ذلك لا يقتضي الوجوب. وجه من قال: إنها على الوجوب قوله -تعالى- ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) وهذا عام، ولأن النبي ﷺ كان يصلي فخلع نعله فخلعوا نِعَالِهِم فلما فرغ قال: لِم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا قال: أتاني جبريل فأخبرني أنّ فيهما قذرًا (٣)، فلم ينكر عليهم قولهم رأيناك فاتبعناك، بل أقرهم، ولأن الصحابة اختلفت في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فقال قوم يجب، وقال أُبيّ بن كعب وغيره لا يجب ما لم ينزل. فسألوا عائشة عن ذلك فقالت: إذا التقى الختانات وجب الغسل، فعلته أنا ورسول اللَّه ﷺ فاغتسلنا (٤)، فأقروها على ما احتجت به في وجوبه من فعل النبي ﷺ وأخذوا بذلك، ولأن أفعاله كأقواله، بدليل أنه يخصّ بها العموم.

стр. 53

صيغة الرواية عن الشيخ: ١٤ - مسألة: إذا قرأ وهو ساكت يسمع ولم يقل له هو كما قرأت عليك، فيقول: نعم، أو يقول له ابتداء: أقرأ عليك، فيقول. اقرأ، فإذا لم يفعل شيئًا من هذا فهل يجوز أن يقول حدثنى أو أخبرني؟ على روايتين إحداهما لا يجوز، لأنه ما حدثه ولا أخبره، بل يسوغ له إذا كان ثقة أن يعمل بما قرأه عليه ويرويه، فيقول قرأت على فلان فلم ينكره، لأن سكوته على ذلك رضًا به، وقد نص على هذا في رواية حنبل، وقيل له سأل عوف الحسن، فقال له: أقرأ عليكم فأقول حدثنا الحسن؟ قال: نعم: قال حنبل: سألت أحمد عن ذلك فقال: لا ولكن تقول قرأت. والرواية الثانية: يجوز أن يقول أخبرني وحدثني لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضًا بما قرأه، وإمضاء له، فجاز أن يقول أخبرني، وحدثني، كما لو قال له اروه عني، ولأنه لما جعل سكوته دلالة على جواز الرواية عنه جاز أن يجعله في جواز ذلك في مسألتنا، وقد نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله وهو يقرأ عليه شيئًا من الأحاديث أقول حدثني أحمد؟ فقال: إن قال فما أرى به بأسًا، ولكن يقول قرأت عليه أحب إليَّ أن يدين الصدق، فقد نص على جوازه، وأجاز أن يقول قرأت عليه ليحكي الحال، فإن قال له: هو كما قرأت عليك؟ فقال: نعم، فهل يقول أخبرنا، أم يجوز له أن يقول

стр. 54

أخبرنا وحدثنا؟ على روايتين: إحداهما: يجوز أن يقول حدثنا وأخبرنا، ولا فرق بينهما: نص عليه فيما حدثنا به أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، قال: سمعت محمد بن أحمد بن رزق قال: سمعت جعفر بن هارون النحوي يقول: سمعت عبد اللَّه بن أحمد الكسائي، قال سمعت عبد الجبار يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أخبرنا وحدثنا واحد. ونقل حنبل إذا قال الشيخ حدثنا قلت حدثنا، وإذا قال أخبرنا قلت أخبرنا، يتبع لفظ الشيخ، إنما هو دين، ولا يقول لأخبرنا حدثنا، ولا لحدثنا أخبرنا، على لفظ الشيخ. وأخبرني أخي أبو حازم، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني، قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن جعفر بن سلم، حدثكم عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: إذا سمعت من المحدث فقل حدثنا، وإذا قرأت عليه فقل قرأت، وإذا قرئ عليه فقل قرئ عليه، وسُئِلَ أبي عن الرجل يسمع الحديث بلفظ الشيخ وتارة يسمعه بقراءته وهو يسمع، كيف يقول إذا حدث قال يقول كما قال أبو بكر الخلال، قد سهل أبو عبد اللَّه في هذا المعنى على جواز رواية الحديث على المعنى، والأولى أشبه، لأنه إذا أجاز أن يروي لفظ الحديث على المعنى بوجود المقصود فيه ولا يتبع اللفظ، كذلك جاز أن يقول أخبرنا في موضع حدثنا وحدثنا في موضع أخبرنا، فإن كان في سماعه عن فلان فهل يجوز أن يقول قال فلان أم لا؟ نقل الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني عن أحمد إذا كان عن فلان في الكتاب قال: فلا يغيره، قال أبو بكر الخلال: هذا وهم من الحسن ابن محمد، لأن هذا عند أحمد تشديد، وقد ذكره في كتاب "العلل"، وأنكره على أهل المدينة.

стр. 55

حجية القياس: ١٥ - مسألة: في القياس الشرعي هل هو حجة أم لا؟ فقد نصّ في مواضع على أنّه حجة تعلق الأحكام عليه، فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه: لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الإمام والحاكم يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس ويقيس. وكذلك نقل الحسين بن حسان عنه، القياس: هو أن يقيس على أصل إذا كان مثله في كل أحواله، وكذلك نقل أحمد بن القاسم، لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلًا قياسًا على الذهب والفضة. وحكى شيخنا أبو عبد اللَّه، أنّ من أصحابنا من قال: ليس بحجة، قال: لأن أحمد قال في رواية المروذي يجتنب: المتكلم في الفقه هاتين الخلصتين القياس والمجمل، وكذلك نقل أبو الحارث عنه، وقد ذكر أهل الرأي وردهم الحديث، فقال: ما تصنع بالرأي والقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه، وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة، وإنما يدل على أنّه لا يجوز استعماله مع النّص، ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة وليس هذا بمذهب فيستعمل فيتوجهه، والدلالة على أنّه حجة قوله -تعالى- ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١) وحقيقة الاعتبار حمل الشيء على نظيره، ليعرف حكمه به، يُبيِّن صحة هذا ما روي أنّ عمر فاضل في ديّة الأسنان (٢)، فقال ابن عمر هلا

стр. 56

أعتبرها بالأصابع، منفعتها مختلفة وعقلها سواء (١) فبين أنّ الإِعتبار هو حمل الشيء على نظيره. وأيضًا روي عن النبي ﷺ أنّه لمّا بعث معاذًا إلى اليمن قال له "بِمَ تقضي بينهم يا معاذ"؟ قال: بكتاب اللَّه، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: بسنة رسول اللَّه، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأيي، قال: "الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه" (٢) فوجه الدلالة هو أنّ النبي إنما سأله ليعرف ما عنده، فلمّا أخبره أنّه يرجع إلى اجتهاده ورأيه فيما ليس فيه كتاب ولا سنة سرّه ذلك، وحمده عليه، وأقره عليه، وأرسله إليه، ولأنّه إجماع الصحابة، روي عن أبي بكر أنّه قال: أقول في الكلالة برأيي (٣) وعن عمر هذا ما رأى عمر (٤) وقال:

стр. 57

قضيت فيها برأي (١) وقال، كذلك أقضي فيه برأيي (٢) وروي عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك وليس فيه كتاب ولا سنة أن تقيس الأمور بعضها ببعض، فما كان أقرب إلى الحق وأحب إلى اللَّه فاعمل به، ولا يمنعك قضاء قضيته فراجعت نفسك فهديت لرشدك أن تراجع الحق، فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي بالباطل (٣) وعن عثمان أنّه قال لعمر: إن اتبعنا رأيك فإنك رشيد، وإن اتبعنا رأي من كان قبلك فنعم ذو الرأي كان (٤) وعن علي قال: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا تُباع أمهات الأولاد، وأرى أن يبعن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك (٥) والأخبار في ذلك كثيرة، ولأن اللَّه -تعالى- كلّف المجتهدين معرفة حكمها ليعمل بها لنفسه، وليفتي بها، أو

стр. 58

يحكم بها بين الناس، وإذا ثبت وجوب ذلك، فلا بد أن ينصب هناك أدلة تعرف أحكام الحوادث بها، وذلك الدليل إما أن يكون نصًا أو غيره، فبطل أن يكون نصًا لأن اللَّه -تعالى- ما نصّ على حكم كل حادثة، فإذا لم ينص على حكم كل حادثة ولا بد من معرفة حكمها، ثبت أن معرفة حكمها بالإجتهاد، فإذا حرّم الخمر للشدة التي فيها، عرفنا أنّه إنما نصّ على الشدة ليلحق بها نظيرها، فثبت بذلك وجوب القول بالقياس. القياس على أصل ثابت بالقياس: ١٦ - مسألة: إذا ثبت الحكم في الأصل بدليل مقطوع عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع، وجب رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه، فأما إن كان معنى الأصل عُرِفَ بالإستنباط، مثل علة الربا في الزائد مكيلًا أو مطعومًا فهل يجب رد غيره إليه أم لا؟ قال شيخنا أبو عبد اللَّه: لا يجب رد غيره إليه، فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنّا وقد سأله هل يقيس بالرأي؟ فقال: لا، هو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه، معنى قوله لا يقيس بالرأي: يعني ما ثبت أصله بالرأي لا يقيس عليه، وعندي أنّه يجب رد غيره إليه، وقد أومأ إليه في رواية ابن القاسم، فقال: لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلًا قياسًا على الذهب والفضة، فقد قاس الحديد والرصاص على الذهب والفضة، والعلة في الأصل غير مقطوع عليها، لأن العلة عند بعضهم كونها قيمة المتلفات، وعند ابن عباس معنى آخر (١).

стр. 59

وجه الأول أنّه إذا كان معنى الأصل عُرِفَ بالإِستدلال وغالب الظن فإذا رددنا غيره إليه عرفناه بالإِستدلال وغالب الظن من غير أصل مقطوع على معناه، وهذا لا يجوز، وتحريره أن المعنى المستنبط غير مقطوع على صحته فلم يجز القياس عليه. ووجه الثاني: عموم قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١) ولم يفصل، بل هذا أولى، فإنه اعتبار حكمه، والذي قالوه إعتبار الفرع فقط، فكان بالآية أخص، ولأنه إجماع الصحابة، وذلك أنهم أجمعوا على القياس المستنبط، فقال عمر وعلي لأبي بكر: إرتضاك رسول اللَّه ﷺ لديننا أفلا نرضاك لدنيانا (٢) وهذا قياس على معنى

стр. 60

استنباطه (بالظن)، وكذلك قالوا لعمر إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك (١). واختلفوا في قوله أنت عليّ حرام، على مذاهب، فقال أبو بكر: يمين تكفر (٢) وقال بعضهم ظهار (٣)، وقال بعضهم طلقة واحدة (٤) وقال علي وأبو هريرة ثلاث طلقات (٥) فكل فريق إنما راعى معنى إستنبطه فرد إليه في هذه الحادثة.

стр. 61

وكذلك اختلفوا في الخرقاء وهي أم وجد وأخت على خمسة مذاهب (١) على هذا المعنى، فثبت أنهم أجمعوا على ما قلناه، ولأن التوجه إلى القبلة فرض، والناس فيها على ضربين، من كان قريبًا منها بالمعاينة، ومن كان بعيدًا بالإِجتهاد بالدلائل، وكلها علامات مستنبطة، وكذلك الشرع يؤخذ نطقًا وهو ما ثبت بنص الكتاب أو خبر تواتر، ويؤخذ استدلالًا وغلبة الظن، وهو ما ثبت بالأخبار الآحاد، كذلك ها هنا، إذا صح رد الفرع إلى أصل عرف معناه قطعًا صح رده إليه وإن كان معناه عرف استدلالًا. تخصيص العلة الشرعية: ١٧ - مسألة: هل يجوز تخصيص العلة الشرعية وهو أن توجد العلة ولا حكم أم لا؟ قال شيخنا أبو عبد اللَّه لا يجوز، ومتى دخلها التخصيص لم تكن علة، وقد أومأ إليه أحمد في رواية الحسين بن حسان، فقال القياس أن يقاس على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهو خطأ. ومن أصحابنا من قال يجوز تخصيص العلة، فيكون دلالة على الحكم في عين دون عين، وهو المذهب الصحيح، ومسائل أصحابنا تدل عليه، فقال في رواية بكر بن محمد في الذي يغسل ذكره وأنثييه كما جاء الأثر (٢)، ولو

стр. 62

كان القياس لكان يغسل موضع المذي، وإنما هو الاتباع، فقد بين أن القياس كان يقتضي غسل نفس الموضع، لكن ترك القياس في ذلك لدليل أولى منه، وهو حديث علي "اغسل ذكرك وانثييك وتوضأ" (١) فإذا كان من مذهبه جواز ترك القياس لدليل أولى منه، جاز تخصيصه في موضع لدليل. وكذلك قال في رواية أبي طالب في أموال المسلمين إذا غلب عليها الكفار ثم ظهر عليها المسلمون، فأدركه صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن كان مقسومًا فلا حق له، ولو كان القياس كان له، لأن الملك لا يزول بالقسمة لكن هو قول عمر (٢). وكذلك نقل المروزي، ويجوز شراء أرض السواد، ولا يجوز بيعها، فقيل له كيف تشتري ممن لا يملك، فقال القياس كما تقول، هو استحسان، واحتج بأن

стр. 63

أصحاب رسول اللَّه ﷺ رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها (١)، ونظائر هذا كثير من كلام يدل على معنى ما ذكرنا، ومن منع من أصحابنا تخصيص العلة، فقوله يفضي إلى ترك قول أحمد، في المسائل التي ترك القياس فيها. وجه من منع تخصيصها أن القول بتخصيصها يفضي إلى تكافئ الأدلة، وإلى أن تكون العلة الواحدة دلالة على الشيء وضده، وذلك أنهم قالوا في المصوغ من الأثمان الربا، لأنه من جنس الموزون، والمصوغ من الصفر لا ربا فيه وهو من جنس الموزون، فيفضي إلى أن تكون العلة الدالة على الحظر في الأثمان هي الدالة على الإباحة في الصفر، فتتكافأ الأدلة وتكون العلة الواحدة علة للشيء وضده، وهذا خِلاف الإجماع، ولأن العلة ضربان عقلية، وشرعية، فلمّا لم يصح في العقلية أن يدخلها التخصيص، كذلك الشرعية. والوجه في جواز تخصيصها هو أنّ العلل الشرعية هي أمارات للأحكام، وليست موجبة لها، ألا ترى أنها كانت موجودة قبل الشرع غير موجبة للأحكام، فإذا كان كذلك وجاز أن تكون أمارة في حال دون حال، وجب أن يجوز أيضًا كونها أمارة في موضع دون موضع، ويفارق هذا العلل العقلية، لأنها موجبة، ألا ترى أنها قد كانت عللًا عقلية وإن لم يكن هناك ذو عقل، وهذه غير موجبة، ألا ترى أنها صارت عللًا بالشرع، ولو كانت موجبة لم يحتج في كونها بهذه الصفة إلى ورود الشرع، ولأن في هذه العلل لما كانت أمارات للأحكام وجب أن يجوز فيها التخصيص كما يجوز في الأسماء، لما كانت أمارات لما علق بها من الأحكام دخلها التخصيص، وهي صيغة العموم، كذلك ها هنا، يبين صحة هذا أن العموم آكد حالًا، وأعلى مرتبة من العلة، لأن رد العموم يوجب التكفير، ورد العلة المقتضية لا يوجب ذلك، فإذا

стр. 64

جاز تخصيص العموم فلأن يجوز تخصيص العلة التي هي دونه في الرتبة أولى. الدليل على صحة العلة المستنبطة: ١٨ - مسألة: والعلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها أي شيء الدال على صحتها؟ يخرّج على وجهين: أحدهما أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان، فقال: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل به وأدبر في كل أحواله، وأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فهذا خطأ، قال أبو بكر: يعني في كل أحواله في نفس الحكم، لا في عينه، لأنه لا يلزم المخالفة بينهما. والوجه الثاني: يفتقر إلى شيئين، دلالة عليها، ودلالة على صحتها، وهو أن يكون الوصف مؤثرًا في الحكم المعلل فإذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول، وهو أن يسلم من نقض ومعارضة، فإن عارضها قياس مثلها، أو أقوى منها، وقفت ولم تكن علة. ووجه القائل الأول: إتفاق الأمة على أنّ زنا المحصن هو المعنى الموجب للرجم، لما كان الرجم يجب بوجوده ويعدم بعدمه، وهكذا العلل العقلية يستمر هذا الأصل فيها، بدلالة أن المعنى الموجب لكون المحل أسود وجود السواد فيه، لوجود هذا الحكم بوجوده، وارتفاعه بارتفاعه، فإذا كان ذلك جائزًا في العلل العقليات مع كون العلل فيها موجبة، فأولى أن يجوز في الشرعيات مع كون عللها غير موجبة، فإن قيل: كيف يصح لكم هذا الأصل مع قولكم يجوز تخصيص العلة الشرعية، لأنه إذا جاز تخصيصها لم يوجد الحكم بوجودها ولم يعدم بعدمها؟

стр. 65

قيل: قد بينا فيما سلف أنّ الأدلة الشرعية يجوز فيها التخصيص، كما يجوز ذلك في العلل الشرعية، لأنّ العموم دلالة شرعية وقد جاز وقوع التخصيص فيه. ووجه الثاني: في أن وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على صحتها، أننا قد جعلنا علة تحريم الخمر وجود الشِّدة فيها، لوجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها، فصارت هذه العلة هي العلة الموجبة لتكفير المستحل، وإن كانت الشِّدة توجد في النبيذ فلا يوجب تكفير مستحله، والدلالة على أن صحتها تأثير الوصف وسلامتها: هو أننا وجدنا أنّ الشيء له أوصاف، مكيل ومطعوم ومقتات ومزروع وله مثل، وأجمعنا على أن العلة هي الوصف المؤثر في الحكم دون غيره، وإن كنا نختلف في التأثير، وإذا كان الوصف المؤثر معتبرًا فلا بد من اعتباره بالأصول، فإن سلم من نقض أو معارضة دل على صحتها، وإن وقف في أحدها ثبت أنه ليس بعلة. تخطئة أحد المجتهدين المختلفين في الحكم: ١٩ - مسألة: الحق عند اللَّه في واحد، وقد نصب عليه دليلًا وكلف المجتهد طلبه، فإن أصابه فقد أصاب الحق عند اللَّه -تعالى- وفي الحكم، وإن أخطأ فقد أخطا عند اللَّه -تعالى-. وهل أخطأ في الحكم أيضًا؟ على روايتين: إحداهما أنّه يخطئ في الحكم إلا أنّ الخطأ موضوع عنه. والثانية: هو مصيب في الحكم، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه، فقال الحق عند اللَّه في واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يقول لمخالفه إنه مخطئ، وقال بعد في كلام: وإذا اختلف

стр. 66

أصحاب محمد، وأخذ رجل بقول بعضهم، وأنجذ آخر عن رجل آخر منهم، فالحق واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ فظاهر كلامه في أول المسألة أنّه مصيب في الحكم، لأنه منع من إطلاق الخطأ عليه في الحكم، وآخر كلامه يقتضي إطلاق ذلك عليه، لأنه قال عليه أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ، فأطلق الخطأ عليه. وجه من قال: إن كل مجتهد مصيب في الحكم، أنّ الصحابة اختلفت في مسائل، منها الجدّ (١)، ولم ينكر بعضهم قول بعض بل أقره عليه، وسوغ للعامي أن يستفتيه، ولأنه لو كان الحق في واحد من القولين لنصب عليه دليلًا يوجب العلم، كما قلنا في مسائل الأصول، فلما لم ينصب دليلًا يوجب العلم ثبت أن الحق فيما يعتقده في حقه دون غيره. ووجه من قال: إنه مخطئ في الحكم قوله -تعالى-: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٢) فوجه الدلالة أنهما حكما بالحكومة بقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (٣) وأخبر عن أحدهما أنه هو الذي حكم بالحق بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ولو كان كل واحد منهما مصيبًا لكان قد فهمها كل واحد منهما، وقول النبي ﷺ "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٤) فنص على خطئه، وفي المسألة أشياء كثيرة مذكورة في غير

стр. 67

هذا الموضع، وقد اختلف أصحابنا فيما جرى بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة، هل كل واحد منهم مصيب في ذلك، أم أحدهما مصيب، فحكى شيخنا أبو عبد اللَّه عن أصحابنا في ذلك أوجهًا (١). أحدها (٢) أنّ كل واحد منهم مصيب في الحكم. والثاني أنّ أحدهما مصيب والآخر مخطئ لا بعينه. والثالث أنّ أحدهما مصيب، وهو علي، والآخر مخطئ، وهو من قاتله، ويجب أن يكون القول في ذلك مبنيًا على الأصل الذي تقدم، وأن الحق عند اللَّه -تعالى- في ذلك في واحد منهما، فإن أصابه فقد أصاب عند اللَّه وفي الحكم، وإن أخطأه فقد أخطأ عند اللَّه، وهل هو مخطئ في الحكم؟ على روايتين: إحداهما أنّه مصيب. والثانية أنّه مخطئ، وقد نص أحمد على الإمساك فيما شجر بينهم، وترك القول فيه بخطأ أو إصابة. وقال المروذي: جاء يعقوب رسول الخليفة، فسأله فيما كان بين علي ومعاوية، فقال: ما أقول فيهم إلا بالحسنى وكذلك نقل أحمد بن الحسين الترمذي، وقد سأله ما تقول فيما كان من أمر طلحة، والزبير، وعلي، وعائشة، فقال: من أنا أقول في أصحاب رسول اللَّه ﷺ كان بينهم شيء،

стр. 68

اللَّه أعلم، وكذلك قال في رواية حنبل، قال اللَّه ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) فقد (قال) بالوقف. والوجه فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال "إياكم وما شجر بين أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولا يطالبكم اللَّه بمظلمة أحد منهم" (٢) وقال: "إذا ذكر أصحابي فامسكوا" (٣) ولم يأمرنا أن نمسك عن محاسنهم، وإنما أمرنا أن نمسك عن ذمهم، لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) وقال: وقد اشتبه الأمر على الصحابة فاعتزل

стр. 69

ووقف جماعة من الفضلاء، منهم سعد بن أبي وقاص (١)، ولم يك مع علي ولا مع معاوية مثله، لأنه من العشرة ومن الستة الذين أدخلهم عمر في الشورى، واعتزل محمد بن مسلمة (٢)، وأبو موسى الأشعري (٣) وأسامة بن زيد (٤)، حب رسول اللَّه ﷺ وابن عمر (٥)، وأنس بن مالك (٦)، إذ ليس فيه كتاب ولا سنة فيجب أن نقف، وقد نقل عن سعد أنه قال: إن أتيتموني بسيف يعرف المؤمن من الكافر قاتلت معكم (٧) وعاتبه معاوية لم لم يقاتل: وكان له

стр. 70

معه كلام (١) وأرسل علي إلى محمد بن مسلمة، فقال له محمد: إن النبي ﷺ أعطاني سيفًا وقال لي: قاتل به المشركين ما قاتلوا (٢) فهذا وأمثاله يدل على الوقف. وأمّا حجة علي وأصحابه رضوان اللَّه عليهم - فإنه رأى أنّه لا أحد أحق بالخلافة منه (٣)، ورأى استيلاء أهل الفتنة على المدينة كالغافقي، والتجيبي (٤)، فبادر إلى البيعة، بعد أن سمع أهل الفتنة يقولون: لئن لم تنظروا في أموركم لنولّين رجلًا منا (٥)، وآثر المصريون عليًا فامتنع (٦) ثم خشي أن يبادر إليها من لا يستحقها وروي أنه قال: لولا أن ينبري عليها من بني أمية من لا يستحقها (٧) فعقد له، وقال: قد بايع الناس أبا بكر من غير مشورة

стр. 71

فتمت بيعته، ولم يطلب الخلافة أحد من نظرائه الذين ذكرهم عمر في الشورى، وبيعتي قد ثبتت كما قد ثبتت بيعة أبي بكر، وقد بايعني طلحة والزبير، فقد وجب على الناس طاعتي واتباعي (١) وكان من حجة معاوية أن قال: استعملني الخليفتان من قبل وولياني على الشام، عمر وعثمان، أنا علي ما استعملاني عليه مقيم حتى يجتمع الناس على إمام فأسلم إليه ما في يدي، وأنا مطالب بدم عثمان، لأني ابن عمه، ووليه، وأحق الناس به، واللَّه -تعالى- يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٢) وقاتله معك محمد بن أبي بكر، والتجيبي، والغافقي، وأهل البصرة ومصر وأصحاب الفتنة (٣). وطلحة والزبير يقولان: بايعنا مكرهين (٤) وطلحة يقول: بايعت واللج (٥) علي قفي (٦) (٧) وبايعناه على أن يقتل قتلة عثمان، ومبايعة المكره لا يعمل

стр. 72

عليها، والشرط ما وفيت به (١) فكان هذا من حجة معاوية ومن معه في قتاله لعلي، وقد قال أبو بكر الخلّال سمعت محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى في: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" (٢) ثمانية وعشرون حديثًا، ليس فيها حديث صحيح، وقد قيل يحتمل أن يكون أراد بالباغية المطالبة بدم عثمان، ألا ترى أن أصحاب الجمل كانوا يرتجزون ويقولون نبغي ابن عفان بأطراف الأسل (٣). اجتهاد الأنبياء: ٢٠ - مسألة: هل كان يجوز للأنبياء الإجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع؟

стр. 73

فالعقل لا يمنع منه أما ورود الشرع به، والتعبد به، فقال شيخنا أبو عبد اللَّه لا يجوز على ظاهر كلام أحمد في رواية عبد اللَّه، قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) وعندي أنّه يجوز ذلك، لأنه قال في رواية أبي داود ليس أحدٌ إلا ويؤخذ من رأيه ويدع، ما خلا النبي ﷺ فاثبت للنبي رأيًا. وجه من منع من ذلك قوله -تعالى- ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولأن الإجتهاد إنما يجوز عند الإياس من النص، بدليل أنّ الأمة متى جوزت وجود النص تركت الإجتهاد، فإذا كان الإِجتهاد لهذا، لم يجز للنبي، لأنه لم ييأس من النص. ووجه الثاني: أن الأصل إذا عرف معناه لزم رد الفرع إليه، فإذا عرفه رسول اللَّه ﷺ كان الرد إليه أولى في حقه، لأنه أعرف بمعناه، لأنه لا يخلو ترك الإِجتهاد في حقه إما بنص موجود أو لأنه لا ييأس من النص، وهذا لا يمنع، لأن للأمة أن تجتهد مع تجويز إنعقاد الإجماع، بخلاف ما اجتهد فيه، فإذا كان هذا في حق غيره، كان في حقه أولى. الإِجتهاد بحضرة النبي ﷺ -: ٢١ - مسألة: هل يجوز الإِجتهاد بحضرة النبي وفي مجلسه. .؟ قال شيخنا أبو عبد اللَّه لا يجوز، وعندي أنه يجوز ذلك. وجه من قال لا يجوز، أنه لا يجوز الرجوع إلى غالب ظنه مع القدرة

стр. 74

على القطع واليقين، فإذا كان الرسول حاضرًا، فهو قادر على معرفة الحكم من جهته قطعًا، فلا معنى للإجتهاد. والوجه في جواز ذلك، أنّه ليس في الإِجتهاد بحضرته أكثر من الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، وهذا جائز بحضرته، لأنه لو كان حاضرًا في مجلس رسول اللَّه ﷺ فروى له بعض الحاضرين عنه خبرًا جاز له العمل به، وهو عمل بغالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، بأنه كان يمكنه أن يرجع فيما أخبر به إلى النبي ﷺ فيعلمه منه قطعًا، فلما جاز هذا ولم يرجع فيه إليه، ثبت جوازه. استصحاب الحال: ٢٢ - مسألة: القول باستصحاب الحال هل هو صحيح أم باطل؟ أمّا ما كان طريقه العقل وهو المعلق ببراءة الذمم فهذا يصح القول به مثل أن يقول أجمعنا على براءة ذمته، فمن زعم اشتغالها بإيجاب زكاة في الخيل فعليه الدليل. وأما استصحاب الحال بالإِجماع، مثل قوله اتفقنا على انعقاد الصلاة قبل رؤية الماء، فمن زعم إبطالها بالرؤية فعليه الدليل. فقد نصَّ أحمد على هذا في رواية صالح ويوسف بن موسى، لا يخمس السلب لأن النبي ﷺ لم يخمس (١)، فقد جعل الأصل دلالة على إسقاط الخمس متى لم يقم الدليل عليه. وكذلك نقل حنبل فيمن أكل أو شرب، القضاء ولا كفارة لأن النبي

стр. 75

- ﷺ يأمرنا بالكفارة (١)، وكمن وجد الرقبة في أثناء الصيام وغير ذلك، هل هو صحيح أم باطل؟ ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه في كتابه، أنه باطل، وكان يحتج بذلك في المسائل، فمن قال بصحته، قال حال كونه في الصلاة قبل رؤية الماء، حال قطع ويقين على صحتها، وحال رؤية الماء، حال شك وارتياب، فلا ندع ما كنا عليه من اليقين بما شككنا فيه، كمن استيقن الحدث ثم شك هل توضأ أم لا، فلا يزول عن اليقين بحدوث الشك، وإن كان اليقين يزول الآن. ووجه من قال بفساده -وهو أصح- أن الموضع المختلف فيه غير المتفق عليه، إذ لا يجوز أن يختلفوا في نفس ما اتفقوا عليه، فإذا كان كذلك وكان الإِجماع زائلًا في الموضوع المختلف فيه، لم يجز التمسك بدلالة الإجماع في موضع الخلاف، لأن حال الإجماع مشروط وهو ما لم يجد الماء، فإذا وجده فقد زال الشرط، وبطل حكم الإجماع، وهذه الطريقة يمكن قلبها على قائلها، فيقال قد أجمعنا على أن الصلاة في ذمته بيقين فمن ادعى براءة ذمته بهذه الصلاة وبهذا التيمم، فعليه الدليل، وكذلك الكفارة في ذمته بيقين، فمن ادعى براءتها بهذا الصوم، فعليه الدليل.
следующие страницы →