← Книги сунны

Книги сунны · id 13084

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (520 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْمَرُّوكِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّرَسُوسِيُّ قَالَ: ح أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: ح مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بَلْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سُدُّوا الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» ﵁ ⦗١٠٦⦘ فَخَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُتْرَكَ بَابَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَفْتُوحًا، فَكَانَ يُجْنِبُ فِي بَيْتِهِ، وَبَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ

стр. 142

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ غَيْرَ بَابِ أَبِي بَكْرٍ» ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ الْمَرُّوكِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: ح مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ أَبْوَابًا تُطْلَعُ إِلَى الْمَسْجِدِ خَوْخَاتٍ، وَأَبْوَابُ الْبُيُوتِ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ بِسَدِّ تِلْكِ الْخَوْخَاتِ، فَلَمْ يَكُنْ مَطْلَعٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَرْكِ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى , قَالَ: «سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 143

حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: ح حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَخِي الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيُّ قَالَ: ح زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، وَفِي نُسْخَةٍ: يَزِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: ح مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» وَقَالَ غَيْرُهُ: «سُدُّوا الْأَبْوَابَ» بِلَا لَفْظَةِ: إِلَى الْمَسْجِدِ «وَاتْرُكُوا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» فَدَلَّ هَذَا أَنَّ تِلْكَ الْأَبْوَابَ لَمْ تَكُنْ أَبْوَابَ الْبُيُوتِ الَّتِي تُدْخَلُ فِيهَا وَتُخْرَجُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ خَوْخَاتٍ تَطْلُعُ إِلَى الْمَسْجِدِ كَالْكِوَا، وَالْمَشَاكِي، وَبَابُ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ بَابَ الْبَيْتِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ حِينَ أَشَارَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَى جَنْبِ ⦗١٠٧⦘ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَلَّ أَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ فِيهِ، وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ يَكُونُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمَا

стр. 144

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 145

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: ح الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبُعْدِهِ مِنْ مَوَاضِعِ التَّقَيُّدِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ بَابُ النَّظَرِ إِلَى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ، وَقَالَ ﷺ : «النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ» ، فَهِيَ بَابُ الْعَبْرَةِ، وَالْفَمُ بَابُ الذِّكْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] ، وَالْأُذُنُ بَابُ سَمَاعِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَمَاعُ الْعِلْمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ، وَلَيْسَ فِي الْخَيَاشِيمِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتِرَابُ الشَّيْطَانِ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَمَوْضِعُ مَدْخَلِهِ فِيهِ إِمَّا عَنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ، أَوْ جَرَيَانِهِ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» ، وَقَالَ فِي التَّثَاؤُبِ: «التَّثَاؤُبُ ⦗١٠٨⦘ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» ، وَقَالَ: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ فِي جَوْفِهِ» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْخَلُهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْخَيَاشِيمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ، وَهُوَ بَابٌ ظَاهِرٌ، وَيَقُولُ النَّاسُ لِمَنِ اسْتَخَفَّهُ أَمْرٌ، أَوْ ظَهَرَ فِيهِ كِبْرٌ: نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مَنْخَرِهِ. وَقَالَ الْحَجَّاجُ فِي خُطْبَتِهِ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، قَدْ نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مَنَاخِرِكُمْ، حَتَّى قُلْتُمْ: مَا بِالْحَجَّاجِ فَمَهْ، وَهَلْ يَرْجُو الْحَجَّاجُ الْخَيْرَ كُلَّهُ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَهُوَ بَابٌ ظَاهِرٌ يَعْنِي الْخَيْشُومَ، لَيْسَ لَهُ طَبَقٌ، وَالْعَيْنُ وَالْفَمُ لَهُمَا طَبَقَانِ، وَمَا دُونَ الْإِزَارِ فَمَسْتُورٌ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَلَا يَجِدُ الْعَدُوُّ إِلَيْهِ سَبِيلًا، كَمَا لَا يَجِدُ إِلَى السِّقَاءِ إِذَا أُوكِيَ، وَإِلَى الْبَابِ إِذَا غُلِّقَ. قَالَ

стр. 146

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح عَمَّارُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا نِمْتَ فَأَغْلِقِ الْبَابَ، وَأَوْكِ السِّقَاءِ، وَخَمِّرِ الْإِنَاءَ، وَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا سُدَّ، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تَضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بُيُوتَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تُخَمِّرُهُ بِهِ، فَأَعْرِضْ عَلَيْهِ وَلَوْ بِعُودٍ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى»

стр. 147

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 148

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ الْمُهْتَدِي، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، قَالَ قَيْسٌ: قَالَ: ح عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى النَّهَارِ، وَبَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ النَّهَارِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّيْلِ، يَرْفَعُ عَمَلَ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلَ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النَّارُ لَوْ كَشَفَ عَنْهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَ بَصَرُهُ» ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]

стр. 149

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ، قَالَ: ح أَبِي قَالَ: ح عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ح عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: ح سُفْيَانُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، نَحْوَهُ، وَقَالَ: «حِجَابُهُ النَّهَارُ» . قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: قَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنَامُ» نَفَى عَنْهُ النَّوْمَ الَّذِي هُوَ الِاسْتِرَاحَةُ مِنَ التَّعَبِ وَالنَّصْبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنِ. . . . اسْتِرَاحَة لَهُ بِصِفَةٍ، وَالنَّوْمُ غَفْلَةٌ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَفَى بِقَوْلِهِ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ» جَوَازَهُ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا يَنَامُ، وَلَا يَجُوزُ النَّوْمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ آفَةٌ، وَالْآفَةُ حَدَثٌ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحَوَادِثِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَوْلُهُ: «يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ» يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رَفْعَ أَهْلِ الْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ، وَيَضَعُ أَهْلَ الْجَوْرِ، أَيْ بِرَفْعِ قَدْرِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَالْحِفْظِ لَهُمْ وَالْعَوْنِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ، وَيَضَعُ أَهْلَ الْجَوْرِ فِي الدُّنْيَا بِالْبُغْضِ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَالْعَاقِبَةِ الْوَبِئَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعُقُوبَةِ، وَخِفَّةِ الْمِيزَانِ، فَلَا يُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ

стр. 150

الْقِيَامَةِ وَزْنًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَخْفِضُ أَقْوَامًا لِأَجْلِ الْقِسْطِ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، وَيَرْفَعُ أَقْوَامًا لِأَجْلِ الْقِسْطِ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَخْفِضُ بِالْقِسْطِ وَيَرْفَعُ بِالْقِسْطِ، وَمَعْنَاهُ يَرْفَعُ أَقْوَامًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ وَمَرَاتِبِهِ، وَيَضَعُ آخَرِينَ بِالذُّلِّ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْكُفْرِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ عَادِلٌ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَا جَائِرٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يَكُونُ مِنْهُ، وَالْجَوْرَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ قَادِرٍ، وَلَا فَوْقَهُ آَمِرٌ، وَلَا زَاجِرٌ، فَيَكُونُ ظَالِمًا بِتَرْكِ الْأَمْرِ، أَوْ جَائِرًا عَنْ سُنَنِ الْحَقِّ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى «يَخْفِضُ الْقِسْطَ» ، أَيْ: يُنْقِصُ الْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ بِغَلَبَةِ الْجَوْرِ وَأَهْلِهِ، وَيَرْفَعُهُ بِالْبَسْطِ فِي الْأَرْضِ بِغَلَبَةِ الْعَدْلِ وَأَهْلِهِ، فَقَدْ كَانَ الْقِسْطُ وَالْعَدْلُ وَالْإِيمَانُ غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَلَا مَعْرُوفٍ بِغَلَبَةِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، ثُمَّ بَسَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِرْسَالِ مُوسَى ﵇، ثُمَّ ظَهَرَ الْجَوْرُ وَالْكُفْرُ حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَبَسَطَ الْقِسْطَ، وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ، وَمَحَقَ الْكُفْرَ، ثُمَّ قَالَ ﷺ فِي شَأْنِ الْمَهْدِيِّ: «فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» . وَقَوْلُهُ ﷺ : «بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى النَّهَارِ» ، الْيَدُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، وَلَوْ لَمْ يَرِدِ السَّمْعُ لَمْ يَجُزِ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ، فَلَمَّا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَجَبَ التَّصْدِيقُ لَهُ، وَالْإِيمَانُ بِهِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَنَفْيُ التَّشْبِيهِ وَأَوْصَافِ الْحَدَثِ عَنْهُ , قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَسَائِرُ الْمُثْبِتَةِ: لَهُ يَدٌ لَا كَالْأَيْدِي، كَمَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ لَا كَالْمَوْجُودِينَ، وَشَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ: إِنَّهَا يَدُ صِفَةٍ، وَلَيْسَتْ بِيَدِ جَارِحَةٍ، وَلَا جُزْءٍ، وَلَا بَعْضٍ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا جَوْهَرٍ، وَلَا عَرَضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ، وَقَالَ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة

стр. 151

: ٦٤] وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِقَوْلِهِ: «بَاسِطٌ يَدَهُ» ، فَصَدَّقَهُ الْقُرْآنُ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ , وَالْقَوْلُ بِهِ عَلَى مَا قُلْنَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : «بَاسِطٌ يَدَهُ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُثْبِتَ إِسَاءَتَهَ فِي دِيَوَانِهِ لَيْلَتَهُ، وَيُمْهِلَهُ إِلَى النَّهَارِ كَمَا

стр. 152

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ قَالَ: ح بِشْرُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ الْحَسَنَةَ كَتَبَهَا لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً , قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ: أَمْسِكْ، فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، فَإِنِ اسْتَغْفِرْ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كَتَبَ سَيِّئَةً وَاحِدَةً «فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَنْ إِثْبَاتِهَا فِي دِيوَانِهِ لِيَسْتَغْفِرَ، فَمَعْنَى» بَاسِطٌ يَدَهُ " يَعْنِي: بِالرَّحْمَةِ وَالْإِمْهَالِ لِيَتُوبَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَثْبَتَهَا حَسَنَةً فِي دِيوَانِهِ، قَالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ أَثْبَتَهَا فِي دِيَوَانِهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ لَهُ إِلَى أَنْ يُغَرْغِرَ بِالْمَوْتِ، وَالشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: «يَرْفَعُ عَمَلَ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: تَصْعَدُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ بِأَعْمَالِ الْخَلْقِ فِي اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ بِأَعْمَالِ الْخَلْقِ فِي النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: يَقْبَلُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلَصِينَ فِي لَيْلِهِمْ قَبْلَ النَّهَارِ، وَفِي نَهَارِهِمْ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى تَعْجِيلِ إِجَابَتِهِ لِمَنْ دَعَاهُ، وَحُسْنِ قَبُولِهِ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ، وَسُرْعَةِ إِقْبَالِهِ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «حِجَابُهُ النَّارُ» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَيْ حَجَبَ الْخَلْقَ عَنْ إِدْرَاكِهِ، وَالتَّوَهُّمِ لَهُ، وَالْفِكْرَةِ فِيهِ بِسُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، فَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ⦗١١٢⦘. وَقَوْلُهُ: «لَوْ كَشَفَ عَنْهَا» ، يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ لَوْ كَشَفَ الْحِجَابَ عَنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ حِجَابُ لُطْفِهِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَحِجَابُ الْغَفْلَةِ عَنْ أَعْدَائِهِ وَمَنْ جَحَدَهُ، وَحِجَابُ الرَّحْمَةِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ جَمَادٍ وَحَيٍّ، فَظَهَرَ لَهُمْ جَلَالُهُ وَهَيْئَتُهُ وَقَهْرُهُ لَتَلَاشَتِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا، وَاضْمَحَلَّتْ وَفَنَيَتْ وَغَابَتْ، قَالَ اللَّهُ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، أَيْ: بَانَ لَهُ سُلْطَانُهُ وَعَظَمَتُهُ، فَصَارَ تُرَابًا، بَلْ تَلَاشَى، وَذَهَبَ وَفَنِيَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ»

стр. 153

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو عَلِيٍّ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو شُعَيْبٍ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ: ح دُحَيْمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ، ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَجَلَّى لشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ، فَإِذَا انْكَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَصَلُّوا كَأَتَمِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّيْتُمُوهَا» أَخْبَرَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ فِي حُجْبَةٍ عَنْهُ، وَلَوْ كَشَفَ الْحِجَابَ عَنْهَا تَلَاشَتْ، وَمَعْنَى التَّجَلِّي إِظْهَارُ الْهَيْبَةِ وَالْجَلَالِ، فَعَلَى قَدْرِ مَا يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ ذَهَابُ الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى قَدْرِ مَا يَحْجُبُهَا يَكُونُ بَقَاؤُهَا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «حِجَابُهُ النَّارُ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّارُ عِبَارَةً عَنِ الشُّغْلِ، أَيْ: حَجَبَ الْخَلْقَ عَنْهُ لِيَشْغَلَهُمْ بِذَاتِهِمْ وَحَاجَاتِهِمْ مِنْ ضَرُورَاتٍ وَشَهَوَاتٍ، وَلَوْ كَشَفَ الْحِجَابَ عَنْهُمْ فَبَانَ لَهُمْ هَيْئَتُهُ وَسُلْطَانُهُ تَلَاشَوْا وَفَنَوْا ⦗١١٣⦘. وَمَعْنَى: «سُبُحَاتُ وَجْهِهِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنِ الْجَلَالِ وَالْهَيْبَةِ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ اللَّهِ وَإِجْلَالُهُ وَتَعْظِيمُهُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ» ، أَيْ: أَفْنَى جَلَالُهُ وَهَيْبَتُهُ وَقَهْرُهُ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ. وَمَعْنَى: " مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ، أَيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَأَحْدَثَهُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى، كَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: «مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ» عَلَى التَّحْدِيدِ وَالتَّجْزِئَةِ، حَتَّى يَكُونَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْعِبٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَسْتَتِرُ عَنْهُ مَخْلُوقٌ، وَلَا يَتَوَارَى عَنْهُ مُحْدَثٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا

стр. 154

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 155

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَأَلْتُ الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَقَالَ: لَكَ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقُلْتُ: رَبِّ زِدْنِي، فَقَالَ: لَكَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقُلْتُ: رَبِّ زِدْنِي، فَقَالَ: لَكَ هَذَا، فَيَجِيءُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ "، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: حَسْبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ لَنَا مَا أَكْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّهَا حَثْيَةٌ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: فِي حَثْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مَعْنَيَانِ: الْكَثْرَةُ وَالِاخْتِلَاطُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَثَى عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ لَا يُمَيِّزُ وَلَا يَخْتَارُ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا وَيَدَعُ آخَرَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مَا حَصَلَ فِي قَبْضَتِهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، وَمَا كَانَ مِنَ الْعَدُوِّ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْلَمَ بَحْثَيَّةً أَنَّ الَّذِينَ شَفَّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَجُوزُ الْعَدَدَ كَثْرَةً، وَالصِّفَةَ جَمِيعًا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: شَفَّعَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِي أُمَّتِي بِغَايَةٍ مِنَ الْكَثْرَةِ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ ⦗١١٤⦘ أَوْصَافُهُمْ مُسِيئِينَ كَانُوا أَوْ مُحْسِنِينَ، أَصْحَابَ صَغَائِرَ كَانُوا أَوْ كَبَائِرَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلِهِ ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي»

стр. 156

قَالَ: حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ قَالَ: ح أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: ح أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي»

стр. 157

قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْحُدَّانِيُّ، عَنْ زُبَيْرٍ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ تَشْفَعُ؟ قَالَ: «لِأَصْحَابِ الدِّمَاءِ وَالْعَظَائِمِ» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَشَارَ بِحَثْيَةٍ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهِمْ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: إِنَّهَا حَثْيَةٌ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّنَا، وَتَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُ إِخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يُجَاوِزُ الْعَدَدَ وَالْإِحْصَاءَ، فَكَيْفَ بِالَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَثْرَتِهِ، فَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ دَلَالَةٌ أَنَّهُ شُفِّعَ فِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: حَسْبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْ: قَدِ اسْتَوْعَبْتَ، وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁: دَعْ رَسُولَ اللَّهِ يُكْثِرُ لَنَا مَا أَكْثَرَ اللَّهُ لَنَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ إِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَدْرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، عَلِمَ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْجَمِيعِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ غَايَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُهُ الْآخَرُ

стр. 158

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: ح عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ح أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»

стр. 159

وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: ح حَمْدَانُ بْنُ ذِي النُّونِ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، وَأَجْيَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالُوا: ح مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ الْأَشْعَرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَكُنَّا مَعَهُ، فَفَقَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجْنَا نَطْلُبُهُ، فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا يَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْنَا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنْ يَتَقَبَّلَ شَفَاعَتِي فِيهِمْ , قَالَ: فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ "، فَقُلْنَا: أَتَشْفَعُ لَنَا؟ قَالَ: «قَدْ شَفَعْتُ لَكُمْ» ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَالَ: «هِيَ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: فَقَدْ تَخْرُجُ هَذِهِ الْأَخْبَارُ بِمَا تَضَمَّنَتْ إِشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَثْيَتِهِ، وَإِنَّهَا إِخْبَارٌ مِنْهُ ﷺ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ شَفَّعَهُ فِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ وَالْعَظَائِمِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ سِوَى الْإِيمَانِ خَيْرًا، حِينَ أَخْبَرَ أَنَّهَا حَثْيَةٌ مِنْ حَثَيَاتِ الرَّبِّ ، فَمَعْنَى الْحَثْيَةِ مِنَ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَمَّا قُلْنَاهُ

стр. 160

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 161

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ سَهْلٍ الْمُطَّوِعِيُّ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي دَارِ بَكَّارٍ، وَهُوَ يَنْظُرُ فِي كِتَابِهِ: حَدَّثَكُمْ مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ قَالَ: ح سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمِنْ صَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ لَوْ كُنْتُ أَنَا مَكَانَهُ حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ لَبَدَرْتُهُ الْبَابَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْقَدْرُ، وَلَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَبْرِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكِرَامِ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَسُكُونِهِ فِي حَالِهِ، وَرِضَاهُ وَتَمَكُّنِهِ وَسُكُونِهِ تَحْتَ مَجَارِي أَقْضِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِلَّةِ اضْطِرَابِهِ، وَانْتِظَارِيَةِ حُكْمِ رَبِّهِ فِي الْفَرَحِ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ غَمِّ السِّجْنِ وَكَرْبِهِ، وَعَجِبَ مِنْ شَأْنِهِ فِي صَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَرَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ ﷺ ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَهُ لَبَادَرَ الْبَابَ، وَهُوَ ﷺ أَرْفَعُ حَالًا، وَأَشَدُّ تُمَكُّنًا، وَأَجَلُّ قَدْرًا، فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَيْرُ الْبَشَرِ، فَهُوَ أَحْرَى بِالصَّبِرِ وَالْكَرَمِ، وَأَحَقُّ بِتَمْكِينِ الْحَالِ، فَلَيْسَ إِخْبَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمُبَادَرَةِ الْخُرُوجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَضَجُّرًا مِنَ الْحَالِ وَالِاسْتِبْطَاءِ لِلْفَرَجِ، وَلَا لِعِلَّةِ التَّمَكُّنِ وَلَا لِاضْطِرَابٍ مِنْهُ فِي الْحَالِ الَّتِي رُفِعَ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ إِخْبَارٌ مِنْهُ عَنْ نَفْسِهِ إِيَثارَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ كَانَ رَسُولًا، فَقَدْ بَعَثَهُ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ هُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ دَعَا أَهْلَ السِّجْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الْآيَةَ، دَلَّهَمْ عَلَى صَدْقِهِ بِالْمُعْجِزَةِ عَنِ الْآيَةِ وَهُوَ عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ، فَقَالَ ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] الْآيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ فِي السِّجْنِ، فَلَمَّا وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ بِإِرْسَالِ الْمَلِكِ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتُوهُ بِهِ تَرَبَّصَ، وَقَدَّمَ عُذْرَ نَفْسِهِ وَبَرَاءَتَهَا مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ إِرَادَةِ السُّوءِ الَّذِي رَمَتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِهِ إِذْ تَقُولُ ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] ، فَرَدَّ ﷺ الرَّسُولَ , فَقَالَ ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] الْآيَةَ: فَلَمَّا بَرَّأْنَهُ ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] ، وَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَجَابَ الْمَلِكَ، وَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ لَبَادَرْتُ الْبَابَ» ، يَعْنِي الْأَصْلَ إِلَى دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأَدُّبًا بِأَدَبِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] ، وَقَوْلِهِ ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَهُ لَآثَرَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى بَرَاءَةِ نَفْسِهِ إِعْرَاضًا عَنْهَا، وَإِقْبَالًا عَلَى اللَّهِ فِي أَدَاءِ حَقِّهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ يُوسُفَ شِبْهَ التَّقْصِيرِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ»

стр. 162

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى التَّقْصِيرِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ أَجَبْتُ» ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَالَ: فَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذِرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ " قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: ح الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ ﷺ : «إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ الرِّسَالَةُ وَالنُّبُوَّةُ، وَهِيَ أَعَزُّ مِنَ الْعَشِيرَةِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَوْ كُنْتُ أَنَا مَكَانَهُ حِينَ آتَاهُ الرَّسُولُ لَبَادَرْتُهُ» ، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّقْصِيرِ تَقْصِيرًا فِي حَالِ يُوسُفَ ﵇، وَلَكِنَّهُ تَقْصِيرٌ فِي حَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ ﵇ تَقْصِيرٌ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ حَالًا مِنْهُ أَبَانَ ﷺ عَنِ ارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ عَنْ دَرَجَةِ يُوسُفَ ﷺ ، وَإِنَّ مَا كَانَ مِنْ يُوسُفَ لَوْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَقْصِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ تَقْصِيرٌ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَ عُذْرِهِ عِنْدَ الْمَلِكِ مِنْ وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَكَذَلِكَ قَوْلُ لُوطٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِذْ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ يَمْنَعُونَنِي فَلَا أُقْتَلُ لِأَصِلَ إِلَى قَضَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِنْ يُوسُفَ ﷺ بِمَعْنَى طَلَبِ حُظُوظِ النَّفْسِ فِيهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدَا حُظُوظَ نَفْسِهِمَا، فَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَخُصُومَةٌ عَنْهُمَا، وَتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُشْبِهُ التَّقْصِيرَ مِنْ حَالِ مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ نَفْسُهُ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَحُظُوظُهَا. وَقِيلَ: لَوْ خَرَجَ يُوسُفُ ﵇ قَبْلَ أَنْ يُبَرِّئْنَهُ لَاحْتَاجَ إِلَى طَلَبِ الْعُذْرِ مِنَ الْمَلِكِ، فِيمَا رُمِيَ بِهِ، فَلَمَّا تَرَبَّصَ حَتَّى بَرَّأْنَهُ اعْتَذَرَ الْمَلِكُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَلَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ» ، فَقِيلَ: الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا قَوْلُهُ لِلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا، أَيْ: صَاحِبَيِ السِّجْنِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]

стр. 163

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ، قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ الْهِسِنْجَانِيُّ قَالَ: ح أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِي قَالَ: ح زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى يُوسُفَ ﵇ فِي السِّجْنِ قَالَ: فَعَرَفَهُ يُوسُفُ ﵇، فَقَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ مَا لِي أَرَاكَ بَيْنَ الْمُنْذَرِينَ، أَمَا تَرَانِي كَأَسِيرٍ بَيْنَ الْخَاطِئِينَ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا طَاهِرَ ابْنَ الطَّاهِرِينَ إِنَّ اللَّهَ كَرَّمَنِي بِكَ وَآبَائِكَ وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنِ اسْتَشْفَعْتَ بِغَيْرِي، وَفِي رِوَايَةٍ: اسْتَعَنْتَ بِغَيْرِي، وَعِزَّتِي لَأُلْبِثَنَّكَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ قَالَ: فَقَالَ لِجِبْرِيلَ: وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: إِذًا لَا أُبَالِي فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَهُوَ الْحَقُّ، وَالْقَوْلُ بَعْدَهُ تَكَلُّفٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَهَا

стр. 164

قَوْلُهُ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ» ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] ، لَمْ يُسْجَنْ هَذَا، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَتَبَهُ عَلَى يُوسُفَ ﷺ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ؛ لِأَنْ لَا يُسْبَقَ إِلَى الْأَوْهَامِ أَنَّ لُبْثَهُ فِي السِّجْنِ كَانَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى ذَنْبٍ، أَوْ مُعَاتَبَةً عَلَى تَقْصِيرٍ، وَلَكِنْ عَلَى اخْتِيَارٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُ آثَرَ أَلَمَ نَفْسِهِ وَعَنَاهَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا رُووِدَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَهُوَ تَشَكُّرٌ مِنْهُ وَإِظْهَارُ فَضْلِهِ ﵇، وَلُبْثُهُ فِي السِّجْنِ مُدَّةَ مَا لَبِثَ رِفْعَةٌ لَهُ، وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ، وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ، وَارْتِفَاعُ دَرَجَتِهِ، فَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ ابْتُلِيَ بِالرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالْعُبُودِةِ إِذَا قَصَّرَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيُّوبُ ﵇ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْبَلَاءِ، وَسُلَيْمَانُ ﵇ حُجَّةٌ عَلَى الْمُلُوكِ , وَلَيْسَ مَا جَرَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَلَا وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا عُقُوبَاتٍ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُحَفٌ وَهَدَايَا وَخِلَعٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ، وَقَالَ ﷺ : «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا، وَسَجَّهُ سَجًّا» وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا» ، يَصْرِفُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ إِلَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَلْبَثَ يُوسُفُ ﵇ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، فَيَجُوزُ مَعْنَاهُ لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا الْحَقُّ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ﵇ مَا لَبِثَ , لِقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلِ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ١٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾

стр. 165

وَقَوْلُهُ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلِ مَصْرُوفًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ اسْمُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ، فَكَانَ الدُّعَاءُ إِشَارَةً إِلَى الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَوْلَا كَلِمَةٌ قَالَهَا» يَعْنِي: قَالَهَا اللَّهُ تَعَالَى , وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى قَوْلِهِ: «وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ» ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَصْرُوفًا إِلَى الِاسْمِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ "، وَيَكُونُ الْفَائِدَةُ فِيهِ أَنْ لُبْثَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً لِذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ - وَذَلِكَ سَبَقَتْ - وَلَا عِتَابًا عَلَى تَقْصِيرٍ فِي حَقٍّ، لَكِنْ لِقَضَاءٍ سَبَقَ، وَقَدَرٍ مَضَى لِمَا فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَالْحِكْمَةِ مِنْهَا مَا ظَهَرَ، وَالَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ أَكْثَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 166

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 167

قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحْنَاجٍ، قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهُ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: الْوِتْرُ: الْفَرْدُ، وَالْفَرْدُ هُوَ الَّذِي لَا يَزْدَوِجُ، فَالْوِتْرُ هُوَ الَّذِي لَا يُشْفَعُ، فَاللَّهُ وِتْرٌ، لَا يُشْفَعُ بشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ إِذْ هُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لَا يَزْدَوِجُ بشَيْءٍ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَفْرَادِ يَزْدَوِجُ بِشَكْلٍ، أَوْ بِضِدٍّ، وَكُلُّ وِتْرٍ غَيْرَهُ يُشْفَعُ بِخِلَافٍ أَوْ وِفَاقٍ، فَاللَّهُ تَعَالَى وِتْرٌ، إِذْ لَا شَكْلَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ، وَكُلُّ وِتْرٍ سِوَاهُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِفَرْدٍ بَلْ هُوَ شَفْعٌ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ، وَيَقْبَلُ التَّرْكِيبَ، وَاللَّهُ تَعَالَى ⦗١٢١⦘ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَهُوَ فَرْدٌ وِتْرٌ وَاحِدٌ أَحَدٌ، لَا يُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ مِنْ جِهَةِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْوِتْرِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْأَحَدِيَّةِ، فَهُوَ وَاحِدٌ مُتَوَحِّدٌ، فَرْدٌ مُتَفَرِّدٌ، وَاحِدٌ مُتَّحِدٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» أَيْ: هُوَ فَرْدٌ وَاحِدٌ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ كُلَّ فَرْدٍ، لَا يَزْدَوِجُ بِالْمُحْدَثَاتِ بِمَعْنَى: السُّكُونِ إِلَيْهَا، وَالتَّشَبُّثِ بِهَا، وَالِاعْتِنَاقِ لَهَا، وَالْعُكُوفِ عَلَيْهَا، بَلْ يَنْفَرِدُ عَنِ الْخَلْقِ، فَلَا يَسْكُنُ إِلَيْهِمْ فِي مَعْنَى الضُّرِّ وَالنَّفْعِ، وَعَنِ الدُّنْيَا، فَلَا يَمِيلُ إِلَيْهَا، وَعَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ فَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا وِتْرٌ، أَيْ: فَرْدٌ تَفَرَّدَ بِخَلْقِ عِبَادِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُعِينٌ، وَلَا ظَهِيرٌ، وَتَفَرَّدَ بِهِدَايَةِ مَنْ هَدَاهُ مِنْ غَيْرِ شَفِيعٍ وَلَا وَزِيرٍ، وَأَنْعَمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَا لَوْ عَدُّوهَا لَمْ يُحْصُوهَا، تَفَرَّدَ بِكُلِّ ذَلِكَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، فَيُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ كُلَّ وِتْرٍ أَيْ: مُتَفَرِّدٌ بِعِبَادَتِهِ لَهُ مُقْبِلٌ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ، قَاصِدٌ بِنِيَّتِهِ وَحْدَهُ، نَاظِرٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إِلَيْهِ، مُكْتَفٍ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ بِهِ، لَا يَعْرُجُ فِي سِرِّهِ إِلَيْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يُوَافِقُ حَالًا مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَكُونُ الدُّنْيَا مِنْهُ عَلَى بَالٍ، فَيَكُونُ وِتْرًا لِوِتْرٍ، وَفَرْدًا لِفَرْدٍ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» ، يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ خَطَرَ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوِتْرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ تِلَاوَةً لَهُ وَإِيمَانًا بِهِ، فَلْيُوتِرْ، فَأَوْجَبَ الْوِتْرَ كَإِيجَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَفْرِدُوا الْأَعْمَالَ لِلَّهِ ، وَلَا تُشِيبُوهَا بِرِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ، وَلَا تَخْلِطُوهَا بِإِرَادَةِ دُنْيَا، وَلَا هِمَّةِ حَظِّ نَفْسٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»

стр. 168

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأَنَا مِنْهُ بَرَاءٌ، وَهُوَ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ " قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: الْهَرَوِيُّ قَالَ: ح ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» أَيْ: أَخْلِصُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا تُوتِرُوا فِيهِ، وَأَفْرِدُوا لَهُ أَعْمَالَكُمْ

стр. 169

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 170

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح إِسْحَاقُ وَهُوَ حَازِمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحُمَيْسِيُّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: الْحُمَسِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَلْبِ آدَمِيٍّ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يُثَبِّتَهُ ثَبَّتَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَنْ يُقَلِّبَهُ قَلَّبَهُ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْقَلْبِ كَمَثَلِ رِيشَةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ، تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّبَّ بِالْأَصَابِعِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْيَدِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، فَقَامَتِ ⦗١٢٣⦘ الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّ يَدَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ لَيْستْ بِجَوَارِحَ، وَلَا أَعْضَاءٍ، وَلَا أَصَابِعَ، وَلَا أَجْزَاءٍ، إِذْ هُوَ وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ فَرْدٌ بَعِيدٌ عَنْ أَوْصَافِ الْحَدَثِ، وَعَنْ شِبْهِ الْمَخْلُوقِينَ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَعَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَالْوَصْفُ لَهُ بِمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِهِ، وَنَفْيُ أَوْصَافِ الْحَدَثِ عَنْهُ، وَتَنْزِيهُهُ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَالْكَيْفِيَّةِ وَالدَّرَكِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْإِقْرَارُ بِهِ وَالْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ لَهُ، فَكَذَلِكَ مَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْإِصْبَعِ، فَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ لَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: الْإِسْلَامُ لَهُ، وَالْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّصْدِيقُ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لَهُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ، وَلَا إِدْرَاكٍ، وَلَا تَشْبِيهٍ. أَوَ هُوَ ﷺ أَعْلَمُ الْخَلْقِ وَأَعْرَفُهُمْ وَبِأَوْصَافِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمُ بِاللَّهِ » ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ، فَالْإِصْبَعُ صِفَةٌ لِلَّهِ ، وَمِنْ صِفَاتِهِ الْعَدْلُ، وَالْفَضْلُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «بَيْنَ أُصْبَعَيْنِ» أَيْ: بَيْنَ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، وَيَعْنِي الْفَضْلَ وَالْعَدْلَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَيَعْنِي بِالصِّفَتَيْنِ الْعَدْلَ وَالْفَضْلَ لِقَوْلِهِ: يُقَلِّبُهَا، فَيَكُونُ التَّقْلِيبُ عَنْ حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: بَيْنَ حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ مَرَّةً إِلَى كَذَا، وَمَرَّةً إِلَى كَذَا، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «يُقَلِّبُهَا الرِّيحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَإِذَا قَلَبَ قَلْبَ عَبْدٍ إِلَى هُدًى فَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ، وَإِذَا قَلَبَهُ إِلَى ضَلَالٍ فَهُوَ عَدْلٌ مِنْهُ» ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ» ، وَيَسْأَلُهُ التَّثْبِيتَ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُقَلِّبُ قُلُوبَ أَعْدَائِهِ بِعَدْلٍ، وَالْعَدْلُ صِفَةٌ لَهُ، فَهُوَ يُقَلِّبُ قُلُوبَهُمْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَكُلُّهَا إِرَادَةُ الشَّرِّ بِهِمْ وَالضَّلَالِ لِقَوْلِهِ ⦗١٢٤⦘ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] ، فَهُوَ يَجْعَلُ فِي قُلُوبِهِمُ الْمَرَضَ، وَيُقَلِّبُهَا مِنَ الْمَرَضِ إِلَى الزَّيْغِ، وَمِنَ الزَّيْغِ إِلَى الدِّينِ، وَالدِّينُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي أَكِنَّةٍ، وَمِنْهَا إِلَى الطَّبْعِ، وَمِنَ الطَّبْعِ إِلَى الْخَتْمِ، وَذَلِكَ عَدْلٌ مِنْهُ، وَهُوَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، قَالَ اللَّهُ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] ، وَقَالَ ﷻ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] ، وَقَالَ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤] ، وَقَالَ ﷻ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥] ، وَقَالَ ﷻ ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ، وَقَالَ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ، فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلَصِينَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ إِذْ هُوَ الْمَالِكُ لَهُمْ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، فَعَلَى هَذَا يُقَلِّبُ قُلُوبَ أَعْدَائِهِ، وَمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الشَّقَاءُ فَكَفَرَ وَجَحَدَ وَأَشْرَكَ وَنَافَقَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَيُقَلِّبُ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ بِفَضْلِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ إِرَادَةَ الْخَيْرِ لَهُمْ لِيَهْتَدُوا وَيُوَفَّقُوا وَيَزِيدَهُمْ إِيمَانًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ، وَتَثْبِيتًا لَهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ، فَقُلُوبُ أَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلَصِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْهُ الْحُسْنَى تَتَقَلَّبُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَاللِّينِ وَالشِّدَّةِ، وَالْوَجَلِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْقَبْضِ الْبَسْطِ، وَالشَّوْقِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالْأُنْسِ وَالْهَيْبَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُقَلِّبُهَا بِفَضْلِهِ قَالَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ، وَقَالَ ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، يَقْبِضُ قُلُوبَهُمْ بِالْخَوْفِ مِنْهُ، وَيَبْسُطُهَا بِالْأُنْسِ بِهِ وَالذِّكْرِ لَهُ، فَقُلُوبُ عِبَادِهِ تَتَقَلَّبُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ، وَهُوَ يُقَلِّبُهَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ⦗١٢٥⦘ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَمِنْهُ التَّثْبِيتُ وَالْإِزَالَةُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَقُلُوبُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ تَتَقَلَّبُ بَيْنَ أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ يَقِينٍ وَاضْطِرَابٍ، وَغَفْلَةٍ وَتَيَقُّظٍ، وَسُكُونٍ إِلَى الدُّنْيَا وَمَيْلٍ إِلَى الْآخِرَةِ، مَرَّةً إِلَى هَذَا، وَمَرَّةً إِلَى هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّمَا سُمَيَّ الْقَلْبُ قَلْبًا لِأَنَّهُ يَتَقَلَّبُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَا مِنْ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ حِفْظِ الْقَلْبِ بَيْنَ مَا يَجُولُ حَوْلَ الْعَرْشِ، حَتَّى تَرَاهُ يَجُولُ حَوْلَ الْحُشِّ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّمَا عَلَى الْعَبْدِ ذَمُّ جَوَارِحِهِ، وَحِفْظُ حُدُودِ اللَّهِ، وَكُفُّ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ حَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَهُ، وَأَصْلَحَ سِرَّهُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَنْ صَلَّحَ بَرَّانِيَّهُ أَصْلَحَ اللَّهُ تَعَالَى جَوَّانِيَّهُ مَعْنَاهُ: مَنْ أَصْلَحَ ظَاهِرَهُ بِذَمِّ جَوَارِحِهِ، وَحِفْظِ حَرَكَاتِهِ، أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِفْظِ قَلْبِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: اسْتَجْلِبْ نُورَ الْقَلْبِ بِدَوَامِ الْحُزْنِ، وَاسْتَفْتِحْ بَابَ الْحُزْنِ بِطُولِ الذِّكْرِ، وَاطْلُبْ رَاحَةَ الْبَدَنِ بِإِحْجَامِ الْقَلْبِ، وَاطْلُبْ إِحْجَامَ الْقَلْبِ بِتَرْكِ خُلَطَاءِ السُّوءِ، وَقِيلَ: مَوْتُ الْقَلْبِ بِالْجَهْلِ، وَحَيَاةُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ

стр. 171

قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِمَاكٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: ح أَبِي قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ سَهْلٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: ح عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: ح مَعْمَرٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْقَلْبَ يَدْثُرُ كَمَا يَدْثُرُ السَّيْفُ»

стр. 172

وَحَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُقَلِّبِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ، وَاسْتَمِعْ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ "

стр. 173

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 174

قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى التَّيْمِيُّ قَالَ: ح يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ؟ أَوْ أُقَيِّدُ وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «بَلْ قَيِّدْ، وَتَوَكَّلْ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ: أَصْلُ التَّوَكُّلِ السُّكُونُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ سَكَنَ مِنْهُ الِاضْطِرَابُ، وَسَقَطَ عَنْهُ السُّكُونُ إِلَى الْأَبْوَابِ. وَمَنْ صَحَّ تَوَكُّلُهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى فَوَاتِ حَظِّهِ، وَلَا إِلَى إِصَابَتِهِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَوَكَّلَ عَلَى مَا سَبَقَ، وَسَكَنَ إِلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَاذَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: فَوَاتُ حَظِّهِ، أَوْ إِصَابَتُهُ فَأَمَّا مَنْ تَوَكَّلَ لِتَحَرُّزٍ مِنْ فَوْتِ مَا عِنْدَهُ أَوْ نَيْلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَلَيْسَ بِمُتَوَكِّلٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ قَدْ يَجُوزُ فِي قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَوْتُ مَا عِنْدَهُ، وَحِرْمَانُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَلَا مَرَدَّ لِقَضَاءِ اللَّهِ، وَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ، فَسَوَاءٌ تَوَكَّلَ أَوْ تَمَسَّكَ بِالسَّبَبِ، وَاخْتَلَطَ فِي الطَّلَبِ، أَلَا يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا رَزَقَ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّيْرَ لَا تَوَكُّلَ لَهَا، وَلَكِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى فَوَاتٍ أَوْ نَيْلٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إِلَى الْأَسْبَابِ وَلَا مُتَعَلِّقِينَ بِهَا، وَلَا مُضْطَرِّينَ فِيمَا تُكِفِّلَ لَكُمْ مِنْ أَرْزَاقِكُمْ لَأَدْرَكْتُمْ مَا قُسِمَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِ ⦗١٢٧⦘ حَرْثٍ، وَلَا زَرْعٍ، وَلَا تَكَلُّفٍ، فَأَمَّا التَّحَرُّزُ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ وَالْمَكَارِهِ وَحِفْظِ الْحُظُوظِ وَنَيْلِهَا، فَإِنَّهَا مَأْذُونٌ فِيهَا غَيْرُ مَدْعُوٍّ إِلَيْهَا، إِلَّا مَا كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْأَغْيَارِ، وَصَوْنًا لِلدِّينِ الْوَطَنِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِفَةِ السَّابِقِينَ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْوُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» وَقَدْ رَقَى رَسُوُل الْلَّهِ ﷺ ، وَعَلَّمَ الْمَعَاوِذَ، وَكَوَى سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَلُومُنَّ فِي أَبِي أُمَامَةَ» يَعْنِي سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ فَكَوَاهُ، يَعْنِي: لَأُعْزَرَنَّ فِيهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوَكُّلَ رَفْضُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ الرُّقَى وَالْكَيَّ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلَانِ رَجَاءَ الْعَافِيَةِ، وَالْمُتَوَكِّلُ لَا يُبَالِي بِالْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا يَخْتَارُ مَا يَكُونُ مَا لَا يُرِيدُ، وَيَكُونُ سُكُونُهُ إِلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنْ صِحَّةٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ نَيْلٍ، أَوْ فَوَاتٍ، فَإِنَّهَا الْأَسْبَابُ الَّتِي جَاءَ التَّرْغِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَكَاسِبِ وَالْحِرَفِ وَالتِّجَارَاتِ، فَعَلَى شَرْطِ التَّعَاوُنِ نَصَحَ، وَالْمُتَوَكِّلُ يَفْعَلُ هَذِهِ كُلَّهَا لَا يَجْتَرُّ بِهَا نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ، لَكِنْ لِيَنْفَعَ الْأَغْيَارَ، وَيَصُونَ بِهِ عِرْضَهُ وَدِينَهُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى عِيَالِهِ، وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَهَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ تَنَاوُلَ الْأَسْبَابِ لِصَوْنِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ، وَنَفْعِ الْغَيْرِ، فَأَمَّا مَا يُتَحَرَّزُ بِهِ مِنَ الْآفَاتِ فَهُوَ غَيْرُ مُعَوَّلٍ إِلَيْهَا إِلَّا أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهَا إِلَّا مَا يُتَحَرَّزُ بِهِ مِنْ آفَاتِ الْأَغْيَارِ ⦗١٢٨⦘. وَقَوْلُهُ ﷺ : «قَيِّدْ وَتَوَكَّلْ» ، إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ التَّوَكُّلَ؛ لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَائِتَةٌ، وَكَانَ تَوَكُّلُهُ لِتَحَرُّزٍ مِنَ الْآفَةِ لَا سُكُونٍ إِلَى الْمُقَدَّرِ، فَاحْتَاطَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّحَرُّزِ، فَقَالَ: قَيِّدْ لِتَبْلُغَ الْعُذْرَ فِي التَّحَرُّزِ، وَتَوَكَّلْ لِئَلَّا تُؤْتَى إِنْ أُتِيتَ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافِ، وَهُوَ أَنْ تُرَدَّ إِلَى فِعْلِكَ وَتَحَرُّزِكَ، فَيَكُونَ قَدْ أَحْكَمْتَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَكَذَا الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْتَشَارٍ أَنْ يَحْتَاطَ إِلَى الْمُسْتَشِيرِ، وَيَدُلَّ عَلَى أَحْكَمِ الْأُمُورِ، وَأَوْثَقِ الْأَسْبَابِ، وَأَبْعَدِهَا عَنْ مَوَاضِعِ التَّلَفِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَشِيرَ طَالِبٌ لِلْأَرْفَقِ بِهِ مُؤْثِرٌ لَهُ، خَائِفٌ مِنْ ضِدِّهِ، لَمْ يَسْتَكْمِلْ قُوَّةَ التَّوَكُّلِ وَالسُّكُونِ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُضْطَرِبِ فِيهِ. أَلَا يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «أَبْقِ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: «أَنْفِقْ بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ، وَقَالَ لَهُ لَمَّا خَبَّأَ لَهُ شَيْئًا: «أَمَا تَخْشَى أَنْ يُخْسَفَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» ، وَكَانَ خَبَّأَ لَهُ شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُسْتَكْمِلَ التَّوَكُّلِ سَاكِنًا إِلَى مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرَ مُضْطَرِبٍ فِيهِ، وَلَا مُلْتَفِتٍ إِلَى نَفْسِهِ، بَلْ كَانَ نَظَرُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ رِفْقُهُ أَوْ غَيْرُهُ , وَعَلِمَ مِنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَيْلًا إِلَى رِفْقِهِ وَإِيثَارًا لِحَظِّهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْقِ بَعْضَ مَالِكَ» لِئَلَّا يَضْطَرِبَ سِرُّهُ، وَكَذَلِكَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ حِينَ قَالَ: أُقَيِّدُ وَأَتَوَكَّلُ، كَأَنَّهُ قَالَ: بِأَيِّهِمَا أَحْتَاطُ لِنَفْسِي بِالْقَيْدِ أَوْ بِالتَّوَكُّلِ؟ فَقَالَ: بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ لِيَتِمَّ سُكُونُكَ، وَلَا يَضْطَرِبَ سِرُّكَ

стр. 175

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 176

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللِّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّى لِحُذَيْفَةَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ لَهُ: «إِيَّاكَ أَنْ تُخْبِرَ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى آَذَنَ لَكَ» ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِحُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِهِمْ بِذَلِكَ، فَلَبِثَ حَتَّى كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ لِي عُمَرُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنَا فِيمَنْ سَمَّى لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُبَرِّئُ مِنْهَا رَجُلًا بَعْدَكَ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ سَمَّى لَكَ، أَيْ: وَصَفَ لَكَ صِفَتَهُمْ، فَأَكُونُ فِيمَنْ وَصَفَ، أَيْ هَلْ فِيَّ مِنْ أَوْصَافِهِمْ شَيْءٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْمِ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلَى الْمُسَمَّى، وَكَذَلِكَ الصِّفَةُ وَقَدْ يُعْرَفُ الشَيْءُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوضَعَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، فَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِنَّمَا اسْتَخْبَرَ حُذَيْفَةَ عَنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ لِيَتَوَقِّيَهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ أَزَالَهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَأَمَّا النِّفَاقُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُتَحَقِّقًا مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فِي الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا فِيمَا بَعْدِ بِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ بُشِّرَ بِالْجَنَّةِ مُنَافِقًا، وَالْمُنَافِقُ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وَخَبَرُ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِبُ التَّصْدِيقَ، وَالشَّكُّ فِيهِ كُفْرٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُؤْمِنِ بَعْضُ أَوْصَافِ الْمُنَافِقِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَعْرِفَ صِفَةً مِنْ أَوْصَافِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي أَسَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى حُذَيْفَةَ، أَوْ صِفَةً عَلِمَ حُذَيْفَةُ مِمَّنْ سَمَّى لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ أَزَالَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَتَحَرَّزَ مِنْهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي , أَيْ: يُخْبِرُنِي عُيُوبِي فَأَتْرُكُهَا، مَعْنَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ

стр. 177

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 178

قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحْتَاجٍ، قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح هِلَالٌ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً يُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَلَا عَلَيْهِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءً عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: «يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: تَشْبِيهٌ وَتَقْرِيبٌ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ عَلَى شَرِيعَةِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يُقِرُّونَ الْحَجَّ مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِمْ، وَلَا يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ إِلَيْهِ، وَيَجْحَدُونَ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِنْ فُرُوضٍ , وَالطَّهَارَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَمَنْ أَقَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ الْحَجَّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى السَّبِيلِ فَكَأَنَّهُ جَحَدَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ؛ فَإِنَّهُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْجُحُودِ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا إِقَامَةُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَتَرَكَهُ، فَالتَّارِكُ لِلْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مُتَشَبِّهٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «فَهُوَ مِنْهُمْ» أَيْ: يُعَدُّ فِيهِمْ وَمِنْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ ظَوَاهِرَ الْخَلْقِ، وَلَا يَعْلَمُ سَرَائِرَهُمْ وَبَوَاطِنَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ رَأَوْهُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ مَعَ قَوْمٍ رِيَاءً وَفِعْلًا عُدُّوهُ مِنْهُمْ، وَاجْعَلُوهُ فِيهِمْ، وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِمْ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» يُرِيدُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ وَلَا عُذْرَ لَهُ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ عَلَى شَرِيعَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذِكْرُ الْمَوْتِ فِيهِ عَلَى التَّوْقِيتِ، فَإِنَّ وَقْتَ الْحَجِّ مُوَسَّعٌ، وَفَوَاتُهُ بِالْمَوْتِ. وَإِذَا مَاتَ فَقَدْ فَاتَهُ، فَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ تَرْكَ جُحُودٍ وَإِنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَ سَائِرَ الشَّرَائِعِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا، فَلَمَّا تَرَكَ هَذَا مَعَ الْإِمْكَانِ ⦗١٣١⦘، فَكَأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ مُسْتَهِينٌ بِهِ، مُسْتَخِفٌّ بِحَقِّهِ، فَصَارَ كَالْجَاحِدِ وَالْمُنْكِرِ لَهُ، وَهُوَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَتَشَبَّهَ بِهِمْ، فَعُدَّ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 179

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 180

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ رَجُلًا يَلْعَنُ نَاقَتَهُ قَالَ: فَسَارَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ اللَّاعِنُ نَاقَتَهُ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ: «أَخْرِجْهَا عَنَّا، فَقَدْ أُجِبْتَ فِيهَا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «قَدْ أُجِبْتَ» أَيْ: حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِطَرْدِهَا وَإِبْعَادِهَا، فَإِنَّ اللَّعْنَ هُوَ الطَّرْدُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا قَالَ لِنَاقَتِهِ: لَعَنَكِ اللَّهُ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ طَرْدَهَا وَإِبْعَادَهَا عُقُوبَةً لَهُ، أَوْ تَأْدِيبًا لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّاعِنَ نَاقَتَهُ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ حَالَةٌ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا لَعَنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَوْ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَهْلًا لَهُ وَإِلَّا رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى صَاحِبِهَا» أَيِ: اللَّاعِنُ، هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ. فَلَمَّا لَعَنَ هَذَا الرَّجُلُ نَاقَتَهُ لَمْ تَكُنِ النَّاقَةُ أَهْلًا لِلَّعْنِ، وَلَمْ تَرْجِعْ عَلَى اللَّاعِنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَهْلًا لَهَا لَرَجَعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ لَطَرَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَلَمَّا قَالَ: أَخْرِجْهَا عَنَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ لَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ عَنَّا، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَخْرِجْهَا، فَصَارَ كَأَنَّ الْحُكْمَ وَجَبَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَتِ النَّاقَةُ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ فَيَقَعُ عَلَيْهَا اللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِطَرْدِهَا عَلَى الرَّجُلِ فَصَارَتْ مَتْرُوكَةً مَطْرُودَةً مُبْتَعِدَةً لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْقِطَاعُ بِهَا مِنْ رُكُوبٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْرٍ، فَحُرِمَ نَفْعَهَا تَأْدِيبًا لَهُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: اللَّعْنُ: التَّرْكُ، وَالْمَلْعُونُ: الْمَتْرُوكُ [البحر الكامل] أَفُطَيْمُ هَلْ تَدْرِينَ كَمْ مِنْ مُتْلِفٍ ... جَاوَزْتُ لَا مَرْعًى وَلَا مَسْكُونُ غَوْرِيَّةٌ نَجْدِيَّةٌ تَصْعِيدُهُ ... تَصْوِيبُهُ مُتَشَابِهٌ مَلْعُونُ ⦗١٣٢⦘ يَصِفُ الطَّرِيقَ يَقُولُ: إِنَّهُ مَتْرُوكٌ لَا يُسْلَكُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «قَدْ أُجِبْتَ فِيهَا» أَيْ: أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ تَرْكَهَا، وَالِانْتِفَاعَ بِهَا , قَالَ: وَأَظُنُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «فَحَطَّ عَنْهَا رَحْلَهُ، وَكَانَتْ تَسِيرُ لَا يُرَى فِيهَا أَحَدٌ» ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ
следующие страницы →