← Книги сунны

Книги сунны · id 13084

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (520 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللِّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّى لِحُذَيْفَةَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ لَهُ: «إِيَّاكَ أَنْ تُخْبِرَ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى آَذَنَ لَكَ» ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِحُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِهِمْ بِذَلِكَ، فَلَبِثَ حَتَّى كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ لِي عُمَرُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنَا فِيمَنْ سَمَّى لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُبَرِّئُ مِنْهَا رَجُلًا بَعْدَكَ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ سَمَّى لَكَ، أَيْ: وَصَفَ لَكَ صِفَتَهُمْ، فَأَكُونُ فِيمَنْ وَصَفَ، أَيْ هَلْ فِيَّ مِنْ أَوْصَافِهِمْ شَيْءٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْمِ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلَى الْمُسَمَّى، وَكَذَلِكَ الصِّفَةُ وَقَدْ يُعْرَفُ الشَيْءُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوضَعَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، فَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِنَّمَا اسْتَخْبَرَ حُذَيْفَةَ عَنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ لِيَتَوَقِّيَهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ أَزَالَهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَأَمَّا النِّفَاقُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُتَحَقِّقًا مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فِي الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا فِيمَا بَعْدِ بِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ بُشِّرَ بِالْجَنَّةِ مُنَافِقًا، وَالْمُنَافِقُ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وَخَبَرُ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِبُ التَّصْدِيقَ، وَالشَّكُّ فِيهِ كُفْرٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُؤْمِنِ بَعْضُ أَوْصَافِ الْمُنَافِقِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَعْرِفَ صِفَةً مِنْ أَوْصَافِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي أَسَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى حُذَيْفَةَ، أَوْ صِفَةً عَلِمَ حُذَيْفَةُ مِمَّنْ سَمَّى لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ أَزَالَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَتَحَرَّزَ مِنْهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي , أَيْ: يُخْبِرُنِي عُيُوبِي فَأَتْرُكُهَا، مَعْنَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ

стр. 177

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 178

قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحْتَاجٍ، قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح هِلَالٌ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً يُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَلَا عَلَيْهِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءً عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: «يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: تَشْبِيهٌ وَتَقْرِيبٌ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ عَلَى شَرِيعَةِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يُقِرُّونَ الْحَجَّ مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِمْ، وَلَا يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ إِلَيْهِ، وَيَجْحَدُونَ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِنْ فُرُوضٍ , وَالطَّهَارَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَمَنْ أَقَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ الْحَجَّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى السَّبِيلِ فَكَأَنَّهُ جَحَدَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ؛ فَإِنَّهُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْجُحُودِ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا إِقَامَةُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَتَرَكَهُ، فَالتَّارِكُ لِلْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مُتَشَبِّهٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «فَهُوَ مِنْهُمْ» أَيْ: يُعَدُّ فِيهِمْ وَمِنْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ ظَوَاهِرَ الْخَلْقِ، وَلَا يَعْلَمُ سَرَائِرَهُمْ وَبَوَاطِنَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ رَأَوْهُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ مَعَ قَوْمٍ رِيَاءً وَفِعْلًا عُدُّوهُ مِنْهُمْ، وَاجْعَلُوهُ فِيهِمْ، وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِمْ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» يُرِيدُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ وَلَا عُذْرَ لَهُ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ عَلَى شَرِيعَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذِكْرُ الْمَوْتِ فِيهِ عَلَى التَّوْقِيتِ، فَإِنَّ وَقْتَ الْحَجِّ مُوَسَّعٌ، وَفَوَاتُهُ بِالْمَوْتِ. وَإِذَا مَاتَ فَقَدْ فَاتَهُ، فَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ تَرْكَ جُحُودٍ وَإِنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَ سَائِرَ الشَّرَائِعِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا، فَلَمَّا تَرَكَ هَذَا مَعَ الْإِمْكَانِ ⦗١٣١⦘، فَكَأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ مُسْتَهِينٌ بِهِ، مُسْتَخِفٌّ بِحَقِّهِ، فَصَارَ كَالْجَاحِدِ وَالْمُنْكِرِ لَهُ، وَهُوَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَتَشَبَّهَ بِهِمْ، فَعُدَّ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 179

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 180

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ رَجُلًا يَلْعَنُ نَاقَتَهُ قَالَ: فَسَارَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ اللَّاعِنُ نَاقَتَهُ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ: «أَخْرِجْهَا عَنَّا، فَقَدْ أُجِبْتَ فِيهَا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «قَدْ أُجِبْتَ» أَيْ: حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِطَرْدِهَا وَإِبْعَادِهَا، فَإِنَّ اللَّعْنَ هُوَ الطَّرْدُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا قَالَ لِنَاقَتِهِ: لَعَنَكِ اللَّهُ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ طَرْدَهَا وَإِبْعَادَهَا عُقُوبَةً لَهُ، أَوْ تَأْدِيبًا لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّاعِنَ نَاقَتَهُ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ حَالَةٌ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا لَعَنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَوْ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَهْلًا لَهُ وَإِلَّا رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى صَاحِبِهَا» أَيِ: اللَّاعِنُ، هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ. فَلَمَّا لَعَنَ هَذَا الرَّجُلُ نَاقَتَهُ لَمْ تَكُنِ النَّاقَةُ أَهْلًا لِلَّعْنِ، وَلَمْ تَرْجِعْ عَلَى اللَّاعِنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَهْلًا لَهَا لَرَجَعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ لَطَرَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَلَمَّا قَالَ: أَخْرِجْهَا عَنَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ لَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ عَنَّا، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَخْرِجْهَا، فَصَارَ كَأَنَّ الْحُكْمَ وَجَبَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَتِ النَّاقَةُ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ فَيَقَعُ عَلَيْهَا اللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِطَرْدِهَا عَلَى الرَّجُلِ فَصَارَتْ مَتْرُوكَةً مَطْرُودَةً مُبْتَعِدَةً لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْقِطَاعُ بِهَا مِنْ رُكُوبٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْرٍ، فَحُرِمَ نَفْعَهَا تَأْدِيبًا لَهُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: اللَّعْنُ: التَّرْكُ، وَالْمَلْعُونُ: الْمَتْرُوكُ [البحر الكامل] أَفُطَيْمُ هَلْ تَدْرِينَ كَمْ مِنْ مُتْلِفٍ ... جَاوَزْتُ لَا مَرْعًى وَلَا مَسْكُونُ غَوْرِيَّةٌ نَجْدِيَّةٌ تَصْعِيدُهُ ... تَصْوِيبُهُ مُتَشَابِهٌ مَلْعُونُ ⦗١٣٢⦘ يَصِفُ الطَّرِيقَ يَقُولُ: إِنَّهُ مَتْرُوكٌ لَا يُسْلَكُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «قَدْ أُجِبْتَ فِيهَا» أَيْ: أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ تَرْكَهَا، وَالِانْتِفَاعَ بِهَا , قَالَ: وَأَظُنُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «فَحَطَّ عَنْهَا رَحْلَهُ، وَكَانَتْ تَسِيرُ لَا يُرَى فِيهَا أَحَدٌ» ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ

стр. 181

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلِّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ﵁ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ إِذْ سَمِعَ لَعْنَةً، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقِيلَ: فُلَانَةُ لَعَنَتْ رَاحِلَتَهَا، فَقَالَ: «ضَعُوا عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ» قَالَ: فَوَضَعَ عَنْهَا. قَالَ الرَّاوِي: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَا فَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِطَرْدِهَا وَتَرْكِهَا، وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، فَهِيَ مَلْعُونَةٌ أَيْ: مَتْرُوكَةٌ مُخَلًّا سَبِيلُهَا

стр. 182

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 183

قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: ح أَبِي، عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْحَالِفُ بَعْدَ الْعَصْرِ كَذِبًا، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْوَقْتِ لِلْحَلِفِ كَاذِبًا بَعْدَ الْعَصْرِ أَرَادَ بِهِ خَتْمَ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْعَصْرِ آخِرُ النَّهَارِ، وَحَلِفُهُ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خَتْمُ عَمَلِ نَهَارِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» وَفِي رِوَايَةٍ «خَوَاتِمُهَا» ⦗١٣٣⦘. وَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا قَيْدُ شِبْرٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» ، فَهَذَا الْحَالِفُ فِي آخِرِ نَهَارِهِ قَدْ خَتَمَ نَهَارَهُ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، وَعَسَى يَكُونُ هَذَا آخِرُ نَهَارِ عُمُرِهِ فَيَكُونُ آَخِرُ عَمَلِهِ عَمَلٌ سَيِّئٌ، فَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْمَنَ عَلَى عَمَلٍ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ عَمَلِهِ، وَلَعَنَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ عَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا "، وَالْمُدْمِنُ لَهَا جَامِعٌ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَهُوَ جَامِعٌ لِهَذِهِ الْمَلَاعِنِ كُلِّهَا، وَأَقَامَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِهِ. وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى مُنَازِعٌ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَتَهُ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ بِالْعَطَاءِ لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْطِي مِنْ مُلْكِ نَفْسِهِ، وَيُعْطِي مَا يُعْطِي مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ إِذْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ، فَإِذَا أَعْطَى مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ وَأَعْطَى مِنْ مُلْكِهِ لَا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ اسْتَحَقَّ الِامْتِنَانَ، فَأَمَّا مَنْ دُونَهُ فَإِنَّهُ إِذَا أَعْطَى أَعْطَى مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ، لَا مِنْ مُلْكِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَيْدِي الْعِبَادِ فَمُلْكُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ ، وَمَا أَعْطَى أَعْطَى بِوُجُوبٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءَ، وَمَنْ أَعْطَى مَا أَعْطَى مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى مَنْ أَعْطَى، وَمَنْ أَعْطَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الْمِنَّةَ، فَهُوَ إِذَا مَنَّ بِمَا أَعْطَى كَأَنَّهُ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْمُلْكَ وَالْحُرِّيَّةَ، وَانْتَفَى مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَنَازَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ، فَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ⦗١٣٤⦘ وَقَوْلُهُ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى» يُفْهَمُ أَيْ: لَا يَرْحَمُهُمْ، وَلَا يَتَحَنَّنُ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَرْحَمَ رَحْمَةً لَا يُعَذِّبَهُمْ، وَلَا يَرْحَمَهُمْ رَحْمَةً لَا يُخَلِّدَهُمْ فِي النَّارِ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَرْحَمَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَلَا يَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ فَيُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ بِأَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، وَلَمْ يَرْحَمْهُمْ إِذَا أُدْخِلُوا حُفَرَهُمْ، فَقَدْ قِيلَ: أَرْحَمُ مَا يَكُونُ اللَّهُ بِعَبْدِهِ إِذَا دَخَلَ حُفْرَتَهُ، وَرَجَعَ عَنْهُ مُشَيِّعُوهُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَرْحَمَهُ فِي قَبْرِهِ وَيَرْحَمَهُ فِي الْقِيَامَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَرْحَمَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ وَيَرْحَمَهُمْ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ يَرْحَمُهُمْ بَعْدَ أَنْ يُدْخِلَهُمُ النَّارَ، ثُمَّ يَرْحَمُهُمْ بِإِيمَانِهِمْ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَقَدِ امْتُحِشُوا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ: «فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْجُحُودُ وَالشِّرْكُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُمُ الْمُخَلَّدُونَ فِيهَا، وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إِلَّا كُلُّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ، فَأَمَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ فَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِلَيْهَا صَائِرُونَ، وَفِيهَا مُخَلَّدُونَ، وَدُخُولُهُمُ النَّارَ تَأْدِيبٌ لَهُمْ وَتَطْهِيرٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَأَمَّا قَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَمَاتَهُمْ» الْحَدِيثَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ هُمُ الْأَشْقَوْنَ الَّذِينَ يَصِلُونَ النَّارَ الْكُبْرَى فَلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، وَهُمْ كُفَّارٌ، وَأَمَّا أَهْلُ الصَّلَاةِ فَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالْحَقِيقَةِ، فَإِذَا كَانَ أَهْلُ النَّارِ هُمُ الْكُفَّارَ كَانَ عَمَلُ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ قَدْ يَجُوزُ وُقُوعُهَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَفَاضِلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَجُوزُ وُقُوعُ الْكُفْرِ مِنْهُمْ، إِذْ لَا يُجَامَعُ الْكُفْرُ الْإِيمَانَ، وَقَدْ تُجَامِعُ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي هِيَ دُونَ الْكُفْرِ الْإِيمَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ، وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ

стр. 184

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 185

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سِبَاعِ بْنِ الْوَضَّاجِ قَالَ: ح أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَحْوَصِ قَالَ: ح أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ وَلَقَبُهُ دُحَيْمُ بْنُ الْيَتِيمِ قَالَ: ح الْوَلِيدُ قَالَ: ح الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: ح إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: ح أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَنْ تَظْلِمَ وَتُظْلَمَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَارِفُ ﵀: الْفَقْرُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا: عَدَمُ الْمَالِ وَالْمَرَافِقِ، وَخُلُوُّ الْيَدِ عَنِ الْأَمْلَاكِ، وَمِنْهَا عَدَمُ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْجَهْلُ، وَهُوَ الْفَقْرُ الْأَعْظَمُ، وَمِنْهَا فَقْرُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، فَأَمَّا عَدَمُ الْمَالِ، وَخُلُوُّ الْأَيْدِي مِنَ الْأَمْلَاكِ إِذَا قَارَنَهُ الصَّبْرُ وَصَحَّ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالرِّضَا بِمَا قَضَى اللَّهُ فَهُوَ حِلْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَزِيُّ الْأَوْلِيَاءِ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ، وَزَيْنُ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِيمَا أَوْصَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﷺ : إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ: مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَلْفَقْرُ أَزْيَنُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْعِذَارِ الْجَيِّدِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَأَقْلِلْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ» ، وَإِذَا خَلَا الْفَقْرُ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَكَانَ مَعَهُ التَّسَخُّطُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّتَبُّعُ لِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالْجَزَعُ فِيهِ، فَهُوَ الْفَقْرُ الْمُسِيءُ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُبَادَرَتِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ خَمْسًا: هَرَمًا مُقَتِّرًا، وَسَقَمًا مُفْسِدًا، وَغِنًى مُطْغِيًا، وَفَقْرًا مُسِيئًا، وَمَوْتًا مُجْهِزًا "، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَقْرَ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ⦗١٣٦⦘ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ. وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ فَهُوَ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كَادَ الْفَقْرُ يَكُونُ كُفْرًا» ، فَإِنَّ الْجَهْلَ أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْكُفْرِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ

стр. 186

وَأَمَّا فَقْرُ الْآخِرَةِ فَهُوَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَوَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيَقْعُدُ فَيَقْضِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ قُضِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أَخَذَ مِنْ خَطَايَاهُ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: أَبُو عِيسَى قَالَ: ح قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَهُوَ الْفَقْرُ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَاهُ، وَأَمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقِسْمَيْنِ وَأَمَّا الْقِلَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكَثُّرَ بِالْمَالِ وَالِاسْتِغْنَاءَ بِالثَّرْوَةِ، وَالسُّكُونَ إِلَيْهِ، وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] قَالَ الْحَكِيمُ ﵀: مَنِ اسْتَغْنَى بِمَالِهِ قَلَّ، وَمَنِ اعْتَزَّ بِمَخْلُوقٍ ذَلَّ، فَمَنْ أَقَلُّ مِمَّنِ اسْتَكْثَرَ بِالْقَلِيلِ، وَاسْتَغْنَى مِنَ النَّذْرِ الْحَقِيرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقِلَّةُ الْقِلَّةَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَمَا عُمِلَ مِنْهَا مَدْخُولٌ فِيهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي صِفَةِ قَوْمٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ: قَلَّتْ أَذْكَارُهُمْ، وَمَا وَقَعَ مِنْهَا فَمُرَاءَاةٌ، وَالْقَلِيلُ مَعَ الْإِخْلَاصِ كَثِيرٌ، وَالْكَثِيرُ دُونَ الْإِخْلَاصِ قَلِيلٌ، وَأَمَّا الذِّلَّةُ فَالتَّعَزُّزُ بِالْمَخْلُوقِ، وَالِاسْتِظْهَارُ بِالنَّادِي وَالْعَشِيرِ، قَالَ اللَّهُ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ، وَقَالَ اللَّهُ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا ⦗١٣٧⦘ الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] ، فَكَانَ الْأَذَلُّ هُوَ الْأَعَزَّ عِنْدَ نَفْسِهِ بِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ وَكَثْرَةِ أَنْصَارِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنِ اعْتَزَّ بِالْمَخْلُوقِ أَذَلَّهُ اللَّهُ» ، وَقَالَ ﷺ : «مَنِ اعْتَزَّ بِمَخْلُوقٍ ذَلَّ، وَمَنِ اهْتَدَى بِرَأْيِهِ ضَلَّ» ، فَالذِّلَّةُ هِيَ التَّعَزُّزُ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الذِّلَّةُ الشُّذُوذَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَالِاعْتِزَالَ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاتِّبَاعَ لِغَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] ، فَلَا أَذَلَّ مِمَّنْ رُدَّ إِلَى نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَانْفَرَدَ فِي مُتَابَعَةِ هَوَاهُ، وَظُلْمَةِ رَأْيِهِ، وَانْقَطَعَ عَمَّنْ لَهُ الْعِزَّةُ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَنِ انْقَطَعَ عَنِ اللَّهِ بِإِعْرَاضِهِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَعْرَضَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَرْكِهِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَخَالَفَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ بِاتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، فَهُوَ الْوَحِيدُ الْعَزِيزُ، الشَّرِيدُ، الطَّرِيدُ، الْحَقِيرُ، الذَّلِيلُ، النَّذْرُ، الْقَلِيلُ، جَلِيسُ الشَّيْطَانِ، وَبَغِيضُ الرَّحْمَنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْخُذُ الشَّاةَ وَالْعَاصِيَةَ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الذِّلَّةُ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهَا مُتَابَعَةَ الْهَوَى فِي دِينِ اللَّهِ ، وَالتَّعَزُّزَ بِمَا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وَقَوْلُهُ: «أَنْ تَظْلِمَ، أَوْ تُظْلَمَ» ، وَالظُّلْمُ أَنْوَاعٌ، مِنْهَا: الشِّرْكُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وَمِنْهَا ظُلْمُ عِبَادِ اللَّهِ، وَهُوَ الْإِفْلَاسُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَالْمَصِيرُ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا ظُلْمُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، وَهُوَ الْحَيْرَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ لِأَنَّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ مَنَعَهَا حَقَّهَا الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ لَهَا مِنْ ⦗١٣٨⦘ إِتْيَانِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَأَتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِلْوًا عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي نُورُهَا يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَبِأَيْمَانِهِمْ، فَبَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: ارْجِعْ وَرَاءَكَ، فَالْتَمِسْ نُورًا، فَقَدْ خَابَ، وَضَلَّ، وَإِنْ تَدَارَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ أَضَاءَ لَهُ إِيمَانَهُ، وَأَنَارَ لَهُ تَوْحِيدَهُ، فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فَمَنْ ظَلَمَ فَاتَتْهُ آَخِرَتُهُ الَّتِي لَهَا مَعَادُهُ، فَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، وَضَلَّ فِي النَّارِ ضَلَالًا بَعِيدًا، إِذَا ضَرَّ بِهَا، فَنُوقِشَ، وَعُذِّبَ، أَوْ يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ ظَلَمَ أَحَلَّ بِدُنْيَاهُ الَّتِي فِيهَا مَعَاشُهُ، فَشَقِيَ، وَتَعِبَ، أَوْ يَرْفُقُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَاللَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. فَفِي أَمْرِهِ ﷺ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ أَنْ تَظْلِمَ، أَوْ تُظْلَمَ إِشَارَةٌ إِلَى ضِعْفِ الْعَبْدِ، وَفَقْرِهِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مُرَافَقَةِ الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا دِينُهُ، وَتَقُومُ بِهَا نَفْسُهُ، وَيَصُونُ بِهَا عِرْضَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَشَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمَهُ لِيَنَالَ بِهِ ثَوَابَ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]

стр. 187

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 188

قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ح سُوَيْدٌ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: ح خَالِدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ، وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَأَسْمَعَ الْأُذُنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ، فَيَنْفُخُ» ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا» ⦗١٣٩⦘ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَارِفُ ﵀: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الْحَوْلِ، وَالْقُوَّةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى أَفْعَالِهِمْ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَالسُّكُونِ إِلَى شَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فِي أَحْوَالِهِمْ، أَلَا يَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا غَيَّرُوا، وَأَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، وَتَثَاقَلُوا فِي نُفُوسِهِمْ، لَمْ يَدُلَّهُمْ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، بَلْ رَدَّهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَصَرَفَهُمْ عَمَّا سِوَاهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: " قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ " إِظْهَارًا لِلِافْتِقَارِ، وَإِقْرَارًا بِالِاضْطِرارِ، وَأَنَّهُ لَا نَجَاةَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا مَفَرَّ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠]

стр. 189

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 190

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْمَرْوِيُّ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلْوَيُّ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَهَلْ أَنْتَ شَافِعٌ لِأَبَوَيْكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَشَافِعٌ لَهُمَا، أُعْطِيتُ، أَوْ مُنِعْتُ، وَمَا أَرْجُو لَهُمَا النَّجَاةَ عَنِ النَّارِ بِالْكُلِّيَّةِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «إِنِّي لَشَافِعٌ لَهُمَا» فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ. وَهَذَا كَمَا اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِأَبِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] . وَقَوْلُهُ: «وَمَا أَرْجُو لَهُمَا» ؛ لِأَنَّ اسْتِغْفَارَهُ لَهُمَا كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، فَلَمْ يَرْجُ لَهُمَا إِذَا مَاتَا عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمَا رِقَّةً عَلَيْهِمَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «رَأْفَةً، وَقَضَاءً لِحَقِّهِمَا» ، إِذْ لَمْ يُدْرِكْهُمَا، فَيُحْسِنَ مُعَامَلَتَهُمَا، وَيُصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وَكَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِأَبِيهِ فِي حَيَاتِهِ لِمَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] ، فَلَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، تَبَرَّأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ، وَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ، وَالنَّبِيُّ ﵇ عَلِمَ مِنْ أَبَوَيْهِ مَا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ مِنْ أَبِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَرَادَ قَضَاءَ حَقِّهِمَا، فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَانْتَهَى، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 191

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 192

قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرٌ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ح أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ح أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ، فَيُسِرُّهُ، فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَارِفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُرُورُهُ الَّذِي يُؤْجَرُ عَلَيْهِ سُرُورَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى إِصْلَاحِ سَرِيرَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ مِنَ الَّذِينَ حَسُنَتْ سَرَايِرُهُمْ، وَمَا ظَهَرَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ قَبَائِحَ، وَقَبَائِحَ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُفْتَضَحُونَ إِذَا ظَهَرَتْ سَرَايِرَهُمْ، لِأَنَّهَا تَكُونُ قَبَائِحَ أَسَرُّوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ حَسُنَتْ ظَوَاهِرُهُمْ، فَهَذَا إِذَا ظَهَرَتْ سَرِيرَتُهُ، وَوَافَقَتْ عَلَانِيَتَهُ، وَاسْتَوَيَا فِي الْحُسْنِ سُرَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْنِي مُوَافَقَةَ السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ عَلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى، فَيَكُونُ سُرُورُهُ عَلَى حُسْنِ إِيمَانِهِ، وَتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِتَحَسُّنِ الْعَمَلِ فِي السِّرِّ كَتَحْسِينِ عَمَلِهِ فِي الْعَلَانِيَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَارَةَ الْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ» ، فَيَكُونُ سُرُورُهُ لِلَّهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لِحُسْنِ ثَنَائِهِ مِنَ النَّاسِ، أَوْ تَعْظِيمٍ عِنْدَهُمْ، أَوْ إِجْلَالٍ فِي أَعْيُنِهِمْ ⦗١٤١⦘. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا صَحَّ فِي أَوَّلِهِ لَمْ يَضُرَّهُ فَسَادٌ يَكُونُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الرِّيَاءَ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْعِلْمِ لِيُرَائِيَ بِهِ النَّاسَ، وَيَكُونَ ذَلِكَ قَصْدَهُ، وَمُرَادَهُ، مَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى، فَمُحبَطٌ بِاطِلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ، فَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِرَادَةِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، لَمْ يَلْحَقْهُ فَسَادٌ يَكُونُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يُحْبِطْهُ شَيْءٌ دُونَ الشِّرْكِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، عِنْدَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَزْعُمُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ إِحْبَاطِ الطَّاعَاتِ بِالْمَعَاصِي، لَمْ يَجُزِ اخْتِلَاطُهُمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «أَجْرَانِ» ، أَيْ أَنَّ عَمَلَ السِّرَّ قَدْ خَلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَلْحَقُهُ فَسَادٌ، وَسُرُورُهُ بِحَسَنَتِهِ إِذَا ظَهَرَتْ حَسَنَةٌ أُخْرَى، فَصَارَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرَانِ

стр. 193

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 194

قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: ح أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْعَارِفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» مِنْ أَوْصَافِ النَّاسِ، وَأَقْوَالِهِمْ، فَلَا يَكَادُ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى عُيُوبِهِمْ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطَالِبُهُمْ بِصِدْقِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَصِحَّةِ أَعْمَالِهِمْ، وَيُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ، وَيُشْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَيَنْصَحُ لَهُمْ، وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ ظَوَاهِرَهُمْ، وَيُوَكِّلُ سَرَايِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَعْنِيهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ، فَهُوَ الْمُسْلِمُ، وَالْإِسْلَامُ لَهُ صِفَةٌ، وَالْحُسْنُ لِإِسْلَامِهِ صِفَةٌ، فَهُوَ لَمَّا حَسُنَ إِسْلَامُهُ فِي إِسْلَامِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى اللَّهِ تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ سَرَائِرِهِمْ، وَمُطَالَبَةِ الصِّدْقِ إِذَا صَلُحَتْ ⦗١٤٢⦘ ظَوَاهِرُهُمْ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ مُخْتَلَفِ أَحْوَالِهِمْ إِلَّا فِيمَا يَلْزَمُهُ فَرَضُ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فِي رِقَّةٍ بِهِمْ، وَشَفَقَةٍ عَلَيْهِمْ، وَإِرَادَةِ الصَّلَاحِ لَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ حُسْنَ تَسْلِيمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ، فَقَدِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنْهُمْ نُفُوسَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَقَدْ بَاعَ الْبَائِعُ الشَيْءَ، وَيَلْتَوِي فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، حَتَّى يَنْتَزِعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِحَقِّ الْبَايِعِ، فَأَمَّا مَنْ حَسُنَ تَسْلِيمُهُ سَلَّمَ الْمَبِيعَ أَوْفَرَ مَا كَانَ، وَأَتَمَّهُ فِي سَعَةٍ مِنْ صَدْرِهِ، وَطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، خَاصَّةً إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ مِنَ الثَّمَنِ أَضْعَافَ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، فَمَتَى حَسُنَ إِسْلَامُ الْمَرْءِ حَسُنَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ إِلَى اللَّهِ , غَيْرَ مُلْتَوٍ وَلَا مُتَرَبِّصٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] ، وَمِنْ حُسْنِ تَسْلِيمِهِ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ، وَقَضَايَاهُ فِيمَا شَاءَ، وَسَرَيَانُ الِاعْتِرَاضِ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَسَخُّطِ قَضَائِهِ، وَالتَّأَتِّي لِمَعْقُولِ أَحْكَامِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَعْنِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي إِذَا أَحْدَثَ فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ هَدْمِ بِنَاءٍ فِيهِ، أَوْ تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ نَقْضٍ فِيهِ، أَوْ إِبْرَامٍ، فَاعْتَرَضَ الْبَائِعُ فِيهِ مِمَّا لَا يَعْنِيهِ مِنْ قَوْلِهِ لِمَ فَعَلْتَ، وَأَلَا صَنَعْتَ كَذَا، وَلَوْ فَعَلْتَ كَذَا، وَلَيْتَكَ صَنَعْتَ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْنِيهِ , فَحَصُلَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ، عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الرِّضَا بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّلَقِّي بِالْبِشْرِ، وَالسُّرُورِ، ثُمَّ الْقَضَاءُ، وَالصَّبْرُ تَحْتَ أَثْقَالِ مَا يَكْرَهُهُ، وَالِاسْتِسْلَامُ، وَالِانْقِيَادُ بِذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ لِلْمَلِكِ الْقَهَّارِ، فِيمَا يُجْرِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ أَرْضِهِ، وَسَمَائِهِ، وَفِي نَفْسِ الْعَبْدِ مِمَّا يَؤْلِمُهُ وَيَلَذُّهُ، أَوْ يَسُرُّهُ، وَيُحْزِنُهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄: وَايْمُ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا الْفِنَاءُ، وَالْفَقْرُ، وَمَا أُبَالِي بِأَيِّهِمَا ابْتُلِيتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: ابْتُدِيتُ , فَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَخْتَارَ تَسْلِيمًا لِنَفْسِهِ إِلَيْهِ، وَتَفْوِيضًا لِأَمْرِهِ إِلَيْهِ، كَمَا نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ فِيمَا

стр. 195

حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح شَرِيكٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ الْحِمَّانِيُّ: وَح شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ⦗١٤٣⦘، قَالَ لِرَجُلٍ: " إِذَا آوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكِ، فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً، وَرَهْبَةً مِنْكَ، وَإِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَمَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ " زَادَ أَبُو الْأَحْوَصِ: «وَإِنَّ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا» وَقَوْلُهُ: «أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ» ، تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي طَوْعًا. وَقَوْلُهُ: «وَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ» هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا دُونَهُ. وَقَوْلُهُ: «أَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ» هُوَ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، رَغْبَةً إِلَيْهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ مَلَاذِّ النَّفْسِ، وَمَرَافِقِهَا، وَرَهْبَةً مِنْهُ، لَا مِنْ آلَامِ النُّفُوسِ، وَمَكَارِهِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ سَلَّمَ نَفْسَهُ، وَفَوَّضَ أَمَرَهُ، فَمُطَالَبَتُهُ حُظُوظَ نَفْسِهِ، وَاتِّسَاقُ أُمُورِهِ مِمَّا لَا يَعْنِيهِ، إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِلَيْهِ، وَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ دُونَهُ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ رَغْبَتُهُ فِي شَيْءٍ دُونَهُ، وَلَا يُرِيدُ غَيْرَهُ، وَلَا يَطْلُبُ إِلَّا رِضَاهُ، وَالْقُرْبَةَ مِنْهُ، وَالزُّلْفَى لَدَيْهِ، وَمَنِ اعْتَمَدَ فِي أَحْوَالِهِ عَلَيْهِ، وَتَوَكَّلَ فِيمَا يُعَامِلُهُ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَدِ احْتَرَزَ مِنْ جَمِيعِ الْمَكَارِهِ، بَلْ تَفَرَّغَ مِنْهَا لَهُ فَلَا يَخَافُ شَيْئًا سِوَاهُ، وَلَا يَرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَا عِنْدَهُ بَاقٍ، وَإِنَّمَا يَنْفَذُ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَهَذَا عَبْدٌ لَا يَرَى غَيْرَ رَبِّهِ، وَلَا يُطَالِعُ غَيْرَ سَيِّدِهِ، وَلَا يُرَاقِبُ إِلَّا مَوْلَاهُ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ، وَلَا لِلْمُلْكِ سِوَاهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] ، فَالْيَوْمَ يَوْمٌ، وَغَدًا يَوْمٌ، وَالْأَيَّامُ كُلُّهَا يَوْمٌ وَاحِدٌ، لَا مُصَرِّفَ لَهَا إِلَّا وَاحِدٌ، وَلَا مُدَبِّرَ فِيهَا إِلَّا وَاحِدٌ، فَلَهُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ تَعْرِيفِ عِبَادِهِ، وَتَغْيِيرِ الْأَحْوَالِ فِي بِلَادِهِ، وَيَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ، وَيْحَكُمُ فِيهِمْ مَا يُرِيدُ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْمُلْكُ غَدًا إِذَا أَفْنَى عِبَادَهُ، وَطَوَى بِلَادَهُ، لَا أَحَدَ يُنَازِعُهُ، وَلَا مُجِيبَ يُجَاوِرُهُ، فَالْمُلكُ الْيَوْمَ وَغَدًا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، لَا مَلْجَأَ مِنْهُ، وَلَا مَنْجَا يُخَاطِبُهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، مِنْهُ الْمَفَرُّ، وَإِلَيْهِ الْمَقَرُّ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

стр. 196

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 197

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوِ انْتَظَرْنَا، حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ، فَانْتَظَرْنَاهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُصَلِّي مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَحَيَيْتُمْ» ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبْتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلَ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُونَ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَا أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ : «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ» أَيْ أَنَّهَا لَا تَنْفَطِرُ، وَلَا تَنْشَقُّ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُهَا مَا دَامَتِ النُّجُومُ فِيهَا بَاقِيَةً، فَإِذَا ذَهَبْتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلَ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ، فَهَذَا ذَهَابُ النُّجُومِ، وَمَا يُوعَدُونَ أَهْلُ السَّمَاءِ فَقَوْلُهُ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦] ، فَهَذَا الْوَعْدُ إِنَّمَا يَأْتِيهَا إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، الْآيَةَ. فَإِذَا انْتَثَرَتِ النُّجُومُ تَفَطَّرَتِ السَّمَاءُ، وَصَعِقَ مَنْ فِيهَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنِ اخْتِلَافِ قُلُوبِهِمْ، وَالتَّقَاطُعِ بَيْنَهُمْ وَالتَّشَاجُرِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي حَيَاتِهِ مُؤْتَلِفِينَ مُتَّفِقِينَ ⦗١٤٥⦘ مُتَوَاصِلِينَ مُتَبَادِلِينَ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ فِيهَا هِمَّةُ دُنْيَا، وَلَا عِزَّةُ نَفْسٍ، وَلَا نَظَرٌ إِلَى شَيْءٍ فَاسْتَوَى لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَغَيَّرَتْ قُلُوبُهُمْ

стр. 198

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَا نَفَضْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَيْدِيَ، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَمَالُوا إِلَى الدُّنْيَا، وَافْتَرَقَتْ آَرَاؤُهُمْ، حَتَّى تَقَاطَعُوا، أَوْ تَشَاجَرُوا، وَتَوَاثَبُوا عَلَى الْمُلْكِ، حَتَّى تَقَاتَلُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْرِبُ وَجْهَ بَعْضٍ، فَهَذَا الَّذِي وُعِدُوا , فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» وَقَالَ: «سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» ⦗١٤٦⦘. وَقَالَ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً»

стр. 199

وَقَالَ: «إِنَّ أُمَّتِي مَرْحُومَةٌ إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي الْقَتْلِ وَالزَّلَازِلِ وَالْفِتَنِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَذَابَ لَوْ كَانَ فِي الْآخِرَةِ لَكَانَ لَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَامَةُ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ قَالَ: ح أَبِي قَالَ: ح عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ شَيْبَةَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ح لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ "، هُوَ تَغَيُّرُ قُلُوبِهِمْ، وَتَفَرُّقُ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَاجُرُهُمْ، وَمَا لَا خَفَاءَ بِهِ بِمَا ظَهَرَ فِيهِمْ، مِمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُ كَائِنٌ فِيهِمْ، كَقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: «لَتُقَاتِلَنَّ النَّاكِثِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْمَارِقِينَ»

стр. 200

وَقَوْلُهُ ﷺ لِعُثْمَانَ ﵁: «عَسَى يُقَمِّصُكَ اللَّهُ قَمِيصًا مِنْ بَعْدِي، فَإِذَا أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ أَبِي الدُّمَيْكِ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَاد قَالَ: ح فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُثْمَانَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي» يَعْنِي: مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ، فَظُهُورُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُرْدِيَةِ، فَقَدْ كَانَتِ الْأُمَّةُ فِي زَمَنِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا فَارَقُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَأَيْمُ اللَّهِ لَأَتْرُكَنَّكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ ⦗١٤٧⦘ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا» ، وَكَانَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَيَاةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا ذَهَبَ أَصْحَابُهُ ظَهَرَتِ الْأَهْوَاءُ وَالْبِدَعُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الدِّينِ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْآرَاءِ وَالدِّيَانَاتِ، فَكَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَصَارُوا فِرَقًا شَتَّى، وَهُوَ الَّذِي وُعِدُوا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «افْتَرَقَتِ الْأُمَمُ عَلَى وَاحِدٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَلَا تَمُوتُ أُمَّتِي حَتَّى تَفْتَرِقَ عَلَى مِثْلِهَا» ، وَقَالَ ﷺ : «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» ، وَقَالَ ﷺ : «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ»

стр. 201

وَقَالَ ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنِ النَّاسُ إِلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟» قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: ح يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ، وَذَكَرَهُ. فَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعْنَى «أَتَاهُمْ مَا يُوعَدُونَ» ، فَالَّذِي وُعِدَ أَهْلُ السَّمَاءِ هُوَ تَفَطُّرُهَا، وَصَعْقُهُمْ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا تَنَاثَرَتِ النُّجُومُ، فَالنُّجُومُ لَهَا أَمَنَةٌ مَا دَامَتْ قَائِمَةً ثَابِتَةً مُسَيَّرَةً، وَالَّذِي وُعِدَ أَصْحَابُهُ: الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَالتَّنَازُعَ، وَقِتَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا , ⦗١٤٨⦘ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: «لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ» يَعْنِي عَلِيًّا ﵁، وَقَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: «كَيْفَ بِكِ إِذَا نَبَحَتْ عَلَيْكِ كِلَابُ حَوْأَبٍ» ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ، فَهَذَا الْوَعْدُ الَّذِي أَتَاهُمْ، وَلَمْ يَأَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَكَانَ ﷺ أَمَنَةً لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ حَيَاتَهُ. وَالَّذِي وَعَدَ أُمَّتَهُ ظَهَرَ، وَالْأَهْوَاءُ، وَالْبِدَعُ، فَقَدْ قَالَ ﷺ : " صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا يَنَالُهُمْ شَفَاعَتِي: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ "، وَقَالَ ﷺ : «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ نَبْزُهُمُ الرَّافِضَةُ»

стр. 202

قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحْتَاجٍ، قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ: ح عِمْرَانُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: أخ الْحَجَّاجُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ، يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ، يَلْفُظُونَهُ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ» وَأَمْثَالُهُ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ تَظْهَرْ هَذِهِ الْأَهْوَاءُ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانُوا أَمَنَةً لِلْأُمَّةِ مِنْ ذَلِكَ حَيَاتَهُمْ، وَاللَّهُ الْهَادِي

стр. 203

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 204

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: ح أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ح كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: ح عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «طَبَقَاتُ أُمَّتِي خَمْسُ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَطَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِي أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَالطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الثَّمَانِينَ أَهْلُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالطَّبَقَةُ الْأُخْرَى إِلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَهْلُ التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ، وَالطَّبَقَةُ الْأُخْرَى إِلَى سِتِّينَ وَمِائَةٍ أَهْلُ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَالطَّبَقَةُ الْأُخْرَى إِلَى الْمِائَتَيْنِ أَهْلُ الْهَرْجِ وَالْهَرَبِ، ثُمَّ تَرْبِيَةُ جَرْوٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ خَيْرٌ مِنْ تَرْبِيَةِ وَلَدٍ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: الْعِلْمُ تَبَيُّنُ الشَيْءِ كَمَا هُوَ، وَالْإِيمَانُ التِّيَقُّنُ بِهِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ لَهُ، فَالْعِلْمُ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْبَصَرِ لِلرَّأْسِ، فَمَا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ سُمِّيَ رُؤْيَةً، وَمَا أَدْرَكَهُ الْقَلْبُ سُمِّيَ عِلْمًا، وَالْيَقِينُ لِلْفُؤَادِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ لِلْقَلْبٍ، فَمَا أَدْرَكَهُ الْفُؤَادُ سُمِّيَ يَقِينًا، وَالْفُؤَادُ دَاخِلَ الْقَلْبِ وَبَاطِنَهُ، وَالْقَلْبُ ظَاهِرَهُ، وَالصَّدْرُ سَاحَةُ الْقَلْبِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «فَطَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِي أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ» أَيْ: هُمْ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ، وَأَصْحَابُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالشَيْءِ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ كُشُوفِ ذَلِكَ الْمَعْلُومِ، فَظُهُورُهُ لِلْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ لِلْبَصَرِ لَا يَقَعُ لِلْبَصَرِ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ وَالسَّوَاتِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْئِيِّ، إِذْ بَعْدُ شُهُودُ الْفُؤَادِ، كَمَا أَنَّ الْمَرْئِيَّ تُعْرَضُ فِيهِ الشُّكُوكُ وَالْخَوَاطِرُ، وَالْيَقِينُ شُهُودُ الْفُؤَادِ لِلشَّيْءِ الْمَعْلُومِ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ الشَيْءَ وَيَعْتَرِضَهُ فِيهِ الشُّكُوكُ وَالْخَوَاطِرُ لِبُعْدِهِ عَنِ الْبَصَرِ، أَوْ عِلَّةٍ تَحْدُثُ فِي الْبَصَرِ، وَكَأَنَّ الْمَرْئِيَّ مَحْدُودٌ لَهُ كَيْفِيَّةٌ، فَإِذَا شَهِدَ الرَّأْيَ الْمَرْئِيَّ شُهُودَ حُضُورٍ وَلَمْ يَحْدُثْ فِي الْبَصَرِ عِلَّةٌ رَأَى الشَيْءَ كَمَا هُوَ، فَالْيَقِينُ لِلْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ الشُّهُودِ لِلْبَصَرِ، فَإِذَا شَهِدَ الْقَلْبُ الْمَعْلُومَ، وَأَبْصَرَهُ بِعَيْنِ الْفُؤَادِ الَّذِي هُوَ الْيَقِينُ زَالَتْ عَنْهُ الْعَوَارِضُ وَالشُّكُوكُ، فَصَدَّقَ بِهِ، فَالْعِلْمُ صِفَةٌ لِلْقَلْبِ السَّلِيمِ، وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ⦗١٥٠⦘ إِلَى الْخَلْقِ نَظَرٌ، وَلَا لِلنَّفَسِ عِنْدَهُ خَطَرٌ، وَلَا لِلدُّنْيَا فِيهِ أَثَرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] ، وَالْيَقِينُ صِفَةٌ لِلْفُؤَادِ الشَّاهِدِ، قَالَ اللَّهُ ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ، قِيلَ: شَهِيدُ الْفُؤَادِ أَيْ: رَأَى لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] فَوَصَفَ الْفُؤَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا خَاطِرُ شَكٍّ، وَلَا عَارِضُ رَيْبٍ، فَالْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ صِفَتَانِ لِلْقُلُوبِ السَّالِمَةِ، وَالْأَفْئِدَةِ الشَّاهِدَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ : «أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ» ، أَنَّهُمْ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ الَّتِي كُشِفَتْ لَهَا أَسْتَارُ الْغُيُوبِ، حَتَّى صَارَ الْغَيْبُ لَهُمْ شُهُودًا، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ أَفْئِدَةِ الشَّاهِدَةِ الْحَاضِرَةِ لِمَا كُوشِفَ لَهَا، الْمُوقِنَةُ بِهَا، الْمُصَدِّقُ لَهَا، كَأَنَّهَا لَهَا حَاضِرَةٌ، وَهِيَ لَهَا شَاهِدَةٌ. فَقَدْ قَالَ حَارِثَةُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ، وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ يُعَذَّبُونَ , وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: إِنَّا كُنَّا نَتَرَاءَى اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يَعْنِي فِي الطَّوَافِ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْغَيْبِ مِنْ دُونِ سِتْرٍ رَقِيقٍ. فَهَذِهِ أَوْصَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ لَيْسَ مَنْ عَايَنَهُمْ، فَمَا ظَنُّكَ بِالصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ، وَالْفَارُوقِ، وَذِي النُّورَيْنِ الْأَنْوَرِ، وَالْعَلِيِّ الْأَزْهَرِيِّ؟ إِلَى سَائِرِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ، وَأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الْمَرْضِيِّ عَنْهُمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

стр. 205

قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أخ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ ذَرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ الْقُلُوبِ، فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَخْلَصَهُ، وَانْبَعَثَ بِالرِّسَالَةِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدَ قَلْبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَيْرَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ ⦗١٥١⦘ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ وَقَوْلُهُ: «وَأَهْلُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» أَيْ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ النُّفُوسِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ وَأَصْحَابُ الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُكَابَدَاتِ، فَالْبِرُّ هُوَ صِدْقُ الْمُعَامَلَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقْوَى حُسْنُ الْمُجَاهَدَةِ فِي اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُولُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْبِرَّ هُوَ صِدْقُ الْمُعَامَلَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ أَوْصَافُ أَرْبَابِ الْمُعَامَلَاتِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] . فَهَذَا حُسْنُ التَّقْوَى، فَكَأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ عَنِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ الْمُعَامَلَاتِ، وَأَصْحَابُ الْمُجَاهِدَاتِ، وَوَصْفُهُ لِلطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّرَاحُمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الدُّنْيَا فِي الْعُزُوفِ عَنْهَا وَالتَّرْكِ لَهَا، وَوَاسِطَةِ الْخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالْبَذْلِ لَهُمْ، سَخِطَتِ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ بِالنِّفُوسِ فَبَذَلُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى بِتَحَمُّلِ أَفْعَالِهِ، وَأَنْصَبُوهَا فِي الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَتْعَبُوهَا بِالْخِدْمَةِ لَهُ، وَلَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فِي مُشَاهَدَاتِ الْقُلُوبِ، وَسَخَطَتِ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ بِالدُّنْيَا، فَبَذَلُوهَا لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وَنَظَرًا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ فِي بَذْلِ النُّفُوسِ، فَكَانُوا فِي سَخَاوَةِ الدُّنْيَا عَلَى صِنْفَيْنِ، فَصِنْفٌ سَخَتْ عَلَيْهَا نُفُوسُهُمْ فَتَرَكُوهَا لِأَرْبَابِهَا، وَصِنْفٌ سَخَتْ بِهَا أَيْدِيهِمْ، فَبَذَلُوهَا لِطُلَّابِهَا، فَالصِّنْفُ الْأَوَّلُ أَهْلُ التَّوَاصُلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوهَا وَأَعْرَضُوا عَنْهَا سَلِمُوا مِنَ التَّقَاطُعِ، إِذْ كَانَ سَبَبُ التَّقَاطُعِ مُجَاذَبَةَ الدُّنْيَا بَيْنَهُمْ، وَمُنَازَعَتَهُمْ فِيهَا، وَمُقَاتَلَتَهُمْ عَلَيْهَا ⦗١٥٢⦘. قَالَ عُمَرُ ﵁: وَوَقَفَ عَلَى مَنْ عَلَا، فَأَخَذَ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْفَهْمِ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ هَذِهِ دُنْيَاكُمُ الَّتِي تَنَازَعْتُمْ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَ أَنَّ مُجَازَتَهَا بَيْنَهُمْ سَبَبُ التَّقَاطُعِ، فَتَرْكُهَا لِطُلَّابِهَا سَبَبُ التَّوَاصُلِ. وَالصِّنْفُ الثَّانِي: أَهْلُ التَّرَاحُمِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا لَمَّا حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بَذَلُوهَا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وَرَحْمَةً لَهُمْ، فَهُمْ أَهْلُ التَّرَاحُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَكَأَنَّهُ ﷺ وَصَفَ طَبَقَتَهُ وَطَبَقَةَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، وَوَصَفَ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ: أَنَّهُمْ أَرْبَابُ النُّفُوسِ، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمُجَاهِدَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَوَصَفَ الطَّبَقَةَ الثَّالِثَةَ: أَنَّهُمْ أَهْلُ بَذْلٍ وَسَخَاءٍ وَشَفَقَةٍ وَوَفَاءٍ، وَالطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ: أَهْلُ تَنَازُعٍ وَتَجَاذُبٍ، فَصَارُوا أَهْلَ تُقَاطُعٍ وَتَدَابُرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا قَطَعَتْهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ، وَانْقَطَعَتِ الْأُخُوَّةُ الَّتِي أَوْجَبَهَا الْإِيمَانُ بِتَنَابُحِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا، وَتَنَافُسِهِمْ فِيهَا، وَأَدْبَرُوا عَنِ الْآخِرَةِ بِإِقْبَالِهِمْ عَلَيْهَا

стр. 206

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: ح مِكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»

стр. 207

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ، قَالَ: ح أَبُو يَعْلَى بِالْمَوْصِلِ قَالَ: ح الْمُؤَمَّلُ قَالَ: ح أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: ح حَمَّادٌ قَالَ: ح هِشَامٌ، وَالْمُعَلَّا بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» ، فَقَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا غُدِيَ عَلَى أَحَدِكُمٍ بِقَصْعَةٍ وَرِيحَ بِأُخْرَى، وَغَدَا فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي أُخْرَى، وَكَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَجَّدْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُنَجَّدُ الْكَعْبَةُ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَحْنُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالُوا: نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ، نُعْطَى وَنَشْكُرُ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ - يَعْنِي الْيَوْمَ - خَيْرٌ لَكُمْ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَحَاسَدْتُمْ وَتَدَابَرْتُمْ وَتَبَاغَضْتُمْ وَتَنَافَسْتُمْ» ⦗١٥٣⦘ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ التَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ سَبَبُهُ الدُّنْيَا، وَمُنَافَسَتُهُمْ فِيهَا. وَالطَّبَقَةُ الْخَامِسَةُ يَصِيرُ التَّقَاطُعُ وَالتَّدَابُرُ مِنْ أَجَلْهَا تَهَارُجًا وَتَقَاتُلًا، حَتَّى تُقْتَلَ عَلَيْهَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَهَارَبُونَ ضِنًّا بِهِمْ، وَيَتَذَابَحُونَ حِرْصًا عَلَيْهَا، فَتَرْبِيَةٌ جَرْوٍ خَيْرٌ مِنْ تَرْبِيَةِ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ الْجَرْوَ يَأْلَفُ مَنْ يُرَبِّيهِ، وَيَحْرُسُ صَاحِبَهُ، وَيَذُبُّ عَنْهُ، وَالْوَلَدُ إِذْ ذَاكَ يَنْفُرُ مِنْ أَبِيهِ، وَيَقْطَعُهُ وَيَجْفُوهُ وَيُخَاصِمُهُ، بَلْ يُقَاتِلُهُ، إِذًا فَتَرْبِيَةُ جَرْوٍ يَحْرُسُكَ خَيْرٌ مِنْ تَرْبِيَةِ وَلَدٍ يَنْهَبُكَ، وَتَرْبِيَةٌ مَنْ يَذُبُّ عَنْكَ خَيْرٌ مِنْ تَرْبِيَةِ مَنْ يَثِبُ عَلَيْكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

стр. 208

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 209

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح أَبُو الْأَحْوَصِ، وَأَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ بَدَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ فَأَضَلَّ رَاحِلَتَهُ، فَطَلَبَهَا، حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِ رَحْلِي، فَأَمُوتُ فِيهِ، فَرَجَعَ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ فَوْقَ رَأْسِهِ عَلَيْهِ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: الْفَرَحُ سُرُورٌ يَكُونُ عَقِبَ حُزْنٍ وَكَآبَةٍ وَغَمٍّ، وَأَكْثَرُ مَا تَرِدُ لَفْظَةُ الْفَرَحِ إِنَّمَا تَرِدُ عَقِبَ اهْتِمَامٍ وَحُزْنٍ، وَكَذَلِكَ قَالُوا مَا مِنْ تَرْحَةٍ إِلَّا وَبَعْدَ فَرْحَةٍ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى الَّذِي قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ فِي دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ، فَأَضَلَّ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ يَكُونُ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُزْنِ وَالْأَسَفِ وَالْغَمِّ، فَإِذَا وَجَدَهَا سُرَّ بِذَلِكَ غَايَةَ السُّرُورِ، فَعَبَّرَ عَنْ عِظَمِ السُّرُورِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ عِظَمِ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ وَالْغَمِّ، وَالْفَرَحِ، ثُمَّ كَانَ السُّرُورُ عِبَارَةً عَنْ بَسْطِ الْوَجْهِ، وَسَعَةِ الصَّدْرِ، وَاسْتِنَارَةِ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ سُرُورٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُورَ بِالشَيْءِ يَسْتَنِيرُ وَجْهُهُ، وَيَرِقُّ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، وَهِيَ عُرُوقُهُ، وَالْفَرَحُ مُعْظَمُ السُّرُورِ وَغَايَتُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْفَرَحِ، فَهُوَ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَلِيقُ بِهِ بِخِلَافِ مَا يُعْرَفُ مِنَ الْخَلْقِ، وَبِخَلَافِ مَا يَقَعُ تَحْتَ أَوْهَامِنَا، وَتُدْرِكُهُ عُقُولُنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ بَسْطِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِفَاضَتِهَا عَلَى الْعَبْدِ، وَحُسْنِ الْقَبُولِ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ، وَإِكْرَامِهِ لَهُ، وَبِرِّهِ إِيَّاهُ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ ⦗١٥٤⦘. فَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِخْبَارٌ عَنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَجَلِيلِ قَدْرِهِ، وَمَحَلِّهِ مِنْهُ، حَتَّى يَكْرَهَ إِعْرَاضَهُ، وَذَهَابَهُ عَنْهُ، وَيُحِبُّ مِنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ، وَدُنُوَّهُ مِنْهُ، وَإِيثَارَهُ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، ثُمَّ أَصَابَهَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا، وَأَلْزَمَهَا قُرْبَهُ، وَجَعَلَهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَأَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حِفْظَهَا، وَعَمَّاهَا عَمَّا يُنَفِّرُهَا عَنْهُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لِمَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ ذَهَابَ عَبْدِهِ مِنْهُ، وَإِعْرَاضَهُ عَنْهُ مَعَ غِنَاهُ، وَحَاجَةِ عَبْدِهِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ فِي عِصْيَانِهِ وَإِعْرَاضِهِ وَذَهَابِهِ عَنْهُ، بَلْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ، وَيُقْبِلُ بِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «تَطْلُبُهَا» إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ، وَأَعْرَضَ عَمَّا سِوَاهُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ قَبِلَهُ اللَّهُ مُكْرِمًا لَهُ، مُعَظِّمًا قَدْرَهُ، مُقْبِلًا عَلَيْهِ، مُرْضِيًا لَهُ، وَجَعَلَهُ فِي حِفْظِهِ، وَكَنَفِهِ، وَرِعَايَتِهِ، وَعَصَمَهُ عَمَّا يُنَفِّرُهُ عَنْهُ، وَعَمَّا يُرِيدُ الذَّهَابَ بِهِ عَنْ غُرُورِ الدُّنْيَا، وَمَكَايِدِ الْعَدُوِّ، وَخِدَعِ النَّفْسِ، وَفِتْنَةِ الْخَلْقِ، وَيَجْعَلُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَرِدُ بِهِ، وَمِنْ مَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يُرِيدُ مِنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ، وَمُوَاجَهَتَهُ إِيَّاهُ، وَنَظَرَهُ إِلَيْهِ، وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبَهُ وَإِنْ كَثُرَ، وَعِصْيَانَهُ لَهُ وَإِنْ عَظُمَ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ: «اللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ»

стр. 210

قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَزْرَقُ قَالَ: ح الْوَاقِدِيُّ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ» وَالْمُفَتَّنُ التَّوَّابُ مُقْبِلٌ عَلَى اللَّهِ مُوَاجِهٌ لَهُ، رَاجِعٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَيْهِ، كُلَّمَا صَرَفَتْهُ عَنْهُ فِتْنَةٌ رَدَّتْهُ إِلَيْهِ تَوْبَةٌ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا الْأَوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ، غَيْرَ أَنَّ التَّوْبَةَ يُقَالُ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الْمَنَاهِي وَالْمَعَاصِي بِالِاسْتِغْفَارِ، وَالْأَوْبَةُ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنْ حَالَةِ الطَّاعَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ، وَالْعَبْدُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: حَالَةِ طَاعَةٍ، وَحَالَةِ مَعْصِيَةٍ، وَهُمَا صِنْفَانِ لِلْعَبْدِ، لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ مِنْهُمَا، وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ، فَمَنْ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْمَعْصِيَةُ ⦗١٥٥⦘ فَهُوَ تَوَّابٌ، وَمَنْ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الطَّاعَةُ فَهُوَ أَوَّابٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] فَالْمَوْصُوفُ بِالْمَعْصِيَةِ مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَالْمَوْصُوفُ بِالطَّاعَةِ مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَقَامَ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْمَعْصِيَةُ وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُصِرٌّ، وَمَنْ سَكَنَ إِلَى صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الطَّاعَةُ، وَلَمْ يَرْجِعْ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ إِمَّا مُرَاءٍ أَوْ مُعْجَبٌ أَوْ مُشْرِكٌ فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْخَلْقِ فِي حَالِ الطَّاعَةِ فَهُوَ مُرَاءٍ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مُعْجَبٌ، فَمَنْ أَرَادَ بِهَا عِوَضًا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ نَظَرَ مِنْ حَالِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ وَالْحَيَاءِ فَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ بِالنَّدَمِ وَالِاسْتِغْفَارِ فَهُوَ حَبِيبُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ فِي حَالِ الطَّاعَةِ بِرُؤْيَةِ الْمِنَّةِ وَشُهُودِ التَّوْفِيقِ بِالشُّكْرِ لَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَهُوَ حَبِيبُ اللَّهِ، مُحْسِنٌ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّ الْمُحِبَّ يُحِبُّ إِقْبَالَ مَحْبُوبِهِ عَلَيْهِ، وَنَظَرَهُ إِلَيْهِ، وَيَكْرَهُ إِعْرَاضَهُ عَنْهُ، وَاشْتِغَالَهُ بِسِوَاهُ بِدُونِهِ، وَنَظَرَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَاللَّهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ لَهُ نَظَرَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَاشْتِغَالَهُ بِسِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَدَبَ إِلَيْهِ وَيُحِبُّ لَهُ رُجُوعَهُ وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ مِنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللَّهِ : «عَبْدِي إِنْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَقِيتُكَ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] الْآيَةَ

стр. 211

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ⦗١٥٦⦘، عَنْ أَبِي صِرْمَّةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ أَوْ بِخَلْقٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَذْنَبَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَتَابَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَتَضَرَّعَ وَاسْتَكَانَ، وَعَلِقَ لَهُ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ هَذَا مِنَ الْعَبْدِ، وَخَبَايَتُهُ لَا تَقْدَحُ فِي مَحَبَّتِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْخِبَايَةَ مِنَ الْعَبْدِ، وَالْمَحَبَّةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَلَا تَقْدَحُ أَوْصَافُ الْمُحْدِثِ الضَّعِيفِ الْحَقِيرِ فِي أَوْصَافِ الْقَدِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ

стр. 212

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 213

قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمْدَانَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ح أَحْيَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَامْبَاتِيُّ الشَّيْخُ الصَّالِحُ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ قَالَ: ح عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الدُّنْيَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَلَاذَّ النُّفُوسِ، وَشَهَوَاتِهَا، وَجَمِيعَ حُطَامِهَا، وَزَهْرَاتِهَا، وَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، وَحُبَّ الْبَقَاءِ فِيهَا، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ الْمَلْعُونَةَ إِذَا كَانَتْ لِلنُّفُوسِ وَشَهَوَاتِهَا وَلَذَّةِ الطَّبْعِ ⦗١٥٧⦘، وَالتَّلَهِّي بِهَا، وَالشُّغْلِ فِيهَا، وَالْحُبِّ لَهَا، وَلَمْ تَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأُولَى الَّتِي يَلِيهَا الْمَوْتُ وَالْفَنَاءُ، وَالْآخِرَةُ هِيَ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا زَوَالٌ وَلَا فَنَاءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ» أَيْ: مَرْفُوضَةٌ مَتْرُوكَةٌ، وَمَا فِيهَا أَيْ: مَا فِي الْحَيَاةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ، وَالْمَلَاذِّ، وَالْحُطَامِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ مَلْعُونٌ، أَيْ: مَتْرُوكٌ يَجِبُ تَرْكُهَا، وَرَفْضُهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى هَذَا حَثَّ، وَإِلَيْهِ نَدَبَ، وَفِيهِ رَغَّبَ، وَعَنْهَا زَهَّدَ، فَقَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] ، وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ لِلدُّنْيَا تَرْكًا، وَعَنْهَا إِعْرَاضًا، وَاللَّعْنُ عِنْدَ الْعَرَبِ التَّرْكُ، وَالْمَلْعُونُ الْمَتْرُوكُ، كَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنْشَدَ يَصِفُ الْمَغَارَةَ: [البحر الكامل] غَوْرِيَّةٌ نَجْدِيَّةٌ تَصْعِيدُهُ ... تَصْوِيبُهُ مُتَشَابِهٌ مَلْعُونُ يَصِفُ طَرِيقًا تَرَكَ سُلُوكَهُ، حَتَّى اشْتَبَهَ، وَصَارَ مَا ارْتَفَعَ مِنْهُ وَانْخَفَضَ شَيْئًا وَاحِدًا , فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ» أَيْ: مَتْرُوكَةٌ يَجِبُ تَرْكُهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَدْوُهُ لِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَعَوْنًا عَلَى إِقَامَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مَتْرُوكٌ» أَيْ: هِيَ مَتْرُوكُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَفَاضِلِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهَا، وَرَفَضُوهَا، وَأَعْرَضُوا عَنْهَا

стр. 214

فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا أَوْ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَمَثَلِ رَاكِبٍ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ سَارَ وَتَرَكَهَا» قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَبَّانَ، قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: ح أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ قَالَ: ح عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْجُعْفِيُّ قَالَ: ح عَمِّي أَبُو مُسْلِمٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُعْفِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ⦗١٥٨⦘ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ

стр. 215

حَدِيثٌ آخَرُ
следующие страницы →