← Книги сунны

Книги сунны · id 13084

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (520 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عَنْهَا وَخَامَةَ تَصَرُّفِهِمْ فِيهَا، وَوَبَاءَ مُسَاكَنَتِهِمْ إِلَيْهَا، فَأَطْعَمَهَا إِيَّاهُمْ، وَجَازَ بِهَا عَلَيْهِمْ، فَهُمْ فِي ضِيَافَةٍ أَيَّامَ مِنًى الَّتِي هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَمَامُ الضِّيَافَةِ

стр. 247

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِلضَّيْفُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» فَاللَّهُ تَعَالَى يُوسِعُ زُوَّارَهُ وَأَهْلَ ضِيَافَتِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِيَالِهِ يُجْرِي عَلَيْهِمْ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ، وَمِنْ سُنَّةِ الْمُلُوكِ أَنَّهُمْ إِذَا اتَّخَذُوا ضِيَافَةً أَطْعَمُوا مَنْ عَلَى الْبَابِ، كَمَا يُطْعِمُونَ مَنْ فِي الدَّارِ، فَالْكَعْبَةُ الْبَيْتُ، وَالْحَرَمُ الدَّارُ، وَسَائِرُ أَقْطَارِ الْأَرْضِ بَابُ الدَّارِ، فَعَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْجَمِيعَ بِضِيَافَتِهِ، فَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ، وَقَالَ ﷻ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، ثُمَّ النَّاسُ أَبْدَانٌ وَأَرْوَاحٌ، فَأَطْعَمَ اللَّهُ ضَيْفَهُ، وَمَنْ عَلَى بَابِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] ، فَهَذَا غِذَاءُ الْأَبْدَانِ، وَأَوْسَعَ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ غِذَائِهَا بِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ غِذَاءُ الْأَبْدَانِ، وَذِكْرُ اللَّهِ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ، لِذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِالْأَذْكَارِ لِيَكُونَ غِذَاءً لِأَرْوَاحِهِمْ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْأَكْلِ وَالْإِطْعَامِ لِيَكُونَ غِذَاءً لِأَبْدَانِهِمْ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى»

стр. 248

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 249

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ صَفْوَانَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الشُّحُّ أَشَدُّ الْبُخْلِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْبَعْقَةِ وَإِمْسَاكِهَا، قَالَ اللَّهُ ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] ، وَقَالَ فِي الشُّحِّ ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب: ١٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، فَالشُّحُّ تُنْبِئُ عَنِ الْكَزَازَةِ وَالِامْتِنَاعِ وَالتَّأَنِّي وَقِلَّةِ الْمُوَانَاةِ، فَهُوَ يَكُونُ فِي الْمَالِ خَاصَةً، وَفِي جَمِيعِ مَنَافِعِ الْبَدَنِ عَامَّةً، فَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَمِنَ التَّصْدِيقِ تَصْدِيقُ اللَّهِ فِيمَا تَكَفَّلَ بِهِ مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَفِيمَا وَعَدَ مِنَ الْخَلَفِ عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَالثَّوَابِ فِي الْعُقْبَى. وَالْبُخْلُ يَكُونُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْلُفَ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْقِيقُ الثَّوَابُ مِنْ قِبَلِهِ، فَالْبُخْلُ بِالْمَالِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَسُوءُ الظَّنِّ يُوهِنُ التَّصْدِيقَ وَالِامْتِنَاعَ وَقِلَّةَ الْمُوَانَاةِ، وَالتَّأَنِّي قَدْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَأَوَامِرِ اللَّهِ وَفُرُوضِهِ وَأَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ فِي تَرْكِ الْمُعَاوَنَةِ لَهُمْ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَالنُّصْحِ لَهُمْ، فَالِامْتِنَاعُ وَالتَّأَنِّي عِنْدَ الْأَوَامِرِ يُوهِنُ التَّصْدِيقَ بِقُبُولِهَا وَصُعُوبَةِ الِانْتِقَاءِ، وَقِلَّةُ الْمُوَانَاةِ يُوهِنُ التَّصْدِيقَ بِالْقَدَرِ، فَمَنْ صَدَّقَ بِالْقَدَرِ انْقَادَ لِلْأَحْكَامِ، وَمَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا قَلِيلَ الْمُعَاوَنَةِ تَارِكًا لِلنُّصْحِ لِلْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُشْفِقٍ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» ⦗١٨٨⦘. وَقَالَ ﷺ : «وَاللَّهِ لَا تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَحَابُّوا» ، فَالشُّحُّ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ يُخَالِفُ الْإِيمَانَ وَحَقِيقَتَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» ، وَالْمَعْنَى فِي الْإِيمَانِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ وَمُوجِبُهُ كَمَا أَخْبَرَ حَارِثَةُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَتَمَكُّنِ التَّصْدِيقِ مِنْ قَلْبِهِ بِمَا أَخْبَرَ الْلَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُ شُهَودَ عَيَانٍ، فَمَنْ تَحَقَّقَ فِي إِيمَانِهِ، وَصَدَّقَ بِإِيقَانِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَرْكُ الدُّنْيَا وَالْعُزُوفُ عَنْهَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ وَانْفَتَحَ» قِيلَ: فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ نَوَّرَ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، وَشَرَحَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ صَدْرَهُ سَهُلَ عَلَيْهِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الدُّنْيَا، فَمَنْ عَكَفَ عَلَيْهَا، وَبَخِلَ بِهَا، وَسَكَنَ إِلَيْهَا، وَشَحَّ عَلَيْهَا لَمْ يَخَامِرْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ قَلْبُهُ شُهُودًا، وَإِنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ عَلَى تَكْذِيبِهِ عَقْدًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ ضَعِيفُ الْإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ، فَوَصَفَ الْإِيمَانَ بِالضَّعْفِ، وَلَمْ يَنْفِهِ كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا

стр. 250

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 251

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَرَجَعَ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، وَأَمَرَ بِقَرْيَتِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ» وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " أَنَّهُ مَرَّ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِقَرْيَةٍ أَوْ بِمَدِينَةٍ أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَهْلَهَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، قَدْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ وَدَوَابُّ، وَمَنْ لَمْ يَقْتَرِفِ الذَّنْبَ، فَهُوَ الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ ". قَالَ الشَّيْخُ ﵀: إِنْ كَانَ هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي أَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ هُوَ هَذَا الْقَائِلَ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْرَاقِ قَرْيَةِ النَّمْلِ تَشْبِيهًا لَهُ عَلَى إِعْرَاضِهِ عَلَى اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ بِعِبَادِهِ مِنْ رَحْمَةٍ وَعَذَابٍ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْمُلْكَ مُلْكُهُ، وَلَيْسَ آمِرٌ وَلَا لَهُ زَاجِرٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَيُحْدِثَ فِي مُلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، بَلْ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ شَاءَ لِمَا شَاءَ، فَإِنْ رَحِمَهُمْ وَنَعَّمَهُمْ، فَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ هُوَ عَذَّبَهُمْ وَأَلَّمَهُمْ فَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَعَذَّبَهُمْ، وَهُوَ لَهُمْ غَيْرُ ظَالِمٍ» ، فَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ إِنَّمَا يَسْأَلُهُ مَنْ هُوَ تَحْتَ قَدْرِهِ لِغَيْرِهِ، وَفَوْقَهُ أَمْرٌ وَلَهُ سَانٌّ سَنَّ لَهُ سُنَّةً، وَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقَهُ، وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَحَّدَ لَهُ حُدُودًا، فَإِنْ جَاوَزَهَا أَوْ عَدَلَ عَمَّا سُنَّ لَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَخَالَفَ الْأَمْرَ، وَارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَقَعَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ جَائِرًا ظَالِمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يَسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ⦗١٩٠⦘ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ لَمَّا قَالَ مَا قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ شِبْهَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى رَبِّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَسَأَلَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ السُّؤَالُ عَنْهُ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّمْلَةِ الَّتِي عَضَّتْهُ، فَأَحْرَقَ قَرْيَتَهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: إِنَّكَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ جَنَتْ عَلَيْكَ نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنْهَا، فَكَيْفَ تَعْتَرِضُ عَلَى مَلِكٍ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا شَاءَ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ عَنْ مِثْلِ مَا أَتَى مِنَ الِاعْتِرَاضِ، وَتَأْدِيبًا فِيمَا تَعَدَّى عَنْ طُورِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقَادِرِ الْجَبَّارِ الْقَهَّارِ، وَيَكُونُ إِحْرَاقُهُ إِيَّاهَا نَوْعًا مِنَ الْإِفْنَاءِ وَالْقَتْلِ مَعَ جَوَازِ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ ارْتِكَابَ ذَنْبٍ وَجِنَايَةٍ عَلَى أُمَّةٍ لَا ذَنْبَ لَهَا، كَمَا كَانَ نَتْفُ الرِّيشِ وَالتَّعْذِيبُ بِالشَّمْسِ لِلطَّيْرِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ جَائِزًا لِسُلَيْمَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، حِينَ تَوَعَّدَ الْهُدْهُدَ، فَقَالَ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] ، وَكَمَا جَازَ فِي شَرِيعَتِهِ إِتْلَافُ الْخَيْلِ الْجِيَادِ الَّتِي ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَسُوقَهَا، لَا لِلْقُرْبَانِ وَلَا ذَبْحًا، كَمَا يَذْبَحُ الْبَهَائِمَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسٍ فِي الْحَرَمِ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ، وَهِيَ: «الْفَأْرَةُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «وَالْحِدَأَةُ» ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَلَهُ كَذَا» ، وَنَهَى عَنِ اسْتِحْبَابِهَا

стр. 252

وَقَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: ح زَافِرُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ قَاضِي خُرَاسَانَ، عَنْ أَبِي الْأَعْيَنِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ ⦗١٩١⦘ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَتَلَ حَيَّةً، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ كَافِرًا»

стр. 253

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَرْزَكِيَانِيُّ، قَالَ: ح أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ قَالَ: ح أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَيَّاتِ: «مَا سَلَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ خِيفَةً فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُ النَّمْلِ كَانَ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، أَوْ مَأْمُورٍ بِهِ فِي شَرِيعَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَلِكَ الْإِحْرَاقُ إِذْ لَيْسَ هُوَ إِلَّا الْإِهَلَاكُ وَالْإِفْنَاءُ بِالْأَلَمِ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِحْرَاقِ بَعْضِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ، وَسَمَلَ أَعْيُنَ قَوْمٍ، فَكَانَ أَمْرُهُ بِهِ سَابِقًا جَائِزًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَسَمَلَ أَعْيُنَ قَوْمٍ، وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الشَّمْسِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا، ثُمَّ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمُثْلَةِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ مُبَاحًا إِهْلَاكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ النَّمْلُ، كَمَا أَنَّهُ مُبَاحٌ قَتْلُ أُمَمٍ خَمْسٍ وَإِهْلَاكُهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ مُبَاحًا إِحْرَاقُ مَا جَازَ إِهْلَاكُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَهَلَكَ وَأَفْنَى مَا يَجُوزُ لَهُ إِهْلَاكُهُ، وَإِفْنَاؤُهُ بِأَلَمِ النَّارِ، كَمَا جَازَ إِهْلَاكُ هَذِهِ الْأُمَمِ بِأَلَمِ الْقَتْلِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : أَلَا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، إِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِأُمَّةٍ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ مِنْهَا إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَقَوْلُهُ: «أَلَا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَقَ وَاحِدَةً مِنْهَا لَمْ يُعَاتَبْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا عُوتِبَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِلِانْتِقَامِ لِنَفْسِهِ، وَالتَّشَفِّي مِنْهَا، لَا لِأَمْرٍ سَبَقَ، وَكَانَ الْفِعْلُ مُبَاحًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ

стр. 254

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 255

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ : «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: إِنَّ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ أَعْطَى بِالسِّلْعَةِ كَذَا وَكَذَا، تُنْفَقُ السِّلْعَةُ حُسْبَانَ الْحَالِفِ وَظَنِّهِ، كَأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، وَأَعْطَاهُ مَا أَرَادَ، فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ قُدِّرَ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ سَبَقَ لَهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ رِزْقًا لَهُ نَفَقَتْ سِلْعَتُهُ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ بِهِ، لَمْ يَكُنِ الْيَمِينُ مَنْفَقَةً لِلسِّلْعَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِكَذَا، وَهُوَ كَاذِبٌ، فَإِنْ يَقْدِرْ أَنْ يَرْبَحَ عَلَيْهَا وَيَحْسَبَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَيَظُنَّ أَنَّ يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا تَطِيبُ نَفْسُ الْمُشْتَرِي، فَرُبَّمَا كَانَ كَمَا قُدِّرَ، وَرُبَّمَا خَالَفَ تَقْدِيرُ اللَّهِ تَقْدِيرَ الْحَالِفِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ وَافَقَ تَقْدِيرُ اللَّهِ ظَنَّهُ وَتَقْدِيرَهُ فِي نَفْسِهِ فَبَاعَ السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ مَحَقَ ذَلِكَ كَسْبَهُ، وَأَذْهَبَ بَرَكَةَ تِجَارَتِهِ وَكَسَبِهِ، إِمَّا بِتَلَفٍ يَلْحَقُهُ فِي مَالِهِ أَوْ نَفَقَتِهِ فِي غَيْرِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِ فِي الْعَاجِلِ، وَيُرْجَى ثَوَابُهُ فِي الْآَجَلِ، وَإِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ حُرِمَ نَفْعُهُ، وَوَرِثَهُ مَنْ لَا يَحْمَدُ، وَيَقْدَمُ عَلَى مَنْ يُقَدِّرُهُ، فَأَيُّ مَحْقٍ لِلْكَسْبِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَشَدُّ؟ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلَانِ

стр. 256

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 257

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا نَقَصَتْ أَحَدًا صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ رَجُلًا يَعْفُو إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا» ⦗١٩٣⦘ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: هَذَا تَشْجِيعٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْعَبْدٍ فِيمَا يَهُولُهُ، وَتَسْهِيلٌ عَنْهُ فِيمَا يَعْبُرُ عَلَيْهِ، وَإِزَالَةُ خُلُقِ السُّوءِ بِاللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ، وَتَكْذِيبٌ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا يَعِدُ الْعَبْدَ مِنَ الْفَقْرِ فِي الْإِنْفَاقِ وَالصَّدَقَةِ، فَقَوْلُهُ: «مَا نَقَصَتْ أَحَدًا صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ يُرَادَ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، فَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ لَا يُنْقِصُ مِنْ مَالِ الْعَبْدِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي يَدِهِ وَجَبَ حَقُّ الْمَسَاكِينِ فِي خَمْسَةٍ مِنْهُ، فَكَانَ مَالُهُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَيَطِيبُ لَهُ إِمْسَاكُهُ عِنْدَهُ مِائَةً وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ الْخَمْسةَ مِنْهَا حَقُّ الْمَسَاكِينِ، فَإِخْرَاجُ الْخَمْسَةِ لَا يُنْقِصُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي هُوَ نَصِيبُهُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ، وَهُوَ الْمِائَةُ وَالْخَمْسَةُ وَالتِّسْعُونَ، وَالَّذِي أَخْرَجَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَالُ الْمَسَاكِينِ فِي يَدِهِ، فَإِخْرَاجُهُ إِلَيْهِمْ وَرَدُّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ نَاقِصًا لَهُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْلِفُ عَلَيْهِ مِمَّا أَنْفَقَ وَتَصَدَّقَ عَنْهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَكْثَرُ وَأَطْيَبُ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَارِكَ لَهُ فِي الْبَاقِي، فَيَنُوبَ الْبَاقِي عِنْدَهُ مَنَابَهُ، وَمَنَابَ مَا أَنْفَقَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَأَضْعَافَهُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ حَصَلَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَا أَنْفَقَهُ، فَهُوَ لَهُ عِنْدَهُ مُدَّخَرٌ، فَكَأَنَّهُ أَحْرَزَهُ وَاسْتَوْثَقَ فِي الْحِفْظِ لَهُ، وَالصَّوْنِ مِمَّا يُفْنِيهِ وَيُذْهِبُهُ، قَالَ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ، إِذًا فَالنَّاقِصُ مَا يَنْفُدُ وَيَفْنَى، لَا مَا يُصَانُ فَيَبْقَى، وَالْعَفْوُ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنِ الْمُسِيءِ إِلَيْكَ، وَالْجَانِي عَلَيْكَ، فَسَبَقَ إِلَى وَهْمِ الْإِنْسَانِ أَنَّ تَرْكَ الِانْتِقَامِ مِمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ وَعُقُوبَةَ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ذُلٌّ وَعَجْزٌ وَهَوَانٌ يَلْحَقُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَزِيدُهُ بِذَلِكَ عِزًّا بِأَنْ يَنْتَقِمَ لَهُ مِنَ الْمُسِيءِ إِلَيْهِ، فَيَنْتَصِرُ لَهُ مِنَ الْجَانِي عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مُنْتَقِمًا لَهُ وَمُنْتَصِرًا مِمَّا جَنَى عَلَيْهِ، فَهُوَ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا أَعَزَّ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ زَادَهُ عِزًّا، وَهُوَ أَعَزُّ مِنِ اعْتِزَازِهِ فِي نَفْسِهِ بِالِانْتِقَامِ وَالْعُقُوبَةِ، وَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى الْآَخِرَةِ، فَاقْتَصَّ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ لَهُ، وَطَرَحَ سَيِّئَاتِهِ عَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ ذَلَّ الظَّالِمَ ذُلًّا لَا ذَلَّ مِثْلَهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ الذَّرِّ يَطَؤُهُ أَهْلُ الْمَحْشَرِ، وَيَطْرَحُ الظَّالِمَ بَدَلَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ يَسْتَوْهِبُ اللَّهُ مِنْهُ جِنَايَةَ الْجَانِي عَلَيْهِ، وَظُلْمَ الظَّالِمِ لَهُ، فَأَيُّ عِزٍّ يَبْلُغُ عِزَّ مَنْ يَسْتَوْهِبُ مِنْهُ مَالِكُ الْمُلُوكِ وَسَيِّدُ السَّادَاتِ، وَالْحَيُّ الْقَيُّومُ، ثُمَّ يُعَوِّضُهُ عَلَى مَا جَنَى عَلَيْهِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا رِقًّا وَعُبُودَةً فِي ائْتِمَارِ أَمْرِهِ ⦗١٩٤⦘، وَانْتِهَاءِ مَنَاهِيهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِحُكْمِهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآَخِرَةِ عَلَى سَرِيرِ خُلْدٍ لَا يَفْنَى، وَمِنْبَرِ مُلْكٍ لَا يَبْلَى، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي احْتِمَالِ مُؤَنِ خَلْقِهِ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مُؤْنَةٍ، وَتَوَلَّى أَمْرَهُ، وَتَوَكَّلَ لَهُ، فَأَيَّةُ رِفْعَةٍ تَبْلُغُ وَأَيَّةُ مَرْتَبَةٍ تَكُونُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ مَنْ يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى وَكِيلَهُ، وَتَوَلَّى أُمُورَهُ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي قَبُولِ الْحَقِّ بِمَنْ دُونَهُ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ دُخُولَ طَاعَتِهِ، وَجَازَاهُ بِقَلِيلِ حَسَنَاتِهِ رَفِيعَ دَرَجَاتِهِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي حِفْظِ عِبَادِهِ، وَالذَّبِّ عَنْهُمْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِمُعَقِّبَاتٍ يَجْعَلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِهِ، وَيَحْرُسُونَهُ عَنْ أَعْدَائِهِ، وَيَتَوَلَّى إِذْلَالَ عَدُوِّهِ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] . وَمَنْ أَرْفَعُ مَنْزِلَةً، وَأَجَلُّ قَدْرًا مِمَّنْ يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى مُتَوَلِّيَ الذَّبِّ عَنْهُ، وَالنَّاصِرَ لَهُ سُبْحَانَهُ، مَا أَلْطَفَهُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُ لِلْمُحْسِنِينَ، وَأَحْسَنَ تُجَاوُزَهُ عَنِ الْمُسِيئِينَ

стр. 258

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 259

قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: ح عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَلَوِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ، أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ، ﵁ مَرِضَ، قَالَ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَهْلِهِ: «إِنِّي لَأَرَى طَلْحَةَ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَإِنْ تُوُفِّيَ، فَآذِنُونِي بِهِ، حَتَّى أَشْهَدَهُ وَأُصَلِّيَ عَلَيْهِ» ، فَلَمْ يُبَلِّغِ النَّبِيَّ ﷺ بَنُو سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، حَتَّى تُوُفِّيَ، وَجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ طَلْحَةُ: ادْفِنُونِي، وَأَلْحِقُونِي بِرَبِّي، وَلَا تَدْعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ، فَصَفَّ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ الْقَ طَلْحَةَ يَضْحَكُ إِلَيْكَ، وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ» قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الضَّحِكُ شَيْءٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَمَعْنَاهُ اسْتِفَادَةُ سُرُورٍ يَلْحَقُهُ، فَيَبْسُطُ لَهُ عُرُوقَ قَلْبِهِ، فَيَجْرِي الدَّمُ فِيهَا، فَيُقْبَضُ إِلَى سَائِرِ عُرُوقِ بَدَنِهِ، فَتَثُورُ فِيهِ حَرَارَةٌ، فَيَنْبَسِطُ لَهَا وَجْهُهُ، وَتَمْلَأُ الْحَرَارَةُ فَاهُ، فَيَضِيقُ عَنْهَا، فَيَنْفَتِحُ شَفَتَاهُ، وَيَبْدُو لَهُ أَسْنَانُهُ، فَإِنْ تَزَايَدَ ذَلِكَ السُّرُورُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْإِنْسَانِ مَا يَضْبِطُ نَفْسَهُ اسْتَحفَّهَا الْفَرَحُ، فَضَحِكَ، حَتَّى قَهْقَهَ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَضَحِكِهُ تَبَسُّمٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَحِفُّهُ السُّرُورُ، فَيَغْلِبَهُ ⦗١٩٥⦘ فَيُقَهْقِهَ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْفِيَّةٌ، وَجَمِيعُ أَوْصَافِ الْحَدَثِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَصْفِ اللَّهِ بِالضَّحِكِ، مِنْ ذَلِكَ مَا

стр. 260

حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح ابْنُ أَبِي الزَّيَّادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، كِلَاهُمَا دَاخِلٌ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى هَذَا، فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُسْتَشْهَدُ»

стр. 261

وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: ح يُوسُفُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ح أَبُو هَارُونَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح حَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: ح مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَوْفَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي عَفْرَاءَ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا يُضْحِكُ الرَّبَّ عَنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: «غَمْسَةُ يَدِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَاسِرًا» قَالَ: فَنَزَعَ دِرْعًا كَانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَتَلَ بَشَرًا كَثِيرًا، ثُمَّ قُتِلَ" فَإِذَا وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَجَبَ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، وَنَفْيُ أَوْصَافِ الْحَدَثِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّشْبِيهِ لَهُ بِخَلْقِهِ، وَوَجَبَ حَمْلُ مَعْنَى هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ مَعْنَاهُ عَلَى الرِّضَا عَنْ عَبْدِهِ، وَاخْتِصَاصِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الضَّحِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ السُّرُورِ، وَمَنْ سَرَّهُ شَيْءٌ رَضِيَ بِهِ، وَاخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ، وَأَثَرُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا يُضْحِكُ الرَّبَّ عَنْ عَبْدِهِ؟ أَيْ: مَا يُرْضِيهِ مِنْهُ، فَيَجْعَلُهُ أَثَرًا عِنْدَهُ، فَدَلَّ ﷺ مَا يَرْضَى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

стр. 262

مِنْ أَفْعَالِ عِبَادِهِ، وَيَجْعَلُهُمْ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَالْمُؤْثِرِينَ لَهُ، وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِتَالٌ فِي أَعْدَائِهِ مُعْرِضًا عَنْ نَفْسِهِ مُسْتَحْفِيًا بِهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «حَاسِرًا» ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ اخْتَصَّهُمْ بِمَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهُمْ، كَمَا قَالَ : ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] ، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] ، كُلُّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الِاخْتِصَاصِ، وَالْإِيثَارِ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: «يَضْحَكُ إِلَيْكَ» ، أَيْ: يُسَرُّ بِقُدُومِهِ عَلَيْكَ، وَيُحِبُّ لِقَاءَكَ، وَيَرْضَى ثَوَابَكَ «وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ» ، تَرْضَى عَنْهُ، وَتَلْقَاهُ بِالْقَبُولِ، وَتُحِبُّ لِقَاءَهُ، كَمَا قَالَ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الضَّحِكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّجَلِّي لِعَبْدِهِ، وَكَشْفُ الْحُجُبِ عَنْهُ، فَيَرَاهُ رُؤْيَةَ عَيَانٍ، كَمَا وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِهِ، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ، فَيَكُونُ مَعْنَى الضَّحِكِ إِلَيْهِ التَّجَلِّي لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّحِكَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الظُّهُورِ، فَيُقَالُ: ضَحِكَ الْفَجْرُ إِذَا ظَهَرَ، وَضَحِكَ السَّحَابُ إِذَا انْكَشَفَ، فَأَبْدَى عَنِ السَّمَاءِ، وَضَحِكَ الشَّيْبُ بِرَأْسِهِ، أَيْ: ظَهَرَ وَبَدَا، قَالَ دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ... ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ، فَبَكَى فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: «يَضْحَكُ» ، أَيْ: يَقْدَمُ عَلَيْكَ فَرَحًا بِلِقَائِكَ مَسْرُورًا بِقُدُومِهِ عَلَيْكَ، وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ، أَيْ: تَتَجَلَّى لَهُ، وَتَكْشِفُ الْحُجُبَ عَنْهُ، فَيَرَاكَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْكَ، كَمَا

стр. 263

قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ، حَيْثُ قَالَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَنَّهُ أَحْيَا أَبَاكَ، فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الضَّحِكِ مِنَ اللَّهِ إِدْرَارَ الرَّحْمَةِ عَلَى عَبْدِهِ، كَمَا تَدُرُّ السَّمَاءُ الْمَطَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَقَدْ يُقَالُ: ضَحِكَ السَّحَابُ إِذَا صَبَّ مَاءَهُ، وَأَمْطَرَ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي السَّحَابِ كَامِنٌ فَإِذَا صَبَّهُ ظَهَرَ وَبَدَا، وَقَدْ يُقَالُ: السَّحَابُ إِذَا مَطَرَ بَكَتِ السَّمَاءُ، وَقَدْ يُقَالُ: ضَحِكَ وَبَكَى إِذَا أُمْطِرَ، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز] سَحَابََةُ صَادِقَةُ الْأَنْوَاءِ ... تُعَقِّبُ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ

стр. 264

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْفَضْلِ قَالَ: ح أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ مَعَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذْ عَرَضَ شَيْخٌ جَلِيلٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ، فِي بَصَرِهِ بَعْضُ الضَّعْفِ، مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ حُمَيْدٌ، فَلَمَّا قَالَ لِي: يَا ابْنَ أَخِي، أَوْسَعَ لَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ قَالَ الْحَدِيثَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّحَابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ السَّحَابَ، فَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ، وَيَنْطِقُ أَحْسَنَ النُّطْقِ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: فَضَحِكُ السَّمَاءِ صَبَّةُ الْمَاءِ، فَقَدْ عَبَّرَ عَنْ صَبِّ الْمَاءِ بِالضَّحِكِ، وَعَنِ اسْتِبْشَارِ الْعَبْدِ وَسُرُورِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وَإِدْرَارِهَا عَلَيْهِ، وَفَرَحِهِ بِهَا بِالضَّحِكِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الضَّحِكُ الْمَفْهُومُ فِيمَا بَيَّنَّا صِفَةً لِلْعَبْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْمُحَدَثِينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الضَّحِكِ مِنَ اللَّهِ قَبُولَ عَمَلِ عَبْدِهِ، وَرِضَاهُ بِهِ، وَضَحِكُ الْعَبْدِ إِلَيْهِ فَرْحَهُ بِثَوَابِ رَبِّهِ، وَسُرُورَهُ بِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ، أَيْ: رَاضِيَةً بِثَوَابِ اللَّهِ، مَرْضِيَّةً أَفْعَالُكِ عِنْدَ اللَّهِ ⦗١٩٨⦘. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الضَّحِكِ الْحُسْنَ، وَالْبَهَاءَ، وَالنَّضْرَةَ، كَمَا يُقَالُ: ضَحِكَتِ الشَّمْسُ إِذَا شَرُقَ ضَوْءُهَا، وَضَحِكَ النَّهَارُ إِذَا أَضَاءَ، وَضَحِكَتِ الْأَرْضُ إِذَا اهْتَزَّتْ بِالنَّوْرِ وَالنَّبَاتِ. قَالَ الْأَعْشَى: [البحر البسيط] يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِيهِ حُسْنَ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُصْرَتَهُ كَأَنَّهُ يَضْحَكُ إِلَى الْعَبْدِ، وَحُسْنَ عَمَلِ الْعَبْدِ، وَإِخْلَاصَهُ، وَطَهَارَتَهُ عَمَّا يُدَنِّسُهُ، كَأَنَّهُ يَضْحَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَمْنًا بمَا قَالَهُ ﷺ عَلَى مَا أَرَادَهُ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَوْصَافِ الْمُحْدَثِينَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَدْ يَكُونُ الضَّحِكُ بَيْنَ الْمُحِبِّينَ إِذَا طَالَ الْعَهْدُ بَيْنَهُمَا، وَتَقَادَمَ، وَأَضْمَرَ الْمُحِبُّ مَحْبُوبَهُ، وَكَتَمَ مَحَبَّتَهُ لَهُ، وَشَوْقَهُ إِلَيْهِ، وَصَبَابَتَهُ لَهُ، وَلَمْ يَبُثَّ حُزْنَهُ، وَلَا أَفْشَى سِرَّهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَحْبُوبُهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَجِلُّ لِذَلِكَ قَدْرُهُ عِنْدَهُ، وَيَعْظُمُ مَوْقِعُهُ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ إِلَى حَبِيبِهِ مَا يَزِيدُهُ شَوْقًا إِلَيْهِ، وَصَبَابَةً بِهِ، وَمَحَبَّةً لَهُ، فَإِذَا الْتَقَيَا نَظَرَ الْمَحْبُوبُ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَرَفَ لَهُ مَا كَانَ يُضْمِرُهُ لَهُ، وَيُجِنُّ ضُلُوعَهُ عَلَيْهِ، فَيَضْحَكُ إِلَيْهِ قَبُولًا لَهُ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَلَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَضْحَكُ الْمُحِبُّ سُرُورًا بِرُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِ، فَيُفشِي بِذَلِكَ سِرَّهُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا، وَيُظْهِرُ الشَّوْقَ الَّذِي كَانَ مُجِنًّا عَلَيْهِ ضُلُوعَهُ، وَقَدْ بَدَا لَهُ سُرُورُ مَحْبُوبِهِ بِهِ كَسُرُورِهِ بِهِ، وَقَبُولِهِ لَهُ، وَرِضَاهُ عَنْهُ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى الضَّحِكِ إِلَى مَحْبُوبِهِ إِجْلَالًا لَهُ، وَهَيْبَةً مِنْهُ، وَتَعْظِيمًا لَهُ. فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ الْقَ طَلْحَةَ يَضْحَكُ إِلَيْكَ» ، أَيْ: يُظْهِرُ لَكَ مَا كَانَ يُجِنُّهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ لَكَ، وَالشَّوْقِ إِلَيْكَ، وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ تُعْلِمُهُ قَبُولَكَ لَهُ، وَرِضَاكَ بِهِ، وَعِظَمَ مَوْقِعِ مَا قَاسَى فِيكَ، وَكَتَمَهُ مِنَ الشَّوْقِ إِلَيْكَ، وَالْمَحَبَّةِ لَكَ فِي خَفَاءٍ، وَسِتْرٍ عَنِ الْأَغْيَارِ غَيْرَةً عَلَى الْحَالِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيَنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا أُخْفِيَ لَهُمْ عَنِ الْأَغْيَارِ النَّاظِرَةِ وَالْأَشْخَاصِ الشَّاهِدَةِ

стр. 265

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 266

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي، قَالَ: ح أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ح يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ عِيسَى، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ بِمَكَّةَ، فَأَتَى نَاحِيَةَ مَكَّةَ، فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَجَدَ الرَّجُلَ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ، فَجَمَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا " قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَعْقُوبُ، عَنْ عِيسَى بْنِ حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الْمَلَالُ تَكَرُّرُهُ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، وَأَذًى يَلْحَقُهُ مِنْهُ، وَتَعَبٍ يُصِيبُهُ، فَيَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَيَتَحَمَّلُ التَّعَبَ فِيهِ، حَتَّى يَضْجَرَ وَيَسْأَمَ، فَيَتْرُكَ ذَلِكَ الْعَمَلَ اسْتِثْقَالًا لَهُ، وَيَرْفُضَهُ تَضَجُّرًا مِنْهُ وَسَأَمَةً، وَهُوَ شَيْءٌ يَعْرِضُ لِلطَّبْعِ بَعْدَ إِيثَارِهِ لِلشَّيْءِ وَرَغْبَتِهِ فِيهِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْإِنْسَانِ الْمَطْبُوعِ عَلَى طَبَائِعَ مُخْتَلِفَةَ وَأَوْصَافٍ، وَيَتَعَالَى عَنْهَا عُلُوًّا كَبِيرًا، فَالْمَلَالُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ مَعْنَاهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَنَا مِنْ أَوْصَافٍ يَلْحَقُهُ الْمَلَالُ مِنَ الْمُحَدَثِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صِفَةُ الْإِنْسَانِ الْمَطْبُوعِ الَّذِي يَضْعُفُ مِنْ تَحَمُّلِ مَا يَعْرِضُ لَهُ، وَيَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَيَؤُودُهُ شَيْءٌ، وَيُؤْذِيهِ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» ، لَيْسَ عَلَى الْغَايَةِ، وَالتَّوْقِيتِ، وَيُوصَفُ هُوَ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي وَقْتٍ، أَوْ عِنْدَ تَغَيُّرٍ، بَلْ هُوَ عَلَى النَّفْيِ عَنْهُ، وَالتَّبْرِئَةِ لَهُ مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «حَتَّى تَمَلُّوا» ، وَتَمَلُّوا بَلْ تَمَلُّوا، أَيْ: لَا يَمَلُّونُ، وَلَا يَمَلُّ، بَلَّ تَمَلُّونَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْمَلَالُ لَكُمْ صِفَةٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَاحِقَةٌ بِكُمْ إِذَا تَكَلَّفْتُمُ الْأَعْمَالَ، وَأَكْرَهْتُمْ عَلَيْهَا نُفُوسَكُمْ، وَتَحَمَّلْتُمْ مَا يَلْحَقُكُمْ مِنَ التَّعَبِ فِيهِ، وَصَبَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَيُوشِكُ إِنْ يَضْعُفْ عَنْهَا قُوَاكُمْ تَسْتَثْقِلُوهَا، وَتَضْجَرُوا مِنْهَا، فَتَرْفُضُوا اسْتِثْقَالًا لَهَا، وَاسْتِعْرَاضًا مِنْهَا، وَزُهْدًا فِيهَا، وَرَغْبَةً عَنْهَا، وَبُغْضًا لَهَا ⦗٢٠٠⦘، فَلَا تَعُودُوا إِلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ لَا يُصِيبُهُ هَذِهِ الْآفَاتُ، وَلَا يَعْتَرِضُ لَهُ هَذِهِ الْعَوَارِضُ، فَلَا يَصْرِفُكُمْ عَمَّا تُكَلَّفُونَ، وَلَا يَنْهَاكُمْ عَمَّا تَعْمَلُونَ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَكُمْ، وَبَيْنَهَا كَرَاهَةً لَهَا، وَاسْتِثْقَالًا مِنْهُ إِيَّاهَا، وَبُغْضًا لَهَا، بَلْ يُصِيبُكُمْ ذَلِكَ، فَتُتْرَكُونَ، فَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ رَبِّكُمْ، وَتَسْتَثْقِلُونَ خِدْمَةَ مَوْلَاكُمْ، وَتُبْغِضُونَ طَاعَةَ رَبِّكُمْ

стр. 267

كَمَا قَالَ ﷺ : «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَادْخُلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَطَّارِ قَالَ: ح أَبُو مَيْسَرَةَ قَالَ: ح خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى الْمُتَوَكِّلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَوْلُهُ: «عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ» ، كَرِهَ التَّعَمُّقَ، وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ لَمَّا عَلِمَ مِنْ جِبِلَّةِ الْخَلْقِ عَلَى الضَّعْفِ، وَمَا فِي طِبَاعِهِمْ مِنَ الْمَلَلِ، وَالسَّأَمَةِ، خَوْفًا عَلَيْهِمْ أَنْ يُبْغِضُوا عِبَادَةَ اللَّهِ، وَيَسَتَثْقِلُوا طَاعَتَهُ، وَتَمَلُّوا خِدْمَتَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِالِاسْتِجْمَامِ وَالِاسْتِرَاحَةِ؛ لِاسْتِرْجَاعِ الْقُوَى، وَزَوَالِ الضَّجَرِ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى حُسْنِ الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَحَبَّةٍ لِلْخِدْمَةِ لَهُ، وَأُلْفَةِ عِبَادَتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَكِنِّي أَصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي، وَأَرْقُدُ، وَآتِي النِّسَاءَ، أَلَا فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» أَلَا وَكُلُّ قَلِيلٍ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «إِنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» ⦗٢٠١⦘ وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵄: إِنِّي أَنَامُ، وَأَقُومُ، وَأَحْسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْسِبُ قَوْمَتِي، وَأَحْسِبُ نَوْمَتِي طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى، هَذَا الْحَقُّ، فَإِيفَاؤُهُ إِيَّاهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ، وَلِأَنَّ فِي نَوْمَتِهِ اسْتِجْلَابَ الْقُوَّةِ لِقَوْمَتِهِ، وَتَشْحِيذَ الطَّبْعِ، وَحَثًّا مِنْهُ لِنَفْسِهِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ ، وَحَبَّبَ عِبَادَةَ اللَّهِ إِلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُحِبُّوهُ، وَيُؤْثِرُوهُ، وَيُقْبِلُوا بِهَا عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ كَلَّفَهُمُ الْأَعْمَالَ لِتَشْتَغِلُوا بِهَا عَمَّا دُونَهُ، وَتُقْبِلُوا بِهَا عَلَيْهِ، وَتَتَوَجَّهُوا بِأَدَائِهَا إِلَيْهِ، فَإِذَا تَحَمَّلُوا مِنْهَا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ مَلُّوا، فَتَرَكُوهَا، وَفِي تَرْكِهَا تَرْكُ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ أَفْعَالِ عِبَادِهِ، وَلَا يَزِيدُهُ طَاعَتُهُمْ، وَلَا يُنْقِصُهُ مَعْصِيَتُهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُمْ إِظْهَارَ فَقْرِهِمْ إِلَيْهِ، وَرُؤْيَةَ اضْطِرَارِهِمْ إِلَيْهِ، وَعَجْزَهُمْ لِيُغْنِيَهُمْ، وَيُقَوِّيَهُمْ، وَيَجْعَلَهُمْ مُلُوكًا خَالِدِينَ، وَأَغْنِيَاءَ لَا يَفْتَقِرُونَ، وَأَقْوِيَاءَ لَا يَضْعُفُونَ، سُبْحَانَ اللَّطِيفِ بِعِبَادِهِ، وَالرَّءُوفِ بِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ، حَتَّى تَمَلُّوا» ، أَيْ: لَا يَتْرُكُ ثَوَابَكُمْ، وَالْإِقْبَالَ عَلَيْكُمْ قَبُولًا لِأَعْمَالِكُمُ الْمَدْخُولِ فِيهَا مَا لَمْ تَمَلُّوا طَاعَتَهُ، وَتَسْتَثْقِلُوا خِدْمَتَهُ، وَتُبْغِضُوا عِبَادَتَهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ قَصَّرْتُمْ فِي عِبَادَتِهِ، وَيَقْبَلُ يَسِيرَ أَعْمَالِكُمْ، وَيُثِيبُكُمْ عَلَيْهَا الْجَزِيلَ مَا دُمْتُمْ فِيهَا رَاغِبِينَ، وَلَهَا مُرِيدِينَ، وَبِنَيَّاتِكُمْ إِلَيْهَا قَاصِدِينَ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغُوا إِرَادَتَكُمْ فِيهَا، وَمَقَاصِدَكُمْ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ ثَوَابَكُمْ، وَالْإِقْبَالَ لَكُمْ، إِذَا أَعْرَضْتُمْ عَنْهَا، وَمَلَلْتُمُوهَا

стр. 268

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 269

قَالَ: ح الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ: ح خَلَفُ بْنُ عَامِرِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَمُبَارَكُ بْنُ زَيْدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَاللَّيْثُ بْنُ خَيْرُونَ النَّجَّارِيُّونَ، قَالُوا: ح يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ح الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: ح الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ قَالَ: فَإِذَا أَرَدُوا الْعَشَاءَ، فَنَوِّمِيهِمْ، وَلَا تَذْكُرِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ مُرِّي عَلَى السِّرَاجِ ⦗٢٠٢⦘، فَأَطْفِئِيهِ وَتَعَالَيْ، فَلْنَطْوِ بُطُونَنَا بِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَفَعَلَتْ , قَالَ: فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ» ، فَأَنْزَلَ الْلَّهُ فِيهِمَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الْعَجَبُ اسْتِعْظَامُ الشَيْءِ، وَاسْتِكْبَارُهُ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَبُعْدِهِ مِنَ الْعُرْفِ، قَالَ اللَّهُ خَبَرًا عَنِ الْجِنَّةِ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ، قِيلَ: بَدِيعًا، لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَارِجًا عَنْ أَوْصَافِ كَلَامِ النَّاسِ، وَالْعَمُودِ الْمُعْتَادِ مِنْهُ وَصَفُوهُ بِالْعَجَبِ، وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَبَعُدَ عَنْ عُرْفِ النَّاسِ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ قَدْ أَعْظَمَ أَشْيَاءَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ فِي ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ، وَالِاسْتِعْظَامُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُسَمِّيَ الشَيْءَ عَظِيمًا، وَلَمَّا كَانَ الْعَجَبُ اسْتِعْظَامَ الشَيْءِ وَاسْتِكْبَارَهُ، وَكَانَ التَّعْظِيمُ لِلشَّيْءِ، جَائِزًا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُوصَفِ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَجَبِ كَمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِصِفَةِ الْعَجَبِ بِقَوْلِهِ: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ) ، قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ بِرَفْعِ التَّاءِ، وَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ، وَكُلُّ مَا قَرَأَهُ الْقُرَّاءُ الْمَشْهُورُونَ، فَهِيَ مَأْثُورَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذًا فَقِرَاءَةُ هَذِهِ الْحُرُوفِ بِرَفْعِ التَّاءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ , وَقِرَاءَتُهُ تَرَتُّلٌ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ⦗٢٠٣⦘ فَالْعَجَبُ إِذًا مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا السَّمْعُ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَجِبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَقْوَامٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ» فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانَةٍ» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَعَظَّمَهُمَا بِهَذَا الْفِعْلِ، وَعَظَّمَ مِقْدَارَهُمَا، وَأَجَلَّ قَدْرَهُمَا بِمَا فَعَلَاهُ مِنْ بَدِيعِ الْأَمْرِ، وَهُوَ إِيثَارُهُمَا ضَيْفَ نَبِيِّهِ ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَهُوَ الْفِعْلُ الْخَارِجُ عَنْ عَادَاتِ النَّاسِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «عَجِبَ اللَّهُ» ، أَيْ: قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُمَا مَا أَتَيَاهُ، وَرَضِيَ مَا عَمِلَاهُ، وَعَظَّمَ ثَوَابَهُمَا عَلَى مَا فَعَلَاهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى التَّعَجُّبِ مِنْهُمَا لِلْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: " أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا أَتَيَا مِنَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ الْبَدِيعِ الَّذِي لَمْ يُجَارِ الْعَادَةُ، فَيَسْتَعْظِمُ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ، لِمَنْ جَاءَ بِهِ، وَالرِّضَا بِهِ، وَالِاسْتِحْسَانِ لَهُ، وَقَدْ يَسْتَعْظِمُ الشَّيْءَ عَلَى جِهَةِ الذَّمِّ لِمَنْ أَتَى بِهِ، وَاسْتِقْبَاحُ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ، وَالْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ، أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْقَوْلَ وَرَسُولُهُ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا مَا أَقَرُّوا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَاسْتَعْظَمُوا عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ مَا جَوَّزُوا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ مِنَ الْمَاءِ الْمَهِينِ، وَإِخْرَاجُ الشَيْءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَخَلْقُ الشَيْءِ لَا مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَنْكَرُوا عَادَتَهُ بَعْدَ إِفْنَائِهِ، فَاسْتَعَظَمَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْكَارَهُمْ ذَلِكَ، فَعَجِبَ رَسُولُهُ جُحُودَهُمْ قُدْرَةَ اللَّهِ ، وَإِنْكَارَهُمْ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي فِطَرِ الْعُقُولِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ أَقْوَامٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ» أَيْ: أَظْهَرَ عَجَبَ هَذَا الْأَمْرِ لِخَلْقِهِ، وَبَدِيعَ هَذَا الشَّأْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْعَيْشِ الدَّائِمِ فِيهِ، وَالْخُلُودِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الَّذِي مِنْ حُكْمِ مَنْ سَمِعَ بِهِ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ، أَنْ يُسَارِعَ إِلَيْهَا، وَيَبْذُلَ مَجْهُودَهُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَيَتَحَمَّلَ الْمَكَارِهَ وَالْمَشَقَّاتِ لِيَنَالَهَا، وَهَؤُلَاءِ يَمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ ⦗٢٠٤⦘، وَيَرْغَبُونَ عَنْهَا، وَيَزْهَدُونَ فِيهَا، حَتَّى يُقَادُونَ إِلَيْهَا بِالسَّلَاسِلِ، كَمَا يُقَادُ إِلَى الْمَكْرُوهِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ، وَيَأْلَمُ مِنْهُ الْأَبْدَانُ، وَتَكْرَهُهُ النُّفُوسُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ أَقْوَامٍ» ، أَيْ: رَضِيَ عَنْ أَقْوَامٍ، وَقِيلَ: نَاسًا، وَرَفَعَ أَقْدَارَ عِبَادٍ، وَعَظَّمَ مَرْتَبَةَ مَنْ صِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ يُقَادُونَ إِلَى نُعَيْمِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَرَّتْ أَعْيُنُهُمْ بِالسَّلَاسِلِ، تَأَبِّيًا مِنْهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَامْتِنَاعًا مِنْهُ، وَنَفْرَةً عَنْهُ، يُخْبِرُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ يَخْتَارُ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَقْبَلُ مَنْ يُرِيدُ، وَيَصْطَفِي بِعِلْمِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُمْ، وَلَا سَابِقَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُمْ، وَيَعُودُ إِلَى الْجَنَّةِ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْهَا، وَيُنْقِذُ مِنَ النَّارِ مَنْ هُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مِنْهَا، بَلْ هُوَ مَنْ يَتَهَافَتُ فِيهَا تَهَافُتَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَرَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْفَرَاشُ يَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ، فَأَنَا آَخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِخْبَارٌ عَنْ عَظِيمِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَلِيلِ كَرَمِهِ بَنَى دَارًا، جَعَلَ فِيهَا أَنْوَاعَ النَّعِيمِ، وَمَلَاذَّ النُّفُوسِ، وَقُرَّاتِ الْأَعْيُنِ، وَدَعَا إِلَيْهَا بِأَلْطَفِ دُعَاءٍ، وَبَذَلَهَا بِأَيْسَرِ مُؤْنَةٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا أَقْوَامٌ، وَأَبَوْهَا، وَنَفَرُوا عَنْهَا، فَقَادَهُمْ إِلَيْهَا بِالسَّلَاسِلِ، فَكَانَ هَذَا فَضْلَهُ وَكَرَمَهُ مَعَ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فَضْلُهُ وَكَرَمُهُ، وَبِرُّهُ، وَإِحْسَانُهُ بِأَقْوَامٍ رَغِبُوا فِي خِدْمَتِهِ، وَتَحَمَّلُوا الْمَشَقَّاتِ، وَالْمَكَارِهَ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِهِ، وَسَأَلُوهُ مَا أَعَدَّ لَهُمْ بِأَلْسِنَةِ الِافْتِقَارِ، وَمَدُّوا إِلَيْهِ طَلَبًا أَيْدِيَ الِاضْطِرَارِ، وَاسْتَعَاذُوا بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِنْ عَذَابِهِ الْأَلِيمِ، وَنَارِهِ الَّتِي يَتَهَافَتُ فِيهَا أَقْوَامٌ، فَبَرَّهُمْ عَنْهَا رَحْمَةً عَلَيْهِمْ، وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يُطْرَحُ فِيهَا مَنْ يَهْرَبُ مِنْهَا، وَيَسْتَعِيذُ بِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا، أَوْ كَيْفَ يُحْرَمُ مَنْ يَسْأَلُ بِأَلْطَفِ السُّؤَالِ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ الْمَجْهُودَ مِنْهُ دَارًا يَعُودُ إِلَيْهَا بِالسَّلَاسِلِ مَنْ يَهْرَبُ مِنْهَا، وَيُعْرِضُ عَنْهَا، إِنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، إِنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، وَمَنٍّ كَرِيمٍ، وَالْمُسْتَعَاذُ بِهِ مِنْ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ

стр. 270

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 271

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: أخ عَبَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الْغَيْنُ: شَيْءٌ يَغْشَى الْقَلْبَ، فَيُغَطِّيهِ بَعْضَ التَّغْطِيَةِ، وَلَا يَحْجُبُهُ عَمَّا يُشَاهِدُهُ، وَهُوَ كَالْغَيْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَعْرِضُ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا يَكَادُ يَحْجُبُ عَيْنَ الشَّيْءِ، وَلَا يَمْنَعُ ضَوْءَهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ يَغْشَى قَلْبَهُ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَتَكَلَّمُ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ، وَكِبَارُهُمْ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْحَالَةَ حَالَةَ تَقَمُّصٍ، وَخَفْضٍ، وَأَشَارَ إِلَى بَعْضِ الْحَجَبَةِ، وَوَرَّى بشَيْءٍ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَلَّ قَدْرَ الْمُصْطَفَى ﷺ عَنِ الْحَجَبَةِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُنْقَلُ مِنْ حَالٍ إِلَى مَا هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى دَرَجَةٍ، رَأَى مَا نُقِلَ عَنْهَا تَقْصِيرًا فِي وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَرَأَى ذَلِكَ عَيْبًا يَجِبُ لَهُ الِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ، وَتَكَلَّمُوا بِمَا هُوَ أَدَقُّ مِنْ هَذَا وَأَكْثَرُ وَأَوْلَى، وَلَا يَخْرُجُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِشَارَاتُهُمْ فِيهِ وَرُمُوزُهُمْ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْجُمَلَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْفَعُ الْخَلْقِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً، وَأَقْرَبَهُمْ زُلْفَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا

стр. 272

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: أخ قَيْسٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمَا قِسْمًا» ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] ، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] ، «فَأَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَنَا خَيْرُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَيْنِ أَثْلَاثًا، فَجَعَلَنِي فِي ⦗٢٠٦⦘ خَيْرِهَا قَبِيلَةً» ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: ١٣] ، «فَأَنَا أَتْقَى وَلَدِ آدَمَ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فَخْرَ، ثُمَّ جَعَلَ الْقَبَائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتًا» ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

стр. 273

وَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ بِمَكَّةَ قَالَ: ح الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵄، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ، قَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ " وَفِيمَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلَهُ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي صِفَةِ الْحَمْدِ، وَسَمَّاهُ أَحْمَدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ رُوحِهِ، وَكَلِمَتِهِ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ، فَهُوَ ﷺ أَفْضَلُ الْمَحْمُودِينَ، فَمَنِ اسْتَحَقَّ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ اسْمَ الْحَمْدِ، فَهُوَ ﷺ ⦗٢٠٧⦘ أَحْمَدُهُمْ، وَمَنِ اسْتَوْجَبَ الْمَدْحَ مِنَ الْمَرْبُوبِينَ، فَهُوَ ﷺ أَوْلَاهُمْ بِالْمَدْحِ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَجَمِيعُ صِفَاتِهِ بِصِفَةِ الْمَدْحِ أَوْلَى، وَنَعُوتُهُ بِالْحَمْدِ أَحْرَى، وَدَرَجَتُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ أَعْلَى، وَرُتْبَتُهُ فِي كُلِّ حَالٍ أَسْنَى، وَهُوَ ﷺ يُرْقَى بِهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَسَاعَةٍ، بَلْ عِنْدَ كُلِّ نَفَسٍ، وَفِي كُلِّ طَرَفَةٍ، إِذًا فَالْغَيْنُ الَّذِي يَغْشَى قَلْبَهُ، وَيُغَطِّي سِرَّهُ صِفَةُ مَدْحٍ، وَنَعْتُ شَرَفٍ، وَلَيْسَتْ فِيهِ غَضَاضَةٌ، وَلَا خَفْضٌ، بَلْ فِيهِ رِفْعَةٌ، وَمَرْتَبَةٌ، وَعُلُوُّ حَالٍ، وَحَالُهُ ﷺ أَعْلَى مِنْ أَنْ يُشْرِفَ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَيَعْرِفَ كُنْهَهَا غَيْرُهُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ مَا أَغَانَ عَلَى قَلْبِهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا يُتَكَلَّمُ عَلَى قَدْرِ مَا يُكْشَفُ لَهُ، وَعَلَى مِقْدَارِ حَظِّهِ مِنْهُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ فِكْرَةً تَغُمُّهُ، وَخَاطِرًا يِغُمُّهُ مِنْ أَمْرٍ عَنْهُ مِمَّا أُخْبِرَ عَنِ الْأَحْدَاثِ الْكَائِنَةِ فِيهِمْ، وَالْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ غَيْنًا عَلَى قَلْبِهِ لِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ، وَرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، فَقَدْ كَانَ ﷺ حَفِيًّا عَلَيْهِمْ، رَءُوفًا بِهِمْ، عَزِيزًا عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ، أُخْبِرَ عَمَّا يَغُمُّهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ: «اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي» ، وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ آدَمَ وَنُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: " إِنَّهُمْ يَقُولُونَ نَفْسِي نَفْسِي، وَيَقُولُ النَّبِيُّ: أُمَّتِي، أُمَّتِي "، فَكَانَ ﷺ إِذَا عُرِضَ سِرُّ أَحْوَالِهِمْ، اغْتَمَّ لِذَلِكَ، يَغْشَى ذَلِكَ الْغَمُّ قَلْبَهُ، فَيَسْتَغْفِرُ لَهُمُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ هِيَ السَّكِينَةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷻ : ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] ⦗٢٠٨⦘ ، وَقَالَ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] ، فَالَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَى مَوْعُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّصْرِ لَهُمْ، وَالظَّفَرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَالثَّبَاتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالَّذِي نَزَّلَ عَلَى قَلْبِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَمَا يُحْدِثُ اللَّهُ بِهِ مِنَ اللَّطَايِفِ الَّتِي يُحِلُّهَا قَلْبَهُ، وَيُودِعُهَا صَدْرَهُ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] وَقَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] ، أَخْرَجَهَا عَنِ الْأَوْهَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] ، وَلَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ السَّكِينَةَ بِالْعِظَامِ فِيمَا

стр. 274

حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ قَرَأْتُ الْبَارِحَةَ سُورَةَ الْكَهْفِ، فَجَاءَ شَيْءٌ غَطَّى فَمِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تِلْكَ السَّكِينَةُ جَاءَتْ تَسْمَعُ الْقُرْآنَ» فَوَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ السَّكِينَةَ بِأَنَّهَا تُغَطِّي الْفَمَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ، وَالْغَيْنُ الْغِطَاءُ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى قَلْبِهِ السَّكِينَةَ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُغَطِّي قَلْبَهُ هُوَ السَّكِينَةَ، وَتَكُونَ السَّكِينَةُ هِيَ أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَهُ مِنَ اللَّطَائِفِ الَّتِي يُحْدِثُهَا فِيهِ، وَيُنَزِّلُهَا عَلَى سِتْرِهِ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا مُنَزِّلُهَا عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ ﷺ : «لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسْمَعُنِي فِيهِ غَيْرُهُ» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ أَوْقَاتِهِ خَارِجَةٌ عَنْ إِفْهَامِ الْخَلْقِ، وَكَانَتِ السَّكِينَةُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّابُوتِ، فَكَانَتْ إِذَا هَرَّتْ هَرِيرَ الْهِرَّةِ، فَالظَّفَرُ، وَالنَّصْرُ، وَالْفَتْحُ، وَالْعُلُوُّ، وَالَّذِي يَنْزِلُ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِينَ، يَكُونُ مَعَهَا الطُّمَأْنِينَةُ، وَالثَّبَاتُ، وَمَوْعِدُ الْحُسْنَى مِنَ اللَّهِ ، وَالَّتِي نَزَلَتْ عَلَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ اسْتَمَعْتِ الْقُرْآنَ، فَكَذَلِكَ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَكُونُ مَعَهَا مِنَ اللَّطَايِفِ الَّتِي تَقْصُرُ الْأَفْهَامُ عَنْ إِدْرَاكِهَا، وَيَعْجَزُ الْعُقُولُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهَا، وَتَحْسُنُ الْأَفْهَامُ وَالْفِطَنُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ الِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ ﷺ عَقِيبَهَا إِظْهَارَ الْعُبُودِيَّةِ، وَرُؤْيَةَ الِافْتِقَارِ، وَإِشَارَةً عَلَى الِافْتِخَارِ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ الْغَفَّارِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَحَبِّ أَوْصَافِ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ إِظْهَارَ الْفَقْرِ، وَرُؤْيَةَ الِاضْطِرَارِ إِلَى اللَّهِ، وَهُمَا سِمَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَكَانَ اسْتِغْفَارُهُ إِظْهَارَ فَقْرِهِ وَالِافْتِخَارَ بِالْعُبُودِيَّةِ لِسَيِّدِهِ، لَا أَنْ يَمْحُوَ بِهِ ذَنْبًا، أَوْ ⦗٢٠٩⦘ ذَنْبَهُ، أَوْ خَطِيئَةً اكْتَسَبَهَا، أَلَا تَرَى إِلَى اللَّهِ لَمَّا خَاطَبَهُ بِأَجَلِّ الْمُخَاطَبَةِ، وَأَمَرَهُ بِأَعْلَى الْأَوَامِرِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَتْبَعَهُ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَقَالَ ﷻ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] ، فَالْعِلْمُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَجَلُّ أَحْوَالِهِ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِهِ، وَأَرْفَعُ دَرَجَاتِهِ، وَهُوَ فَضْلٌ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، فَكَانَ عِلْمُهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا كَانَ صَبْرُهُ بِاللَّهِ، لَا بِذَاتِهِ، أَنَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] ، فَأَتْبَعَ جَلِيلَ هَذَا الْعَطَاءِ، وَكَرِيمَ هَذَا الْحِبَاءِ، الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ، الِاسْتِغْفَارَ لِيَكُونَ إِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ عِنْدَ ظُهُورِ الرُّبُوبِيَّةِ

стр. 275

أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ قَالَ فِي ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: " فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ، فَأَخِّرُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيَقُولُ : اذْهَبْ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ، وَأُمِيِّزُ، وَأُدْخِلُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، ثُمَّ أَذْهَبُ، فَآَخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ، فَأَخِّرُ لَهُ سَاجِدًا "، ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، نَسُوقُهُ فِيمَا بَعْدُ عِنْدَ الْإِخْبَارِ عَنْ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ الَلَّهُ تَعَالَى، فَأَخْبَرَ ﷺ ، أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَرَامَةً أَحْدَثَ عِنْدَهَا خُضُوعًا، فَكَذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ فِي لَطَائِفِهِ فِي إِنْزَالِ السَّكِينَةِ عَلَى قَلْبِهِ أَحْدَثَ عِنْدَهَا خُضُوعًا بِإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ بِصِفَةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَفِي الِاسْتِغْفَارِ مَعْنًى آخَرُ لَطِيفٌ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَكَانَ ﷺ يُحْدِثُ فِي كُلِّ حَالٍ تَوْبَةً، لِيَسْتَوْجِبَ مِنْ رَبِّهِ الْمَحَبَّةَ، فَكَانَ اسْتِغْفَارُهُ إِظْهَارَ تَوْبَتِهِ، وَتَوْبَتُهُ اسْتِدْعَاءَ مَحَبَّتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: مَعْنَى تَغْشَى السَّكِينَةُ قَلْبَهُ ﷺ لِسَمَاعِ مَا يُنَاجِي بِهِ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ، كَمَا كَانَ تَغَشِّيهَا فَمَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ، كَأَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ يُسْمَعُ مِنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَمِنْ غَيْرِهِ ⦗٢١٠⦘. وَمَا يُنَاجِي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ تَعَالَى لَا يُسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ، فَاسْتِمَاعُ السَّكِينَةِ بِمُنَاجَاةِ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى مِنَ اسْتِمَاعِهَا لِقِرَاءَةِ أُسَيْدٍ، وَمِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَاجَاةُ الْقَلْبِ مِنْهُ ﷺ مَا رُوِيَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ سُمِعَ لَهُ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ» ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَسْمَعَ النَّاسُ مِنْ قَلْبِهِ، جَازَ أَنْ يَسْمَعَ السَّكِينَةَ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ تَغَشِّيهَا قَلْبَهُ لِسَمَاعِ مُنَاجَاةِ حَبِيبِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ تَغَشِّيهَا فَمَ أُسَيْدٍ لِسَمَاعِ قِرَاءَةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 276

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 277

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، ح يَحْيَى، ح الْحِمَّانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَصَابَهُ غَمٌّ، فَأَحَبَّ أَنْ يَتَسَلَّى بشَيْءٍ، أَوْ ضَاقَ صَدْرُهُ مِنْ أَمْرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْرَحَ، أَوْ أَصَابَتْهُ وَحْشَةٌ فَأَحَبَّ إِزَالَتَهَا عَنْهُ، رُبَّمَا يُغَنِّي، وَهُوَ أَنْ يُنَغِّمَ، وَيُرَجِّعَ صَوْتَهُ لشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ، وَالزَّجَلِ، وَالْمَنْظُومِ مِنَ الْكَلَامِ، يَطْلُبُ بِذَلِكَ رَاحَةً وَفَرْحَةً مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْوَحْشَةِ أَوِ الْكَرْبِ، وَالْغَمِّ ⦗٢١١⦘. وَالْأَنْبِيَاءُ، وَالرُّسُلُ، وَأَفَاضِلُ الْأَوْلِيَاءِ، وَالصِّدِّيقُونَ هُمُومُهُمْ هَمُّ الْمَعَادِ، وَكَرْبُهُمْ كَرْبُ الدِّينِ، وَوَحْشَتُهُمْ مِمَّا دُونَ اللَّهِ، وَضِيقُ صُدُورِهِمْ عَمَّا يَشْغَلُهُمْ عَنِ اللَّهِ، فَهُمْ لَا يَتَفَرَّحُونَ مِنْ كَرْبِهِمُ إِلَّا بِذِكْرِ رَبِّهِمْ، وَلَا يَنْسَلُّونَ عَنْ غُمُومِهِمْ وَهُمُومِهِمْ إِلَّا بِمَوْلَاهُمْ، فَيُرَجِّعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي مِنْ مَحْبُوبِهِمْ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَبِخَشْيَتِهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَرِقَّةٍ مِنْ أَفْوَاهِ أَفْئِدَتِهِمْ، وَيُزَانُ مَحَبَّتُهُ بَيْنَ ضُلُوعِهِمْ وَمَاءُ الِاشْتِيَاقِ يَجْرِي عَلَى خُدُودِهِمْ، فَتَحْسُنُ لِذَلِكَ أَصْوَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ هُوَ قَرَاءَتُهُ عَلَى خَشْيَةٍ مِنَ اللَّهِ. وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: «مَنْ إِذَا قَرَأَ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى» فَأَخْبَرَ أَنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ قِرَاءَتُهُ عَلَى خَشْيَةٍ مِنَ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ ﷺ : «حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ، يُرِيدُ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قِرَاءَتَهُ عَلَى خَشْيَتِهِ مِنَ اللَّهِ ، وَخُشُوعٍ فِي نَفْسِهِ، وَرِقَّةٍ مِنْ فُؤَادِهِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَأَفَاضِلِ الْأَوْلِيَاءِ، لَيْسَ تَرْجِيعَ الصَّوْتِ وَالْإِلْحَانِ، وَتَحْرِيكَ الْحَنَكِ، كَفِعْلِ مَنْ يَتَلَهَّى بِكَلَامِ الْمُحَدِّثِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ إِثَارَةَ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ بِقُلُوبٍ لَاهِيَةٍ، وَأَفْئِدَةٍ سَاهِيَةٍ تَتَزَيَّنُ لِلنَّاسِ، وَلَا يُطْرَدُ الْخَنَّاسُ، وَيَزِيدُ فِي الْوَسْوَاسِ، فَمَنْ رُزِقَ حُسْنَ النِّعْمَةِ، وَخَشْيَةَ الْقَلْبِ، وَرِقَّةَ الْفُؤَادِ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ مُتَرَسِّلًا لَهُ، مُرَتِّلًا حَقَّ حُرُوفِهِ، فَذَلِكَ الْكَامِلُ الَّذِي أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ كَمَا قَالَ ﷺ حِينَ سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ» ﷺ ⦗٢١٢⦘. وَقَالَ أَبُو مُوسَى ﵁، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ سَمِعْتُ قِرَاءَتَكَ» ، فَقَالَ: أَمَا لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهَا لَكَ تَحْبِيرًا وَمَنْ لَمْ يُرْزَقْ حُسْنَ النِّعْمَةِ، وَأُتِيَ بِمَا سِوَاهَا مَنْ لَمْ يَخْرُجْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ صِفَةِ مَنْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَهُ بِحُسْنِ صَوْتِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ : «مَا أَذِنَ اللَّهُ لشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ» ، أَيْ: مَا رَضِيَ مِنَ الْمَسْمُوعَاتِ شَيْئًا هُوَ أَرْضَى عِنْدَهُ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ، وَلَا آَثَرُ لَدَيْهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ عَلَى خَشْيَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالرُّؤْيَةِ، وَالْإِدْرَاكِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَالسَّمْعُ صِفَةٌ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي ذَاتِهِ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُ مِنَ اسْتِمَاعِ الْمُحَدَثِينَ , تَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَهُوَ سَامِعٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِيَسْتَمِعَ، هُوَ لَهُ صِفَةٌ، وَلَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ، فَإِذْنُ اللَّهِ سَمَاعُهُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أَسْمَعُ بشَيْءٍ مِنْهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُوصَفُ بِالِاسْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ الْفِكْرِ، وَإِحْضَارُ السِّرِّ، وَإِلْقَاءُ السَّمْعِ. فَلِذَلِكَ حَمَلَ مَعْنَى تَخْصِيصِ سَمَاعِ الْقُرْآنِ مِنْهُ عَلَى الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِيثَارِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَتَفَرَّجْ مِنْ غُمُومِهِ، وَلَمْ يَكْتَفِ مِمَّا يُلْهِيهِ عَنْ كُرَبِهِ، وَيُسَلِّيهِ عَنْ هُمُومِهِ، وَيَطْرُدُ وَحْشَاتِهِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ، وَالتَّدَبُّرِ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِنَا، وَلَا تَشَبَّهَ بِنَا طَرِيقَةً وَصِفَةً، وَإِنْ كَانَ مِنَّا نِحْلَةً وَمِلَّةً هِيَ قَوْلُهُ: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ هُمُومُهُ هُمُومَ الْمَعَادِ، وَوَحْشَتُهُ مِنْ أَوْصَافِ الْمُحْدَثِينَ فَلَيْسَ مِنَّا؛ لِأَنَّ التَّسَلِّيَ بِكَلَامِ اللَّهِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ كُرَبِ الدِّينِ وَالْهُمُومِ ⦗٢١٣⦘ الَّتِي تَكُونُ فِي اللَّهِ، فَيَكُونُ التَّسَلِّي مِنْهَا بِمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَمَّا هُمُومُ الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ فَوَاتِهَا وَنَيْلِهَا، وَوَحْشَةُ الْخَلْقِ مِنَ الِاتِّزَانِ وَالْأَخْدَانِ، فَإِنَّمَا يُطْلَبُ لَهَا الْمَلَاهِي، وَتَرْجِيعَ الْأَصْوَاتِ بِالْأَغَانِي. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِاللَّهِ وَأَذْكَارِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ ضَرُورَاتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ صِفَاتُهُ جَلَّ وَعَزَّ حَائِلَةً لَهُ عَنْ وَحْشَةِ صِفَاتِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا خُلُقًا وَسِيرَةً، وَإِنْ كَانَ مِنَّا نُطْقًا وَسَرِيرَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 278

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 279

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، ح يَحْيَى قَالَ: ح الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ يَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ» ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ تَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقُلْنَ لِعُمَرَ: أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَالَ قَائِلٌ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يَهَابُ عُمَرَ، وَلَا يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ حَضَرَ بِحُضُورِ النِّسْوَةِ، فَلَمَّا ذَهَبَ الشَّيْطَانُ بِحُضُورِ عُمَرَ تَبَادَرَتِ النِّسْوَةُ الْحِجَابَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ شَاهِدٌ، وَهُوَ أَرْفَعُ دَرَجَةً، وَأَعْلَى رُتْبَةً مِنْ عُمَرَ، فَكَيْفَ لَمْ يَهَبْهُ الشَّيْطَانُ، وَهَابَ عُمَرَ ﵁؟ ⦗٢١٤⦘ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى حُضُورِ الشَّيْطَانِ حَضْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ ﵁ بِعُذْرِهِنَّ فِي هَيْبَتِهِنَّ إِيَّاهُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا يَهَبْنَكَ، وَالشَّيْطَانُ يَهَابُكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَالُ يُوجِبُ حُضُورَ الشَّيْطَانِ لَكَانَتِ الْحَالُ حَالَ مَعْصِيَةٍ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ ﷺ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَالَ عِصْيَانِ اللَّهِ، فَيَحْضُرُ الشَّيْطَانُ قَالَ الشَّيْخُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُنَّ» أَرْفَعُ مِنْ صَوْتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ كَانَ يَخَافُ عُمَرَ، وَلَا يَخَافُ النَّبِيَّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَافَ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْلُ خَوْفُهُ مِنْهُ وَهَيْبَتُهُ إِيَّاهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا خَوْفُ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ، وَهُوَ فَضْلُهُ، وَالشَّيْطَانُ أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الْفَضَائِلِ، أَوْ يَكُونُ خَوْفَ عُقُوبَةٍ يُحِلُّهَا بِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُعَاجِلُ بِالْعُقُوبَةِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَقِلَّةَ مُبَالَاةٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَخَافُ فِتْنَتَهُ، وَلَا يَهَابُ وَسْوَسَتَهُ، وَقَدْ أَيِسَ الشَّيْطَانُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُوَسْوِسُ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ، وَأَمِنَ عُقُوبَتَهُ فَلَمْ يَهَبْهُ اغْتِرَارًا بِهِ، وَأَمْنًا مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهُمَا مِنْ صِفَاتِهِ، أَعْنِي الِاغْتِرَارَ بِاللَّهِ، وَأَمْنَ مَكْرِهِ. وَأَمَّا عُمَرُ ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ يَخَافُ الشَّيْطَانَ أَنْ يَفْتِنَهُ، وَيُوَسْوِسَ إِلَيْهِ، فَكَانَ يُنَاصِبُهُ وَيَسْتَعِدُّ لَهُ، وَيُنْصَرُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَخَافُهُ لِاسْتِعْدَادِهِ لَهُ، وَمُنَاصَبَتِهِ إِيَّاهُ، فَكَانَ يَتْرُكُ فَجَّهُ، وَسَبِيلَهُ حَذَرًا مِنْهُ. وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَ لَا يُبَالِي بِهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، وَاسْتِصْغَارًا لَهُ، كَأَنَّهُ لَيْسَ بشَيْءٍ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: وَمَا الشَّيْطَانُ حَتَّى يُهَابَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُطِيعَ فَمَا نَفَعَ، وَعُصِيَ فَمَا ضَرَّ وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ الشَّيْطَانُ يَتَمَثَّلُ لَهُ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ نَحَّاهُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا نَتْنُكَ لَمْ أَزَلْ أَسْجُدُ عَلَيْكَ وَقَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا اسْتَعَذْتُ مِنْهُ , ⦗٢١٥⦘ وَلَوْ نَاصَبُوهُ وَاسْتَعَدُّوا لَهُ أَتْعَبُوهُ تَعَبًا لَا يَقْرَبُ مِنْهُمْ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حُصَاصٌ» ، هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَقْصِدْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقْصِدُ لَهُ ذَاكِرًا لِلَّهِ، مُسْتَعِيذًا بِهِ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈، وَالْأَكَابِرَ مِمَّنْ دُونَهُمْ لَا يُبَالُونَهُ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَهُوَ يَأْمَنُهُمُ اغْتِرَارًا بِاللَّهِ، فَيَدْنُو مِنْهُمْ يَرُومُ مِنْهُمْ مَا يَرُومُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَضُرُّهُمْ، يَضُرُّ نَفْسَهُ، كَمَثَلِ الْفَرَاشِ يَأْمَنُ النَّارَ فَيَدْنُو مِنْهَا فَيُحْرِقُ نَفْسَهُ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا

стр. 280

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ح سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ فِيمَا ذُكِرَ لِي قَدِ اعْتَرَضَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَهُوَ شِبْهُ أَفِيقٍ فَسَدَّ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: نَعَمْ، أَنَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ مِنْ أَسْمَائِي أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: أَنْتَ إِلَهُ الْأَرْضِ بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تُخْلَقُ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ، وَتَشْفِي الْمَرْضَى، وَتُحْيِي الْمَوْتَى؟ فَقَالَ: بَلِ الْعَظَمَةُ لِلَّذِي خَلَقَنِي، وَخَلَقَ مَا سَخَّرَ لِي، وَبِإِذْنِهِ أَشْفِيهِمْ، وَلَوْ شَاءَ أَمْرَضَنِي، سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ: هَلُمَّ أُعَبِّدْ لَكَ الشَّيَاطِينَ، وَآمَرُهُمْ بِالِاعْتِرَافِ وَالسُّجُودِ لَكَ، فَيَرَاهُمْ بَنُو آدَمَ فَيَعْتَرِفُونَ لَكَ بِالسُّجُودِ، فَتَكُونَ إِلَهَ الْأَرْضِ، فَأَعْظَمَ عِيسَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِلْءَ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَعَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ، وَمُنْتَهَى كَلِمَاتِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ. فَلَمَّا قَالَ عِيسَى نَزَلَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ﵈، فَثَبَتَ جِبْرِيلُ مَعَ عِيسَى، وَنَفَخَ مِيكَائِيلُ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ يَطِمُّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِهِ نَحْوَ مَطْلَعِ الشِّمَالِ، لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، حَتَّى صَدَمَ عَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا، فَخَرَّ وَحِيدًا مُحْتَرِقًا، وَأَتْبَعَهُ إِسْرَافِيلُ حَثِيثًا، فَصَدَمَهُ صَدْمَةً أُخْرَى نَحْوَ مَغْرِبِهَا، فَذَهَبَ يَطِمُّ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِحَالِ عِيسَى حَيْثُ فَارَقَهُ قَالَ: لَقِيتُ مِنْكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ نَصَبًا، ثُمَّ لَمْ يَكُ

стр. 281

لَهُ نَاهِيَةٌ، حَتَّى وَقَعَ فِي الْعَيْنِ الْحَامِئَةِ الَّتِي تَغْرُبُ فِيهَا الشَّمْسُ، فَغَرَقَ فِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا، كُلَّمَا اطَّلَعَ مِنْهُ شَيْءٌ عَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَخَلَّصَ بَعْدَ السَّبْعِ، وَمَا كَادَ فِيمَا رَامَ عِيسَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا زَالَ لَهُ هَايِبًا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ دُنُوَّهُ مِنْ عِيسَى ﵇ كَانَ اغْتِرَارًا مِنْهُ بِهِ، وَأَمْنًا مِنْ مَكْرِ اللَّهِ لِقِلَّةِ الْتِفَاتِ عِيسَى إِلَيْهِ، وَاكْتِرَاثِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ، فَأَمِنَهُ، فَدَنَا مِنْهُ، فَأَهْلَكَ نَفْسَهُ، وَكُلُّ مَنْ أَمِنَ شَيْئًا ثِقَةً بِاللَّهِ وَخَوْفًا مِنْهُ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْمُخَوِّفِ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ أَمِنَهُ ذَلِكَ الْمُخَوِّفُ، إِمَّا ثِقَةً وَاسْتِئْنَاسًا كَمَا تَأْنَسُ الطَّيْرُ وَالْوُحُوشُ إِلَى مَنْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهَا، وَالسِّبَاعُ وَالْأُسْدُ

стр. 282

كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ خَرَجَ فِي سَفَرٍ، فَإِذَا الْجَمَاعَةُ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: أَسَدٌ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ، فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ فَمَشَى حَتَّى أَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ نَفَاهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَذَبَ عَلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَخَفْ غَيْرَ اللَّهِ مَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا وُكِلَ ابْنُ آدَمَ لَمَّا رَجَا ابْنَ آدَمَ، وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرْجُ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يَكِلْهُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِهِ» حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ ﵀، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ، ح عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ح بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ حُزَيْمٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي وَهْبٍ الْقُرَيْشِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ خَرَجَ فِي سَفَرٍ، الْحَدِيثَ فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَمَّا أَمِنَ الْأَسَدَ ثِقَةً بِاللَّهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ أَمِنَهُ الْأَسَدُ فَلَمْ يَهْرَبْ مِنْهُ، وَسَهُلَ إِنْكَارُهُ غَيْبَةً عَنْهَا لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى، غَابَتِ الْأَشْيَاءُ عَنْهُ. وَسُئِلَ بَعْضُ الْكِبَارِ مَنِ الْخَائِفُ؟ فَقَالَ: الَّذِي تَخَافُهُ الْمَخْلُوقَاتُ، وَهُوَ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ، فَصَارَ خَوْفًا كُلَّهُ، فَيَخَافُهُ كُلُّ شَيْءٍ، كَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ النَّارَ تَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي"

стр. 283

أَنْشَدَ بَعْضُ الْكِبَارِ: [البحر الكامل] يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ مَنْ يَحُسُّ بِهَا ... فَمَنْ هُوَ النَّارُ كَيْفَ يَحْتَرِقُ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ بِصِفَةِ مَنْ يَخَافُهُ الْمَخْلُوقَاتُ لِغَلَبَةِ خَوْفِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِصِفَةِ مَنْ أَمِنَتْهُ الْمَخَاوِفُ غَيْبَةً عَنْهَا بِشُهُودِ مَوْلَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ آدَمَ ﵇ وَحَوَّاءَ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] الْآَيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] ، فَقَدْ نَالَ الشَّيْطَانُ مِنْ آدَمَ بِوَسْوَسَتِهِ لَهُ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قِيلَ: إِنَّ آدَمَ ﵇ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى وَسْوَسَةِ إِبْلِيسَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ بِوَسْوَسَتِهِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَكَلَ مِنْهَا؛ لَأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ عَيْنِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ لَا عَنْ جِنْسِهَا، فَأَكَلَ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ، فَأَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَأُخْرِجَ إِلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ خَلِيفَةً لَهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، وَلَكِنْ لَمَّا وَافَقَ أَكْلُهُ تَزْيِينَ إِبْلِيسَ لَهُ، وَوَسْوَسَتَهُ إِيَّاهُ نُسِبَ إِخْرَاجُهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَيْهِ، فَقَالَ ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] وَلَمْ يَقْصِدْ إِبْلِيسُ إِخْرَاجَهُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ إِسْقَاطَهُ مِنْ رُتْبَتِهِ، وَإِبْعَادَهُ كَمَا بَعُدَ هُوَ، فَلَمْ يَبْلُغْ مَقْصَدَهُ، وَلَا أَدْرَكَ مُرَادَهُ، بَلِ ازْدَادَ سُخْنَةَ عَيْنٍ، وَغَيْظَ نَفْسٍ، وَخَيْبَةَ ظَنٍّ، قَالَ اللَّهُ ﴿اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢] فَصَارَ آدَمُ ﵇ خَلِيفَةً لِلَّهِ فِي أَرْضِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَارًا لَهُ فِي دَارِهِ، فَكَمْ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْجَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 284

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 285

حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، ح الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُقْرِئُ، ح مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ح الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»
следующие страницы →