← Книги сунны

Книги сунны · id 13084

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (520 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ⦗١٥٦⦘، عَنْ أَبِي صِرْمَّةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ أَوْ بِخَلْقٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَذْنَبَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَتَابَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَتَضَرَّعَ وَاسْتَكَانَ، وَعَلِقَ لَهُ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ هَذَا مِنَ الْعَبْدِ، وَخَبَايَتُهُ لَا تَقْدَحُ فِي مَحَبَّتِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْخِبَايَةَ مِنَ الْعَبْدِ، وَالْمَحَبَّةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَلَا تَقْدَحُ أَوْصَافُ الْمُحْدِثِ الضَّعِيفِ الْحَقِيرِ فِي أَوْصَافِ الْقَدِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ

стр. 212

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 213

قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمْدَانَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ح أَحْيَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَامْبَاتِيُّ الشَّيْخُ الصَّالِحُ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ قَالَ: ح عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الدُّنْيَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَلَاذَّ النُّفُوسِ، وَشَهَوَاتِهَا، وَجَمِيعَ حُطَامِهَا، وَزَهْرَاتِهَا، وَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، وَحُبَّ الْبَقَاءِ فِيهَا، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ الْمَلْعُونَةَ إِذَا كَانَتْ لِلنُّفُوسِ وَشَهَوَاتِهَا وَلَذَّةِ الطَّبْعِ ⦗١٥٧⦘، وَالتَّلَهِّي بِهَا، وَالشُّغْلِ فِيهَا، وَالْحُبِّ لَهَا، وَلَمْ تَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأُولَى الَّتِي يَلِيهَا الْمَوْتُ وَالْفَنَاءُ، وَالْآخِرَةُ هِيَ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا زَوَالٌ وَلَا فَنَاءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ» أَيْ: مَرْفُوضَةٌ مَتْرُوكَةٌ، وَمَا فِيهَا أَيْ: مَا فِي الْحَيَاةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ، وَالْمَلَاذِّ، وَالْحُطَامِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ مَلْعُونٌ، أَيْ: مَتْرُوكٌ يَجِبُ تَرْكُهَا، وَرَفْضُهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى هَذَا حَثَّ، وَإِلَيْهِ نَدَبَ، وَفِيهِ رَغَّبَ، وَعَنْهَا زَهَّدَ، فَقَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] ، وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ لِلدُّنْيَا تَرْكًا، وَعَنْهَا إِعْرَاضًا، وَاللَّعْنُ عِنْدَ الْعَرَبِ التَّرْكُ، وَالْمَلْعُونُ الْمَتْرُوكُ، كَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنْشَدَ يَصِفُ الْمَغَارَةَ: [البحر الكامل] غَوْرِيَّةٌ نَجْدِيَّةٌ تَصْعِيدُهُ ... تَصْوِيبُهُ مُتَشَابِهٌ مَلْعُونُ يَصِفُ طَرِيقًا تَرَكَ سُلُوكَهُ، حَتَّى اشْتَبَهَ، وَصَارَ مَا ارْتَفَعَ مِنْهُ وَانْخَفَضَ شَيْئًا وَاحِدًا , فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ» أَيْ: مَتْرُوكَةٌ يَجِبُ تَرْكُهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَدْوُهُ لِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَعَوْنًا عَلَى إِقَامَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مَتْرُوكٌ» أَيْ: هِيَ مَتْرُوكُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَفَاضِلِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهَا، وَرَفَضُوهَا، وَأَعْرَضُوا عَنْهَا

стр. 214

فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا أَوْ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَمَثَلِ رَاكِبٍ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ سَارَ وَتَرَكَهَا» قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَبَّانَ، قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: ح أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ قَالَ: ح عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْجُعْفِيُّ قَالَ: ح عَمِّي أَبُو مُسْلِمٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُعْفِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ⦗١٥٨⦘ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ

стр. 215

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 216

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُلَانَةُ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُلَانَةُ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَاتِ، وَتَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»

стр. 217

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِيمَا نَعْلَمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ قَالَ: «سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ مِنَ الَّتِي تُؤْذِي جِيرَانَهَا إِعْجَابًا بِعَمَلِهَا مِنْ صَوْمِ نَهَارِهَا، وَقِيَامِ لَيْلِهَا، وَأَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ تُؤْذِي جِيرَانَهَا ازْدِرَاءً بِهِمْ، وَتَصْغِيرًا لَهُمْ، وَتَحْقِيرًا إِيَّاهُمْ بِرُؤْيَةِ الْفَضْلِ لَهَا عَلَيْهِمْ، فَاسْتَوْجَبَتِ النَّارَ بِذَلِكَ، وَالَّذِي كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَسْرِقُ إِذَا أَصْبَحَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ التَّقْصِيرِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مَا يَأْتِيهِ مِنَ السَّرِقَةِ مَعْصِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهَا، وَالرُّجُوعُ عَنْهَا، وَأَنَّ قِيَامَهُ بِاللَّيْلِ لِرُؤْيَةِ افْتِقَارِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ لَوْ يَسْتَوْجِبُ بِسَرِقَتِهِ هَذَا مِنَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ ⦗١٥٩⦘ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الَّتِي تُؤْذِي جِيرَانَهَا، فَإِنَّهَا لَا تَرَى أَذَاهَا مِنْهَا لَهُمْ مَعْصِيَةً، فَتَرَى عَلَيْهَا تَوْبَةً مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا كَانَ أَذَاهَا لِجِيرَانِهَا عَلَى مَعْنَى اسْتِدْعَائِهَا مِنْهُمْ تَعْظِيمًا، وَرَفْعِ قَدْرِهَا، وَتَحَمُّلِ مُؤْنِهَا لِرُؤْيَةِ الْفَضْلِ لَهَا عَلَيْهِمْ، فَبَايَنَهَا مَوْتُهَا وَهِيَ مُصِرَّةٌ، فَتَسْتَوْجِبُ النَّارَ , فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُؤْذِيَةُ جِيرَانَهَا إِنَّمَا أُعْجِبَتْ بِصَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا، أَحْبَطَ أَعْمَالَهَا إِعْجَابُهَا، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا عَمَلٌ يَعُودُ بِبَرَكَتِهِ عَنْهَا، فَيَنْهَاهَا عَنْ إِيذَائِهَا جِيرَانَهَا، وَالَّذِي يَسْرِقُ إِذَا أَصْبَحَ حَصَّلَ لَهُ عَمَلُهُ افْتِقَارَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وِإِشْفَاقَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَادَتْ بَرَكَةُ مَا حُصِّلَ لَهُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ الَّذِي خَلَطَهُ بِسَيِّئِهِ، فَنَهَاهُ صَالِحُ عَمَلِهِ عَنْ سَيِّئِهِ

стр. 218

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 219

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمُعَدِّلُ، قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ قَالَ: أخ عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: ح مُوسَى بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: ح ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَالْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ، الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ، مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ، حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ، التَّقْدِيرُ نِصْفُ الْعَيْشِ - وَفِي رِوَايَةٍ: نِصْفُ الْمَعِيشَةِ - وَالتَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَالْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ، وَقِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ، مَنْ أَحْزَنَ وَالِدَيْهِ عَقَّهُمَا، مَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَبِطَ عَمَلُهُ، لَا يَكُونُ الصَّنِيعَةُ إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ وَدِينٍ كَمَا لَا تَصْلُحُ الرِّيَاضَةُ إِلَّا فِي النَّجِيبِ، يَنْزِلُ الرِّزْقُ عَلَى قَدْرِ الْمُؤْنَةِ، وَيَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ، وَمَنْ قَدَّرَ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ بَذَّرَ حَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، الْأَمَانَةُ تَجُرُّ الرِّزْقَ، وَالْخِيَانَةُ تَجُرُّ الْفَقْرَ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّمْلَةِ صَلَاحًا مَا أَنَبْتَ لَهَا جَنَاحًا، فَهَذِهِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ خَصْلَةً، وَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀: قَوْلُ ﷺ : «الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ» ، مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الْمُقَرِّبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرَبَ﴾ [العلق: ١٩] ⦗١٦٠⦘ وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِذَا قَالَ فِي سُجُودِهِ: رَبِّ ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي "، وَالتَّقِيُّ تَقِيَّانِ: تَقِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَقِيٌّ عَلَى التَّقَيُّدِ، فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَبَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي أَدَاءِ فُرُوضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ، فَهُوَ تَقِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ هَذِهِ الْخِصَالَ، وَاتَّقَى الشِّرْكَ، فَهُوَ تَقِيٌّ عَلَى التَّقَيُّدِ، فَالتَّقِيُّ الْمُطْلَقُ مَقْبُولٌ عَمَلُهُ، فَعَمَلُهُ قُرْبَةٌ لَهُ، فَصَلَاةُ هَذَا التَّقِيِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ، وَمَنْ قُبِلَ عَمَلُهُ فَعَمَلُهُ قُرْبَةٌ لَهُ، فَصَلَاةُ هَذَا التَّقِيِّ لَهُ قُرْبَانٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَالتَّقِيُّ الْمُقَيَّدُ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: اتَّقِ الشِّرْكَ يُقَيَّدُ لَهُ قَبُولُ عَمَلِهِ بِالْمَشِيئَةِ، فَإِنْ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ كَانَتْ صَلَاتُهُ قُرْبَانًا، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ لَمْ تَكُنْ، فَالصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ مُطْلَقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا مَحَالَةَ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ صِدْقًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَانُ مَنِ اتَّقَى الشِّرْكَ أَنْ قَبِلَ اللَّهُ تَعَالَى صَلَاتَهُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ» أَيْ: أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ التَّقِيِّ الْمُعْدِمِ تَقُومُ مَقَامَ الضَّحَايَا وَالنَّسَائِكِ؛ لِأَنَّ التَّقِيَّ إِذَا وَجَدَ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِكُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالضَّحَايَا، وَالنَّسَائِكِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ كَانَتْ تِلْكَ بِنِيَّةِ أَنْ وَجَدَ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ الْعَبْدَ يَهُمُّ بِالْحَسَنَةِ فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا: ". فَهَذِهِ صَلَاتُهُ تَقُومُ لَهُ مَقَامَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ ﷺ : «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ» الْجِهَادُ تَحَمُّلُ الْآلَامِ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ دُونَ بُلُوغِ أَقْصَى الْغَايَةِ فِيهِ إِذْ فِيهِ بَذْلُ الرُّوحِ وَكُلُّ الْمَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] ، وَمَنْ ضَعُفَ عَنْ هَذَا الْجِهَادِ لِزَمَانَةٍ أَوْ عُذْرٍ فَالْحَجُّ لَهُ جِهَادٌ، إِذْ فِيهِ تَحَمُّلُ بَعْضِ الْآلَامِ، وَبَذْلُ بَعْضِ الْمَالِ، وَحُسْنُ التَّقَبُّلِ مِنَ الْمُرُوءَةِ تَحَمُّلُ الْآلَامِ فِيمَا تَكْرَهُهَا وَتَشُقُّ عَلَيْهَا، فَهُوَ مِنْهَا جِهَادٌ إِذْ لَا جِهَادَ عَلَيْهَا، جِهَادُ قَتْلٍ ⦗١٦١⦘. وَقَوْلُهُ: «الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ» وَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ مُتَمَنٍّ لِلتَّرَمِّي، وَلَيْسَ بِرَامٍ، إِذْ لَا يُمْكِنُهُ الرَّمْيُ مِنْ غَيْرِ وَتَرٍ، فَكَأَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْمِيَ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى الرَّمْيِ وَأَرَادَهُ أَعَدَّ الْوَتَرَ ثُمَّ رَمَى، فَكَذَلِكَ الدَّاعِي مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ مُتَمَنٍّ بُلُوغَ مَا يَدْعُو فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُرِيدٍ لِمَا يَدْعُو فِيهِ، وَلَا عَازِمٍ عَلَى الطَّلَبِ لَهُ، فَإِنْ صَحَّتْ إِرَادَتُهُ لِمَا يَدْعُو فِيهِ عَزَمَ عَلَى الطَّلَبِ لَهُ، وَعَزِيمَتُهُ عَلَيْهِ عَمَلٌ صَالِحٌ يُقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ دَعْوَتِهِ. وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ» الْخُلَفُ خَلَفَانِ: ثَوَابٌ فِي الْآجَلِ، وَعِوَضٌ فِي الْعَاجِلِ، وَاللَّهُ وَعَدَهُمَا جَمِيعًا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] ، فَهَذَا فِي عِوَضِ الْعَاجِلِ، وَقَالَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، فَهَذَا فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَعِوَضُ الْعَاجِلِ أَنْ يَخْلُفَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشَرَةً لِوَاحِدَةٍ، لِقَوْلِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، أَوْ يُبَارَكَ لَهُ فِي الْبَاقِي، فَيَقُومُ الْوَاحِدُ مَقَامَ الْعَشَرَةِ، وَيَنُوبُ الْوَاحِدُ مَنَابَ عَشَرَةٍ، فَمَنْ شَاهَدَ هَذَيْنِ الْخَلَفَيْنِ بِبَصَرِ قَلْبِهِ أَسْرَعَ إِلَى الْعَطِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ بَصَرُ الْقَلْبِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ» . لِلْمَالِ مُسْتَحِقَّانِ الْمَسَاكِينُ وَالْحَوَادِثُ، فَالطَّالِبُ بِحَقِّ الْمَسَاكِينِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْحَوَادِثُ يَأْتِي بِهَا الْأَقْدَارُ، وَهِيَ يَدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُؤَدِّي حَقَّ الْمَسَاكِينِ مُرْضٍ لِلَّهِ لِمَحْوِ اللَّهِ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، أَوْ يُجْرِيهَا عَلَى وُقُوعِ الْحَوَادِثِ فَجَعَلَهَا بِهَذِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ، وَيُخْلِفُ مِنْهَا، وَيُلْهِمُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا، وَيُعَظِّمُ الثَّوَابَ فِيهَا، فَالزَّكَاةُ حِصْنٌ لَهَا إِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ، وَهِيَ لَهَا أَحْصَنُ إِنْ حَصَلَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ اقْتَصَدَ أَيْ: قَصَدَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: مَنْ قَصَدَ اللَّهُ بِالثِّقَةِ بِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لَمْ يُحْوِجْهُ إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ قَامَ بِكِفَايَتِهِ، وَسَدِّ خُلَّتِهِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فِي الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ مَنْ سِوَاهُ يَجْعَلْ لَهُ مُتَّسَعًا، وَيَرْزُقْهُ عَمَّنْ عِنْدَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ⦗١٦٢⦘: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ» الْخَبَرَ، فَمَنْ قَصَدَ اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالثِّقَةِ بِهِ لَمْ يُصِبْهُ عَيْلَةٌ، وَالْعَيْلَةُ اخْتِلَالُ الْحَالِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى النَّاسِ. وَقَوْلُهُ: «التَّقْدِيرُ نِصْفُ الْعَيْشِ» ، كَمَالُ الْعَيْشِ شَيئَانِ: مُدَّةُ الْأَجَلِ، وَحُسْنُ الْحَالِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ التَّقْتِيرِ، وَالتَّبْذِيرِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، وَحُسْنُ الْحَالِ مَهْنَأُ مَا يُمْكِنُهُ فِي عَاجِلِهِ، وَالْمُسْرِفُ يُحْرَمُ ثَوَابَ نَفَقَتِهِ فِي أَجَلِهِ، وَالْبَرَكَةَ فِي عَاجِلِهِ، وَنَبَوَاتِ الْبَرَكَةِ، وَالْمَهْنَأُ فَوَاتُ حُسْنِ الْحَالِ، وَبِحُصُولِهِمَا حُصُولُ حُسْنِ الْحَالِ، وَحُسْنُ الْحَالِ أَحَدُ نِصْفَيِ الْعَيْشِ، وَكَمَالُهُ اسْتِكْمَالُ مُدَّةِ الْأَجَلِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ» ، إِقَامَةُ الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئَانِ: الْوَفَاءُ فِي الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ، وَالرِّضَا فِي الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ كَفُّ الْأَذَى، وَبَذْلُ النَّدَى، وَمَنْ كَفَّ أَذَاهُ، وَبَذَلَ نَدَاهُ، وَدَّهُ النَّاسُ، فَكَأَنَّهُ مَنْ أَحْسَنَ مُعَامَلَةَ خَلْقِ اللَّهِ، فَقَدْ جَازَ نِصْفَ الْعَقْلِ، فَإِنْ أَقَامَ الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ اسْتَكْمَلَ جَمِيعَهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ» ، ضَعْفٌ لَيْسَ وَرَاءَهُ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ انْحِلَالُ الْقُوَى، وَهِيَ إِذَا انْحَلَّتْ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَالْهَمُّ يُضَعِّفُ ضَعْفًا، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ قُوَّةٌ مَا لَمْ تُحَلَّ الْقُوَى، فَإِذَا حَلَّ الْهَمُّ الْقَوِيَّ، فَهُوَ الضَّعِيفُ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ قُوَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَحُلَّهَا، وَزَالَ الْهَمُّ عَادَتِ الْقُوَّةُ، وَالْهَمُّ إِذًا نِصْفُ الضَّعْفِ الَّذِي جَمِيعُهُ انْحِلَالُ الْقُوَى، وَفَسَادُهَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : «قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ» الْيَسَارُ: خَفْضُ الْعَيْشِ، وَالْيُسْرُ فِيهِ، وَهُوَ زِيَادَةُ الدَّخْلِ عَلَى الْخَرْجِ، أَوْ وَفَاءُ الدَّخْلِ بِالْخَرْجِ، فَمَنْ كَثُرَ دَخْلُهُ، وَقَلَّ، أَوْ كَثُرَ عِيَالُهُ، فَضُلَ لَهُ مِنْ دَخَلِهِ، أَوْ وَفَّى دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ، وَمَنْ قَلَّ دَخْلُهُ، وَقَلَّ عِيَالُهُ، وَفَّى دَخْلُهُ بِخُرُوجِهِ، أَوْ فَضُلَ مِنْ دَخْلِهِ، وَخَفَضَ عَيْشُهُ، وَيُسِّرَ ⦗١٦٣⦘. وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَحْزَنَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَقَّهُمَا» الْعُقُوقُ قَصْدُ الْجَفَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَفِي الْجَفَا لَهُمَا إِدْخَالُ الْأَلَمِ عَلَيْهِمَا، وَالْحُزْنُ أَلَمٌ، فَمَنْ أَحْزَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْجَفَاءِ، فَقَدْ آلَمَهُمَا، وَالْأَلَمُ عُقُوقٌ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» ، ثَمَرَةُ الْعَمَلِ ثَوَابُهُ، وَثَوَابُ الْمُصِيبَةِ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، وَضَرْبُ الْيَدِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَزَعٌ، وَمَنْ جَزِعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجْرَ، فَالْجَزَعُ مُبْطِلٌ ثَوَابَ الْمُصِيبَةِ، وَمَنْ فَاتَهُ الثَّوَابُ عَلَى عَمَلِهِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. وَقَوْلُهُ: «لَا يَكُونُ الصَّنِيعَةُ إِلَّا عِنْدَ ذِي حَسَبٍ وَدِينٍ كَمَا لَا تَصْلُحُ الرِّيَاضَةُ إِلَّا فِي النَّجِيبِ» ، مِنَ الدَّوَابِّ، وَمَا لَيْسَ بِنَجِيبٍ فَلَا تَقَعُ فِيهِ، فَرِيَاضَةٌ لَا تُفِيدُ مَعْنًى، وَيُتْعَبُ الرَّايِضُ، وَالْغَرَضُ مِنَ الصَّنِيعَةِ ثَوَابُ الْآجِلِ، وَشُكْرُ الْعَاجِلِ، فَمَنْ قَصَدَ بِصَنِيعَتِهِ ثَوَابَ الْآجِلِ اصْطَنَعَ إِلَى ذِي الدِّينِ، فَصَانَ بِهِ دِينَهُ، فَيَعْظُمُ ثَوَابُهُ، وَمَنْ قَصَدَ شُكْرَ الْعَاجِلِ اصْطَنَعَ إِلَى ذِي حَسَبٍ، فَصَانَ بِهِ عِرْضَهُ، فَحَسُنَ شُكْرُهُ، وَمَنِ اصْطَنَعَ إِلَى غَيْرِ هَذَيْنِ، فَكَأَنَّهُ يَقْصِدُ الْغَرَضَ مِنَ الصَّنِيعَةِ إِذْ لَمْ يُصْبِنْ بِهَا دُنْيَا، وَلَا عِرَضًا، وَمَنْ لَمْ يُصْبِنْ بِالصَّنِيعَةِ دِينَهُ، وَلَا عِرْضَهُ، فَكَأَنَّمَا لَمْ يَصْطَنِعْ. وَقَوْلُهُ: «يَنْزِلُ الرِّزْقُ عَلَى قَدْرِ الْمُؤْنَةِ» ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ رِزْقًا مِنْ غَدَاهُ، أَوْ مُلْكٍ، أَوْ جَمِيعِهِمَا، فَمَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ ذَوُو الْأَرْوَاحِ حَصَلَ لَهُ أَرْزَاقُهُمْ. وَقَوْلُهُ: «يَنْزِلُ الصَّبْرِ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ» صِفَةُ الْإِنْسَانِ الْجَزَعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ، فَمِنْ جَوْهَرِهِ، وَصِفَتِهِ الْجَزَعُ، وَأَمَّا الصَّبْرُ فَبِاللَّهِ يَكُونُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] ، فَمِنْ عَظَمَةِ مُصِيبَتِهِ يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِهَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلصَّابرِ إِنْ صَبَرَ عَلَى عِظَمِ مُصِيبَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى، لَا بِهِ. وَقَوْلُهُ: «مَنْ قَدَّرَ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ بَذَّرَ حَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَلِيلَ النَّفَقَةِ» ، فِي الْمَعْصِيَةِ تَبْذِيرٌ، وَكَثِيرُهَا فِي ضَيَاعِهِ تَقْدِيرٌ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى، فَوَضَعَ النَّفَقَةَ فِي حَقِّهَا اتَّقَاهُ، وَمَنِ اتَّقَاهُ رَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ تَعَالَى، فَأَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَقَدْ ⦗١٦٤⦘ عَصَاهُ، وَمَنْ عَصَاهُ لَمْ يَخْلُفْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ فِي الْعُقْبَى، فَقَدْ حُرِمَ الْمُبَذِّرُ ثَوَابَ الْآجِلِ، وَخُلْفَ الْعَاجِلِ، وَرُزِقَ الْمُقَدِّرُ الْخُلْفَ فِي الْعَاجِلِ، وَالثَّوَابَ فِي الْآجِلِ. وَقَوْلُهُ: «الْأَمَانَةُ تَجُرُّ الرِّزْقَ» ، الْأَمَانَةُ ذَمُّ الْجَوَارِحِ، وَكُفُّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ التُّقَى، وَالتَّقِيُّ مَرْزُوقٌ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ تَسْتَجْلِبُ الْقُلُوبَ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْجِنَايَةَ تُنَفِّرُهَا، وَالْجِنَايَةُ تَجُرُّ الْفَقْرَ، وَالْجِنَايَةُ تَضْيِيعُ الْجَوَارِحِ، وَانْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ، وَالْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَضْيِيعُ الْجَوَارِحِ، وَمُتَابَعَةُ الشَّهَوَاتِ إِعْرَاضٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَقْبَلَ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى غَيْرِهِ افْتَقَرَ؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَ اللَّهِ فَقِيرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّمْلَةِ صَلَاحًا مَا أَنْبَتَ لَهَا جَنَاحًا» ، النَّمْلُ مَسَاكِنُهَا تَحْتَ الْأَرْضِ، وَاحْتِرَازُهَا عَنِ الْآفَاتِ، وَفِي لُزُومِ مَسْكَنِهَا، فَإِذَا ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تَعَرَّضَتْ لِلْآفَاتِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨] ، فَإِذَا نَبَتَ لَهَا جَنَاحٌ نَهَضَتْ لِلطَّيَرَانِ عَلَى ضَعْفٍ، فَسَقَطَتْ فِي مَاءٍ، فَغَرِقَتْ، أَوْ فِي نَارٍ وَاحْتَرَقَتْ، أَوْ فِي فَمِ طَائِرٍ فَابْتَلَعَهَا، أَوْ بَعُدَتْ عَنْ مَسَاكِنِهَا، فَلَمْ يُهْتَدَ إِلَيْهَا، وَفِي هَذَا فَسَادُهَا وَهَلَاكُهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِكُلِّ مُتَعَدٍّ طَوْرَهُ، وَمُجَاوِزٍ قَدْرَهُ بِنَظَرِهِ إِلَى نَفْسِهِ بِقُوَّةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ عُمْرٍ، أَوْ آلَةٍ. قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] ، وَقَالَ اللَّهُ : ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينٍ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] وَقَوْلُهُ: «لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِالنَّمْلَةِ صَلَاحًا مَا أَنَبْتَ لَهَا جَنَاحًا» ، دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ بِمَنْ شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ صَلَاحٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يَسْأَلُونَ

стр. 220

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 221

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ح سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَتَّابٍ قَالَ: ح الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: ح أَبُو حَبَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحِيهِ الْمَلَائِكَةُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَارِفُ ﵀: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ مَقَامُهُ مَقَامُ الْحَيَاءِ، وَالْحَيَاءُ نَزْعٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ إِجْلَالِ مَنْ يُشَاهِدُهِ، وَتَعْظِيمِ قَدْرِهِ، وَنَقْصٍ يُشَاهِدُهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ ﵁ غَلَبَ عَلَيْهِ إِجْلَالُ الْحَقِّ ، وَتَعْظِيمُهُ، وَازْدِرَاءٌ بِنَفْسِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ النَّقْصِ، وَالتَّقْصِيرِ، وَهُمَا جَلِيلُ خِصَالِ الْعِبَادِ الَّذِينَ هُمْ خُصَصَاهُ، وَمَنْ قَرَّبَهُ الْحَقُّ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَدْنَى مَنْزِلَتَهُ مِنْهُ، فَجَلَّ قَدْرُ عُثْمَانَ، وَعَلَتْ رُتْبَتُهُ، فَاسْتَحْيَا مِنْهُ خَاصَّةُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ، وَخَصَائِصُهُ مِنْ عِبَادِهِ، كَمَا أَنَّ مَنَ أَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّهُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ تَعَالَى خَافَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ "، فَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، أَحَبَّ اللَّهَ ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ ، أَحَبَّهُ خَاصَّتُهُ، وَأَوْلِيَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ قِيلَ: مَنْ خَافَ اللَّهَ تَعَالَى خَافَتْهُ الْمَخَاوِفُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ النَّارَ تَقُولُ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي " ⦗١٦٦⦘ فَكَذَلِكَ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ اسْتَحْيَا مِنْهُ خَاصَّةُ اللَّهِ ، وَخَالِصَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، أَلَا يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ ﵁، وَفَخِذُهُ مَكْشُوفَةٌ، غَطَّاهَا حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ: «أَلَا اسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» . وَالْحَيَاءُ حَيَاءَانِ: حَيَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَيَاءٌ مِنَ النَّاسِ، فَالْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَوَصَفَهُ فِيمَا

стр. 222

حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحِي قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ، فَلْيَتْرُكْ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: فَهَذَا الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَنُفَسِّرُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا الْحَيَاءُ مِنَ النَّاسِ، فَهُوَ أَنْ يَتَحَصَّنَ عَنْ إِتْيَانِ مَا يُشِينُهُ، وَهُوَ يَجْمَعُ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ، وَيَحْجُزُ عَنْ مَسَاوِيهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ " ⦗١٦٧⦘ وَقَالَ: «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ، إِذًا فَالْحَيَاءُ تَرْكُ الْقَبَائِحِ، وَالسَّيِّئَاتِ، وَإِتْيَانُ الْمَحَاسِنَ، وَالْخَيْرَاتِ، وَهَذَا خُلُقُ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»

стр. 223

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 224

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ، وَالْفَضْلُ بْنُ عُمَيْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ح أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: ح أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ آَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُكَافَأَةِ مَنْ آَتَى إِلَيْكَ مَعْرُوفًا، وَالْمُكَافَأَةُ مُقَابَلَةٌ بِمِثْلِ مَا أُتِيَ بِهِ إِلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْمُكَافَأَةَ هِيَ الْمُسَاوَاةُ، وَمَنْ آَتَى إِلَيْكَ مِنَ النَّاسِ مَعْرُوفًا فَاصْطَنِعْ إِلَيْهِ صَنِيعَةً؛ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مِثْلِ مَا آَتَى إِلَيْكَ كَحَاجَتِكَ ⦗١٦٨⦘ إِلَى مَا اصْطَنَعَ عِنْدَكَ؛ لِأَنَّ اصْطِنَاعَهُ إِلَيْكَ فِي نَفْعٍ يَجُرُّهُ إِلَيْكَ، أَوْ ضُرٍّ يَدْفَعُهُ عَنْكَ، أَوْ خَلَّةٍ يَسُدُّهَا لَكَ، وَهُوَ ذُو خَلَّةٍ مِثْلُكَ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى دَفْعٍ وَنَفْعٍ كَانَتْ، فَإِنْ قَابَلْتَهُ بِمِثْلِهِ آَتَيْتَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ مَا آَتَى إِلَيْكَ، فَقَدْ سَاوَيْتَهُ، وَالنِّعْمَةُ لِلَّهِ عَلَيْكَ فِي الْإِذْنِ لَهُ بِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْكَ، فَالْمُنْعِمُ عَلَيْكَ بِهَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَالشُّكْرُ للَّهِ عَلَيْكَ فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَالشُّكْرُ رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ مِنَ الْمُنْعِمِ، وَالْتِزَامُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ، فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَالْحَمْدُ لَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالِاعْتِرَافُ بِرُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِهِ، لِأَنَّ شُكْرَكَ لِلَّهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ، يَجِبُ عَلَيْكَ شُكْرَهَا، وَهَذِهِ لَيْسَتْ لَهَا غَايَةٌ، وَلَا حَدٌّ، فَالِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ لَازِمٌ فِيهِ، فَحَقُّ اللَّهِ فِيهِ الشُّكْرُ لَهُ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وَمِنَ الْمُصْطَنِعِ مُكَافَأَتُهُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ عَجَزْتَ عَنْ مُكَافَأَتِهِ، فَالْإِحَالَةُ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ الدُّعَاءُ لَهُ، فَكَأَنَّكَ تَقُولُ: أَنَا عَاجِزٌ عَنْ مُكَافَأَتِهِ، وَأَنْتَ عَلَيْهِ قَادِرٌ، فَكَافِئْهُ عَنِّي، وَجَازِهِ بِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، " إِذَا قَالَ لِأَخِيهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ بَلَغَ فِي الثَّنَاءِ "

стр. 225

حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْبُحَيْرِيُّ، قَالَ: ح أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَطَّارُ قَالَ: ح مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ بَلَغَ فِي الثَّنَاءِ " وَقَوْلُهُ: «مَنْ سَأَلَكُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَعْطُوهُ» ، إِجْلَالًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَإِيجَابًا لِحَقِّهِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ مَعْنَاهُ عَلَى مَعْنَى: مَنْ سَأَلَكُمْ فِي اللَّهِ فَأَعْطُوهُ، فَيَكُونُ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي، أَيْ مَنْ سَأَلَكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَفِي إِقَامَةِ أَمْرِهِ، وَفِي إِظْهَارِ مَنَارِ الدِّينِ، وَسُبُلِ الْخَيْرِ، فَأَعْطُوهُ، وَلَيْسَ يَجِبُ إِعْطَاءُ السَّائِلِ إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ، أَوْ فُضُولٍ ⦗١٦٩⦘. فَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فِيمَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْكَ فَرِيضَةٌ، فَأَعْطَاكَ إِيَّاهُ لِإِجْلَالِ حَقِّ اللَّهِ، وَتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ بِفَرْضٍ وَلَا حَتْمٍ مَنْ سَأَلَ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْكَ، وَعَلَى السَّائِلِ فَرْضٌ، فَإِعْطَاؤُكَ إِيَّاهُ فَرْضٌ عَلَيْكَ، وَلَازِمٌ لَكَ لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ. وَقَوْلُهُ: «وَمَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللَّهِ» عِنْدَ ضَرُورَةٍ حَلَّتْ بِهِ، أَوْ ظُلْمٍ لَحِقَهُ، فَأَعِيذُوهُ، فَإِنَّ إِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَالْإِعَاذَةُ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي يَسْقُطُ عَنْكَ إِذَا قَامَ بِهِ غَيْرُكَ. وَقَوْلُهُ: «وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مَنْ دَعَاكُمْ لِلِاسْتِعَانَةِ بِكُمْ يَجُوزُ إِعَانَتُهُ فَأَجِيبُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مَنْ دَعَاكُمْ إِلَى طَعَامٍ، فَأَجِيبُوهُ كَمَا

стр. 226

حَدَّثَنَاهُ حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح حَفْصٌ قَالَ: ح هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، رَفَعَهُ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيَدْعُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْيُصَلِّ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: فَهَذَا يَتَّجِهُ إِلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنَ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ تَكَلَّفَ الدَّاعِي لَهُ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ فِيهِ الْمَدْعُوَّ، فَعَلَيْهِ إِجَابَتُهُ، وَلَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، لِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالدَّاعِي، وَرُبَّمَا أَحْزَنَهُ، وَلَا يَجُوزُ إِضْرَارُ الْمُؤْمِنِ، وَلَا تَحْزِينُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ غَيْرَهُ، وَالتَّكَلُّفُ سِوَاهُ، وَسِعَ التَّخَلُّفُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 227

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 228

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ: ح أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَفْصٍ قَالَ: ح مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَحَدَّثَنَا الرَّشَادِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: ح الرَّبِيعُ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: نِعَمُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ لَا تُحْصَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ، فَمِنْ نِعَمِهِ مَا تَفَرَّدَ مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا جَعَلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ وَسَائِطَ، وَأَسْبَابًا، وَأَوْجَبَهُ حَقَّ الْوَسَايِطِ، وَتَعْظِيمَ الْأَسْبَابِ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈، أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِيمَانَ بِهِمْ، وَالطَّاعَةَ لَهُمْ، وَلِرَسُولِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَهُمُ الْوَسَايِطُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ، وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَالسُّفَرَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْبَلَاغِ عَنْهُ، وَإِيجَابِ الْأوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، وَالْهِدَايَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى , لَيْسَ إِلَى الرُّسُلِ غَيْرُ الْبَلَاغِ وَالْبَيَانِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الْلَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ، أَيْ: إِنَّكَ لَتَدْعُو إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَوْجَبَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ، إِذْ جَعَلَهُمَا سَبَبَ الْإِيجَادِ لِلْوَلَدِ، وَأَوْجَبَ حَقَّ الْعُلَمَاءِ، أَوْ جَعَلَهُمْ سَبَبًا لَمَّا عَلَّمَهُمْ، وَالْمُعَلِّمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ : ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] ، وَأَوْجَبَ حَقَّ السُّلْطَانِ إِذْ جَعَلَهُمْ سَبَبًا لِلْأَمْنِ فِي بِلَادِهِ، وَالْحُكَّامَ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَقَالَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، قِيلَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ، وَقِيلَ: هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَلِكُلٍّ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَفَرْضٌ لَازِمٌ ⦗١٧١⦘، فَكَذَلِكَ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ بِوَاسِطَةِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ فِي نَفْعٍ لَكَ أَوْ دَفْعٍ عَنْكَ، أَوْجَبَ عَلَيْكَ شُكْرَهُ، وَالْمُنْعِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فَوَجَبَ عَلَيْهِ الشُّكْرُ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَوَجَبَ عَلَيْكَ شُكْرُ مَنْ جَعَلَهُ سَبَبًا لِنِعْمَةِ النَّفْعِ وَالدَّفْعِ، كَالشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوَّلُهُ رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ بِالْقَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ ﵀: الشُّكْرُ انْكِشَافُ الْغِطَاءِ عَنِ الْقَلْبِ لِشُهُودِ النِّعْمَةِ، وَالْكَثِيرُ انْكِشَافُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الْأَسْنَانِ لِوُجُودِ الْفَرَجِ، فَالشُّكْرُ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِاللِّسَانِ، وَالطَّاعَةُ لَهُ بِالْأَرْكَانِ، ثُمَّ الِاعْتِرَافُ بِرُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ عَنْ بُلُوغِ شُكْرِهِ؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ مِنْهُ يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهَا، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ الْحَيْرَةُ مِنْكَ، وَشُهُودُ حَاصِلِ الشُّكْرِ عَلَيْكَ قَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ: [البحر الطويل] سَأَشْكُرُ لَا أَنِّي أُجَازِيكَ مُنْعِمًا ... بِشُكْرِي وَلَكِنْ كَيْ يُقَالَ لَهُ: شُكْرُ وَأَذْكُرُ أَيَّامًا لَدَيَّ أَضَعْتُهَا ... وَآَخِرُ مَا يَبْقَى عَلَى الشَّاكِرِ الذِّكْرُ وَقَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ فِي مُنَاجَاتِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ عَجْزِي عَنْ شُكْرِكَ، فَاشْكُرْ نَفْسَكَ عَنِّي. فَغَايَةُ الشُّكْرِ رُؤْيَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِالشُّكْرِ بَعْدَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي أَسْبَابِ الشُّهُودِ، وَالْقِيَامِ بِالْوَفَاءِ، وَالِاسْتِهْتَارِ بِالثَّنَاءِ، وَشُكْرِ مَنْ جَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَى يَدَيْهِ بِالْمُكَافَأَةِ لَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الثَّنَاءِ نَشْرُ الْجَمِيلِ عَنْهُ، وَحُسْنُ الدُّعَاءِ لَهُ، فَمَنْ قَدَرَ كَافَأَ، وَمَنْ عَجَزَ دَعَا، وَالْمُكَافَأَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الْعَجْزِ أَيْسَرُ الشُّكْرَيْنِ: شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَشُكْرُ الْعِبَادِ، وَمَنْ ضَيَّعَ شُكْرَ الْعِبَادِ الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ الشُّكْرَيْنِ، كَانَ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَعْظَمُهُمَا قَدْرًا، وَأَعْسَرُهُمَا مَرَامًا أَضْيَعَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ قَائِمًا بِشُكْرِ اللَّهِ مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِ النَّاسِ مَعَ حَقِّهِ مُجْمَلِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِ اللَّهِ فِيمَا أَنْعَمَ لِمَعَانٍ , ⦗١٧٢⦘ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَصْطَنِعُهُ النَّاسُ، وَإِنْ كَثُرَ فَمَعْدُودٌ مُتَنَاهٍ، وَنِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُحْصَى عَدًّا، وَلَا تَتَنَاهَى حَدًّا، وَالْإِنْسَانُ وَإِنْ كَافَأَ الْمُصْطَنِعُ إِلَيْهِ، فَلِلْمُصْطَنِعُ فَضِيلَةُ السَّبْقِ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْمُكَافِئُ أَبَدًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُكْرِ النَّاسِ فِي الْمَعْرُوفِ الْمَحْدُودِ، الْمَعْدُودِ، الْمُحْصَى

стр. 229

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ، قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ: ح الْأَزْرَقُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ح حَسَّانُ قَالَ: ح عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ نُعَيْمٍ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: ح الْحَرِيرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَشْكَرُ النَّاسِ لِلَّهِ تَعَالَى أَشْكَرُهُمْ لِلنَّاسِ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: فَمَعْنَاهُ أَنَّ مِنَ الْقِيَامِ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَدْرِ الْوُسْعِ، وَالطَّاقَةِ بَذْلَ الْمَجْهُودِ فِيهِ، وَالْحَدَّ بِمُطَالَبَتِهِ الشُّكْرَ لِلَّهِ مِنْ نَفْسِهِ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَالْوَفَاءَ بِمَا أَمَرَ، وَنَهَى، حَتَّى يُعْفَى بِهِ الْأَمْرُ إِلَى بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي شُكْرِ النَّاسِ لِإِيجَابِ اللَّهِ ذَلِكَ لَهُ، فَمَنْ كَانَ لِلنَّاسِ أَشْكَرَ كَانَ فِي إِيفَاءِ حَقِّ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ أَسْعَى

стр. 230

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 231

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ حَازِمُ بْنُ حُسَيْنٍ الْحُمَيْسِيُّ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي الرَّقَاشِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «أَمَّا قُرَيْشٌ فَاسْتَبْقُوهُمْ، فَإِنَّ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةً، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ، فَحَرِّرُوهُمْ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ حَاجَةً» ، أَيْ خَصَائِصُ، وَنُجَبَاءُ، وَفِيهِمْ كَرَائِمُ، وَفَضَائِلُ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْهُمْ، وَغَرَزَهُ فِيهِمْ، وَأَوْدَعَهَا إِيَّاهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَهُونُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَتْ قُرَيْشٌ خِيرَةَ النَّاسِ، فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا كُلَّ خَبَثٍ كَانَ فِيهَا، وَكُلَّ خَبِيثٍ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ مِنْهُمْ فِيهَا خَبِيثَهُمْ

стр. 232

، كَانَتِ الْبَقِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ عَلَى مَا قَالَ ﷺ ، أَيْ: هُمْ صَفْوَةُ مَنْ بَقِيَ، وَمِنْ وَرَائِهِمُ الْخَيْرُ مِمَّنْ هَدَاهُمْ لِلْإِيمَانِ، وَطَهَّرَ قُلُوبَهُمْ، وَصَفَّى أَسْرَارَهُمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ، وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَبْطَأَ بِهِمُ الْقُوتُ، وَتَأَخَّرَتْ بِهِمُ الْمُدَّةُ , أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ، وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْهُمْ مُرَتَدٌّ، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَارْتَدَّ الْعَرَبُ، أَوْ أَكْثَرُهَا، وَلَمْ تَرْتَدَّ قُرَيْشٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَنَأَى بِهِمْ عَنْهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَتَرَبَّصَهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ، حَتَّى جَعَلَ لَهُمْ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ فِرَارًا مِنَ الْإِسْلَامِ، كَرَاهَةً لَهُ، حَتَّى بَلَغَ الْبَحْرَ، وَلَهُ قِصَّةٌ، ثُمَّ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَشَرَ الْمُصْحَفَ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ رَبِّي، فَيُغْشَى عَلَيْهِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مَا كَانَ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ أَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَقُتِلَ شَهِيدًا، وَحَثَّ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَخَطَبَ خُطْبَةً بَلِيغَةً بَلَغَتْ مِنَ النَّاسِ مُبَلِّغًا، كَانَ سَبَبَ الْفَتْحِ، وَكَذَلِكَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ الشَّهَادَةَ فِي أَغْوَارِ الدِّينِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِرَامٍ بَاعَ دَارَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّينَ أَلْفًا، فَقَالُوا لَهُ: غَبَنَكَ وَاللَّهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا بِزِقٍّ مِنْ خَمْرٍ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالرِّقَابِ، فَأَيُّنَا الْمَغْبُونُ؟، وَهَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَجَمِيعُ مَسْلَمَةِ الْفَتْحِ، وَإِنْ أَبْطَأَتْ بِهِمُ الْمُدَّةُ، وَتَأَخَّرَ دُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِمُ الْمَبْلَغَ الْعَلِيَّ، فَهُمُ الَّذِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِنَّ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةً» ، أَيْ: لِلَّهِ فِيهِمْ إِرَادَةُ خَيْرٍ، وَمَشِيئَةُ فَضْلٍ، وَوَدَائِعُ يُودِعُهَا اللَّهُ تَعَالَى أَسْرَارَهُمْ، وَأَنْوَارًا يَجْعَلُهَا فِي صُدُورِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ، فَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ صَفْوتَهُمْ، وَجَاءُوا إِلَى الْإِسْلَامِ رَاغِبِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] ، وَبَقِيَتْ حُثَالَةٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُمْ قَطْعًا. أَلَا يُرَى أَنَّ أَكْثَرَ مَنِ انْفَلَتَ، وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ ﷺ ، ارْتَدُّوا حَتَّى جَذَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ جَذًّا

стр. 233

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 234

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ يَقُولُ: لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ ﷺ : «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ غَيْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخَصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا شَخَصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ، وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخَصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا شَخَصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» ، أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، فَمَعْنَاهُ، أَيْ: لَا يَكُونُ الْعِبَادُ الَّذِينَ هُمْ أشخاصٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِشَخْصٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالشَّخْصِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ حَقِّ مَنْ يَتَرَفَّعُ، وَيَعْظُمُ قَدْرُهُ، وَيَشْرُفُ مَرْتَبَتُهُ أَنْ يَكُونَ لِشَرَفِهِ فِي الرُّتْبَةِ، وَعِظَمِ قَدْرِهِ، وَتَرَفُّعِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى جَلِيلٌ عَظِيمٌ، رَفِيعُ الْمَكَانِ، وَهُوَ عَلَى جَلَالَتِهِ وَكِبْرَيَائِهِ، وَشِدَّتِهِ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ، يُمْهِلُ عِبَادَهُ فِي مُوَاقَعَتِهِمُ الْفَوَاحِشَ، وَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا، فَلَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَرْتَفِعَ عَنِ الْإِمْهَالِ، وَتَرْكِ مُعَاجَلَةِ الْعُقُوبَةِ لِغَيْرَتِهِ، فَيَقْتُلَ مَنْ يُوَاقِعُ الْفَاحِشَةَ، وَيَأْتِيهَا، وَلَكِنْ يُمْهِلُ إِلَى أَنْ تُطْلَقَ عَنْهُ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَتْلِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْأَمْرَ، وَإِلَّا مَهَّلَ وَتَرَبَّصَ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدَ الْغَيْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وَشَرِيفَ قَبِيلَتِهِ الْخَزْرَجِ، وَسَيِّدَهَا، وَرَفِيعَ الْقَدْرِ فِيهَا، وَجَلِيلَ الْخَطَرِ عِنْدَهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى مُعَاجَلَةِ الْعُقُوبَةِ، إِذْ يَكَادُ يَخَافُ تَبِعَتَهَا، وَالشَّخْصُ مَا ارْتَفَعَ، وَنَمَا، وَتَزَايَدَ، فَكَأَنَّهُ ⦗١٧٥⦘ يَقُولُ: مَنْ كَانَ رِفْعَتُهُ، وَشَرَفُهُ، وَجَلَالَةُ قَدْرِهِ بِالنُّمُوِّ، وَالتَّزَايُدِ، وَالِارْتِفَاعِ مِنْ حَالَةِ الِانْخِفَاضِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِزَ الْحَدَّ الَّذِي حُدَّ لَهُ، وَالْوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَاقِعَ بِالْعُقُوبَةِ مَوَاقِعَ الْفَاحِشَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ، وَأَعْلَى جَلَالَتِهِ، وَعَظَمَتِهُ، وَعُلُوِّهِ، لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ، وَغَيْرَتُهُ أَشَدُّ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُمْهِلُ مُوَاقِعَ الْفَاحِشَةِ، وَلَا يُعَاجِلُهُ، فَالشَّخْصُ أَوْلَى بِتَرْكِ مُعَاجَلَةِ الْعُقُوبَةِ، الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَهُوَ

стр. 235

مَا حَدَّثَنَاهُ حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آَتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَعَمْ» قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَمُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي رِوَايَةٍ: «كَفَى بِالسَّيْفِ شَاهِدًا» فِي رِوَايَةٍ قَالَ: " اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ: إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَلَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي " فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُعَالَجَةَ الْعُقُوبَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا لِغَيْرَتِهِ، وَلَمْ يَخْفِ التَّبِعَةَ فِيهَا لِشَرَفِهِ فِي قَوْمِهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَأَشْرَفُ، وَأَبْلَغُ سُؤْدُدًا مِنْهُ، وَهُوَ يَنْتَهِي إِلَى الْحَدِّ فِي الْغَيْرَةِ، فَلَا يُعَاجِلُ بِالْعُقُوبَةِ مُوَاقِعَ الْفَاحِشَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَهُوَ لَا يُعَاجِلُ بِالْعُقُوبَةِ، وَالشَّخْصُ الَّذِي شَرَفُهُ وَسُؤْدُدُهُ مِنْ جِهَةِ الشَّخْصِ بِالنُّمُوِّ وَالِازْدِيَادِ لِإِلْزَامِهِ أَحَقُّ وَأَوْلَى، ثُمَّ الْأَشْخَاصُ وَهُمُ الْمُتَرَفِّعُونَ الْأَشْرَافُ، وَمَنْ عَظُمَ قَدْرُهُ مِنْهُمْ لِعَمَلِهِ مِنْ قُوَّةٍ لِلسُّلْطَانِ، أَوْ شَرَفٍ بِحَالٍ، وَاتِّبَاعٍ، وَيَكُونُ لِشَرَفِهِمْ نُمُوًّا، وَتَزَايُدًا، وَبِالْعِلَلِ، وَالْأَسْبَابِ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُعْذَرُوا مِنْ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يُلَامُوا عَلَيْهَا، وَيَلْزَمُهُمُ التَّعْبِيرُ فِيهَا حَدًّا، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مُجَاوَزَتُهَا، وَأَقْدَارٌ لَيْسَ لَهُمْ تَعَدِّيهَا، فَرُبَّمَا يَفْعَلُونَ الْفِعْلَ الَّذِي يَلْزَمُهُمُ اللَّوْمُ عَلَيْهَا لِهَذِهِ الْعِلَلِ، وَهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُعْذِرُوا إِلَى النَّاسِ فِي أَفْعَالِهِمْ لِإِزَالَةِ اللَّوْمِ عَنْهُمْ، وَالتَّعْبِيرِ لَهُمْ، وَالنَّكِيرِ مِمَّنْ فَوْقَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَاللَّهُ تَعَالَى فِي جَلَالِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرَيَائِهِ، وَقَهْرِهِ لِخَلْقِهِ يُبْدِي الْعُذْرَ فِيمَا يَفْعَلُ بِخَلْقِهِ مِنْ عَدُوٍّ يُهْلِكُهُ، أَوْ وَلِيٍّ يُبْلِيهِ، فَقَالَ فِي أَعْدَائِهِ: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ ⦗١٧٦⦘ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ، وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ، وَأَشْبَاهُهُ كَثِيرٌ، وَقَالَ فِي أَوْلِيَائِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: ١٩٥] ، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] ، فَهُوَ ﷻ وَعَزَّ يُبْدِي هَذِهِ الْأَعْذَارَ فِي فِعْلِهِ، وَقَدْ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، وَلِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ . وَأَمْثَالُهَا كَثِيرَةٌ، فَأَبْدَى هَذِهِ الْأَعْذَارَ إِلَى خَلْقِهِ، وَأَحَبَّ إِبْدَاءَ الْعُذْرِ فِي فِعْلِهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، إِذْ لَا يَلْزَمُهُ تَعَالَى فِي فِعْلِهِ لَوْمٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ تَغَيُّرٌ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ نَكِيرٌ، وَلَا حَدَّ لَهُ فَيُجَاوِزَهُ، وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ، وَهُوَ حَكِيمٌ عَالِمٌ قَادِرٌ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمْ مَا يُرِيدُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يَسْأَلُونَ وَهُوَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعُذْرَ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا، وَإِجْلَالًا لِعُذْرٍ أَوْلِيَائِهِ وَبِرًّا بِهِمْ، وَلُطْفًا بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ الْأَجِلَّةِ وَالْأَشْرَابِ الَّذِينَ هُمْ أَشْخَاصٌ مَعْلُولُونَ، وَعِبَادٌ مَرْبُوبُونَ، وَهُوَ الْجَلِيلُ الْعَظِيمُ الرَّبُّ الْكَرِيمُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحِبُّ الْعُذْرَ مِنْ عِبَادِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَذِرُوا إِلَيْهِ مِنْ خَبَاءَاتِهِمْ، وَتَقْصِيرِهِمْ، فَيَغْفِرَهَا لَهُمْ، وَبَعَثَ الْمُرْسَلِينَ لِيَحِثُّوا عَلَى ذَلِكَ عِبَادَهُ، وَلِيَبْلُوا أَعْذَارَ عِبَادِهِ، وَيَشْفَعُوا لَهُمْ، كَمَا قَالَ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ» الْأَشْخَاصُ: وَهُمُ الْمُتَرَفِّعُونَ الْمُتَزَايِدُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يُمْدَحُوا وَيُثْنَى عَلَيْهِمْ فِي أَوْصَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بِمَكَانِ غَيْرِهِمْ وَأَوْصَافِهِمْ، فَهَلْ غَيَّرَهُمْ بِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بِقُوَّةٍ يُحْدِثُهَا فِيهِمْ مِنْ لَهُ الْعُذْرَةُ وَالْقُوَّةُ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الثَّوَابَ مِنْهُمْ فِي الْمَدْحِ لَهُمْ، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا لَمْ يُثْنُوا لِرُؤْيَةِ فَضْلٍ بِدُونِهِ فِيهِمْ، وَهُمْ بِحُبِّهِمْ عَنْهُ عَوَارِي، وَاللَّهُ تَعَالَى لِلْمَدْحِ أَحَبُّ، وَلِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَشْكَرُ، إِذْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَدْحِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى رَفِيعُ الْأَوْصَافِ، جَمِيلُ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُّ، ذُو الْجَلَالِ ⦗١٧٧⦘ وَالْجَمَالِ، فَهُوَ يُحِبُّ الْمَدْحَ مِنْ عِبَادٍ لَهُ، وَالثَّنَاءَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَالْحَمْدَ وَالشُّكْرَ لَهُ لِيُثِيبَهُمْ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ، وَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِأَفْضَلِ النِّعَمِ , وَكَذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ لِيُمْدَحَ بِالْفَضْلِ وَاللُّطْفِ وَالْبِرِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلٌ فَهُوَ مُتَفَضِّلٌ فِيمَا وَعَدَ مِنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، فَأَحَبَّ أَنْ يُمْدَحَ بِمَا يُمْدَحُ الْمُتَفَضِّلُ الْحَسَنُ الْفِعَالِ، الْجَمِيلُ الْأَوْصَافِ، وَوَعَدَ أَيْضًا عَلَى الْمَدْحِ لَهُ وَالثَّنَاءِ لَهُ وَالشُّكْرِ لَهُ الْجَنَّةَ وَثَوَابَهَا وَنَعِيمَهَا، وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَهُوَ لِلْمَدْحِ أَشَدُّ حُبًّا مِنَ الْأَشْخَاصِ الْمَعْلُومِينَ، وَهُوَ بِالْمَدْحِ أَوْلَى، وَلَهُ أَحَقُّ، تَبَارَكَ اللَّهُ الْمَمْدُوحُ فِي أَوْصَافِهِ، الْمَحْمُودُ عَلَى أَفْعَالِهِ، الْمُنْعِمُ عَلَى عِبَادِهِ، الْمُتَفَضِّلُ الْبَرُّ الرَّءُوفُ

стр. 236

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 237

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح قُتَيْبَةَ قَالَ: ح أَبُو عَوَانَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةَ، وَمَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي السَّحُورِ يَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً فِي الْقُدْرَةِ عَلَى صَوْمِ النَّهَارِ، وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قُوَّةٌ عَلَى صَوْمِ النَّهَارِ وَهُوَ مَا

стр. 238

حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُرُوكِيُّ قَالَ: ح يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي حَيْرَانَ قَالَ: ح الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً وَقُوَّةً» ⦗١٧٨⦘ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي إِبَاحَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِمَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ أَنَّ الصَّائِمَ إِذْ نَامَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ، ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَوْلِهِ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، فَإِبَاحَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي لَيْلَةِ الصِّيَامِ بَعْدَ النَّوْمِ وَهُوَ السَّحُورُ زِيَادَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِرُخَصِهِ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِعَزَائِمِهِ» فَيَكُونُ مَعْنَى التَّرْغِيبِ فِي السَّحُورِ تَرْغِيبًا فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ إِتْيَانَهَا. وَمَعْنَى الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ لِأَنَّ الْعُمُرَ الْحَيَاةُ، فِيهَا نَوْمٌ إِلَى الْأَجَلِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي إِذَا جَاءَ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ فِيهَا نَوْمٌ وَيَقَظَةٌ، وَالنَّوْمُ مَوْتٌ وَالْيَقَظَةُ حَيَاةٌ، قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ، فَسَمَّى الْوَفَاةَ الَّتِي هِيَ النَّوْمُ مَوْتًا، وَالْيَقَظَةَ حَيَاةً وَنُشُورًا بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ، وَفِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ مَعْنَيَانِ: اكْتِسَابُ الطَّاعَةِ لِلْمُعَاوِدِ، وَاقْتِنَاءُ الْمَرَافِقِ لِلْمَعَاشِ، وَمِنَ الْمَرَافِقِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَفِي السَّحُورِ يَقَظَةٌ، وَهِيَ الْحَيَاةُ، فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْحَيَاةِ وَأَكْلٌ وَشُرْبٌ، وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي مَرَافِقِ الْحَيَاةِ، وَفِيهِ فِي زِيَادَةِ اكْتِسَابِ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ السَّحُورَ رُبَّمَا تَطَهَّرَ وَصَلَّى، فَإِنْ قَصَّرَ سَمَّى اللَّهَ وَدَعَا، وَإِنْ غَفَلَ عَنِ الذِّكْرِ وَكَسَلَ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِنِيَّةِ الصِّيَامِ طَاعَةٌ، فَفِيهِ زِيَادَةُ الْحَيَاةِ، وَزِيَادَةُ الرِّفْقِ، وَزِيَادَةُ الطَّاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْعُمُرُ، فَفِي السَّحُورِ زِيَادَةُ الرِّفْقُ فِي الْعُمُرِ، وَيَكُونُ فِي السَّحُورِ زِيَادَةُ وَقْتِ السَّحُورِ عَلَى الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا، وَهِيَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ ⦗١٧٩⦘ أَوْقَاتِ الزَّمَانِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَيُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، وَيُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَفِي وَقْتِ السَّحُورِ كَذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ، وَقَالَ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] وَقَالَ ﷺ : " إِذَا كَانَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ " وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ» ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «مِنَ الْفِطْرَةِ تَأْخِيرُ السَّحُورِ» أَرَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ لِيَكُونَ فِيهِ دَعْوَةٌ وَاسْتِغْفَارٌ فَيُجَابَ، وَسُؤَالُ حَاجَةٍ فَتُقْضَى، فَوَقْتُ السَّحُورِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوْقَاتِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا الَّتِي هِيَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، إِذًا فَالسُّحُورُ زِيَادَةٌ فِي الْقُوَّةِ، وَزِيَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَزِيَادَةٌ فِي الرُّخَصِ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ إِتْيَانَهَا، وَزِيَادَةٌ فِي الْحَيَاةِ، وَزِيَادَةٌ فِي الرِّفْقِ فِيهَا، وَزِيَادَةٌ فِي اكْتِسَابِ الطَّاعَةِ، وَزِيَادَةٌ عَلَى الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الرُّخْصَةَ بَرَكَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فَقَدَتْ قِلَادَةً لَهَا فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى طَلَبِهَا، وَالنَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂: مَا هَذَا بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلَ الرُّخْصَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَرَكَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَرَكَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حِسَابَ فِيهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَرْبَعُ نَفَقَاتٍ لَا حِسَابَ لِلْعَبْدِ فِيهِنَّ: نَفَقَةٌ عَلَى عِيَالِهِ، وَعَلَى وَالِدِهِ، وَعَلَى إِفْطَارِهِ، وَعَلَى سَحُورِهِ " ⦗١٨٠⦘ ثُمَّ فِي السَّحُورِ فَوَائِدُ، قِيلَ: فِيهِ حُصُولُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَزُولُ الِاخْتِلَافُ فِي جَوَازِ صَوْمِهِ، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ﷺ : «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحُورِ» وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ﵏: إِنَّ السَّحُورَ وَقْتُ النَّجَاةِ، قَالَ تَعَالَى ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدَنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] ، كَأَنَّهُ جَعَلَ وَقْتَ السَّحَرِ وَقْتَ الزِّيَادَةِ نِعْمَةً وَنَجَاةً مِنْ نِعْمَةٍ، وَالسَّحُورُ يَكُونُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَتَيَقُّظُ الْمُتَسَحِّرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِهَلَاكِ مَنْ هَلَكَ، وَنَجَاةِ مَنْ نَجَا. وَقِيلَ فِيهِ: قَالَ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» أَيْ: بَرَكَةُ الْبُكُورِ

стр. 239

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 240

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح وَكِيعٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ يُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» ⦗١٨١⦘ قَالَ الشَّيْخُ ﵀: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى لَطَائِفَ يُحْدِثُهَا بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ لِيَصْرِفَ بِهَا وَجْهَهُ إِلَيْهِ، وَيُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ إِذَا شُغِلَ عَنْهُ بِاتِّبَاعِ شَهْوَةٍ، وَالِاشْتِغَالِ بِنَهْمَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ، وَالْمُحِبُّ يُحِبُّ إِقْبَالَ مَحْبُوبِهِ عَلَيْهِ، وَمُوَاجَهَتَهُ لَهُ، وَانْصِرَافَهُ إِلَيْهِ، وَيَكْرَهُ شُغْلَهُ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، وَإِعْرَاضَهُ عَنْهُ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا شُغِلَ بِنَهْمَتِهِ وَرَجَعَ إِلَى شَهْوَتِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى غَيْرِ مَوْلَاهُ حَرَمَهُ مَوْلَاهُ رِزْقَهُ الَّذِي إِلَيْهِ ضَرُورَتُهُ، وَبِهِ حَاجَتُهُ مِمَّا بِهِ قَوَامُهُ فِي مَعَايِشِهِ، وَعَوْزٌ عَلَى أَمْرِ مَعَادِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زَجْرًا مِنْهُ لَهُ، وَجَذْبًا إِلَيْهِ مِمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَصَرْفًا لَهُ عَمَّا شُغِلَ بِهِ إِلَى مَنْ شُغِلَ عَنْهُ، وَتَأْدِيبًا أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ كَالطِّفْلِ الَّذِي تَدَعُوهُ أُمُّهُ فَيُعْرِضُ عَنْهَا، وَيَعْدُو إِلَى لَهْوٍ، فَيَعْثُرُ، فَيَقَعُ، فَيَقُومُ، فَيَعْدُو إِلَى أُمِّهِ بَاكِيًا، وَيَتَلَحَّى إِلَيْهَا شَاكِيًا وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُ الذَّنْبَ بِشَهْوَةٍ تَغْلِبُهُ، وَنَهْمَةٍ لَا يُقَاوِمُهَا، فَيَحْرِمُهُ رَبُّهُ رِفْقَهُ، وَيَمْنَعُهُ رِزْقَهُ، فَيَنْتَبِهُ فَيُعْرِضُ عَنْ شَهْوَتِهِ، فَيَرْفُضُ نَهْمَتَهُ، وَيُقْبِلُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَالَّذِي يُبْغِضُهُ اللَّهُ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ، وَأَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَأَعْرَضَ بِقَلْبِهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَزِيدُهُ مِمَّا يُشْغَلُ بِهِ، وَيَصْرِفُهُ عَنْهُ بُغْضًا لَهُ وَمَقْتًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ، لِيَشْغَلَهُمْ بِهَا عَنْهُ، وَيُبَاعِدَهُمْ عَنْهُ، فَمَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ كَفَاهُ حَوَائِجَهُ، وَسَهَّلَ لَهُ مَرَافِقَهُ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فِي الِاشْتِغَالِ بِمَا دُونَهُ عَنْهُ يَكْفِهِ مُؤَنَهُ، وَيُخْرِجْهُ مِمَّا يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَيَقُومُ بِكِفَايَتِهِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ عَنْهُ شَاغِلٌ، بَلْ يَكُونُ شُغْلُهُ بِهِ، وَوَجْهُهُ إِلَيْهِ، وَمَنْ شُغِلَ بشَيْءٍ دُونَهُ أَوْ بِهِ فَحَرَمَهُ رِزْقَهُ، وَمَنْعَهُ رِفْقَهُ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ عَمَّا شُغِلَ بِهِ إِلَيْهِ , وَالرِّزْقُ الَّذِي يَحْرِمُهُ: الرِّفْقُ مِمَّا يَمْلِكُهُ، أَوْ زَوَالُ مُلْكِهِ عَنْهُ، وَأَنْ يَلْتَوِيَ عَلَيْهِ أَسْبَابُ رِزْقِهِ فَقُدِرَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُ عَلَيْهِ مَطْلَبُهُ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الرِّزْقِ الشُّكْرَ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ، قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: شُكْرُكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، فَيَكُونُ حِرْمَانُ الرِّزْقِ حِرْمَانَ الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، فَيُحْرَمُ الزِّيَادَةَ بِحِرْمَانِ الشُّكْرِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ ⦗١٨٢⦘ وَقَوْلُهُ: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَدَرُ سُبِقَ بِالدُّعَاءِ، كَمَا سُبِقَ بِالْقَدَرِ، فَيُصْرَفُ الْمَكْرُوهُ الْمَقْدُورُ بِالدُّعَاءِ الْمَقْدُورِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَسُئِلَ: أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرِقُّهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى هَلْ يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: «إِنَّهُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» هَذَا إِذَا كَانَ الْقَدَرُ سَبَقَ بِأَنْ يُرُدَّ الْمَكْرُوهُ مِنَ الْقَدَرِ بِالدُّعَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمَكْرُوهُ مَقْدُورًا أَنْ يُصِيبَهُ، وَيَقَعَ بِهِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ يُزِيلُ تَسَخُّطَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ، وَيَكُونُ الرِّضَا بِهِ مَقْدُورًا كَمَا كَانَ الْمَكْرُوهُ مَقْدُورًا، وَالْمَقْدُورُ إِنَّمَا يَكُونُ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ مُؤْلِمٌ مَسْخُوطٌ، شَدِيدُ التَّحَمُّلِ، فَإِذَا زَالَ التَّسَخُّطُ صَارَ الْمَكْرُوهُ مَحْبُوبًا، فَكَانَ الْمَكْرُوهُ الْمَقْدُورُ الْمُؤْلِمُ قَدْ صُرِفَ عَنْهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ مَقْدُورٌ مَحْبُوبٌ مُلِذٌّ، كَالْإِنْسَانِ يُسْقَى دَوَاءً فَيَتَكَرَّهُهُ لِمَرَارَتِهِ وَبَشَاعَتِهِ، فَيَذُوقُهُ لَا يَجِدُ لَهُ مَرَارَةً وَلَا بَشَاعَةً، فَيَتَلَذَّذُهُ وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْمَكْرُوهُ مَحْبُوبًا بِالدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ قُرْبَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ قَالَ ﷺ : «مَنْ أُذِنَ لَهُ بِالدُّعَاءِ لَا يُحْرَمُ الْإِجَابَةَ» فَالدَّاعِي مُقَرَّبٌ، فَالْمُقَرَّبُ مَشَاهِدٌ، أَمَّا إِنْ شَاهَدَ عَاقِبَةَ الْمَكْرُوهِ بِالثَّوَابِ الْمَوْعُودِ فِي الْآَجِلِ، وَالْمَصْرُوفِ عَنْهُ بِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْعَاجِلِ، أَوْ بِشُهُودِ الْمُقَدَّرِ لَهُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبِرُّ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْتِيَهُ , وَيَكُونَ زِيَادَةُ الْعُمُرِ مَقْدُورًا بِالْبِرِّ الْمَقْدُورِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْبِرُّ مَقْدُورًا لَمْ يَكُنْ زِيَادَةُ الْعُمُرِ مَقْدُورًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةُ الْعُمُرِ حُسْنَ الْحَالِ فِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ، وَالْأَجَلِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي لَا يَتَأَخَّرُ وَلَا يَتَقَدَّمُ، وَطِيبُ الْحَيَاةِ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧] الْآَيَةَ، وَطِيبُ الْحَيَاةِ بِالْإِرْتِفَاقِ فِي مَعَايِشِهِ، وَاكْتِسَابِ الطَّاعَةِ لِمَعَادِهِ، وَالْبِرُّ هُوَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ، وَالِانْتِهَاءُ عَمَّا زَجَرَ، وَالرِّضَا بِمَا حَكَمَ وَقَدَّرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُولُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] ، فَالتَّقْصِيرُ مِنَ الْعُمُرِ، وَالْيَسِيرُ مِنَ الْمُدَّةِ، وَإِذَا حَصَلَ مَعَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَالرِّفْقِ فِي الْمَعَاشِ مِنَ الْكِفَايَةِ فِي الْمُؤْنَةِ، وَصَوْنِ الْوَجْهِ، وَكَانَ الْعَبْدُ مَحْمُولًا فِي الْمَكَانِ مُيَسَّرًا لَهُ الْيُسْرَى، مَعْرُوفًا عَنِ الْعُسْرَى، صَارَ التَّقْصِيرُ مِنَ الْعُمُرِ طَوِيلًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِرِّ بِرَّ الْوَلَدِ بِوَالِدَيْهِ، وَبِرَّ الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَقَرَابَتَهُ وَجِيرَانَهُ، وَمَنْ يُعَاشِرُهُمْ، فَمَنْ حَسُنَتْ عِشْرَتُهُ خَلْقَ اللَّهِ طَابَتْ حَيَاتُهُ، وَفَائِدَةُ الْعُمُرِ طِيبُ الْحَيَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 241

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 242

قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى الْحَلِيمِ وَالصَّبُورِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهَةِ الَّتِي لَوْلَا وُرُودُ السَّمْعِ بِهِ لَمَا جَازَ وَصْفُ اللَّهِ بِهَا، وَقَدْ سَمَّى نَفْسَهُ حَلِيمًا، وَيُوصَفُ بِالْحِلْمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى صَبُورًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدِ السَّمْعُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى صَبُورًا، وَيُوصَفُ بِالصَّبِرِ، وَرُوِيَ الْخَبَرُ فِي الصَّبُورِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْحِلْمِ وَالصَّبْرِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: الْحِلْمُ بُنِيَ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالْعَفْوِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِانْتِقَامِ كَرْمًا وَفَضْلًا، وَالصَّبْرُ يُبْنَى عَلَى تَحَمُّلِ الْمَكْرُوهِ، وَتَجَرُّعِ الْغَصَصِ ضَرُورَةً تَكَلُّفًا وَتَجَلُّدًا، وَالْعَفْوُ وَالتَّجَاوُزُ وَالْقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ التَّكَلُّفُ وَالتَّجَرُّعُ وَالضَّرُورَةُ مِنْ أَوْصَافِهِ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَجَوَّزُوا وَصْفَهُ بِالْحِلْمِ، وَمَنَعُوا الصَّبْرَ، وَالصَّبْرُ مِنَ الْخَلْقِ حَبْسُ النُّفُوسِ، وَمَنْعُهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا الْمَحْظُورَةِ فَرْضًا حَتْمًا، وَعَنْ شَهَوَاتِهَا الْمُبَاحَةِ تَطَرُّفًا وَأَدَبًا وَرِيَاضَةً، وَقَدْ قَالَ الْحَكِيمُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغْفِلَ قَلِيلَ الشَّهْوَةِ وَلَا كَثِيرَهَا، فَإِنَّ كَثِيرَهَا تَلَفٌ، وَقَلِيلَهَا دَنَاءَةٌ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَكَارِهِ، وَتَجَرُّعِ الْغَصَصِ عِنْدَ مُنَازَعَةِ النَّفْسِ إِلَى الِاسْتِرْوَاحِ بِالِانْتِقَامِ وَالْجَزَعِ إِمَّا خَوْفًا مِمَّا هُوَ أَشَدُّ فِي الْمَكْرُوهِ مِنْهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ، أَوْ حَاجَةً إِلَى الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ مِنْهُ، وَالْأَذَى كُلُّ مَا يُكْرَهُ وَيُسْخَطُ مِنْ قَوْلٍ، وَيُؤْلِمُ وَيَغُمُّ مِنْ فِعْلٍ. فَمَعْنَى الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَبْسَ الْعُقُوبَةِ عَنِ الْمُؤْذِي لَهُ بِمَا يَكْرَهُ وَيَسْخَطُ وَيَنْقُصُ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِهِ، وَجَعْلِ الْأَوْلَادِ لَهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ ⦗١٨٤⦘، وَالْأَخْذِ لَهُمْ، وَالتَّدَسُّرِ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ يَحْبِسُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ، وَيُؤَخِّرُ عَنْهُمْ عَذَابَهُ، وَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهَا عَلَى شِرْكِهِمْ بِهِ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا تَأْخِيرِ الْعُقُوبَةِ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ، فَهُوَ أَصْبَرُ عَلَى الْأَذَى مِنَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ الْخَلْقَ يُؤْذَوْنَ بِمَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ وَفِيهِمْ، وَمَا يُؤْذُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا إِضَافَةً، وَهُمْ إِنْ صَبَرُوا صَبَرُوا ضَرُورَةً وَتَكَلُّفًا وَرِقًّا وَعُبُودَةً، ثُمَّ لَا يُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ يُؤْذِيهِمْ. فَفِي الْحَدِيثِ إِبَانَةٌ عَنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ فِي تَرْكِ مُعَاجَلَةِ الْعُقُوبَةِ، وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ، وَإِدْرَارِ الرِّزْقِ عَلَى الْمُؤْذِي لَهُ وَعَاقِبَتِهِ إِيَّاهُ، فَهَذَا كَرَمُهُ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ يُؤْذِيهِ وَيَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَغِيضُهُ وَعَدُوُّهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِمُعَامَلَتِهِ مَعَ مَنْ يَتَحَمَّلُ الْأَذَى فِيهِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَهُوَ وَلِيُّهُ وَحَبِيبُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] ، وَقَالَ ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، سُبْحَانَ الْكَرِيمِ الرَّحِيمِ الرَّءُوفِ الْحَلِيمِ. فَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا حَثٌّ عَلَى الصَّبْرِ، وَتَحَمُّلِ الْأَذَى فِيمَا يُصِيبُ الْعَبْدَ مِمَّا يَكْرَهُهُ وَيَغُمُّهُ وَيُؤْلِمُهُ وَيَشُقُّ، كَأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤْذَى بِالْغَايَةِ مِنَ الْأَذَى، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَهُوَ يُؤَخِّرُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ، وَيَحْبِسُ عَنْهُمْ عَذَابَهُ مَعَ تَعَالِيهِ عَنْ جَرِّ مَنْفَعَةٍ فِيهِ، أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْهُ، فَالْعَبْدُ الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ إِلَى الثَّوَابِ الْمَوْدُوعُ عَلَى الصَّبْرِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْعُقُوبَةِ الْمُتَوَعِّدُ عَلَى الْجَذَعِ عَلَى أَدْنَى أَذًى يَلْحَقُهُ ثُمَّ يَعْتَاضُ عَلَيْهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَصْبِرَ وَأَحَقُّ

стр. 243

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 244

قَالَ الشَّيْخُ ﵀: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح هُشَيْمٌ قَالَ: ح عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ، أَوْ ذِكْرِ اللَّهِ» ⦗١٨٥⦘ قَالَ الشَّيْخُ ﵀:: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِبِنَاءِ بَيْتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهِ عِبَادَهُ فَقَالَ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ، فَدَعَاهُمْ، فَأَجَابُوهُ، فَهُمْ يَأْتُونَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَهُ، قَاصِدِينَ إِلَيْهِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَإِذَا حَلُّوا بِفِنَائِهِ، وَأَنَاخُوا بِبَابِهِ طَوَّفُوا حَوْلَ بَيْتِهِ، فَقَرَّبَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ وَصَافَحَهُمْ بِيَدِهِ الَّتِي هِيَ الْحَجَرُ، فَقَبَّلُوهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَجَرِ: «هُوَ عَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ»

стр. 245

قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّائِغُ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: ح أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي الرُّكْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ، لَهُ لِسَانٌ وَشَفَتَانِ، يَتَكَلَّمُ عَمَّنِ اسْتَلَمَهُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ عَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: ثُمَّ خَرَجُوا إِلَيْهِ يَتَعَرَّضُونَ لِمَا عِنْدَهُ، وَيَطْلُبُونَ مَا وَعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ، فَأَعْطَاهُمْ مَا سَأَلُوهُ، وَبَلَّغَهُمْ مَا أَمَّلُوهُ، وَزَادَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ لَذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، وَكُلٌّ قَدْ أَهْدَى عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ، وَمَبْلَغِ طَاقَتِهِ، تَوَسُّلًا إِلَيْهِ، وَقُرْبَةً مِنْهُ مُرْغِبِينَ، أَشْعَرُوا قُلُوبَهُمُ التَّقْوَى، فَذَبَحُوا مَنَاسِكَهُمْ، وَأَهْدُوا الْهَدَايَا، فَتَقَبَّلَهَا مِنْهُمْ بِتَقْوَى قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] ، فَكَانَتِ التَّقْوَى هِيَ الرَّافِعَةَ لِتِلْكَ الْهَدَايَا إِلَيْهِ، كَمَا كَانَ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ صَاعِدًا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَبِلَهَا مِنْهُمْ، وَحَازَهَا لَدَيْهِ، وَصَارَتْ لَهُ، وَحَصَلَتْ عِنْدَهُ، اتَّخَذَ لَهُمْ ضِيَافَةً، وَنَصَبَ لَهُمْ مَاءَهُ، جَمَعَهُمْ عَلَيْهَا، فَأَطْعَمَهُمْ مِمَّا عِنْدَهُ، وَهُوَ مَا تَقَرَّبُوا بِهِ إِلَيْهِ، وَقَبِلَهُ عَنْهُمْ، فَصَارَتْ لَهُمْ مَقْبُولَةً مُطَهَّرَةً أَذْهَبَ

стр. 246

عَنْهَا وَخَامَةَ تَصَرُّفِهِمْ فِيهَا، وَوَبَاءَ مُسَاكَنَتِهِمْ إِلَيْهَا، فَأَطْعَمَهَا إِيَّاهُمْ، وَجَازَ بِهَا عَلَيْهِمْ، فَهُمْ فِي ضِيَافَةٍ أَيَّامَ مِنًى الَّتِي هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَمَامُ الضِّيَافَةِ

стр. 247

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِلضَّيْفُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» فَاللَّهُ تَعَالَى يُوسِعُ زُوَّارَهُ وَأَهْلَ ضِيَافَتِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِيَالِهِ يُجْرِي عَلَيْهِمْ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ، وَمِنْ سُنَّةِ الْمُلُوكِ أَنَّهُمْ إِذَا اتَّخَذُوا ضِيَافَةً أَطْعَمُوا مَنْ عَلَى الْبَابِ، كَمَا يُطْعِمُونَ مَنْ فِي الدَّارِ، فَالْكَعْبَةُ الْبَيْتُ، وَالْحَرَمُ الدَّارُ، وَسَائِرُ أَقْطَارِ الْأَرْضِ بَابُ الدَّارِ، فَعَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْجَمِيعَ بِضِيَافَتِهِ، فَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ، وَقَالَ ﷻ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، ثُمَّ النَّاسُ أَبْدَانٌ وَأَرْوَاحٌ، فَأَطْعَمَ اللَّهُ ضَيْفَهُ، وَمَنْ عَلَى بَابِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] ، فَهَذَا غِذَاءُ الْأَبْدَانِ، وَأَوْسَعَ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ غِذَائِهَا بِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ غِذَاءُ الْأَبْدَانِ، وَذِكْرُ اللَّهِ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ، لِذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِالْأَذْكَارِ لِيَكُونَ غِذَاءً لِأَرْوَاحِهِمْ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْأَكْلِ وَالْإِطْعَامِ لِيَكُونَ غِذَاءً لِأَبْدَانِهِمْ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى»

стр. 248

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 249

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ صَفْوَانَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الشُّحُّ أَشَدُّ الْبُخْلِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْبَعْقَةِ وَإِمْسَاكِهَا، قَالَ اللَّهُ ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] ، وَقَالَ فِي الشُّحِّ ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب: ١٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، فَالشُّحُّ تُنْبِئُ عَنِ الْكَزَازَةِ وَالِامْتِنَاعِ وَالتَّأَنِّي وَقِلَّةِ الْمُوَانَاةِ، فَهُوَ يَكُونُ فِي الْمَالِ خَاصَةً، وَفِي جَمِيعِ مَنَافِعِ الْبَدَنِ عَامَّةً، فَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَمِنَ التَّصْدِيقِ تَصْدِيقُ اللَّهِ فِيمَا تَكَفَّلَ بِهِ مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَفِيمَا وَعَدَ مِنَ الْخَلَفِ عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَالثَّوَابِ فِي الْعُقْبَى. وَالْبُخْلُ يَكُونُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْلُفَ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْقِيقُ الثَّوَابُ مِنْ قِبَلِهِ، فَالْبُخْلُ بِالْمَالِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَسُوءُ الظَّنِّ يُوهِنُ التَّصْدِيقَ وَالِامْتِنَاعَ وَقِلَّةَ الْمُوَانَاةِ، وَالتَّأَنِّي قَدْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَأَوَامِرِ اللَّهِ وَفُرُوضِهِ وَأَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ فِي تَرْكِ الْمُعَاوَنَةِ لَهُمْ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَالنُّصْحِ لَهُمْ، فَالِامْتِنَاعُ وَالتَّأَنِّي عِنْدَ الْأَوَامِرِ يُوهِنُ التَّصْدِيقَ بِقُبُولِهَا وَصُعُوبَةِ الِانْتِقَاءِ، وَقِلَّةُ الْمُوَانَاةِ يُوهِنُ التَّصْدِيقَ بِالْقَدَرِ، فَمَنْ صَدَّقَ بِالْقَدَرِ انْقَادَ لِلْأَحْكَامِ، وَمَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا قَلِيلَ الْمُعَاوَنَةِ تَارِكًا لِلنُّصْحِ لِلْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُشْفِقٍ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» ⦗١٨٨⦘. وَقَالَ ﷺ : «وَاللَّهِ لَا تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَحَابُّوا» ، فَالشُّحُّ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ يُخَالِفُ الْإِيمَانَ وَحَقِيقَتَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» ، وَالْمَعْنَى فِي الْإِيمَانِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ وَمُوجِبُهُ كَمَا أَخْبَرَ حَارِثَةُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَتَمَكُّنِ التَّصْدِيقِ مِنْ قَلْبِهِ بِمَا أَخْبَرَ الْلَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُ شُهَودَ عَيَانٍ، فَمَنْ تَحَقَّقَ فِي إِيمَانِهِ، وَصَدَّقَ بِإِيقَانِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَرْكُ الدُّنْيَا وَالْعُزُوفُ عَنْهَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ وَانْفَتَحَ» قِيلَ: فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ نَوَّرَ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، وَشَرَحَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ صَدْرَهُ سَهُلَ عَلَيْهِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الدُّنْيَا، فَمَنْ عَكَفَ عَلَيْهَا، وَبَخِلَ بِهَا، وَسَكَنَ إِلَيْهَا، وَشَحَّ عَلَيْهَا لَمْ يَخَامِرْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ قَلْبُهُ شُهُودًا، وَإِنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ عَلَى تَكْذِيبِهِ عَقْدًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ ضَعِيفُ الْإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ، فَوَصَفَ الْإِيمَانَ بِالضَّعْفِ، وَلَمْ يَنْفِهِ كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَقُوَّةُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا

стр. 250

حَدِيثٌ آخَرُ
следующие страницы →