← Книги сунны

Книги сунны · id 13084

بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي

أبو بكر الكلاباذي

Полный текст (520 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ح قَيْسُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: ح قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ح مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَذِهِ فَوَاللَّهِ مَا أُخْفِيَ عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودِكُمْ إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي» ⦗٣٠١⦘ وَنَهَى عَنِ الْوِصَالِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَتُوَاصِلُ فَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» وَقَالَ: ﷺ : «لَسْتُ أَنْسَى وَلَكِنِّي أُنَسَّى لَيُسْتَنَّ بِي» . فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ عَنْ سِرِّهِ، وَأَنَّهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ الْآفَةَ الَّتِي تُجَلِّي ظَاهِرَهُ مِنْ ضَعْفٍ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَوَرَمٍ عِنْدِ الْقِيَامِ وَسَهْوٍ فِي صَلَاةٍ، وَنَوْمٍ عَنْ صَلَاةٍ لَا يُجَلِّي شَيْءٌ مِنْهَا بَاطِنَهُ وَسِرَّهُ، فَقَالَ: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ، لِأَنَّ النَّوْمَ آفَةٌ وَلَوْ حَلَّتِ الْآفَةُ قَلْبَهُ لَجَازَ أَنْ تُحِلَّهُ سَائِرُ الْآفَاتِ مِنْ نِسْيَانِ وَحْيٍ، وَتَوَهُّمٍ فِيهِ وَغَفْلَةٍ عَنْهُ وَسَأْمَةٍ مِنْهُ، وَفَزَعٍ يَمْنَعُهُ عَنْ وَاجِبٍ، فَعَصَمَ اللَّهُ مَعَ مَوْضِعِ الْخَاطِرِ مِنَ النَّاسِ عَلَى لُحُوقِ هَذِهِ الْآفَاتِ سِرَّهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . وَنَامَ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُعْلَمَ النَّاسَ مَاذَا عَلَيْهِمْ إِذَا نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَأَمْسَكَ عَيْنَيْهِ وَأَنَامَهَا لَيَصِيرَ بِذَلِكَ سُنَّةً فِيمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَنْ وَقْتِهَا، وَأَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِتَفْرِيطٍ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ» وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَا أَنَامُ، وَلَكِنْ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ، وَإِنَّمَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لِنَوْمِ عَيْنَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَامَ غَطَّ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ إِذَا انْتَبَهَ مِنْ مَنَامِهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنَامُ ظَاهِرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَنَامُ قَلْبُهُ عَنْ مَقَامِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَنْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وَفِي حَدِيثٍ: «لَا نَوْمَ هُنَاكَ» ، أَلَا تَرَى يَقُولُ: «إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي» قَالَ: أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي دَائِمًا، أَرَادَ بِقَلْبِهِ؛ ⦗٣٠٢⦘ لِأَنَّ قَلْبَهُ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ هُنَالِكَ مَجَالُهُ، وَثَمَّةَ مَسْكَنُهُ وَقَرَارُهُ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ نَوْمٌ، وَبَدَنُهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَعِنْدَ أَزْوَاجِهِ فِي حَيْثُ يَكُونُ فِيهِ النَّوْمُ وَسَائِرُ الْآفَاتِ، فَتَنَامُ عَيْنُهُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَنَمْ قَلْبُهُ عَمَّا فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ حَرَكَاتُ الْبَدَنِ، وَالنَّوْمُ حَلَّ فِي الْبَدَنِ، وَلَيْسَ الصَّلَاةُ مَقَامَ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ فِي الصَّلَاةِ مَقَامُهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» وَلَمْ يَقُلْ: جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِي الصَّلَاةُ، فَكَانَ فِي الصَّلَاةِ مَقَامٌ لِقَلْبِهِ كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنَيْهِ فِيهِ فَلَمْ يَنَمِ الْقَلْبُ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَنَامَتِ الْعَيْنُ عَنْ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ كَمَا لَمْ يَنْسَ وَلَكِنْ يُنَسَّى، وَمَعْنَى أُنْسِيَ أَيْ تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهِ أَحْوَالُ النِّسْيَانِ، وَالنِّسْيَانُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَسْتُ أَنْسَى» ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَفْلَةٌ، وَالْغَفْلَةَ آفَةٌ، وَقَدْ بَانَ أَنَّ الْآفَةَ تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ فَكَانَ يَسْهُو وَلَا يَنْسَى؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَفْلَةٌ، وَلَيْسَ السَّهْوُ بِغَفْلَهٍ، فَكَانَ يَسْهُو فِي صَلَاةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَغْفَلُ عَنْهَا، وَالسَّهْوُ شُغْلٌ فِيهَا فَرُبَّمَا كَانَ يَشْغَلُهُ عَنْ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ مَا فِي الصَّلَاةِ فَيُقَدِّمُ أَوْ يُؤَخِّرُ شُغْلًا فِيهَا لَا غَفْلَةً عَنْهَا، فَكَذَلِكَ كَانَ يَنَامُ عَنْهَا لِيَكُونَ عَلَمًا لِلنَّاسِ وَسُنَّةً لِلْأُمَّةِ، وَلَا يَنَامُ عَمَّا فِيهَا فَيَكُونُ غَفْلَةً مِنْهُ وَآفَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 387

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 388

- ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ بَرَاءَاتٌ، وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالْوَلَايَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ أَمَانٌ مِنَ الْعَذَابِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْآلِ: فَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ قَوْمُ الرَّجُلِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: آلُ فِرْعَوْنَ أَهْلُ مِلَّتِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ وَلَدُ الرَّجُلِ

стр. 389

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: ح أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُدَيْمِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَالَ: ح شَرِيكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: سُئِلَ ⦗٣٠٣⦘ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: مَنْ آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْعِبَادَ فِي آلِ عَلِيٍّ وَآلِ جَعْفَرٍ

стр. 390

وَحَدَّثَنَا حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَأَهْلَ بَيْتِي، أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَأَهْلَ بَيْتِي - ثَلَاثًا -» قَالَ: فَقُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ قَالَ: آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ الْعَبَّاسِ وَقَالَ قَائِلُونَ: آلُ الرَّجُلِ وَلَدُهُ وَنَسْلُهُ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِلنَّابِغَةِ: [البحر الطويل] قُعُودٌ عَلَى آلِ الْوَجِيهِ وَلَاحِقٌ ... يُقِيمُونَ أَوْلِيَاءَهَا بِالْمَقَارِيعِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَوَلَدَهُ؛ لِأَنَّ آلَ عَلِيٍّ وَلَدُهُ. فَقَوْلُهُ ﷺ : «مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةُ حَقِّ آلِ مُحَمَّدٍ، وَمَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ بِإِيجَابِ حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ حُكْمُهَا أَنْ تَعْلَمَ الشَّيْءَ بِالدَّلِيلِ وَالْعَلَامَةِ، سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْحَكِيمَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: الْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ بِصُورَتِهَا وَسِمَاتِهَا، وَالْعِلْمُ عِلْمُ الْأَشْيَاءِ بِحَقَائِقِهَا، فَإِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ عَلَى الشَّيْءِ بِصُورَتِهِ وَسِمَتِهِ كَانَ مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ بِصُورَتِهِمْ وَسِمَتِهِمْ، وَسِمَتُهُمْ أَنَّهُمْ آلُ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ، وَأَنَّهُمْ آلُ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَكَانَ مَنْ عَرَفَهُمْ كَأَنَّمَا عَرَفَهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ عَرَفَهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ أَنْ يَعْرِفَ النَّبِيَّ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْفَضْلِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِذَا عَرَفَهُ بِذَلِكَ عَرَفَ وُجُوبَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ حَقَّهُ، وَأَلْزَمَ حُرْمَتَهُ، وَفَرَضَ طَاعَتَهُ، فَإِذَا عَرَفَ ⦗٣٠٤⦘ ذَلِكَ عَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَعَرَفَ آلَهُ بِهِ، وَعَرَفَ حُرْمَتَهُمْ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُمْ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ عَرَفَ حَقَّ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، وَعَرَفَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَهُ مِنْ عَظِيمِ حُرْمَتِهِ، وَوَاجِبِ حَقِّهِ، وَفَرْضِ طَاعَتِهِ أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْقِيَامِ بِمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَّتِهِ ﷺ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَصَّرَ بِوَاجِبِهِ فِعْلًا، وَصَدَّقَ بِهِ عَقْدًا وَإِقْرَارًا، كَانَتْ بَرَاءَةً مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَعْرِفَةُ حَقِّ اللَّهِ مَعْرِفَةُ حَقِّي، وَمَنْ عَرَفَ حَقَّهُ عَرَفَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄: «مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ» ، فَكَمَا كَانَ حُبُّ آلِهِ حُبَّهُ، وَحُبُّهُ حُبَّ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ آلِهِ مَعْرِفَةُ حَقِّهِ، وَمَعْرِفَةُ حَقِّ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ» ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصِّرَاطِ

стр. 391

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: ح بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: ح حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: ح النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: طَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ» ، قُلْتُ ⦗٣٠٥⦘: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْمَوَاطِنَ» فَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصِّرَاطِ أَجَازَ آلَهُ، وَمَنْ أَحَبَّ آلَهُ فَهُوَ مِنْ آلِهِ وَمَعَ آلِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» فَمَنْ أَحَبَّ آلَ مُحَمَّدٍ كَانَ مَعَهُمْ، وَهُوَ ﷺ عَلَى الصِّرَاطِ فَهُوَ لَا يُؤْثِرُ عَلَيْهِمْ بَلْ يُؤْثِرُهُمْ

стр. 392

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ قَالَ: ح دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: أَتَى فَتَيَانِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: اسْتَعْمِلْنَا عَلَى الصَّدَقَةِ نُصِيبُ مَا يُصِيبُ النَّاسُ، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِذَا أَخَذْتُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ هَلْ أُوثِرُ عَلَيْكُمْ؟» فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِفْصَاحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ بَنُو هَاشِمٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤْثِرُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ أَيْ بِإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الصِّرَاطِ لَا يُؤْثِرُ عَلَيْهِمْ بِإِجَازَتِهِ وَهُوَ مُطَاعٌ ثَمَّ أَمِينٌ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «الْوَلَايَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ أَمَانٌ مِنَ الْعَذَابِ» الْوَلَايَةُ هِيَ: الْمُوَالَاةُ، وَالْمُوَالَاةُ ضِدُّ الْمُعَادَاةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالِاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» يَعْنِي عَلِيًّا ﵁، وَالْوَلَايَةُ ⦗٣٠٦⦘ الصَّدَقَاتُ، وَالْوَلَايَةُ الْمُخَالَفَةُ قَالَ اللَّهُ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ الْخُلَفَاءُ: وَالْوَلَايَةُ النُّصْرَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ، أَيْ: لَا نَاصِرَ لَهُمْ، فَالْوَلَايَةُ الِاخْتِصَاصُ؛ لِأَنَّ النُّصْرَةَ وَالْحَلِفَ وَالصَّدَاقَةَ اخْتِصَاصٌ، وَالِاخْتِصَاصُ بِآلِ مُحَمَّدٍ وَمُصَادَقَتُهُمْ وَنُصْرَتُهُمْ نُصْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمُوَالَاةُ النَّبِيِّ ﷺ يُوجِبُ وَلَايَةَ اللَّهِ ، وَوَلَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى تُوجِبُ الْأَمَانَ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْعَذَابُ يَكُونُ فِي الْقَبْرِ، وَيَكُونُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَيَكُونُ فِي النَّارِ، فَمَنْ أَمِنَ الْعَذَابَ أَمِنَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى آلِ مُحَمَّدٍ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ

стр. 393

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمُعَدِّلُ، قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ: ح شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَ: ح نَافِعٌ أَبُو هُرْمُزَ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: " لَقَدْ سَأَلْتُمُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَكُمْ: آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ " قَالَ الْحَنَفِيُّ: يَا أَبَا حَمْزَةَ كُلُّ تَقِيٍّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُلُّ تَقِيٍّ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ آلُكَ؟ قَالَ: «كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ نَقِيٍّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ» فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْرِفَةُ الْأَتْقِيَاءِ مُخَالَطَتُهُمْ وَمُدَاخَلَتُهُمْ، وَمَنْ خَالَطَ قَوْمًا تَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِمْ وَاقْتَدَى، كَانَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ» فَآلُ مُحَمَّدٍ: كُلُّ تَقِيٍّ، فَمَنْ أَحَبَّ الْأَتْقِيَاءَ كَانَ مَعَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ، وَأُخْرَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ تُوجِبُ مَحَبَّةَ أَوْصَافِ الْمَحْبُوبِ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا أَحَبَّ أَوْصَافَهُ وَأَخْلَاقَهُ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا اقْتَنَاهُ وَحَازَهُ وَسَعَى فِي تَخْلِيصِهِ عِنْدَهُ، فَكَانَ مَنْ أَحَبَّ الْأَتْقِيَاءَ أَحَبَّ أَفْعَالَهُمْ، وَإِذَا أَحَبَّ أَفْعَالَهُمْ سَعَى فِي تَحْصِيلِهَا التَّقْوَى فَمَنْ حَصَّلَ التَّقْوَى فَهُوَ مُتَّقٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ، فَصَحَّ جَوَازُهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالْوَلَايَةُ لِلْأَتْقِيَاءِ وَالِاخْتِصَاصُ بِهِمْ وَالْمُصَادَقَةُ مَعَهُمْ وَالْمُصَافَاةُ، وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ تُوجِبُ الِاتِّصَافَ بِصِفَتِهِمْ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِأَوْصَافِ الْأَتْقِيَاءِ فَهُوَ مُتَّقٍ، وَالْمُتَّقُونَ آمِنُونَ مِنَ الْعَذَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ⦗٣٠٧⦘ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] ، وَمَنْ كُفِّرَتْ سَيِّئَاتُهُ، وَأُعْظِمَ أَجْرُ حَسَنَاتِهِ أَمِنَ مِنَ الْعَذَابِ لَا مَحَالَةَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَمَنْ يَتَوَلَّى الْأَتْقِيَاءَ تَوَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ الْهَادِي

стр. 394

حَدِيثٌ آخِرُ

стр. 395

ح أَبُو سَعِيدٍ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ» كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْفِقًا عَلَى أُمَّتِهِ، عَطُوفًا عَلَيْهِمْ، رَحِيمًا بِهِمْ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، فَمِنْ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ مِنَ الْمَظْلُومِ عَنِ الظَّالِمِ، وَيُحِبُّ التَّجَاوُزَ، وَيَكْرَهُ الِانْتِصَارَ وَالِانْتِقَامَ لِلنَّفَسِ وَالْخُصُومَةَ لَهَا، وَيُحِبُّ السَّتْرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ، وَقَالَ ﷺ : «مَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا»

стр. 396

وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفِضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَتُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، وَالْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ح الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَفَقَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأْفَةٌ بِهِمْ فَكَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ عَنْهُمْ، وَتَرْكَ الِانْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ لِلْمَظْلُومِ، وَرُبَّمَا تَرَكَ الِانْتِصَارَ لِلْمَظْلُومِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتَعْدَاءِ عَلَى ظَالِمِهِ، وَيَدَعُهُ وَلَا يُطَالِبُهُ بِمَظْلِمَتِهِ، وَلَكِنْ يَدْعُو عَلَيْهِ وَيُرِيدُ أَنْ يَذُوقَ الظَّالِمُ وَبَالَ ظُلْمِهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْ ظَالِمِهِ حِينَ تَرَكَ الِاسْتَعْدَاءَ عَلَيْهِ وَالِانْتِقَامَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ. فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى ظَالِمِهِ مُنْتَصِرٌ وَلَيْسَ بِعَافٍ عَنْهُ وَلَا مُتَجَاوِزٍ، وَمَنْ عَفَا وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُنْتَصِرَ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَالْمُسْتَعْدِيَ عَلَيْهِ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ ظَالِمِهِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فِي انْتِصَارِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَجِبْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] ⦗٣٠٩⦘ . فَقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدِ انْتَصَرَ» تَعْرِيضٌ مِنْهُ لِكَرَاهَةِ الِانْتِصَارِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى الْعَفْوِ الَّذِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهِ

стр. 397

وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا وَسَمِعَهَا تَدْعُو عَلَى سَارِقٍ سَرَقَهَا، فَقَالَ: " لَا تَسْتَجْنِي عَنْهُ بِدُعَائِكِ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ قَوْلَهُ ﷺ : «لَا تَسْتَجْنِي» لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ، فَقَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ «لَا تَسْتَجْنِي عَنْهُ» زَجْرٌ لَهَا عَنِ الِانْتِقَامِ وَالِانْتِصَارِ مِنَ السَّارِقِ غَيْرَ أَنَّهُ أَتَاهَا مِنْ أَلْطَفِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّلِ مَا أَصَابَهَا فَثَقُلَتْ لِذَلِكَ وَأَرْمَضَتْ فَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ إِنْ سَأَلَهَا أَنْ لَا تَدْعُوَ عَلَى سَارِقَهَا وَتَعْفُوَ عَنْهُ لَمْ تَسْنَحْ نَفْسُهَا لِذَلِكَ، وَلَمْ تُطَاوِعْهَا، فَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا تُخَفِّفُ عَنْهُ بِدُعَائِهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ تَرَى أَنَّهَا تُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَتُرِيدُ الِانْتِقَامَ مِنْهُ بِأَغْلَظِ الْعُقُوبَةِ وَأَشَدِّ الْعَذَابِ، فَقَالَ لَهَا: تُرِيدِينَ التَّغْلِيظَ وَأَنْتِ تُخَفِّفِينَ بِدُعَائِكِ عَلَيْهِ عَنْهُ لِتَطِيبَ نَفْسُهَا بِتَرْكِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا تَدْعُوَ عَلَيْهِ، وَهِيَ إِذَا تَرَكَتِ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ وَالتَّتَبُّعَ لَهُ وَأَخْذَ الظُّلَامَةِ مِنْهُ فَقَدْ عَفَتْ عَنْهُ فَوَجَبَ أَجْرُهَا عَلَى اللَّهِ . فَأَشْفَقَ ﷺ عَلَيْهَا فَأَحَبَّ أَنْ لَا يُحَرَّمُ أَجْرُهَا عَلَى اللَّهِ ، وَالشَّفَقُ عَلَى سَارِقِهَا أَنْ يُؤَاخَذَ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهَا بِدُعَائِهَا عَلَيْهِ فَصَرَفَهَا عَنِ الِانْتِقَامِ وَالِانْتِصَارِ بِأَلْطَفِ الْوُجُوهِ، وَدَعَا إِلَى الْعَفْوِ الَّذِي أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵊. وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَسْتَجْنِي عَنْهُ» كَرَاهَةَ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَفْوِ وَنَدْبٌ إِلَى التَّجَاوُزِ، وَكَيْفَ يَكْرَهُ التَّخْفِيفَ عَنِ الظَّالِمِ، وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَحُثُّ بِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا» يَتْلُو عَلَيْهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] ، وَقَوْلِهِ ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ولَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]

стр. 398

وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا: مَا رَأَيْتُ ⦗٣١٠⦘ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلِمَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا انْتُهِكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَيْسٌ، وَحَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا

стр. 399

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 400

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ مَهْدَوَيْهِ بْنِ الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَزْدَادَ بْنِ سَيَّارِ بْنِ دِينَارٍ النَّجَّارُ، بِهَمْذَانَ قَالَ: ح ابْنُ ظَرِيفٍ قَالَ: ح الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رِضَى اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّدَاءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِبَارَةً عَنِ الْجَمَالِ وَالْبَهَاءِ، وَالْإِزَارُ عِبَارَةً عَنِ الْجَلَالِ وَالسَّتْرِ وَالْحِجَابِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَا يَجْمُلُ الْكِبْرِيَاءُ، وَلَا يَحْسُنُ بِأَحَدٍ إِلَّا بِي؛ لِأَنَّ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَصَغَارٌ، الْحَدَثُ لَهُ لَازِمٌ، وَنَسِبَةُ الْعَجْزِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وَالِاضْطِرَارُ عَلَيْهِ بَيِّنٌ، فَكَيْفَ يَجْمُلُ الْكِبْرِيَاءُ بِمَنْ لَا يَنْفَكُّ مِنَ الْحَدَثِ وَالِاضْطِرَارِ وَالْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ، بَلْ يَجْمُلُ ذَلِكَ بِالْقَادِرِ الْقَهَّارِ الْقَوِيِّ الْجَبَّارِ الْغَنِيِّ الْعَلِيِّ الْوَاهِبِ الْمُعْطِي سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالْإِزَارُ عِبَارَةٌ عَنِ السِّتْرِ وَالْحِجَابِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْإِدْرَاكِ وَالْإِحَاطَةِ بِهِ عِلْمًا وَكَيْفِيَّةً لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ كَانَ مَعْنَاهُ: حَجَبْتُ خَلْقِي عَنْ إِدْرَاكِ ذَاتِي وَكَيْفِيَّةِ صِفَاتِي بِالْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، فَقَدْ وَنِيَتِ الْإِنْسُ عَنْ كُنْهِ صِفَاتِهِ، وَخَنَسَتِ الْعُقُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَاتِهِ، وَفَرَّتِ الْأَوْهَامُ عَنْ حَقَائِقِ نُعُوتِهِ، إِذْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَمَعْنَى الْمُنَازَعَةِ الدَّعْوَى قَوْلًا وَعِبَارَةً وَفِعْلًا وَإِشَارَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى فِيهِ وَالْمُرَادِ مِنْهُ

стр. 401

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 402

ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀ فِي قَوْلِهِ: «لَا تَبَاغَضُوا» إِشَارَةٌ إِلَى الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ، وَالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَنَهْيٌ عَنِ النِّحَلِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ، وَتَخْرُجُ عَنِ السُّنَّةِ النَّاطِقَةِ، وَالْكِتَابِ الْمُحْكَمِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الدِّينِ هِيَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّبَاغُضِ، وَلَيْسَ مَا دُونَهُ مِنْ سَائِرِ الْمُخَالَفَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْمُنَازَعَاتِ فِي خُصُومَاتِ الْأَنْفُسِ وَمَظَالِمِ الْأَمْوَالِ، وَمُطَالَبَاتِ الْحُظُوظِ وَالْوِلَايَاتِ بِسَبَبِ التَّبَاغُضِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَحَقِّقِينَ بِإِيمَانِهِمْ لَا تَبْلُغُ مُطَالَبَاتُ حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ، وَخُصُومَاتُ الْأَمْوَالِ وَالْجِنَايَاتِ بَيْنَهُمْ مَبْلَغًا يُوجِبُ التَّبَاغُضَ بَيْنَهُمْ. أَلَا تَرَى إِلَى مَا كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْمُنَازَعَاتِ فِي الْخِلَافَةِ، وَالْمُخَالَفَاتِ فِي الْوَلَايَةِ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ مَبْلَغَ الْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا

стр. 403

وَقَالَ أَيْضًا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ، وَأَبُو بَكْرٍ مِنْهُمْ، وَعُمَرُ مِنْهُمْ، وَالزُّبَيْرُ مِنْهُمْ، وَطَلْحَةُ مِنْهُمْ، وَعُثْمَانُ مِنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ سَعْدٌ مِنْهُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ وَهُوَ يَقُولُ ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] حَدَّثَنَاهُ أَبُو رَجَاءٍ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سِرْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]

стр. 404

وَقَالَ مُعَاوِيَةُ فِي عَلِيٍّ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ النُّعْمَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ الْأَشَوِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ التَّمْرِيِّ، بَصَرِيٌّ، وَقَالَ: الْأَزْهَرِيُّ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ: ح أَبِي، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: سَلْ عَنْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ: أُرِيدُ جَوَابَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا , قَالَ: وَيْحَكَ لَقَدْ كَرِهْتَ رَجُلًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقِرُّهُ بِالْعِلْمِ عِزًّا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» وَلَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَسْأَلُهُ فَيَأْخُذُ عَنْهُ، وَكَانَ إِذَا أُشْكِلَ عَلَى عُمَرَ شَيْءٌ فَقَالَ: هَاهُنَا عَلِيٌّ، قُمْ لَا أَقَامَ اللَّهُ رِجْلَيْكَ وَمَحَا اسْمَهُ مِنَ الدِّيوَانِ. هَذَا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُنَازَعَتَهُمُ الْخِلَافَةَ وَمُجَاذَبَتَهُمُ الْوَلَايَةَ لَمْ تُؤَدِّ بِهِمْ إِلَى التَّبَاغُضِ. فَدَلَّ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَبَاغَضُوا» أَيْ لَا تَخْتَلِفُوا فِي النِّحَلِ وَالْآرَاءِ، وَلَا تَبَايَنُوا فِي الْمَذَاهِبِ وَالْأَهْوَاءِ فَتَبَاغَضُوا لَهَا؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ وَالضَّلَالَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ الْبُغْضَ عَلَيْهِ وَتَرْكَ الْمُوَالَاةِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَنَافَسُوا» أَيْ لَا تَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا، وَلَا تَحْرِصُوا عَلَيْهَا، وَلَا تَضِنُّوا بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُنَافَسَةَ إِذَا كَانَتْ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَالْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ كَانَتْ وَاجِبَةً مَدْعُوًّا إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَرْفُوضَةً مَدْعُوًّا عَنْهَا إِذَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَالْمُنَافَسَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ الْمُنَافَسَةُ فِي الدُّنْيَا

стр. 405

وَحُطُومِهَا، وَالْمُنَافَسَةُ فِيمَا تُؤَدِّي إِلَى الْحِرْصِ عَلَيْهَا وَالْجَمْعِ لَهَا، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا وَالضَّنِّ بِهَا. فَقَوْلُهُ: «لَا تَنَافَسُوا» نَهْيٌ عَنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَزَجْرٌ عَنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَدَابَرُوا» أَيْ لَا تَخَاذَلُوا، وَلَا تَغْتَابُوا، وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ غَائِلَةً، بَلْ تَعَاوَنُوا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وَقَوْلِهِ ﷺ : «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» أَيْ لَا تَتَرَافَعُوا وَلَا تَتَعَالَوْا فَإِنَّكُمْ كُلَّكُمْ عِبَادُ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: «إِخْوَانًا» يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا فِي التَّدَابُرِ؛ لِأَنَّ التَّخَاذُلَ هُوَ إِعْرَاضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَهُوَ التَّدَابُرُ؛ لِأَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ إِذَا عَرَضَ عَنْ صَاحِبِهِ كَانَ دُبُرُهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةُ الْأُخُوَّةِ بَلْ صِفَةُ الْأُخُوَّةِ التَّقَابُلُ، وَأَنْ يَكُونَ وَجْهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] ، فَوَصَفَ الْإِخْوَانَ بِالتَّقَابُلِ وَهُوَ أَنْ لَا يُعْرِضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، فَهُوَ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ وَلَا يَجْعَلَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، وَلَا يُدْبِرَهُ بِسُوءٍ قَوْلًا فَيَكُونَ غَيْبَتَهُ، أَوْ فِعْلًا فَيَكُونُ بَغْيًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَعْنَى الْخَبَرِ: لَا تَبَاغَضُوا أَيْ: لَا تَخْتَلِفُوا فِي الْآرَاءِ، وَلَا تَبَايَنُوا فِي الْمَذَاهِبِ وَالْأَهْوَاءِ فَتَبَاغَضُوا بِهَا؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ تُوجِبُ الْبُغْضَ وَتَرْكَ الْمُوَالَاةِ

стр. 406

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 407

ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ: ح أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ بْنِ عُرْيَانَ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: ح حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ» قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ، فَقَالَ: «هَذَا أَهْوَنُ» ⦗٣١٤⦘ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَوْلُهُ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] ، قِيلَ مَعْنَاهُ: فَجَعَلَكُمْ مُخْتَلِفِينَ مُتَفَرِّقِينَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ وَالْفُرْقَةُ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ يُلْقِيَهُ فِيهَا وَبَيْنَهَا فِي الْمُنَازَعَاتِ وَمُطَالَبَةِ حُظُوظِ الْأَنْفُسِ مِنَ الْوَلَايَةِ وَالْخِلَافَةِ وَأَسْبَابِ الدُّنْيَا، فَيَكُونُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ فِرْقَةَ الْأَبْدَانِ أَوْ إِتْلَافَ الْأَنْفُسِ فِي مُنَازَعَةِ الدُّنْيَا، وَمُجَاذَبَةِ الْمُلْكِ فِيهَا، وَطَلَبَ الرِّفْعَةِ وَالْعُلُوِّ فِيهَا، وَجَمْعِ حُطَامِهَا وَالْإِسْتِيلَاءِ عَلَى الْأَمْرِ فِيهَا دُونَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ، وَالتَّبَايُنِ فِي الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ وَالْآرَاءِ الْمُغْوِيَةِ الَّتِي تَخْرُجُ إِلَى نَفْيِ ذَاتِهِ ، وَتَعْطِيلِ صِفَاتِهِ الَّذِي يَرْجِعُ أَكْثَرُهَا إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْمِلَّةِ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ﵁ فَقَالَ لَهُ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَكْذَبِ النَّاسِ، وَأَجْبَنِ النَّاسِ، وَأَبْخَلِ النَّاسِ - يَعْنِي عَلِيًّا ﵁ فَأَعْطَاهُ وَأَكْثَرَ لَهُ ثُمَّ خَلَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ كَيْفَ قُلْتُ: أَكْذَبِ النَّاسِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَهُوَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، وَكَيْفَ قُلْتَ: أَجْبَنِ النَّاسِ وَقَدْ عَلِمَتِ الْعَرَبُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَشْجَعُ مِنْهُ، وَكَيْفَ قُلْتَ: أَبْخَلِ النَّاسِ وَمَا جَمَعَ قَطُّ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ؟ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَعَلَامَ تُقَاتِلُهُ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَلَى أَنْ تَجُورَ طِينَةُ هَذَا الْخَاتَمِ فِي الْأَرْضِ. فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ قِتَالَهُ إِيَّاهُ وَاخْتِلَافَهُ عَلَيْهِ وَمُفَارَقَتَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَكُنْ لِلدِّينِ وَإِنَّمَا كَانَ لِلدُّنْيَا، فَافْتَرَقُوا لِلدُّنْيَا، وَاجْتَمَعُوا فِي الدِّينِ، فَكُلُّ مَنْ مَلَكَ نَصَرَ الدِّينَ وَأَهْلَهُ، وَقَمَعَ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، فَتَحُوا الْأَمْصَارَ، وَأَسْلَمُوا الْكُفَّارَ، وَقَمَعُوا الْفُجَّارَ، وَدَعُوا إِلَى كَلِمَةِ التَّقْوَى، وَمِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى جَمَعَهُمُ الدِّينُ، وَفَرَّقَتْهُمُ الدُّنْيَا فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ بَأْسَهُمْ، وَقَتَلَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَلْفَاهُمْ عَنْ سَلَامَةٍ مِنِ اعْتِقَادِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ، وَإِقَامَةِ شَهَادَاتِهِمْ، فَكَانَ بَأْسُهُمُ الَّذِي أُذِيقُوهُ كَفَّارَةً لِمَا اجْتَرَمُوهُ، وَتَمْحِيصًا فِيمَا اكْتَسَبُوهُ

стр. 408

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا، جَعَلَ اللَّهُ عَذَابَهَا بِأَيْدِيهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ فَيُقَالُ: هَذَا فِدَاؤُكَ فِي النَّارِ " ⦗٣١٥⦘ حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 409

وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ: ح أَبُو نُعَيْمِ بْنُ نَاعِمٍ قَالَ: ح عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ح لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ إِنَّمَا جُعِلَ عَذَابُهَا فِي الْقَتْلِ وَالزَّلَازِلِ وَالْفِتَنِ» فَلَمَّا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا دُونَ التَّوْحِيدِ مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي يَجُوزُ الِاخْتِلَافُ فِيهَا، وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا رَحْمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا يَضِيقَ بِهِمُ الْأَمْرُ، وَلَا يُحَمَّلُوا مَا لَا يُطِيقُونَ مِنْ إِصَابَةِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ وَهَنُ الْحَقِّ كَمَا قَالَ ﴿لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، فَلَمْ يُكَلَّفُوا مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] ، عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَتَكُونُ الْمُقَاتَلَةُ لِأَجْلِهَا، وَهُوَ عُقُوبَةُ اخْتِلَافِهِمْ، وَذَلِكَ هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي قَالَ ﷺ : «عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا» . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أَهْوَنُ» ، وَلَوْ كَانَ تَفَرَّقُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ لَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ مِنَ الصَّاعِقَةِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ مِنْ فَوْقٍ، وَالْحِجَارَةِ الَّتِي يُرْمَوْنَ بِهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَالْخَسْفِ الَّذِي يُغْتَالُونَ بِهِ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، إِذْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَسْفُ وَالْقَذْفُ يُصِيبُ مَنْ يَكُونُ عَاقِبَتُهُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ مِنَ الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ، وَمَنْ لَمْ يَقْتَرِفِ الذُّنُوبَ الْكِبَارَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْحَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْكُفَّارَ وَالْمُشْرِكِينَ الْفُجَّارَ

стр. 410

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْثًا ⦗٣١٦⦘ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِهِمْ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ» قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي جَعْفَرٍ فَقَالَ: بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ

стр. 411

حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ مُنْذِرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ امْرَأَةٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا ظَهَرَ السُّوءُ فِي الْأَرْضِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ بَأْسَهُ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَفِيهِمْ طَاعَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ» فَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ يُخْسَفُ بِمَنْ يُفْضِي إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الدِّينِ وَالْفُرْقَةَ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَشَدُّ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُجُوعُ قَوْلِهِ ﷺ «هَذَا أَهْوَنُ» إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] دُونَ قَوْلِهِ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]

стр. 412

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 413

ح عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الْآمَلِيُّ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ صَنَعَ حِينَ أَخَذَ يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا أَنَا الرَّحْمَنُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِيكُ " حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٣١٧⦘ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «يَقْبِضُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ» أَيْ: يَجْمَعُهَا وَيَرْفَعُهَا، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ مَبْسُوطَةٌ وَالْأَرَضِينَ مَدْحُوَّةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] ، أَيْ بَسَطَهَا، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ، وَقَالَ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، فَالْمَقْبُوضُ وَالْمَأْخُوذُ وَالْمَطْوِيُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمَرْفُوعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: ٦٧] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهَا تُجْمَعُ وَتُرْفَعُ وَتُبَدَّلُ بِهَا غَيْرَهَا، فَمَعْنَى الْقَبْضِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ لِلرَّفْعِ، وَقَبْضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَبَسْطُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ وَالضِّمِّ، كَالْإِنْسَانِ إِذَا حَكَى إِنْسَانًا بِالْجُودِ بَسَطَ أَصَابِعَهُ وَنَشَرَ كَفَّهُ، وَإِذَا عَبَّرَ عَنِ الْبُخْلِ وَالْإِمْسَاكِ جَمَعَ كَفَّهُ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْقَبْضَ وَالْبُسْطَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ صِفَةَ الْجُودِ وَالْبُخْلِ، كَذَلِكَ قَبْضُ النَّبِيِّ ﷺ أَصَابِعَهُ وَبَسْطُهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَبْضِ السَّمَاوَاتِ وَجَمْعِهَا فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقْبُوضِ وَالْمَجْمُوعِ لَا حِكَايَةٌ عَنْ يَدِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لِلَّهِ لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ، وَلَا عُضْوٍ، وَلَا جُزْءٍ، وَلَا كَيْفِيَّةَ لَهَا فَيُوصَفُ بِالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ الْمَفْهُومِ عِنْدَنَا كَأَيْدِي الْمُحْدَثِينَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَوْصَافِ الْحَدَثِ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَسْطُ أَصَابِعِهِ وَقَبْضُهَا إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ الْكُلُّ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَيَقْبِضُهَا كُلَّهَا فَيَبْسُطُ أَصَابِعَهُ لِلِاسْتِيعَابِ وَالْجَمْعِ وَيَقْبِضُهُمَا، لِذَلِكَ كَمَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ يَدَهُ فَيَبْسُطُهَا ثُمَّ يَضُمُّهَا إِلَى نَفْسِهِ يَحْكِي بِذَلِكَ الْجَمِيعَ. وَحَرَكَةُ الْمِنْبَرِ مِنْ تَحْتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ، كَالتَّوَاجُدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ بِالْإِمَالَةِ وَالتَّثَنِّي وَتَحْرِيكِ الرَّأْسِ عِنْدَ اسْتِعْظَامِ الشَّيْءِ، وَالْقَلَقِ عِنْدَمَا يَجِدُهُ فِي قَلْبٍ مِنْ حَزْنٍ أَوْ هَيْبَةٍ أَوْ إِجْلَالِ الشَّيْءِ وَاسْتِعْظَامٍ لَهُ، فَيَتَحَرَّكُ الْمِنْبَرُ لِحَرَكَتِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَكَةُ الْمِنْبَرِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَآيَاتِ رِسَالَتِهِ فَكَأَنَّ الْمِنْبَرَ يَتَحَرَّكُ مِنْ تَحْتِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْبَةً لِلَّهِ، وَإِجْلَالًا لِمَا سَمِعَهُ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ الْجِذْعُ يَحِنُّ لِفَقْدِ الذِّكْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ⦗٣١٨⦘ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ، آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَوْصَافِ الْحَدَثِ، سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَصَدَّقْنَا رَسُولَهُ فِيمَا قَالَ وَفِيمَا بَلَّغَ، وَعَلِمَنَا أَنَّهُ لَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ

стр. 414

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 415

ح أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ بِسَمْرَقَنْدَ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيُّ بِمِصْرَ قَالَ: ح عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: ح عَبْدُ الرَّزَّاقِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ لَا يَرِيحُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ: رَجُلٌ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَرَجُلٌ كَذَبَ عَلَيَّ، وَرَجُلٌ كَذَبَ عَلَى عَيْنَيْهِ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «كَذَبَ عَلَى عَيْنَيْهِ» أَيْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَرَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثٌ آخَرُ: «مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ» . قَالَ: وَإِنَّمَا عَظُمَتْ عُقُوبَةُ مَنْ كَذَبَ عَيْنَيْهِ فِي الرُّؤْيَا لِعِظَمِ جُرْمِهِ وَكَبِيرِ ذَنْبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَوْ عَلَى مَلَكِ الرُّؤْيَا، وَالْكَذِبُ عَلَى الْمَلَكِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَدَّعِي وَيَكْذِبُ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ الَّتِي هِيَ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ ، وَلَا يَكَادُ يَتَخَرَّصُ بِالرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ حُلْمٌ مِنَ الشَّيْطَانِ أَوْ حَدِيثُ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ

стр. 416

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: رُؤْيَا بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا فِي حَدِيثِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ مِنْ نَهَارِهِ فِي لَيْلِهِ ". حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَطَّارُ أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: ح الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: ح مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ ⦗٣١٩⦘ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ

стр. 417

ح نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ح أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ح حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْقَطَّانِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قَالَ: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» قَالَ حَرْبٌ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، فَكَانَ مَنْ تَكَذَّبَ فِي الرُّؤْيَا إِنَّمَا يَتَكَذَّبُ فِي الصَّالِحَةِ مِنْهَا، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ بُشْرَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَكَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَشَّرَهُ بِكَذَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ ، وَالْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ يَسْتَحِقُّ كُلَّ عُقُوبَةٍ.

стр. 418

وَمَعْنًى آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُكْتِبِ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ قَالَ: ح أَبُو جَعْفَرٍ هُوَ الرَّازِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ. فَكَانَ الْكَاذِبُ فِي الرُّؤَى بِشَيْءٍ يَدَّعِي جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَمَنِ ادَّعَى جُزْءًا مِنْ شَيْءٍ لَيْسَ هُوَ لَهُ كَانَ كَمَنِ ادَّعَى جَمِيعَهُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ»

стр. 419

وَهُوَ مَا ح نَصْرٌ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح بُنْدَارٌ قَالَ: ح عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: ح أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٣٢٠⦘ قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا» فَهُوَ يُكَلَّفُ مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ فَيُعَذَّبُ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ يُقَالَ: إِنْ عَقَدْتَ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا عُذِّبْتَ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ عَقْدَهُمَا فَيُعَذَّبُ وَالْمُدَّعِي إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا , فَإِنَّهُ يَقُولُ: خَلَقَنِي اللَّهُ مِنْ مَاءِ فُلَانٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ صُلْبِ غَيْرِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَيْهِ

стр. 420

حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 421

- ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَرْخَانَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: ح حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْطَاةَ، يَرْوِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أُوتِيَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: إِنَّ أَفْضَلَ مَا يُؤْتَى الْعَبْدُ فِي الْجَنَّةِ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَصَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى»

стр. 422

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ: ح الْأَزْرَقُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ح حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الزِّيَادَةُ؟ قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى» ⦗٣٢١⦘ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا نَظَرُوا إِلَى اللَّهِ نَسَوْا نَعِيمَ الْجَنَّةِ» . وَالنَّظَرُ إِلَى اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مَا أُتُوا فِيهَا، وَالْمُصَلِّي مُنَاجٍ لِرَبِّهِ مُشَارٌ لَهُ مَأْذُونٌ فِي الدُّخُولِ عَلَى الْمَلِكِ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُقَرَّبٌ بِالسُّجُودِ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرَبَ﴾ [العلق: ١٩] ، وَهِيَ أَقْرَبُ حَالَةٍ إِلَى النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وَالْمُصَلِّي كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَإِذَا كَانَ أَفْضَلُ مَا أُوتِيَ الْعَبْدُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ دَارُ السَّلَامِ وَالنَّعِيمَ وَجِوَارَ اللَّهِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ ثَمَّ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْمُنَاجَاةُ، وَالْمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمُوَاجَهَةُ لَهُ أَفْضَلَ شَيْءٍ أُوتِيهِ فِي الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْبَلْوَى، وَدَارُ الْفِنَاءِ وَالِانْتِقَالِ، وَجُوَارُ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى أَوْلَى أَوْلِيَائِهِ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَاهُمْ فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ، وَإِلَّا كَانَتْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلَ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ حَظُّ النُّفُوسِ، وَفِي الصَّلَاةِ قُرَّةُ الْأَعْيُنِ وَالْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى التَّقْرِيبِ مِنَ الَّذِي فِي الْعُقْبَى، وَلَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَالرَّائِي لَهُ فِي الْآخِرَةِ رَاءٍ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ نَاظِرٌ إِلَيْهِ نَظَرَ عِيَانٍ، رَزَقَنَا اللَّهُ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ

стр. 423

- حَدِيثٌ آخَرُ

стр. 424

ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ جَمْهَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلٍّ زَكَاةٌ، وَإِنَّ زَكَاةَ الْجَسَدِ الصَّوْمُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: الزَّكَاةُ طَهَارَةُ الْمَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرْهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، فَالزَّكَاةُ طَهَارَةٌ وَتَزْكِيَةٌ، وَالتَّزْكِيَةُ التَّطْهِيرُ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ التَّزْكِيَةُ بَرَكَةً وَنُمُوًّا وَزِيَادَةً، وَتَكُونُ ثَنَاءً حَسَنًا، فَالزَّكَاةُ طَهَارَةُ الْمَالِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» ، أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُطَهِّرَهُ الصَّدَقَةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ تُنْقِصُ مِنْ عَدَدِ الْمَالِ وَتَزِيدُ فِيهِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ فِيهِ، وَالصَّوْمُ يُنْقِصُ الْجَسَدَ وَيَزِيدُ فِيهِ بِمَعْنَى الثَّوَابِ، فَنُقْصَانُ الْجَسَدِ مِنْ فُضُولِ مَا يُوَلِّدُ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِيهِ، إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّوْمَ يُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الشَّهْوَةِ الَّتِي تُوَلِّدُهَا الْأَغْذِيَةُ فِي الْجَسَدِ، فَالصَّوْمُ يُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الْبَدَنِ كَمَا تُنْقِصُ الزَّكَاةُ مِنْ فُضُولِ الْمَالِ، وَيَزِيدُ فِي قُوَّةِ النَّفْسِ، وَالْقُوَّةُ تَزِيدُ كَرَمَ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ وَالْمُشَاغَبَةِ وَالِانْتِصَارِ

стр. 425

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرِئٌ صَائِمٌ» حَدَّثَنَاهُ حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ وَالْمُقَابَلَةِ بِهِ، وَهَذَا مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ، فَالصَّوْمُ يُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الْجَسَدِ، وَيَزِيدُ مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ، وَالزَّكَاةُ تُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الْمَالِ وَتَزِيدُ فِي بَرَكَتِهِ، فَكَذَلِكَ كَانَ الصَّوْمُ زَكَاةَ الْجَسَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
следующие страницы →