Полный текст (520 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
- ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَرْخَانَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: ح حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْطَاةَ، يَرْوِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أُوتِيَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: إِنَّ أَفْضَلَ مَا يُؤْتَى الْعَبْدُ فِي الْجَنَّةِ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَصَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى»
стр. 422
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ: ح الْأَزْرَقُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ح حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الزِّيَادَةُ؟ قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى» ⦗٣٢١⦘ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا نَظَرُوا إِلَى اللَّهِ نَسَوْا نَعِيمَ الْجَنَّةِ» . وَالنَّظَرُ إِلَى اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مَا أُتُوا فِيهَا، وَالْمُصَلِّي مُنَاجٍ لِرَبِّهِ مُشَارٌ لَهُ مَأْذُونٌ فِي الدُّخُولِ عَلَى الْمَلِكِ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُقَرَّبٌ بِالسُّجُودِ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرَبَ﴾ [العلق: ١٩] ، وَهِيَ أَقْرَبُ حَالَةٍ إِلَى النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وَالْمُصَلِّي كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَإِذَا كَانَ أَفْضَلُ مَا أُوتِيَ الْعَبْدُ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ دَارُ السَّلَامِ وَالنَّعِيمَ وَجِوَارَ اللَّهِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ ثَمَّ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْمُنَاجَاةُ، وَالْمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمُوَاجَهَةُ لَهُ أَفْضَلَ شَيْءٍ أُوتِيهِ فِي الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْبَلْوَى، وَدَارُ الْفِنَاءِ وَالِانْتِقَالِ، وَجُوَارُ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى أَوْلَى أَوْلِيَائِهِ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَاهُمْ فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ، وَإِلَّا كَانَتْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلَ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ حَظُّ النُّفُوسِ، وَفِي الصَّلَاةِ قُرَّةُ الْأَعْيُنِ وَالْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى التَّقْرِيبِ مِنَ الَّذِي فِي الْعُقْبَى، وَلَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَالرَّائِي لَهُ فِي الْآخِرَةِ رَاءٍ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ نَاظِرٌ إِلَيْهِ نَظَرَ عِيَانٍ، رَزَقَنَا اللَّهُ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ
стр. 423
- حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 424
ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ جَمْهَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلٍّ زَكَاةٌ، وَإِنَّ زَكَاةَ الْجَسَدِ الصَّوْمُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: الزَّكَاةُ طَهَارَةُ الْمَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرْهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، فَالزَّكَاةُ طَهَارَةٌ وَتَزْكِيَةٌ، وَالتَّزْكِيَةُ التَّطْهِيرُ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ التَّزْكِيَةُ بَرَكَةً وَنُمُوًّا وَزِيَادَةً، وَتَكُونُ ثَنَاءً حَسَنًا، فَالزَّكَاةُ طَهَارَةُ الْمَالِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» ، أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُطَهِّرَهُ الصَّدَقَةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ تُنْقِصُ مِنْ عَدَدِ الْمَالِ وَتَزِيدُ فِيهِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ فِيهِ، وَالصَّوْمُ يُنْقِصُ الْجَسَدَ وَيَزِيدُ فِيهِ بِمَعْنَى الثَّوَابِ، فَنُقْصَانُ الْجَسَدِ مِنْ فُضُولِ مَا يُوَلِّدُ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِيهِ، إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّوْمَ يُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الشَّهْوَةِ الَّتِي تُوَلِّدُهَا الْأَغْذِيَةُ فِي الْجَسَدِ، فَالصَّوْمُ يُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الْبَدَنِ كَمَا تُنْقِصُ الزَّكَاةُ مِنْ فُضُولِ الْمَالِ، وَيَزِيدُ فِي قُوَّةِ النَّفْسِ، وَالْقُوَّةُ تَزِيدُ كَرَمَ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ وَالْمُشَاغَبَةِ وَالِانْتِصَارِ
стр. 425
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرِئٌ صَائِمٌ» حَدَّثَنَاهُ حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ وَالْمُقَابَلَةِ بِهِ، وَهَذَا مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ، فَالصَّوْمُ يُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الْجَسَدِ، وَيَزِيدُ مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ، وَالزَّكَاةُ تُنْقِصُ مِنْ فُضُولِ الْمَالِ وَتَزِيدُ فِي بَرَكَتِهِ، فَكَذَلِكَ كَانَ الصَّوْمُ زَكَاةَ الْجَسَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 426
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 427
ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: ح أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عُقُوبَةَ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي كَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] الْآيَةَ، وَفِي أَكْلِ الرِّبَا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي آكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بِلَاقِعَ» وَقَالَ ﷺ : «الزِّنَا يُوَرِّثُ الْفَقْرَ» وَأَمْثَالُهَا كَثِيرَةٌ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِمَّا تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَكَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ تَعَالَى رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، لِذَلِكَ قَالَ: «أَلَا يَخْشَى» أَيْ إِنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ وَرَحْمَةٌ، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَيُعَاقِبُ مَنْ شَاءَ، وَهُوَ يَرْحَمُ مَنْ شَاءَ، وَيُعَذِّبُ مَنْ شَاءَ، فَلَا يَخْشَى هَذَا أَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وَيَأْخُذَهُ بِهَذَا الْجُرْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُدَّخَرَةِ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، فَيَقُولُ: أَلَا يَخْشَى أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَيَتْرُكَ هَذَا الْفِعْلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 428
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 429
- ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ مَمْطُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْفُسَّاقَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا الْفُسَّاقُ؟ قَالَ: «النِّسَاءُ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَ أُمَّهَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَبَنَاتِنَا؟ قَالَ ﷺ : «وَلَكِنَّهُنَّ إِذَا أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ وَإِذَا ابْتُلِينَ لَمْ يَصْبِرْنَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْعَطَاءَ وَلَمْ يَصْبِرْ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّكُورَ فِي الْعِبَادِ قَلِيلٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] أَيِ الشَّكُورُ مِنَ النَّاسِ قَلِيلٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِآدَمَ ﵇: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ " فَالْوَاحِدُ مِنَ الْأَلْفِ قَلِيلٌ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ» . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّكُورُ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ وَالْمُوَحِّدِينَ بِأَجْمَعِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُورُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلًا، ذَلِكَ إِنَّ الشَّكُورَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي صِفَةِ الشُّكْرِ فَيَكُونُ شَاكِرٌ وَشَكَّارٌ وَشَكُورٌ، فَالشَّكُورُ الَّذِي يَشْكُرُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا يَكَادُ يَكْفُرُ نِعْمَةً مَا، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلٌ وَكُلُّهُمْ شَاكِرُونَ، وَالشَّكَّارُ فِيهِمْ كَثِيرٌ، وَالشَّكُورُ قَلِيلٌ فَيَكُونُ عَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ شَاكِرِينَ، وَالشَّكُورُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ ⦗٣٢٥⦘ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] بِيَاءِ الْإِضَافَةِ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَأَنَّهُ خَصَّ مِنَ الْعِبَادِ مَنْ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكُلُّهُمْ عِبَادُهُ مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ. وَمَعْنَى تَفْسِيرِ الْفُسَّاقِ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ أَنَّ صِفَةَ كُفْرَانِ الْعَطَاءِ وَتَرْكِ الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ فِيهِنَّ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُنَّ فِي نُقْصَانٍ مِنْ آلَةِ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ وَعِلَّتِهِمَا، وَذَلِكَ هَوَانُ الْعَقْلِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا رَأَيْتُ مِنَ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَسْلَبَ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْهُنَّ» وَنُقْصَانُ دِينِهِنَّ بِالْحَيْضِ، وَنُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ بِالشَّهَادَةِ. فَالشُّكْرُ وَالصَّبْرُ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الدِّينِ، فَمَنْ رَقَّ دِينُهُ وَسَخِفَ عَقْلُهُ، قَلَّ شُكْرُهُ وَصَبْرُهُ، وَمَنْ تَرَكَ الشُّكْرَ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ، وَالصَّبْرَ فِي أَكْثَرِ الْبَلْوَى، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ، وَالنَّارُ مَأْوَى مَنْ لَا دَيِنَ لَهُ وَلَا عَقْلَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ أَهْلِ النَّارِ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الدِّينِ ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٥] ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْعَقْلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ ﷺ : اللَّاتِي لَا يَشْكُرْنَ الْعَطَاءَ، وَلَا يَصْبِرْنَ عَلَى الْبَلَاءِ فِي عَامَّةِ أَوْقَاتِهِنَّ، وَأَكْثَرِ حَالَاتِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ فُسَّاقٌ، وَالْفُسَّاقُ فِي النَّارِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا النِّسَاءُ» .
стр. 430
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ، قَالَ: ح أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ح الْأَنْصَارِيُّ وَهَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ: ح سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ - وَاللَّفْظُ لِلْأَنْصَارِيِّ - أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ حَدَّثَهُمْ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا الْمَسَاكِينُ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا النِّسَاءُ»
стр. 431
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 432
- ح أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّاهِرِيُّ قَالَ: ح أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمْنَانِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: ح بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: ح عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْأَسَدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: الْحِكْمَةُ إِحْكَامُ الْأُمُورِ، وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ أَعْمَالَهُ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُهَا آفَةٌ، وَإِحْكَامُ الْأُمُورِ الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ وَالْأَوْثَقِ، وَمَنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالْأَوْثَقِ وَالْأَحْوَطِ عَمِلَ عَلَى الْمَخَافَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْمَلُ عَلَى الرَّجَاءِ فَكَأَنَّهُ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى كُلِّ خَطْوَةٍ وَنَظْرَةٍ وَيَطْلُبُهَا بِحَقِّ اللَّهِ، فَكَانَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَشَرَطَ الْمَشِيئَةَ لِغُفْرَانِ مَا دُونَ الشِّرْكِ، فَإِنْ وَافَى الْقِيَامَةَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ فَيَكُونُ مَغْفُورًا لَهُ مَا إِنِ ازْدَادَ بِتَوَقِّيهِ وَمَخَافَتِهِ دَرَجَةً وَثَوَابًا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُحَاسَبُونَ، وَيُطَالَبُونَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ قَطُّ فِي عُمْرِهِ، بَلْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يُقَاصُ لَهَا سَيِّئَاتُهُ، وَالْحِكْمَةُ مَنْعُ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا، يُقَالُ لِلْحَدِيدَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي فَمِ الدَّابَّةِ مِنَ اللِّجَامِ مُحْكِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاقِفَةُ بِالدَّابَّةِ وَالْمُمْسِكَةُ لَهَا ⦗٣٢٧⦘ فَسُمِّيَتِ الْحِكْمَةُ لِمِلْكِ النَّفْسِ، وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَى ضَبْطِهَا، وَالْمُوَافَقَةِ بِهَا عِنْدَ شُبُهَاتِ الْأُمُورِ وَمُشْكِلَاتِ الْأَحْوَالِ، وَعَنِ الِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي وَالتَّوَسُّعِ فِي الشَّهَوَاتِ، وَمُخَالَفَةُ اللَّهِ أَوْكَدُ أَسْبَابِ الْمَنْعِ لِلنَّفَسِ، وَالْكَفِّ لَهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْوَقْفِ بِهَا عَلَى مَرَاشِدِ الْأُمُورِ، فَكَذَلِكَ كَانَتْ عَدَمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ رَأْسَ الْحِكْمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 433
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 434
- ح أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الطَّاهِرِيُّ قَالَ: ح أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَجِّيُّ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ: ح صَفَدِيٌّ قَالَ: ح زِيَادُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»
стр. 435
وَقَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى «تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا» أَيْ: تَخْضَعُ وَتَتَوَاضَعُ لِلْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْمُتَوَاضِعِ الْمُنْذَلِّ لِلْحَقِّ خَافِضٌ الْجَنَاحَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ، فَوَضْعُ الْجَنَاحِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَاضُعِ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ سَائِرِ عُمَّالِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمْهَا ذَلِكَ فِي آدَمَ، وَذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً اسْتَخْبَرَتْ وَسَأَلَتِ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى جِهَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْكُتُبِيَّةِ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤَالَهَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْظَامِ إِنَّ خَلْقًا يَكُونُ مِنْهُمُ الْفَسَادُ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ ثُمَّ يَكُونُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، وَعَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] فَقَالَ لِآدَمَ: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ⦗٣٢٨⦘ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] ، تَصَاغَرَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي نَفْسِهَا وَرَأَتْ فَضْلَ آدَمَ عَلَيْهَا، وَأَلْزَمَهَا اللَّهُ الْخُضُوعَ لَهُ وَالسُّجُودَ، فَسَجَدَتْ لَهُ خُضَّعًا مُتَواضِعِينَ، فَتَأَدَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ الْأَدَبِ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهَا عِلْمُ بَشَرٍ خَضَعَتْ لَهُ وَتَوَاضَعَتْ، وَتَذَلَّلَتْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَرِضَا مِنْهُمْ بِالطَّلَبِ لَهُ وَالشُّغُلِ بِهِ، فَهَذَا بِالطُّلَابِ مِنْهُمْ فَكَيْفَ بِالْأَخْيَارِ فِيهِمُ الرَّبَّانِيِّينَ مِنْهُمْ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ بِمَنِّهِ وَطَوْلِهِ إِنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
стр. 436
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 437
- ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ﵀ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْكِنْدِيُّ قَالَ: ح سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ شَامِيَّةٌ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُ عَتَبَاتٍ قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَسَعْيًا عَلَى الْعِيَالِ، وَتَعَطُّفًا عَلَى الْجَارِ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُفَاخِرًا مُرَائِيًا مُكَاثِرًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ طَلَبَ الدُّنْيَا وَأَخْذَهَا لَا يَنْبَغِي إِلَّا لِلضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ تَنَاوُلُهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ الْمُضْطَرُّ الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرَطَ لَأَخْذِهَا مِنْ وَجْهِهَا شُرُوطًا ثَلَاثَةً كُلُّهَا ضَرُورَةٌ، وَهُوَ الِاسْتِعْفَافُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَالسَّعْيُ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْعَوْدُ عَلَى الْجَارِ، فَالْمُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ هُوَ الَّذِي بَلَغَ الْجَهْدُ بِهِ غَايَةً يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ، فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: التَّلَفِ وَالْهَلَاكِ أَوِ الْأَخْذِ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَهُوَ يَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ عَلَى تَكَثُّرِهِ، فَإِنْ أَكَلَهَا عَلَى جِهَةِ الشَّهْوَةِ وَالِاسْتِلْذَاذِ لَمْ يُجْزَ، فَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِفُّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ عِنْدَ ضَعْفٍ يَحِلُّ بِهِ بَخِلَ بِدِينِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ أَوْسَاخٍ الَّذِي هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قُرُوحٌ وَخُمُوشٌ، وَطَلَبِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ بِغَيْضَةُ اللَّهِ وَالْقِرَاءَةِ لِأَهْلِهَا وَهِيَ سُمٌّ قَاتِلٌ، جَاءَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَهُوَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا قَدْرَ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ وَيَصُونُ وَجْهَهُ وَدِينَهُ عَلَى تَكَثُّرِهِ لَا لِلِاخْتِيَارِ وَالْمَحَبَّةِ لَهَا وَاللَّذَّةِ بِهَا وَعَلَى ⦗٣٢٩⦘ تَوَقٍّ مِنْ سُمِّهَا وَحَذَرٍ مِنْ غُرُورِهَا، فَكَأَنَّهُ يَشْرَبُ السُّمَّ مَخَافَةً، وَكَذَلِكَ السَّاعِي عَلَى الْعِيَالِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُهُ فَهُوَ إِذَا خَافَ أَنْ يَأْثَمَ بِتَضْيِيعِ عِيَالِهِ اضْطُرَّ إِلَى الطَّلَبِ لَهُمْ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِمْ قَدْرَ الْكِفَايَةِ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْمُتَعَطِّفُ عَلَى الْجَارِ، وَهُوَ مَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْإِمْكَانِ مَا عَجَزَ عَنْهُ جَارُهُ مِنَ الْعَوْدِ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَلْزَمُهُ قُوتُ جَارِهِ كَمَا لَزِمَهُ فَرْضُ عِيَالِهِ، فَقَدِ اضْطُرَّ إِلَى أَنْ يَسْعَى بِقَدْرِ مَا يَعُودُ عَلَى الْجَارِ الْعَاجِزِ عَمَّا قَوِيَ عَلَيْهِ السَّاعِي، فَهُوَ يَسْعَى بِفَضْلِ قُوَّتِهِ، وَيَعُودُ عَلَى جَارِهِ بِفَضْلِ مَا عِنْدَهُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ وَلَا جَارٌ يَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَالِهِ، وَكَانَ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ مَا يَسْتَعْفِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] . ثُمَّ طَلَبَ الدُّنْيَا , لَمْ يَخْلُ طَلَبُهُ لَهَا مِنْ إِحْدَى الثَّلَاثِ الْخِصَالِ الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا لَهَا، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ طَلَبُهُ لَهَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَلَبُهُ لَهَا لِلْمُفَاخَرَةِ بِهَا
стр. 438
وَالْمُفَاخَرَةُ بِهَا هِيَ الْمُنَافَسَةُ الَّتِي خَافَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَأَصْحَابِهِ حِينَ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَا: ح مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَوْ يُرِيدُ بِطَلَبِهَا الْمُرَاءَاتِ فَهُوَ التَّزَيُّنُ بِهَا وَهِيَ تُزَيَّنُ وَلَكِنَّهَا شَيْنٌ
стр. 439
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْآدَمِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ⦗٣٣٠⦘، عَنِ الْحَسَنِ، ﵀ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورِ الشَّخْصِيَّةِ إِلَى مَكْرُوهٍ , الْيَسَارُ فِيهَا لِأَهْلِهَا غَارَةٌ، وَالنَّافِعُ فِيهَا غَدًا ضَارٌّ، فَالدُّنْيَا عَارٌ، وَالطَّلَبُ لَهَا شَيْنٌ، وَالْقِلَّةُ مِنْهَا دِينٌ
стр. 440
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ حَبَّانَ قَالَ: ح حَيَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ح عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْفَقْرُ أَحْسَنُ وَأَزْيَنُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْعِذَارِ الْجَيِّدِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ» فَالْمِرَاءَاتُ بِهَا شَيْنٌ، وَيُرِيدُ بِطَلَبِهَا الِاسْتِكْثَارَ مِنْهَا، وَالْمُكْثِرُ هَالِكٌ إِلَّا الْقَلِيلَ
стр. 441
ح مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطُّنَافِسِيُّ قَالَ: ح الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَآنِي أَقْبَلْتُ قَالَ: «هَلَكَ الْأَكْثَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، هَلَكَ الْأَكْثَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» قَالَ: فَأَخَذَنِي غَمٌّ فَجَعَلْتُ أَتَنَفَّسُ، فَقُلْتُ: هَذَا شَيْءٌ حَدَثَ، قُلْتُ: مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ: «الْأَكْثَرُونَ إِلَّا مَنْ قَالَ فِي عِبَادِ اللَّهِ، هَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ فَيَتْرُكُ إِبِلًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ حَتَّى تَطَأَهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحَهُ بِقُرُونِهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَعُودَ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا» فَإِنْ طَلَبَهَا لِيَطْلُبَ بِهَا الْبِرَّ، وَفِعْلَ الصَّنَائِعِ، وَاكْتِسَابَ الْمَعْرُوفِ كَانَ عَلَى خَطَرٍ، وَتَرْكُهُ لَهَا أَبْلَغُ فِي الْبِرِّ، فَقَدْ قِيلَ: يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتَبَرَّ. بِرُّكَ بِهَا بَرَّ. فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الطَّالِبَ لَهَا مِنْ وَجْهِهَا لِلضَّرُورَةِ لَا غَيْرَ , فَإِنَّهُ قَدْ شُرِطَ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا الْحَلَالُ، وَمَا شَيْءٌ أَعَزَّ اللَّهُ مِنْ دِرْهَمٍ حَلَالٍ، قَالَ سُفْيَانُ ﵁: مَا شَيْءٌ أَعَزَّ اللَّهُ الْيَوْمَ مِنْ دِرْهَمٍ وَافَى فِي اللَّهِ. فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى شَرَفِ الْفَقْرِ وَضَعَةِ الْغِنَى وَقُصُورِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْفَقْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغِنَى الَّذِي هُوَ فُضُولُ الْمَالِ لَيْسَ إِلَّا كَثْرَةُ الْعَرَضِ، وَحُطَامُ الدُّنْيَا، وَلَا يَكَادُ ⦗٣٣١⦘ الْكَثْرَةُ مِنْهَا يَكُونُ إِلَّا بِالطَّلَبِ لَهَا وَالْجَمْعِ إِيَّاهَا، وَالطَّالِبُ لِلِاسْتِكْثَارِ مُتَوَعَّدٌ بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمَنْ حَصَلَتْ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَهُوَ مُكْثِرٌ، وَالْمُكْثِرُ هَالِكٌ إِلَّا مَنْ أَعْطَى يَمِينًا وَشِمَالًا وَوَرَاءً، وَلَا يَكَادُ يَبْقَى الْمَالُ مَعَ الْإِعْطَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ لِرَجُلٍ افْتَخَرَ بِالْغَنَاءِ بِالْمَالِ، فَقَالَ: مَا افْتِخَارُكَ بِشَيْءٍ يُتْلِفُهُ الْجُودُ وَيُمْسِكُهُ الْبُخْلُ. وَقَالَ آخَرُ وَرَأَى رَجُلًا يَفْتَخِرُ عَلَى آخَرَ بِمَالِهِ فَقَالَ: مَا افْتِخَارُكَ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ الْبَخْتُ، وَيَحْفَظُهُ اللَّوْمُ، وَيُهْلِكُهُ السَّخَاءُ. أَنْشَدَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ ﵀:
[البحر الوافر]
مَلَأْتُ يَدِي مِنَ الدُّنْيَا مِرَارًا ... وَمَا طَمَعَ الْعَوَاذِلُ فِي اقْتِصَادِي
وَلَا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاةُ مَالٍ ... وَهَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْجَوَادِ
وَكَفَاكَ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَا الْمَالِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّطْهِيرِ، وَلَوْلَا التَّدَنُّسُ بِهِ لَمْ تُطَهِّرْهُ الزَّكَاةُ قَالَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» . فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَدَنَّسُوا بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا خَزَنَ اللَّهِ لَا مُتَمِلِّكِينَ لِلْأَمْوَالِ جَامِعِينَ لَهَا، وَكَذَلِكَ الْأَطْفَالُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَدَنَّسُوا بِهَا، وَسَائِرُ الْمُكْثِرِينَ مِنْهَا يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّطْهِيرِ مِنْ أَدْنَاسِهَا، وَالْغُسْلِ مِنْ أَقْذَارِهَا، وَالْمُتَخَلِّي مِنْهَا طَاهِرٌ مِنْ أَدْنَاسِهَا، طَيِّبٌ مِنْ أَقْذَارِهَا، غَنِيٌّ عَنِ التَّطَيُّرِ بِالزَّكَاةِ مِنْهَا، آمِنٌ مِنَ الْوَعِيدِ بِكَيِّ الْجِبَاهِ وَالْجُنُوبِ بِهَا، وَالْعَذَابِ عَلَى الْحَرَامِ مِنْهَا، وَالْحِسَابِ عَلَى الْحَلَالِ فِيهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِشَرَفِ الْفَقْرِ وَأَهْلِهِ كِتَابًا جَامِعًا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ، وَالْحُجَجِ الْكَثِيرَةِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وَالنَّظَرِ، وَمَعْنَى الْأَخْبَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْغَنَاءِ مَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ هَا هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَمِنْهُ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ
стр. 442
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 443
ح نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ح ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ: ح حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ، ﷺ ، الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ، ﵀: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ يُدْرِكُ بِقَوْلِهِ وَنِيَّتِهِ مَا يُدْرِكُ الْغَنِيُّ بِفُضُولِ مَالِهِ، فَإِنَّ الْأَنْصَارَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَاسَمُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَآثَرُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ الْآَيَةَ، فَهُمْ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ، وَقَاسَمُوهُمْ إِيَّاهَا حَتَّى خَافَ الْمُهَاجِرُونَ أَنْ يَفْضُلُوهُمْ، وَيَفُوتُهُمْ مَا يُعْطَى الْأَنْصَارُ عَلَى نَفَقَاتِهِمْ وَبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ هُوَ الثَّوَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَاسِعٌ غَنِيٌّ لَا تَفْنَى خَزَائِنُهُ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا قُلْنَا أَنَّهُمْ يَفْضُلُونَنَا بِأُجُورِ نَفَقَاتِهِمْ، فَيَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ دُونَنَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا» أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كَمَا تَظُنُّونَ، أَيْ لَا يَفْضُلُونَكُمْ وَلَا يَفُوتُكُمْ، فَإِنَّ دُعَاءَكُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَثَنَاءَكُمْ عَلَيْهِمْ يَقُومُ مِنْكُمْ مَقَامَ نَفَقَاتِهِمْ مِنْهُمْ وَبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ، فَتُعْطَوْنَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطَوْنَ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْعَطَاءِ. فِيهِ أَيْضًا وُجُوبُ مُكَافَأَةِ الْمُعْطِي وَمُجَازَاةِ الْمُحْسِنِ، وَمَعْرِفَةِ الْفَضْلِ لِلْمُنْعِمِ، أَعْنِي فَضْلَ أَيْ أَفْضَالًا، لَا فَضْلَ الشَّرَفِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْفِقُ وَالْمُعْطِي وَالْمُحْسِنُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْضُلَهُ بِإِحْسَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 444
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 445
ح نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى، قَالَ ح هَنَّادٌ قَالَ: ح وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، وَهُوَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّرْغِيبُ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَالرَّغْبَةُ فِي الْآخِرَةِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهَا، وَالتَّشْجِيعُ فِي تَرْكِ الدُّنْيَا بِمَعْنَى الْإِنْفَاقِ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا مِمَّنْ لَيْسَتْ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ، رُزِقَ الْفَرَاغَ وَالتَّنَعُّمَ وَجَمْعَ الشَّمْلِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا أَيِ الرِّفْقُ فِيهَا وَالْمَهْنَأُ مِنْهَا فَيَكُونُ لَهُ الْمَهْنَأُ دُونَ الشُّغُلِ، وَالرِّفْقُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ فَهُوَ غَنِيٌّ وَإِنْ عَدِمَ الْقُوتَ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الدُّنْيَا وَأَعْرَضَ عَنِ الْآخِرَةِ شُغِلَ بِمَا لَا يَجْرِي، وَتَعِبَ فِيمَا لَا يُغْنِي عَنْهُ، فَتَزْدَادُ الدُّنْيَا عَنْهُ بُعْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُصِيبُ مِنْهَا إِلَّا الْمَقْدُورَ، وَالْمَقْدُورُ لَا يُغْنِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ لِغَلَبَةِ الْحِرْصِ عَلَيْهِ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ. تَعَبُ الطَّلَبِ، وَالْخَيْبَةُ فِي التَّعَبِ، فَهُوَ فَقِيرٌ وَإِنْ مَلَكَ الدُّنْيَا. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ: تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَسِيرُ الْقُدْرَةِ سَلِيبُ الْقَبْضَةِ، وَإِنَّ أَفْعَالَهُ تَبَعٌ لِفِعْلِ اللَّهِ بِهِ، وَإِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ الْعَبْدُ مَأْخُوذًا عَنْ أَوْصَافِهِ مَصْرُوفًا عَنْ نَظَرِهِ إِلَى أَفْعَالِهِ مُعْتَرِفًا بِعَجْزِهِ، مُقِرًّا بِاضْطِرَارِهِ، عَالِمًا بِضَرُورَتِهِ وَافْتِقَارِهِ، كَأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا تَكُونُ الْآخِرَةُ هَمَّهُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْغَنَاءَ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبِلُ عَلَى الْآخِرَةِ إِلَّا مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا حِجَابُ الْآخِرَةِ فَإِذَا رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْ بَصَرِ الْقَلْبِ رَأَى ⦗٣٣٤⦘ الْآخِرَةَ بِعَيْنِ إِيقَانِهِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ شُغِلَ عَنِ الدُّنْيَا، صَارَتْ مَرْفُوعَةً مِنْهُ مَتْرُوكَةً عَنْهُ، قَالَ حَارِثَةُ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. فَمَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الدُّنْيَا بِالزُّهْدِ فِيهَا، وَالرَّغْبَةِ عَنْهَا صَارَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَرِيصٌ، وَالنَّفْسَ رَاغِبَةٌ , إِمَّا تَرْغَبُ إِلَى الدُّنْيَا أَوْ إِلَى الْآَخِرَةِ، فَإِذَا حُجِبَتْ عَنِ الدُّنْيَا بِالْعُزُوفِ عَنْهَا، وَالِاسْتِغْنَاءِ مِنْهَا افْتَقَرَتْ إِلَى الْآخِرَةِ، وَرَغِبَتْ فِيهَا. قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ: قَدْ زَهِدْتَ فِي الدُّنْيَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَنْفُسَنَا تَوَّاقَةٌ تَاقَتْ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَمَّا أَصَابَتْهَا تَاقَتْ إِلَى الْآخِرَةِ. فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْغَنَاءَ فِي قَلْبِهِ وَجَعَلَ لَهُ، يَسَّرَهُ بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا صَارَتْ هِمَّتُهُ الْآخِرَةَ وَمَا قُدِّرَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَالرِّفْقِ فِيهَا، يَأْتِيهِ فِي رَاحَةٍ مِنْ بَدَنِهِ وَفَرَاغٍ مِنْ سِرِّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «رَاغِمَةٌ» ، أَيْ تَأْتِيهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ لَهَا؛ لِأَنَّهَا قَلَّ مَا يُؤْتَى طِلَابُهَا إِلَّا بِجَهْدٍ وَطَلَبٍ لَهَا حَثِيثٍ، فَإِذَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ رَاغِمَةً صَاغِرَةً ذَلِيلَةً، وَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَحَجَبَهُ عَنِ الْآخِرَةِ بِمَيْلِهِ إِلَى الدُّنْيَا، صَارَتِ الدُّنْيَا نَصْبَ عَيْنَيْهِ، وَالدُّنْيَا فَقْرٌ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ حَاجَةِ الرَّاغِبِ فِيهَا لَا تَقْتَضِي , فَهِيَ الْعِطَاشُ كُلَّمَا ازْدَادَ شَرَابًا ازْدَادَ عَطَشًا، فَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ صَارَ الْفَقْرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَقُرَ سِرُّهُ وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهُ، وَتَشَتَّتَ هِمَّتُهُ، وَتَعِبَ بَدَنُهُ، وَشَرِهَتْ نَفْسُهُ، وَازْدَادَتِ الدُّنْيَا عَنْهُ بُعْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا الْمَقْدُورُ، وَالْمَقْدُورُ مِنْهَا لَا يُغْنِيهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَكُلٌّ لَا يَفُوتُهُ مَقْدُورُهُ مِنَ الدُّنْيَا. نَبَّهَ ﷺ عَلَى مَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ أَهَمَّتْهُ الْآخِرَةُ فَلْيَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي وَضْعِ الْغَنَاءِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى رَفَضَ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَهَمَّتْهُ الدُّنْيَا فَلْيَفْتَقِرْ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ وَإِزَالَةِ الْفَقْرِ مِنْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَالْحِرْصِ مِنْ قَلْبِهِ: وَالتَّعَبِ مِنْ بَدَنِهِ، وَالشُّغُلِ مِنْ قَلْبِهِ. فَكَأَنَّهُ ﷺ دَلَّ عَلَى الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فِيمَا يَرْضَى بِالْحَمْدِ لَهُ، وَرُؤْيَةِ الْفَضْلِ مِنْ عِنْدِهِ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي الثَّبَاتِ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وَقَالَ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]
⦗٣٣٥⦘ وَفِيمَا يَكْرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ َلهُ والِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي نَقْلِ مَا يَكْرَهُ، لَا مَا يُحِبُّ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] وَقَالَ تَعَالَى فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِهِ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] الْآيَةَ
стр. 446
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 447
- ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّاسَ، فَوَاصَلُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِيَنِي»
стр. 448
وَحَدَّثَنَاهُ حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى، قَالَ ح ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيَنِي، فَتَكَلَّفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: الظُّلُولُ وَالْبَيْتُوتَةُ يُعَبِّرَانِ عَنِ الزَّمَانِ كُلِّهِ وَيُخْبِرَانِ بِالدَّوَامِ، وَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ عِنْدَ رَبِّهِ جَمِيعَ نَهَارِهِ وَكُلَّ لَيْلِهِ، فَكَانَ يَقُولُ: «أَنَا عِنْدَ رَبِّي أَبَدًا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ لَا يَسْتَحْسِرُ وَلَا يَفْتُرُ» ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وَقَالَ ﷺ : «لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُهُ» مَعْنَاهُ: وَقْتِي كُلُّهُ مَعَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي وَأَبِيتُ» ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَغْيَارِ إِلَيْهِ طَرِيقٌ، وَلَا لِلْخَلْقِ بِمَعْنَى الْإِشْرَافِ نَظَرٌ وَتَحْدِيقٌ، فَإِنَّمَا رَبَطَ الْخَلْقَ بِظَاهِرِهِ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ آدَابَ الشَّرِيعَةِ وَأَوْصَافَ الْعُبُودِيَّةِ بِمَوَافَقَةِ الْجِنْسِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ الْأَخْذُ ⦗٣٣٦⦘ عَنِ الْوَسَايِطِ الَّذِينَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الفرقان: ٢٠] . أَخْبَرَ أَنَّ ظَوَاهِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ وَبِنْيَتَهُمْ بِنْيَةُ الْبَشَرِيَّةِ، تَعْتَرِيهَا حَوَادِثُ نُعُوتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَيَتَطَرَّقُهَا آفَاتُ الْحَدَثِ، وَمقَايقهم الَّتِي هِيَ بَوَاطِنُهُمُ مَحْمُولَةٌ بِالِاسْتِظْهَارِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَأَوْصَافِ الْحَقِّ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا عَجْزُ الْبَشَرِيَّةِ، وَضَعْفُ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَهِيَ مَحْمُولَةٌ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ الْحَقِّ جَلَّ اسْمُهُ عَنْ طُرُوقِهِ عَلَيْهَا، وَمَعْصُومَةٌ عَنْ تَأْثِيرِ أَوْصَافِ الْحَدَثِ فِيهَا مِنْ ضِعْفٍ وَجُوعٍ، وَعَطَشٍ أَوْ فُتُورِ سَهَرٍ أَوْ حَجَبَةٍ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «لَا يَنَامُ قَلْبِي وَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ» ، لِنَعْلَمَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ قَائِمَةٌ بِأَوْصَافِ الْحَقِّ لِلْحَقِّ، وَظَاهِرُهُ عَلَى صِفَةِ الْبَشَرِيَّةِ لِلْخَلْقِ، فَكُلُّ صِفَةٍ ظَهَرَتْ فِي نَبِيِّهِ وَظَاهِرِ نَعْتِهِ جَرَتْ عَلَى إِنْسَانِيَّتِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ﴾ [التوبة: ٤٣] . وَقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌّ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» وَرَبْطُهُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ، وَسَهْوُهُ فِي صَلَاتِهِ، وَسَائِرُ أَحْوَالِهِ الَّتِي شَبَهَ ذَلِكَ مِنْهُ حَظَّ الْأَغْيَارِ مِنْهُ وَنَصِيبَ الْخَلْقِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَ التَّأْدِيبِ فِعْلًا وَقَوْلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] . فَأَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى أَفْعَالَهُ وَأَقْوَالَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَجَعَلَ أَخْلَاقَهُ ﷺ أَوْصَافَهُ ، فَقَالَ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ يَرْضَى بِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ بِسَخَطِهِ» . يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . أَخْبَرَ أَنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ يُصِيبُ الْخَلْقَ، وَقُدْوَةُ الْأُمَّةِ، قَالَ ﷺ لِحُذَيْفَةَ حِينَ شَكَا إِلَيْهِ ذَرَبَ لِسَانِهِ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»
стр. 449
ح ⦗٣٣٧⦘ أَحْمَدُ بْنُ سِبَاعِ بْنِ الْوَضَّاحِ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ قَالَ: ح عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ عَوْنٍ الْوَاسِطِيَّ قَالَ: ح أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» وَظَاهِرُ الْأَنْبِيَاءِ مَرْآةٌ لِلْخَلْقِ، يُبْصِرُونَ فِيهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَبَوَاطِنُهُمْ فِي حُجُبِ الْغَيْبِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَسْتُ مِثْلَكُمْ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 450
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 451
ح أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ح الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ قَالَ: ح هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ غَيْرَ ثَلَاثٍ، قَوْلِهِ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلِهِ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ نَزَلَ فِي أَرْضِ جَبَّارٍ، فَأُتِيَ الْجَبَّارُ فَقِيلَ: قَدْ نَزَلَ هَا هُنَا رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ قَالَ: أُخْتِي " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ بُلَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا ⦗٣٣٨⦘. .» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: حَدُّ الْكَذِبِ مَا كَانَ مَخْبَرُهُ بِخِلَافِ خَبَرِهِ، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «إِنِّي سَقِيمٌ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ حَالِهِ قَبْلَ بَيَانِ مَا ظَهَرَ لَهُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوْكَبِ، فَإِنَّهُ نَظَرَ إِلَيْهَا مُسْتَدِلًّا وَالْمُسْتَدِلُّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ حَتَّى يَقَعَ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَكَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَمَا يَدَّعِيهِ قَوْمُهُ وَبَيْنَمَا عَرَفَهُ بِفِطْرَتِهِ، فَكَانَ يَتَبَيَّنُ تَحْقِيقَ مَا عَرَفَهُ بِالْفِطْرَةِ مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْعَقْلِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ دَلِيلَ الْمُحَاجَّهِ لِقَوْمِهِ، وَإِزَالَةَ عَوَارِضِ الشُّكُوكِ الَّتِي تَهْجِسُ فِي الْخَوَاطِرِ، وَلَمْ يَكُنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَعَبَّرَ عَنْ ضَعْفِهِ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالسَّقَمِ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْعِلَّةِ إِذَا لَمْ تَطَّرِدُ فِي مَعْلُولَاتِهَا هَذِهِ: عَلَيَّ سَقِيمَةٌ، أَيْ ضَعِيفَةٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ قَوْمٍ شَكُّوا فِيمَا آَتَاهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] قِيلَ: الشَّكُّ، وَالشَّكُّ ضَعْفٌ، فَكَانَ ضَعْفُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ، وَضَعْفُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَاجَّةِ، فَآتَاهُ اللَّهُ دَلَائِلَ الْمُحَاجَّةِ بِالْكَوْكَبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بِمَا نَصَّ اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ، وَقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] . فَلَمَّا تَمَّتِ الْحُجَّةُ لَهُ فِي أُفُولِ الشَّمْسِ وَآثَارِ الْحَدَثِ فِيهَا، وَاسْتَحْكَمَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى حُدُوثِ مَا دُونَ اللَّهِ، وَعَلَى قِدَمِ الْبَارِي وَتَعَالِيهِ مِنْ أَوْصَافِ الْحُدُوثِ بِقَوْلِهِ ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الْآَيَةَ نَادَاهُمْ بِالْخِلَافِ لَهُمْ لَمَّا اسْتَحْكَمَتْ لَهُ دَلَائِلُ الْعَقْلِ، وَآلَةُ الْحِجَاجِ، فَعِنْدَهَا قَالَ ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] ، وَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ فَحَاجُّوهُ فِي حُجَّتِهِمْ، فَهَذَا قَوْلُهُ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] . وَقَوْلُهُ: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» عَلَّقَ فِعْلَ كَبِيرِهِمْ بِكَوْنِ النُّطْقِ مِنْهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ كَانَ كَبِيرُهُمْ يَنْطِقُ، وَهَذِهِ الْأَصْنَامُ يَنْطِقُونَ فَهُوَ فِعْلُ كَبِيرِهِمْ، فَهَذَا عَلَى التَّبْكِيتِ، لِقَوْلِهِ إِنَّ الَّذِي لَا امْتِنَاعَ لَهُ عَنْ كُرْهٍ، وَلَا نُطْقَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ عَمَّنْ فَعَلَ بِهِ كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا يُعْبَدُ وَرَبًّا يُرْجَى؟ فَقَالُوا ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهُوَ فِعْلُ كَبِيرِهِمْ، وَهَذَا صِدْقٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَخْبَرَهُ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ خَبَرِهِ، لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَمْ يَكُونُوا يَنْطِقُونَ ⦗٣٣٩⦘. وَقَوْلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِسَارَةَ: «أُخْتِي» ، يَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُفَسَّرٌ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ: «مَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ؟» قَالَ: «أُخْتِي» قَالَ: اذْهَبْ فَأَرْسِلْ بِهَا، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سَأَلَنِي عَنْكِ، فَأَخْبَرْتُهُ إِنَّهَا أُخْتِي، فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ، فَإِنَّكَ أُخْتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُكَ وَغَيْرِي " هَذَا كُلُّهُ لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الَّذِي ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ أَوَّلًا فَأَخْبَرَ أَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الدِّينِ وَصَدَقَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] . فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلَاثًا» ، أَيْ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى صُورَةِ الْكَذِبِ إِلَّا هَذِهِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهَا عَلَى التَّوَهُّمِ مِنَ السَّامِعِ أَنَّهَا كَذِبَاتٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَبَاتٍ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي الدَّفْعِ عَنِ الدِّينِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وَلَكِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً
стр. 452
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ " حَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ فَتْحٍ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: ح بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ح سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْكَذِبَ يَحِلُّ فِي الْحَرْبِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، وَالدَّفْعِ عَنِ الدِّينِ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ مِنْ جِهَةِ الدَّفْعِ عَنِ الدِّينِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُمَاحِلُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَهَذَا الْكَذِبُ حَلَالٌ»
стр. 453
حَدَّثَنَا نَصْرٌ، ح أَبُو عِيسَى، ح ابْنُ أَبِي عُمَرَ، ح سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: " اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ كَذِبَاتٍ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْهَا كَذْبَةُ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ، فَهَذَا كَذِبٌ حَلَالٌ»
стр. 454
- حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 455
ح حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح سِنَانُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أَوْ غَيْرَهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ يَمُوتُ زَوْجُهَا فَتَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ زَوْجًا آخَرَ ثُمَّ يَمُوتُ، لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا كَانَ مَعَهَا ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا»
стр. 456
ح خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: ح الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطَبَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمَرْأَةُ لِآخِرِ زَوْجِهَا فِي الْجَنَّةِ» وَمَا كُنْتُ لِأَخْتَارَ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَفَ مِنَ السَّائِلَةِ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَتْ هِيَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَنَّهَا هِيَ السَّائِلَةُ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ، أُرَاهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكِلْتَاهُمَا كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَعَسَى خَطَرَ بِبَالِ السَّائِلَةِ أَنَّ زَوْجَهَا لَوْ لَمْ يَمُتْ لَكَانَتْ تَحْتَهُ أُخْرَى دَهْرَهَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْتُ فَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَسَاهَا أَشْفَقَتْ أَنْ تَكُونَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ، أَعْنِي لَوْلَا الْمَوْتُ لَكَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، فَاسْتَخْبَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ لِيُقَرِّرَ عِنْدَهَا أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَارَتْ لَهُ فِي الدُّنْيَا، فَأَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِشَارَةً أَدْرَكَتِ الْمُرَادَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: «لِأَحْسَنِهِمَا ⦗٣٤١⦘ خُلُقًا» وَأَحْسَنُ زَوْجِهَا خُلُقًا مَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحْسَنُ خُلُقًا مِنْهُ ﷺ ، لِقَوْلِهِ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. فَقَوْلُهُ ﷺ لِلسَّائِلَةِ: «لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا» أَيْ أَنْتِ لِي فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنْتِ لِي فِي الدُّنْيَا، وَلِلْأُخْرَى: «هِيَ لِآخِرِ زَوْجِهَا» كَذَلِكَ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمَا: أَنْتِ لِي إِذِ النَّبِيُّ ﷺ آخِرُ أَزْوَاجِ نِسَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ زَوْجًا سِوَاهُ، لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، فَإِذَا كَانَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا، وَآخِرُ أَزْوَاجَهَا النَّبِيُّ ﷺ كَانَتْ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ «الْمَرْأَةُ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا» فِيمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الطَّلَاقُ لَا الْمَوْتُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بَأْسٍ فَهُوَ سُوءُ الْخُلُقِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ أَبْغَضَ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ»
стр. 457
حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَلَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا أَبْغَضَ مِنَ الطَّلَاقِ» فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ مِمَّا يُبْغِضُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكَادُ يَفْعَلُهُ إِلَّا عَنْ بَأْسٍ، فَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ كَانَ ذَلِكَ لِسُوءِ خُلُقٍ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَقِلَّةِ مُدَارَاةٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْخُلُقِ كَانَتْ فِيهِ مَرَارَةٌ مَعَ امْرَأَتِهِ فَيَسْتَمْتِعُ بِهَا وَيَتَحَمَّلُ سُوءَ خُلُقِهَا، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا الطَّلَاقُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا
стр. 458
ح ⦗٣٤٢⦘ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: ح يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: ح ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَرْأَةَ كَالضِّلَعِ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا عَلَى عِوَجٍ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يَسْتَمْتِعُ بِالْمَرْأَةِ يَتَحَمَّلُ مَا يَكُونُ مِنْهَا مِنَ الِاعْوِجَاجِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِالْمُدَارَاةِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَإِذَا حَسُنَ خُلُقُ الرَّجُلِ لَا يَكَادُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إِلَّا الْمَوْتُ، أَنْ يَمُوتَ عَنْهَا فَيَكُونَ آخِرَ أَزْوَاجِهَا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا مَعَهَا فَيَتَّفِقُ الْخَبَرَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
стр. 459
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 460
- ح أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ: ح أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْفَلِقُ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا مَنْ يُفْتَحُ لَهُ الْجَنَّةُ وَلَا فَخْرَ، فَآتِي فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيُفْتَحُ لِي فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَأُمِيِّزُ وَأُدْخِلُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أَرْجِعُ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ ⦗٣٤٣⦘: اذْهَبْ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ إِيمَانًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَأُمَيِّزُ فَأُدْخِلُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، ثُمَّ يَبْقَى قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُمْ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَبَرُوتِي، وَعُلُوِّ مَكَانِي لَا أَدَعُ أَحَدًا كَانَ لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجْتُهُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُهُمْ فَيَجْعَلُهُمْ فِي نَهَرٍ يُسَمَّى نَهَرَ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ هَلْ تَرَوْنَ مَا يَلِي الظِّلَّ مِنْهَا اصْفَرَّ، وَمَا يَلِي الشَّمْسَ مِنْهَا اخْضَرَّ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ فِي الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: " إِنِّي كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ: لَا تَقُولُوا الْجَهَنَّمِيُّونَ وَلَكِنْ قُولُوا: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَوْلُهُ ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهُوَ ﷺ سَيِّدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَعْنَى تَخْصِيصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْمُلْكُ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا غَيْرَ أَنَّهُ قَدِ ادَّعَى قَوْمٌ الْمُلْكَ فِي الدُّنْيَا، وَيَوْمَئِذٍ لَا مُدَّعِي، كُلٌّ قَدْ أَذْعَنَ وَانْقَادَ، وَزَالَ مُلْكُ كُلِّ ذِي مُلْكٍ، فَلَا أَحَدَ يَقُولُ: أَنَا مَلِكٌ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لَا سُؤْدُدَ لِأَحَدٍ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الَّذِي يَفْزَعُ إِلَيْهِ الْقَوْمُ إِذَا أَصَابَتْهُمْ نَائِبَةٌ أَوْ حَلَّ بِهِمْ أَمْرٌ لَا يَقُومُونَ بِهِ، فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ، وَيَقُومُ بِأَسْبَابِهِمْ، وَيَتَحَمَّلُ الْحَمَالَةَ عَنْهُمْ وَيَذُبُّ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سَيِّدُ النَّاسِ خَادِمُهُمْ» ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيهِمْ مُؤَنَهُمْ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَهُ
следующие страницы →