Полный текст (520 стр.). Показаны 491–520 · переход к 496.
стр. 491
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ح ابْنُ نَجْدَةَ قَالَ: ح الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ أَوْ يَخْلُقُ قَوْمًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» كَأَنَّهُ يَقُولُ: خَيْرُ بَنِي آدَمَ التَّوَّابُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَفِيهِ شُمُوخٌ وَعُلُوٌّ وَتَرَفُّعٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ أَبَدًا، وَاللَّهُ خَلَقَ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لِنَفْسِهِ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَهُ فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَإِعْرَاضَهُ عَمَّا سِوَاهُ لِذَلِكَ سَخَّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ لِيَرْجِعَ عَنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَالشُّغْلِ بِهَا إِلَى رَبِّهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْخَدْمَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِمَصَالِحِهِ قَوْمًا هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْهُ، وَأَهْدَى لِمَصَالِحِهِ، وَأَعْلَمُ لِمَرَافِقِهِ مِنَ الْعَبْدِ، وَجَعَلَ لَهُ حَظَّهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مُعَقِّبَاتٍ فَكَفَاهُ رَبُّهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَاوِيَّةٍ، بَعَثَ رُسُلًا، وَأَنْزَلَ كُتُبًا، وَأَقَامَ شَرِيعَةً، وَنَصَبَ لَهُ دُعَاةً، وَجَعَلَ لَهُ شُفَعَاءَ مِنْ حَمَلَةِ عَرْشِهِ، وَكِرَامِ مَلَائِكَتِهِ، لِيَتَفَرَّغَ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ تَعَالَى إِقْبَالًا عَلَيْهِ، وَنَظَرًا إِلَيْهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهَا إِعْجَابًا بِهَا، وَعُكُوفًا عَلَيْهَا فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ، وَقَدَّرَ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ بِهِ، إِذَا شُغِلَ عَنْهُ وَصُرِفَ مِنْهُ مِنْ شَرٍّ يَعْمَلُهُ، وَسُوءٍ يَأْتِيهِ، وَمَعْصِيَةٍ يَرْتَكِبُهَا، وَكَبِيرَهٍ يُوَاقِعُهَا، وَصَغِيرَةٍ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا. يُنَبِّهُهُ لِنَظَرِهِ إِلَيْهِ، وَيَبْعَثُهُ عَلَى إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ: فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا ⦗٣٦٧⦘ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ، وَقَالَ ﷻ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ يَجِدُهَا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ» ، وَقَالَ: «السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ» . أَخْبَرَ أَنَّ الشَّرَّ الَّذِي يَعْمَلُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، وَفِي حَالَيْنِ سِرًّا وَجَهْرًا، فَالسِّرُّ أَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَالْعَلَانِيَةُ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ، كَأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ: إِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِسِرِّكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِسِرِّكَ، وَإِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِجَوَارِحِكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِجَوَارِحِكَ، فَأَفْعَالُ السِّرِّ مِنَ الذُّنُوبِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ طَمَعٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَمَخَافَةٌ مِنْهُ وَرَجَاءٌ إِلَيْهِ وَمُعَادَاةُ أَوْلِيَائِهِ، وَمُوَالَاةُ أَعْدَائِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ حَسَدٌ لِمُؤْمِنٍ، وَتُهْمَةٌ لِبَرِيءٍ، وَبَغْيٌ عَلَى مُسْلِمٍ، وَحِقْدٌ يُضْمِرُهُ، وَسُوءٌ يُرِيدُهُ بِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْدِثَ تَوْبَةً مِنْهَا بِسِرِّهِ بِاكْتِسَابِ مَا يُزِيلُهَا وَيُثَبِّتُ أَضْدَادَهَا؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَغَزْوٍ وَأَمْثَالِهَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ كَثِيرُ نَفْعٍ مِنْهَا مَعَ فَسَادِ السِّرِّ وَنَجَاسَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَكَادُ يُطَهِّرُهَا بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَكَمُ لِأَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ ﵀:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْجَرَائِمَ أَقْفَلَتْ بَابَ الْهُدَى ... فَالْعِلْمُ لَيْسَ بِفَاتِحٍ أَقْفَالِهَا
إِنَّ الْقُلُوبَ تَنَجَّسَتْ بِبَطَالَةٍ ... فَالسَّعْيُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ أَفْعَالَهَا
وَذُنُوبُ الْعَلَانِيَةِ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَالْعَبْدِ تَرْكُ مَا أَمَرَ بِهِ، وَارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَضْيِيعِ فَرْضٍ وَإِضَاعَةِ حَقٍّ، وَمُجَاوَزَةِ حَدٍّ، وَقُصُورٍ عَنْهُ. وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى: الْمَظَالِمُ وَالْجِنَايَاتُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَتَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْهَا عَلَانِيَةٌ مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ مَحَالَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَضَاءِ مَا فَاتَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ وَإِخْرَاجِ مَا حَصَّلَ مِنْ مَالٍ، أَوْ مَتَاعٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ⦗٣٦٨⦘. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ نَدَمُهُ بِسِرِّهِ عَلَى مَا مَضَى مَعَ إِقَامَتِهِ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْوَقْتِ، وَتَوْبَتُهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَظَالِمِ بِسِرِّهِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِمَا فِي يَدَيْهِ. رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: " إِذَا قَالَ الْمُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَعِنْدَهُ مَالٌ حَرَامٌ قِيلَ لَهُ: لَا لَبَّيْكَ، وَلَا سَعْدَيْكَ حَتَّى تَرُدَّ مَا فِي يَدَيْكَ" لِذَلِكَ قَالَ السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ
стр. 492
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 493
- ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَيْ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي، كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَسَمُّوا بِاسْمِي، فَإِذَا سَمَّيْتُمْ بِاسْمِي فَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِبَاحَةَ الِاسْمِ وَحَظْرَ الْكُنْيَةِ، فَيَكُونُ الِاسْمُ مُحَمَّدًا جَائِزًا مَأْذُونًا بِهِ، وَيَكُونُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مَحْظُورًا، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا فِي عَصْرِهِ ﷺ وَصَبْوَتِهِ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ، فَيُقَالُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَيَظُنُّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ هُوَ الْمَدْعُوُّ فَيَلْتَفِتُ أَوْ يُجِيبُ , فَيَتَأَذَّى النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . يُصَدِّقُ ذَلِكَ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَرَّ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنَادَى رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَمْ أَعْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» .
стр. 494
قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ قَالَ: ح أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ح الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: ح حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ ⦗٣٦٩⦘ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا، فَقَالَ ﷺ : «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْكُنْيَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الِاسْمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ بِالِاسْمِ لِأَنَّ اللَّهَ نَهَى أَنْ يُدْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِهِ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] . فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ دَاعِيًا، فَإِذَا سَمِعَ مَنْ يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ , يَعْلَمُ ﷺ أَنَّ الْمَدْعُوَّ غَيْرُهُ فَلَا يَلْتَفِتُ وَلَا يُجِيبُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَدْعُوَّ، وَلَمْ يُرِدِ النَّهْيُ عَنِ الْكُنْيَةِ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَإِذَا سَمِعَ مَنْ يُنَادِي يَا أَبَا الْقَاسِمِ الْتَفَتَ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَدْعُوَّ، فَيَكُونُ فِيهِ أَذَاهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَلْتَفِتُ إِذَا مَشَى، فَإِذَا الْتَفَتَ لَا لِمَعْنًى كَانَ فِي ذَلِكَ أَذَاهُ، وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْذُوهُ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا فِي تَوْقِيرِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَوْقِيرِهِ وَإِجْلَالِهِ فَقَالَ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ مَنْ سُمِّيَ مُحَمَّدًا مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - يُقَالُ: أَنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاتِهِ - وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ فِي حَيَاتِهِ مَنْ كُنِّيَ بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 495
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 496
- حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ ﷺ : «وَجَبَتْ» ، ثُمَّ مَاتَ آخَرُ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، فَقَالَ ﷺ : «وَجَبَتْ» . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَ فُلَانٌ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا فَقُلْتَ: «وَجَبَتْ» ، ثُمَّ مَاتَ فُلَانٌ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ: " إِنَّكُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ ⦗٣٧٠⦘ شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]
стр. 497
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا حَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى، قَالَ: ح عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " يُدْعَى نُوحٌ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغْتَ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ، فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَيُؤْتَى بِكُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ، فَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَدَّلَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أَيْ: عَدْلٌ، فَشَهَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ لَا تُرَدُّ، وَالْحُكْمُ بِهِ وَاجِبٌ فِي الْقَضَاءِ، فَإِذَا شَهِدُوا عَلَى إِنْسَانٍ بِصَلَاحٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمَغِيبِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى آخَرَ بِفَسَادٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمَغِيبِ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَى الْحَاكِمِ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ. فَهَذِهِ الْأُمَّةُ شُهُودٌ، وَاللَّهُ عَدَّلَهُمْ، وَرَسُولُهُ ﷺ زَكَّاهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَقَالَ فِي غَيْرِهِمْ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ، فَغَيْرُهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ⦗٣٧١⦘، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُونَ هُمْ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَبَعْضُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَأْتُونَهُ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَجْتَنِبُونَهُ، فَهُمْ عُدُولٌ صَادِقُونَ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُمْ، وَهُمْ أَزْكِيَاءُ صِدِّيقُونَ بِتَزْكِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ لَهُمْ، فَوَجَبَتِ الْقَضِيَّةُ بِشَهَادَتِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَجَبَتْ» ، وَجَبَتْ إِنَّهُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ «فِي الْأَرْضِ» أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْحُكَّامِ الْقَضَاءَ بِهَا بِشَهَادَتِهِمْ فِي الدِّمَاءِ، وَالْفُرُوجِ، وَالْأَمْوَالِ عَلَى مَا يَعْرِفُ اللَّهُ مِنْهُمْ فَهُوَ يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ «وَجَبَتْ» فِي الثَّنَاءِ الْحَسَنِ، فَذَلِكَ سِتْرٌ مِنَ اللَّهِ وَتَجَاوُزٌ عَمَّا عَرَفَ مِنَ الْمُثْنَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَكَرَمٌ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ أَوْلِيَائِهِ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي شَهَادَتِهِمْ جَرْحٌ، وَتَجَاوُزٌ عَنِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَسِتْرٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ
стр. 498
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: ح أَبُو أَحْمَدَ بْنُ يَاسِينَ بْنِ النَّصْرِ، قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: ح أَبِي، قَالَ: ح أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ: ح خَالِدُ بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَأَحْسَنَ النَّاسُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ، إِنَّهُ كَانَ يُسِرُّ كَذَا، وَيُعْلِنُ كَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ صَدَّقَكُمْ فِيمَا تَقُولُونَ، وَغَفَرَ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» وَأَمَا قَوْلُهُ «وَجَبَتْ» فِي الثَّنَاءِ السَّيِّئِ فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهُ مِنَ الشُّهُودِ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ خِلَافَ مَا شَهِدُوا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ سِيِّئِ عَمَلِهِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، وَهُوَ بِهَا مَجْرُوحٌ عَاصٍ سَوَاءٌ، وَافَقَ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ، أَوْ خَالَفَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ سِيِّئٌ لَا مَحَالَةَ، فَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا عَذَّبَهُ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ فَقَدْ عَذَّبَهُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَوَجَبَ وَعِيدُ اللَّهِ لَهُ، فَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَا أَوْعَدَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَذِّبًا لَهُ، وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّهُ، بَلْ يَكُونُ مُعَذِّبًا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ، فَإِذَا تَجَاوَزَ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْهُ ثُمَّ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ لَهُ، كَانَ ذَلِكَ مَغْفِرَةً وَتَجَاوُزًا، وَهُمَا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَهُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُسِيءِ فَلَا يُعَاقِبَهُ عَلَى إِسَاءَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَهُ أَوْ يُعَاقِبَهُ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ كَانَ مِنْهُ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 499
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 500
ح نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى، قَالَ: ح قُتَيْبَةُ، قَالَ: ح حَمَّادُ بْنُ يَحْيَى الْأَبَحُّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ»
стр. 501
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنَا , وَمَنْ مَعِي» ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ثُمَّ الَّذِينَ عَلَى الْأَثَرِ» ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: «ثُمَّ الَّذِينَ عَلَى الْأَثَرِ» ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَفَضَهُمْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ، ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» لِتَقَارُبِ أَوْصَافِهِمْ وَتَشَابُهِ أَفْعَالِهِمْ، وَقُرْبِ نُعُوتِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَلَا يَكَادُ يَتَبَيَّنُ النَّاظِرُ فِيهِمْ، وَالْمُعْتَبِرُ حَالَهُمْ، وَالْبَاحِثُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَحْكُمَ بِالْخَيْرِ لِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَإِذْ تَشَابَهَتِ الْأَفْعَالُ، وَتَقَارَبَتِ الْأَوْصَافُ، فَإِنَّمَا يُعْلَمُ الْخَيْرِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وَالسَّمْعِ وَالتَّوْفِيقِ. ثُمَّ وَرَدَ الْخَبَرُ بِقَوْلِهِ: مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: «أَنَا وَمَنْ مَعِي» فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» حُكْمًا، فَيَسْتَوِي آَخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَوَّلِهَا فِي الْخَيْرِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَرْنَ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّمَا كَانُوا أَخْيَارًا؛ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ كَفَرَ بِهِ النَّاسُ، وَصَدَّقُوهُ حِينَ كَذَّبَهُ النَّاسُ، وَنَصَرُوهُ حِينَ خَذَلَهُ النَّاسُ، وَهَاجَرُوا وَآوَوْا وَنَصَرُوا، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وُجِدَتْ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِينَ يَكْثُرُ الْهَرْجُ، وَحِينَ لَا يُقَالُ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ
стр. 502
وَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ نَصْرٌ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ح ابْنُ ⦗٣٧٣⦘ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ "
стр. 503
وَقَالَ ﷺ : «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» ، قِيلَ: وَمَا الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى هَذَا، كَانَ الْمُؤْمِنُ فِيهِمْ كَالْمُؤْمِنِ فِي وَقْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ النَّازِعَ مِنَ الْقَبِيلَةِ مُهَاجِرٌ مَفَارِقٌ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ، وَوَطَنَهُ، مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ مُصَدِّقٌ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَاللَّهُ مَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ بِإِيمَانِهِمْ بِالْغَيْبِ، فَقَالَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ، وَكَانَ إِيمَانُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْبًا وَشُهُودًا، فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ غَيْبًا، وَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ شُهُودًا وَعَيَانًا، يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ، وَيَرَوْنَ الْآيَاتِ، وَيُشَاهِدُونَ الْمُعْجِزَاتِ، وَآخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُؤْمِنُونَ بِمَا آمَنَ بِهِ أَوَائِلُهُمْ غَيْبًا، وَيُؤْمِنُونَ غَيْبًا بِمَا آَمَنَ بِهِ أَوَائِلُهُمْ شُهُودًا، وَهُوَ إِيمَانُهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُشَاهِدُونَ النَّبِيِّ ﷺ عَيْنًا، وَلِذَلِكَ صَارُوا أَعْجَبَ النَّاسِ إِيمَانًا كَمَا
стр. 504
حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: ح حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ح قُتَيْبَةُ، قَالَ: ح خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَعْجَبُ الْخَلْقِ إِيمَانًا؟» قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ يُعَايِنُونَ الْأَمْرَ؟» . قَالُوا: فَالنَّبِيُّونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مِنَ ⦗٣٧٤⦘ السَّمَاءِ» ، قَالُوا: فَأَصْحَابُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ أَصْحَابِي وَهُمْ يَرَوْنَ مَا يَرَوْنَ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ النَّاسِ إِيمَانًا قَوْمٌ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، وَيُصَدِّقُونِي وَلَمْ يَرَوْنِي، فَأُولَئِكَ إِخْوَانِي»
стр. 505
ثُمَّ كَانَ الْمُتَمَسِّكُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالدِّينِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ اخْتِلَافِ أُمَّتِي كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ح حُمَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَخْتَرِيُّ، قَالَ: ح جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَالْمُؤْمِنُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى عَلَى إِيمَانِهِ مَا كَانَ يُصِيبُ أَوَائِلَهُمْ بِدَلَالَةِ هَذَا الْخَبَرِ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْخِصَالُ الَّتِي وُجِدَتْ فِي أَوَائِلِهِمْ جَازَ أَنْ يُسَاوُوهُمْ فِي الْخَيْرِيَّةِ فَيَكُونُوا فِي الْخَيْرِيَّةِ لَهُمْ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» خَاصًّا فِي قَوْمٍ مِنْهُمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، ﵁: كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ ﵃، ثُمَّ لَا نُفَضِّلُ أَحَدًا أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَدُّونَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَرْنَهُ ﷺ ، كُلُّهُمْ لَمْ يَكُونُوا خَيْرَ النَّاسِ، فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأُبَيٌّ، وَسَائِرُ الْمُشْرِكِينَ، وَمُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ، وَخَارِجَةُ الْأَسَدِيُّ الْمُتَنَبِّيَانِ الْكَذَّابَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْضَ الْقَرْنِ لَا كُلَّهُمْ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ فِي قَرْنِي، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ هُمْ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ فَيَكُونُ مَنْ سِوَاهُمْ يَجُوزُ أَنْ يُسَاوِيَ بِهِمْ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ، وَيَنْصُرُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَهُمْ أَنْصَارُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِخْوَانُهُ
стр. 506
قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنَا يَوْمًا: «لَيْتَنِي لَقِيتُ إِخْوَانِي» ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ آمَنَّا بِكَ، وَهَاجَرْنَا مَعَكَ، وَاتَّبَعْنَاكَ، وَنَصَرْنَاكَ، وَصَدَّقْنَاكَ، قَالَ: «بَلَى» ، وَعَادَ فَعُدْنَا، ثَمَّ عَادَ فَعُدْنَا قَالَ: «بَلَى وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي كَإِيمَانِكُمْ، وَيُحِبُّونَنِي كَحُبِّكُمْ، وَيَنْصُرُونَنِي كَنَصْرِكُمْ، وَيُصَدِّقُونَنِي كَتَصْدِيقِكِمْ، فَيَا لَيْتَنِي لَقِيتُ إِخْوَانِي» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، قُلْنَا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: «لَا، أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي قَوْمٌ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِي» . وَقَالَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، الْمُمْسِكُ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلًا» ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَجْرِ خَمْسِينَ عَامِلًا مِنْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ مِنْكُمْ»
стр. 507
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْمُفَسِّرُ، قَالَ: ح حَامِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ح عِيسَى، قَالَ: وَح خَلَفٌ، هَذَا قَالَ: ح الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَضَّاحِ، وَالْحَسَنُ بْنُ ضَحَّاكٍ، قَالَا: ح عُجَيْفُ بْنُ آدَمَ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ح عِيسَى، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ مُطَّرِحِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ الْكِنَانِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، وَإِنَّ لِهَذَا الدِّينِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا» ، وَسَاقَ حَدِيثًا فِي وَصْفِ آخِرِ الزَّمَانِ إِلَى أَنْ قَالَ: «فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْأَمْرِ يَوْمَئِذٍ كُتِبَ لَهُ بِأَجْرِ خَمْسِينَ مِمَّنْ رَآنِي وَسَمِعَ مَوْعِظَتِي وَآمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي» فَأَخْبَرَ أَنَّ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَفُوقُ أَوَّلَهَا فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ ⦗٣٧٦⦘ يَكُونَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرَ أَجْرًا مِنْ بَعْضِ أَوَائِلِهَا، جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَاخِرُهَا يُوَازِي أَوَائِلَهَا، فِي الْأَجْرِ وَالْخَيْرِ.
стр. 508
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ، ح الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُفْيَانَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ح سُلَيْمَانُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتِي أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا، وَفِي وَسَطِهَا الْكَدَرُ»
стр. 509
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: ح عِيسَى بْنُ يُونُسَ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ح ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ مَرْزُوقِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي جُمْعَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ قَالَ: «نَعَمْ، قَوْمٌ يَجِيئُونَ بَعْدِي يَجِدُونَ كِتَابَنَا بَيْنَ لَوْحَيْنِ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُصَدِّقُونَ بِهِ، فَهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ» فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ فِي آخِرِ أُمَّتِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ مَنْ صَحِبَهُ. وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي
стр. 510
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْعَطَّارُ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعَبْسِيُّ، قَالَ: ح وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدًا أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي فَضِيلَةِ السَّبْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ لَهُمُ السَّبْقُ بِالْإِنْفَاقِ وَالْإِيمَانِ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالسَّبْقُ سَبْقَانِ: سَبْقٌ فِي الْعَمَلِ، وَسَبْقٌ فِي الدَّهْرِ، فَمَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ سَبْقُ الدَّهْرِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ، وَلَيْسَ ⦗٣٧٧⦘ ذَلِكَ فِي الِاكْتِسَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلُ اللَّهِ آتَاهُ مَنْ شَاءَ، وَسَبْقُ الْعَمَلِ هُوَ بِاكْتِسَابٍ، فَالَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا كَانُوا أَفْضَلَ مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا مِنْ وَجْهَيْنِ: فَمَنْ كَانَ سَبْقُهُ مِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ زَمَانُ إِنْفَاقِهِ وَقِتَالِهِ، فَلَهُ فَضِيلَةُ سَبْقِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُلَامُ مَنْ تَأَخَّرَ زَمَانُهُ عَلَى تَأَخُّرِهِ، وَمَنْ كَانَ قِتَالُهُ وَإِنْفَاقُهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْفَتْحِ مِنْ قِبَلِ فِعْلِهِ، فَإِنَّهُ مَلُومٌ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ إِمْكَانُ الْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَمْ يَفْعَلْ. فَأَمَّا تَأَخُّرُ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الْفِعْلِ فَمَنْ أَنْفَقَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَاتَلَ مَعَهُ فَازَ بِفَضِيلَةِ السَّبْقِ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِهِ لَا اكْتِسَابِهِ، فَأَمَّا الْإِنْفَاقُ وَالْقِتَالُ اللَّذَانِ هُمَا مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ فَيَجُوزُ اسْتِوَاءُ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَوَّلِهَا غَيْرِ الْمَخْصُوصِينَ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَمْ يُدْرِكْ مُدَّ أَحَدِهِمْ أَوْ نَصِيفَهُ» مِنْ جِهَةِ السَّبْقِ الَّذِي هُوَ سَبْقُ الزَّمَانِ، وَيَكُونُ تَسَاوِيهِ بِالْخَيْرِ مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» : مِنْ جِهَةِ أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَبَذْلِهِمْ وَإِنْفَاقِهِمْ وَمَا هُوَ مِمَّا يَكْتَسِبُونَهُ، فَإِنْ أَخْبَرَهُمْ بِفِعْلِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ فَتَسَاوَوْا فِيهِ. وَقَوْلُهُ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» وَسَائِرُ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ فِعْلَ اللَّهِ بِأُولَئِكَ، فَأُولَئِكَ لَهُمْ فَضِيلَةُ السَّبْقِ فَهُمْ خَيْرُ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ، وَالْمَعْدُودُونَ خَيْرَ النَّاسِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» فِي الْمَعْدُودِينَ وَمَنْ سِوَاهُمْ، يَجُوزُ فِيهِ تَسَاوِي أُولَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ تَفْضِيلًا وَاكْتِسَابًا، وَمَنْ سِوَاهُمْ فَأَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ سَوَاءٌ فِي الْخَيْرِ الَّذِي هُوَ أَفْعَالُهُمْ وَاكْتِسَابُهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 511
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 512
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: أخ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ح الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ، عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ هِشَامٍ الْكِنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ اللَّهِ، ، قَالَ: «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي فِي الْمُحَارَبَةِ، مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ ⦗٣٧٨⦘ أَنَا فَاعِلُهُ مَا تَرَدَّدْتُ فِي مَسَاءَةِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِمِثْلِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا، يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، وَيَسْتَنْصِحُنِي فَأَنْصَحُ لَهُ، إِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يُرِيدُ الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فَيُفْسِدَهُ ذَلِكَ، إِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنَ الْغَنِيِّ مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفَسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، لَوْ أسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السَّقَمُ، لَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ، إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: أَوْلِيَاءُ اللَّهِ خَصَائِصُهُ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ فِي أَزَلِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجِدَهُمْ، وَأَنْتَجَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَاسْتَخْلَصَهُمْ وَاصَطَنَعَهُمْ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِثَهُمْ حِينَ أَوْجَدَهُمْ عَنِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ، وَصَرَفَ الْأَغْيَارَ عَنْهُمْ ضَنًّا بِهِمْ وَغَيْرَةً عَلَيْهِمْ، زَيَّنَهُمْ بِأَوْصَافِهِ، وَحَلَّاهُمْ بِنُعُوتِهِمْ، فَهُمْ عُلَمَاءُ صُلَحَاءُ كِرَامٌ صَادِقُونَ، رُحَمَاءُ حُكَمَاءُ عُدُولٌ مُؤْمِنُونَ، فَهُمْ بِكَثِيرِ أَوْصَافِهِ مَوْصُوفُونَ، وَبِأَسْمَائِهِ وَنُعُوتِهِ مَوْسُومُونَ، قَلَبَ بِصِفَاتِهِ أَحْوَالَهُمْ، وَأَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ أَفْعَالَهُمْ، فَقَالَ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ، قَاتَلَ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، وَانْتَصَرَ بِهِمْ مِمَّنْ عَادَاهُ، فَهُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨] ، وَقَالَ ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] ، فَلَمَّا كَانُوا أَنْصَارَهُ يُقَاتِلُونَ مَنْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ، وَيُنَاصِبُونَ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ، وَيَذُبُّونَ عَنْ دِينِهِ، وَيُقَاتِلُونَ مَعَ رُسُلِهِ، جَعَلَ آذَاهُمْ مُبَارَزَتَهُ، وَإِهَانَتَهُمْ مُنَاصَبَتَهُ، فَقَالَ ﷻ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ، سَمَّاهُمْ مُحَارِبِينَ لَهُ لَمَّا آذَوْا أَوْلِيَاءَهُ فِي سَلْبِ أَمْوَالِهِمْ، وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ، وَإِخَافَةِ سُبُلِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا خَصَائِصَهُ فَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ بَارَزَهُ، أَيْ أَظْهَرَ مُخَالَفَةَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ خِلَافَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ، وَأَرَادَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَرَادَهُمُ اللَّهُ بِهِ، أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَهَانَهُمُ الْمُؤْذِي لَهُمْ، وَوَالَهُمُ اللَّهُ ، فَعَادَاهُمُ الْمُهِينُ لَهُمْ، فَصَارُوا لِلَّهِ مُحَارِبِينَ، وَلَهُ بِالْعَدَوَاةِ بَارِزِينَ، وَلِحُكْمِهِ فِيهِمْ مُخَالِفِينَ ⦗٣٧٩⦘. وَقَوْلُهُ: «مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ» أَيْ مَا رَدَدْتُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فِي مَا فَعَلْتُهُ بِخَلْقِي، كَمَا رَدَدْتُ مُخْتَلَفَ الْأَحْوَالِ عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي إِزَالَةِ كَرَاهَةِ الْمَوْتِ عَنْهُ بِلَطَائِفَ يُحْدِثُهَا لَهُ وَيُظْهِرُهَا عَلَيْهِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَوْتَ، وَيَسْأَمَ الْحَيَاةَ
стр. 513
كَمَا فَعَلَ بِإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَبَكَى إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ مَلَكُ الْمَوْتِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ وَمَاءُ الْعِنَبِ يَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ كَمْ أَتَى لَكَ؟ فَذَكَرَ مِثْلَ سِنِّ إِبْرَاهِيمَ، فَاشْتَهَى إِبْرَاهِيمُ الْمَوْتَ فَقَبَضَ رُوحَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ كَعْبٍ، ﵀. فَهَذِهِ لَطِيفَةٌ أَحْدَثَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِخَلِيلِهِ فِي إِزَالَةِ كَرَاهَةِ الْمَوْتِ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهَا نَظَائِرَ قَبْلُ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنَ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَهُ، فَقَالَ ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ، فَأَرَادَ أَنْ يُحِلَّ الْمُؤْمِنَ فِي جِوَارِهِ، وَيُنْزِلَهُ دَارَ كَرَامَتِهِ، وَيَهَبَ لَهُ مِنْ مُلْكِهِ، وَيَجْعَلَهُ بَاقِيًا بِبَقَائِهِ مَلِكًا لَا يَفْنَى مُلْكُهُ، حَيًّا لَا يَمُوتُ أَبَدًا لَا يَزُولُ، يُحِلُّ عَلَيْهِ كَرَامَتَهُ، وَيُلَذِّذُهُ بِرُؤْيَتِهِ، وَيُكْرِمُهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَحَكَمَ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ , وَهُوَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيْهِ , وَلَا يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَيْهِ , فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ الْمَوْتِ لِيَصِلَ إِلَى هَذِهِ الْكَرَامَةِ الْجَلِيلَةِ، وَالرُّتْبَةِ السَّنِيَّةِ، وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ كَرِهَ اللَّهُ مَسَاءَتَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَزَالَهَا عَنْهُ بِلَطَائِفَ يُحْدِثُهَا لَهُ وَفِيهِ، سُبْحَانَ اللَّطِيفِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِمِثْلِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» ، لَيْسَ مِنْ قَدْرِ الْعَبْدِ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ، وَسِمَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ، وَنَقْصُ الْحَدَثِ فِيهِ بَيِّنٌ، وَحَقَارَةُ الْبِنْيَةِ لَهُ لَازِمَةٌ، فَبِأَيِّ صِفَةٍ يَتَقَرَّبُ إِلَى مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إِلَى غَنِيٍّ مُحْتَاجٌ , وَمَلِكٍ لَا يُطَاقُ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَإِنَّمَا يُقَرِّبُهُ اللَّهُ مِنْهُ، يَتَقَرَّبُ بِلُطْفِهِ إِلَيْهِ، فَأَمَرَهُ بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهَا عَلَامَتَهُ لِمَنْ لَهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ تَقَرُّبٌ إِلَيْهِ، فَمَنْ أَقَامَ أَوَامِرَهُ، وَأَدَّى فَرَائِضَهُ فَهُوَ الَّذِي قَرَّبَهُ اللَّهُ مِنْهُ، فَصَارَ أَدَاءُ فَرَائِضِهِ تَقَرُّبًا مِنْهُ، وَإِقَامَةُ أَوَامِرِهِ تَوَسُّلًا إِلَيْهِ، وَأُخْرَى أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ تَوَقَّى فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَدَنَّسَ بِالْخَطَايَا، وَيَتَلَطَّخَ بِالْمَعَاصِي، وَاللَّهُ قُدُّوسٌ طَاهِرٌ. وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ الْقُدُّوسَ الْأَعْلَى لَا يَقْرَبُهُ إِلَّا قِدِّيسٌ طَاهِرٌ» ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَدَاءِ مَا
стр. 514
افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ لِيَطَّهْرُوا بِهَا مِنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ، وَيَتَنَظَّفُوا مِنْ أَرْجَاسِ الْعُيُوبِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وَقَدْ قَالَ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، وَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِذَا أَتَوْا بِهَذِهِ الْفَرَائِضِ تَطَهَّرُوا فَصُلُحُوا لِدَارِ الطَّهَارَةِ وَقُرْبَةِ الْقُدُّوسِ. وَقَوْلُهُ «وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» لَمَّا عَلِمَ الْمُؤْمِنُ الْوَجْهَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِطَهَارَتِهِ، وَالْعَمَلَ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ مَنْ قَرَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَهُوَ أَدَاءُ فَرَائِضِهِ، أَدَّى فَرَائِضَهُ بَاذِلًا فِيهَا مَجْهُودَهُ، وَكَانَتِ الْفَرَائِضُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْدُودَةٍ تُسَارِعُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا إِلَى أَمْثَالِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْأَفْعَالِ طَلَبًا لِازْدِيَادٍ مِنَ السَّبَبِ الْمُقَرِّبِ إِلَيْهِ، وَالسِّمَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، فَزَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَحَبَّةً إِلَى تَقْرِيبِهِ مِنْهُ كَمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تعَبُّدًا فِي حَالِ الْحُرِيَّةِ مِنْ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ فِي أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْعَبْدِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ مَثْلُ الْمُكَاتَبِ، كَاتَبَهُ مَوْلَاهُ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ نُجُومًا، فَإِذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ عَتَقَ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فُرُوضًا مَحْدُودَةً، وَأَلْزَمَهُ أُمُورًا مَحْدُودَةً مُؤَقَّتَةً، فَإِذَا أَدَّاهَا خَرَجَ مِنْ رِقِّهَا، فَهُوَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ وَقْتٌ آخَرُ عَتِيقٌ فِي عَمَلِهِ، وَإِلَى أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ فَرْضٌ ثَانٍ حُرٌّ، فَمَنْ تَعَبَّدَ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ شَوْقًا إِلَى مَوْلَاهُ اسْتَحَقَّ الْمَحَبَّةَ، كَمَا أَنَّ مَنْ تَعَبَّدَ فِي حَالِ الرِّقِّ اسْتَوْجَبَ الْقُرْبَةَ. وَقَوْلُهُ: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا» إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَحْدَثَ فِيهِ حُبًّا لِلَّهِ، فَيُحَبُّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فَالْمَحْبُوبُ مُحِبٌّ، وَالْمُحِبُّ مُنْخَلِعٌ مِنْ جَمِيعِ شَهَوَاتِهِ، خَارِجٌ مِنْ جَمِيعِ صِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْمُحِبِّ أَفْنَتْهُ عَنْهُ، وَسَلَبَتْهُ عَنْ صِفَاتِهِ، وَاصْطَفَتْهُ مِنْ نُعُوتِهِ فَأَصَمَّهُ وَأَعْمَاهُ، وَعَنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِهِ أَبْلَاهُ،
стр. 515
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مِنْ حُبِّكَ الشَيْءَ مَا يُعْمِي، وَمَا يُصِمُّ» حَدَّثَنَاهُ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ح ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٣٨١⦘ فَالْمُحِبُّ يُصِمُّ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَيُعْمِي عَمَّا سِوَى الْمَحْبُوبِ الْأَبْصَارَ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْكِبَارِ:
[البحر البسيط]
أَصَمَّنِي الْحُبُّ إِلَّا عَنْ تَسَاوُدِهِ فَمَنْ ... رَأَى حُبَّ حُبٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
وَكُفَّ طَرْفِيَ إِلَّا عَنْ وِعَايَتِهِ ... وَالْحُبُّ يُعْمِي وَفِيهِ الْقَتْلُ إِنْ كُتِمَا
وَقِيلَ لِقَيْسٍ الْمَجْنُونِ: أَتُحِبُّ لَيْلَى؟ فَقَالَ: لَا، قِيلَ: لِمَ؟ قَالَ: إِنَّ الْمَحَبَّةَ ذَرِيعَةُ الْوَصْلَةِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْوَصْلَةُ سَقَطَتِ الذَّرِيعَةُ، فَأَنَا لَيْلَى، وَلَيْلَى أَنَا. قَالَ الشَّيْخُ، ﵀: وَأَنَا أَحْكِي لَكَ عَنِّي عَجَبًا فِي رُؤْيَا رَأَيْتُهَا، رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ امْرَأَةً رَقِيقَةً مَمْشُوقَةً، عَلَيْهَا مَلَاحَةٌ، وَلَهَا شَعْرٌ مَا رَأَيْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مِثْلَهُ طُولًا وَغِلْظًا وَسَوَادًا، فَخُيِّلَ لِي أَنَّهَا لَيْلَى، وَهِيَ تُنْشِدُ أَشْعَارًا، فَكُنْتُ حَفِظْتُ مِنْهَا أَبْيَاتًا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَقُلْتُ لَهَا وَعَزَمْتُ عَلَيْهَا: أَخْبِرِينِي عَنْ قَيْسٍ، فَقَالَتْ: كَانَ عُنْوَانَ حُبِّي وَكُنْتُ مَعْنَاهُ الَّذِي قَامَ بِهِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ حَالٌ يُوصَفُ، وَلَا كَانَتْ لَهُ صِفَةٌ تُعْرَفُ، فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ حَفِظْتُ مِنْهُ هَذَا. فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ أَحْوَالَ الْمُحِبِّ، فَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى صَرَفَهُ عَنِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَالْمُحْدَثُ لَا يُطِيقُ تَحَمُّلَ أَعْبَاءِ الْمَحَبَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُفْنِيهِ، فَإِذَا أَفْنَتْهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنْشَأَهُ اللَّهُ لِمَحَبَّتِهِ لَهُ خَلْقًا جَدِيدًا، فَأَفَادَهُ سَمْعًا بَدَلَ سَمْعِهِ، وَبَصَرًا بَدَلَ بَصَرِهِ، وَيَدًا بَدَلَ يَدِهِ، وَأَيَادِيَ أَقْوَى مِنْ أَيْدِهِ، فَلَا يُبْصِرُ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَبْطِشُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَقْوَى إِلَّا فِيهِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، وَيَسْتَنْصِحُنِي فَأَنْصَحُ لَهُ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ لَهُ مَوْلًى، وَلَا وَلِيًّا إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَرَى فِي الدَّارَيْنِ لَهُ غَيْرَهُ، فَمَنْ يَدْعُو سِوَاهُ وَمَنْ يُجِيبُهُ إِلَّا هُوَ، إِذْ لَيْسَ عِنْدَهُ مُجِيبًا لَهُ إِلَّا رَبُّهُ، وَلَا مَدْعُوًّا إِلَّا مَحْبُوبُهُ. وَقَوْلُهُ: «يَسْتَنْصِحُنِي فَأَنْصَحُ لَهُ» ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَتْ عَنْهُ اخْتِيَارَاتُهُ، وَمَاتَتْ فِيهِ شَهَوَاتُهُ، وَبَطَلَتْ مِنْهُ إِرَادَتُهُ، قَدْ ذُهِلَ عَنْ أَوْصَافِهِ، وَشُغِلَ فِي مَحَبَّةِ مَحْبُوبِهِ عَنْ نُعُوتِهِ، فَهُوَ لَا يَهْتَدِي إِلَى مَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَلَا يَتَخَيَّرُ فِي أَحْكَامِ مَوْلَاهُ , فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اكْلَأْنِي كِلَاءَةَ الْوَلِيدِ» فَهَذَا اسْتِنْصَاحُهُ لَهُ، فَهُوَ تَعَالَى يُصَرِّفُهُ فِي مَشِيئَتِهِ، وَيَجْعَلُهُ فِي قَبْضَتِهِ، وَيَحُوطُهُ بِعِصْمَتِهِ، وَيُصَرِّفُهُ فِي مَحَابِّهِ، فَهَذَا نُصْحُهُ لَهُ ⦗٣٨٢⦘. وَقَوْلُهُ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِي لِمَنْ يُرِيدُ الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فَيُفْسِدَهُ ذَلِكَ» هَذَا مَنْ نَصَحْتُ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي شَهَوَاتِ نَفْسِهِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِحُظُوظِهَا، وَإِنَّمَا شُغْلُهُ بِمَوْلَاهُ، وَتَصَرُّفُهُ فِيمَا يَرْضَاهُ، فَهُوَ يُرِيدُ الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ عِنْدَ غَلَبَةِ الِاشْتِيَاقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَبِيبُ اللَّهِ وَمَحْبُوبُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُحِبُّهُ، وَالْمُحِبُّ يَغَارُ عَلَى مَحْبُوبِهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَضِنُّ بِهِ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى سِوَاهُ، فَالْعَبْدُ لِغَلَبَةِ الِاشْتِيَاقِ عَلَيْهِ يَقْصِدُ الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَيَصْرِفُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا اخْتَارَهُ إِلَى مَا اخْتَارَهُ لَهُ، لِئَلَّا يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا نَاظِرًا إِلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِهِ، وَاجْتِهَادًا فِي عِبَادَتِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ هُوَ النَّظَرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الِاسْتِحْسَانِ، وَمَنِ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا شُغِلَ بِهِ وَسَكَنَ إِلَيْهِ، فَهُوَ تَعَالَى يَصْرِفُهُ عَمَّا يَسْكُنُ إِلَيْهِ، وَيَشْغَلُهُ عَنْهُ، لِيَكُونَ شُغُلُهُ بِهِ، وَسُكُونُهُ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ» هَذَا أَيْضًا مِنْ نَصِيحَتِهِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَحَبَّ الْمُؤْمِنَ لِإِيمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحَبَّهُ كَتَبَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ، وَحَبَّبَهُ إِلَيْهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، فَهُوَ يَصْرِفُهُ عَمَّا يُخِلُّ بِإِيمَانِهِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ فِي حُبِّهِ إِيَّاهُ شَيْءٌ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى طَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَأَوْصَافٍ مَتَفَاوِتَةٍ، فَمِنْهُمُ الْقَوِيُّ، وَمِنْهُمُ الضَّعِيفُ، وَمِنْهُمُ الرَّفِيقُ، وَمِنْهُمُ الْكَثِيفُ، وَمِنْهُمُ الْوَضِيعُ، وَمِنْهُمُ الشَّرِيفُ. فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَلْبِهِ ضَعْفًا لَا يَحْتَمِلُ الْفَقْرَ أَغْنَاهُ، إِذْ لَوْ أَفْقَرَهُ إِيَّاهُ فَهُوَ يُغْنِيهِ، فَيُقِرُّ بِهِ بِذَلِكَ مِنْهُ وَيُدْنِيهِ، فَيَصُونُهُ بِغِنَاهُ مِنْ أَنْ يَنْصَرِفَ بِحَاجَتِهِ إِلَى سِوَاهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ خَمْسًا: غِنًى مُطْغِيًا، وَفَقْرًا مُنْسِيًا، وَهَرَمًا مُفَنِّدًا، وَمَرَضًا مُفْسِدًا , وَمَوْتًا مُجْهِزًا"، فَإِذَا كَانَ الْفَقْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ مُنْسِيًا، صَرَفَ الْحَقُّ عَمَّنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُ الْفَقْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ أَنْ يَنْسَاهُ حَبِيبُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى غَيْرِهِ قَرِيبُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ أَنْ لَا يُصْلِحَ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ أَفْقَرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّ الْغِنَى يُطْغِيهِ، وَأَنَّ الْفَقْرَ لَا يُنْسِيهِ بَلْ يَشْغَلُ لِسَانَهُ بِذِكْرِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَقَلْبَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا، وَسَحَّهُ عَلَيْهِ سَحًّا، فَإِذَا دَعَاهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: يَا رَبِّ عَبْدُكَ فُلَانٌ، اقْضِ لَهُ حَاجَتَهُ، فَيَقُولُ: دَعُوا عَبْدِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا قَالَ ⦗٣٨٣⦘: يَا رَبِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَبَّيْكَ عَبْدِي وَسَعْدَيْكَ، لَا تَدْعُونِي بِشَيْءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَكَ، وَلَا تَسْأَلُنِي شَيْئًا إِلَّا أَعْطَيْتُكَ، إِمَّا أَنْ أُعَجِّلَ لَكَ مَا سَأَلْتَ، وَإِمَّا أَنْ أَدَّخِرَ لَكَ عِنْدِي أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ أَدْفَعَ عَنْكَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ"، وَالْفَقْرُ أَشَدُّ الْبَلَاءِ، وَأَعْظَمُ الْمِحَنِ، فَإِنَّمَا يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ بِعَبْدِهِ الَّذِي أَحَبَّهُ لِيَدْعُوَهُ فَيَسْمَعَ صَوْتَهُ دَاعِيًا لَهُ، وَيَسْأَلَهُ وَيَرَاهُ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ السَّقَمُ هُوَ مِنَ الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ، فَيُسْقِمُ اللَّهُ تَعَالَى حَبِيبَهُ لِيَدْعُوَهُ فِي الدُّنْيَا فَيُجِيبَهُ، وَيَسْأَلُهُ فَيُعْطِيهِ، وَيَشْغَلُهُ بِهِ عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنْهُ، وَيَصُبُّ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ صَبًّا كَمَا سَحَّ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا الْبَلَاءَ سَحًّا
стр. 516
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُؤْتَى بِأَهْلِ الصَّلَاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهُمْ بِالْمَوَازِينِ، وَيُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ، وَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ، وَيُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ فَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا بِغَيْرِ حِسَابٍ حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ أَنَّهُ كَانَتْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ أَجْسَادُهُمْ مِمَّا فِيهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنَ الْفَضْلِ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ قَالَ: ح عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ قَالَ: ح عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَهُوَ تَعَالَى إِنَّمَا يُسْقِمُ عَبْدَهُ الَّذِي يُحِبُّهُ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الصِّحَّةُ، مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ ضَعْفًا لَا يَحْتَمِلُ السَّقَمَ صَحَّحَهُ لِيَكُونَ لَهُ عَابِدًا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا وَيُفَضِّلُ قُوَّتَهُ جَاهِدًا، فَيَكُونُ مَاثِلًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّهُ فَجَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إِنْ كَانَ فَقِيرًا سَأَلَهُ وَإِنْ كَانَ غَيِنًّا أَقْرَضَهُ وَأَسْقَمَهُ تَضَرَّعَ إِلَيْهِ، وَإِنْ صَحَّحَهُ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ يُصْلِحُ إِيمَانَهُ لِيَصْلُحَ لَهُ، يُدَبِّرُهُ بِعِلْمِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، وَعَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، فَهُوَ تَعَالَى يُحِبُّهُ لَهُ يَفْعَلُهُ بِهِ مَا يَصْرِفُ بِوَجْهِهِ إِلَيْهِ، وَيُقْبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ وَلِيَكُونَ فِي كُلِّ حَالٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مَاثِلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ مَائِلًا، وَفِي كُلِّ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إِلَيْهِ نَاظِرًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ لَهُ ذَاكِرًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى مُحِبٌّ، وَعَلَيْهِ مُقْبِلٌ، وَلَهُ
стр. 517
مُؤْثِرٌ، وَإِلَيْهِ نَاظِرٌ، وَلَهُ ذَاكِرٌ، فَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ حَبِيبُهُ لَهُ كَمَا هُوَ لِحَبِيبِهِ، وَالْعَبْدُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ، فَهُوَ تَعَالَى يَفْعَلُ بِهِ مَا يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَهُ تَعَالَى. اللَّهُ أَكْبَرُ الْكَرِيمُ اللَّطِيفُ الْعَلِيمُ
стр. 518
- حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 519
ح أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ: ح أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ قَالَ: ح يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: ح رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِضَى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ , قَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا , وَضَرَبَ هَذَا، وَشَتَمَ هَذَا، فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَأِ، أَخَذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ وَطُرِحْنَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَعَلِّقَةِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِعْجَابًا بِرَأْيِهِمْ، وَحُكْمًا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُقُولٍ ضَعِيفَةٍ، وَأَفْهَامٍ سَخِيفَةٍ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدْلِهِ أَنْ يَضَعَ سَيِّئَاتِ مَنِ اكْتَسَبَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَكْتَسِبْهَا، وَيَأْخُذَ حَسَنَاتِ مَنْ عَمِلَهَا فَيُعْطِي لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا، وَهَذَا جَوْرٌ، زَعَمُوا وَأَوَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [آل عمران: ١٦٤] ، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْآيَاتِ عَلَى مَا قَالُوهُ. فَقَالُوا: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَقْلِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْنِ أُمُورَ الدِّينِ عَلَى عُقُولِ الْعِبَادِ، وَلَمْ يَعِدْ، وَلَمْ يُوعِدْ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ مَا يَحْتَمُلُهُ عُقُولُهُمْ وَيُدْرِكُونَهُ بِأَفْهَامِهِمْ وَيَقْتَبِسُونَهُ بِآرَائِهِمْ، بَلْ وُعِدُوا وَعْدًا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَمَرَ وَنَهَى بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يُدْرِكُهُ الْعُقُولُ مَرْدُودًا لَكَانَ أَكْثَرُ الشَّرَائِعِ مُسْتَحِيلًا عَلَى مَوْضُوعِ عُقُولِ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ ⦗٣٨٥⦘ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ الَّذِي هُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ وَبَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ، وَأَوْجَبَ غَسْلَ الْأَطْرَافِ مِنَ الْغَائِطِ الَّذِي لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَسَائِرِ مَنْ يَقُولُ بِالْعَقْلِ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى نَجَاسَتِهِ وِقَذَارَتِهِ وَنَتْنِهِ، وَأَوْجَبَ بِرِيحٍ يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ مَا أَوْجَبَهُ بِخُرُوجِ الْغَائِطِ الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، فَبِأَيِّ عَقْلٍ يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَبِأَيِّ رَأْيٍ يَجِبُ مُسَاوَاةُ رِيحٍ لَيْسَ لَهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ لِمَا يَقُومُ عَيْنُهُ، وَيَزِيدُ عَلَى الرِّيحِ نَتْنًا وَقَذَارَةً إِلَى هَذِهِ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى قَطْعَ يَمِينِ مُؤْمِنٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَدُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمَالِ وَبَيْنَ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَيَكُونُ الْقَطْعُ فِيهِمَا سَوَاءً، وَأَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى لِلْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا الثُّلُثَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لِلْمُتَوَفَّى إِخْوَةٌ جَعَلَ لَهَا السُّدُسَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِثَ الْإِخْوَةُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَبِأَيِّ عَقْلٍ يُدْرَكُ هَذَا إِلَّا تَسْلِيمًا وَانْقِيَادًا، وَلَوْ تَتَبَّعْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ كَانَ سَبِيلُهَا مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَعَدَ اللَّهُ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ عَلَى مَا أَحْدَثَ فِي الْعَبْدِ وَخَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ مِنْ عَدَمٍ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعٍ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا، وَهُوَ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، وَأَوْعَدَ عَلَى مَا أَوْجَدَهُ مِنَ الْعَبْدِ، وَخَلَقَهُ فِيهِ وَأَحْدَثَ لَاسْتِطَاعَتِهِ لَهُ عِنْدَنَا، وَلَمْ يَعْصِمْ مِنْهُ بِإِجْمَاعٍ بِجُرْمٍ مُنْقَطِعٍ لَا يَضُرُّهُ وَلَا يُؤْثِرُهُ عِقَابًا لَا يَحْتَمِلُ الْعُقُولُ فِكْرَهَ فِيهِ، وَإِدْرَاكًا لَهُ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِهِ وَفَظِيعِ أَمْرِهِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ إِحْبَاطُ عَمَلِهِ سَبْعِينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ وَطَاعَةُ مِائَةِ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ بِسَرِقَةِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ عَشَرَةٍ أَوْ قَذْفِ مُحْصَنٍ أَوْ مُحْصَنَةٍ. ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ الْمَقْذُوفَ وَلَا قَدَحَ فِيهِ، وَالتَّأْبِيدُ فِي النَّارِ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدِ عَلَى شُرْبِ جُرْعَةٍ مِنْ خَمْرٍ مَعَ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَالطَّاعَةِ لَهُ فِي مُدَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً مَعَ فِرْعَوْنَ الَّذِي بَارَزَ اللَّهَ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَتَلَ أَنْبِيَاءَهُ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، بِأَيِّ عَقْلٍ يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَبِأَيِّ حِكْمَةٍ مِنْ أَوْصَافِ الْعِبَادِ تُوجِبُ هَذَا وَقَدِ اسْتَسْلَمَ الْمُتَعَقِّلُ لِذَلِكَ إِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِلْإِيمَانِ، وَانْقِيَادًا لَهُ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُحَكِّمْ فِيهِ عَقْلَهُ، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ طَرْحُ السَّيِّئَاتِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْتَسِبْهَا، وَسَلْبُ الْحَسَنَاتِ مِمَّنْ عَمِلَهَا، وَدَفْعُهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا، وَهَذَا أَهْوَنُ مِمَّا جَوَّزَهُ، وَأَيْسَرُ مِمَّا اسْتَسْلَمَ لَهُ، عَلَى أَنَّا نَرَى جَوَازَ ذَلِكَ فِي عَقْلِ هَذَا الْمُتَعَقِّلِ فَيَقُولُ عَنِ اللَّهِ أَوْعَدَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا نَهَى عَنْهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَلْوَانٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ، وَجَلْدِهِ مِائَةً لِمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، وَالْقَطْعِ لِلسَّارِقِ وَتَعْزِيرِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَوْعَدَهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] ، وَفِي أَكْلِ الرِّبَا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَقَالَ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] ، فَكَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِعُقُوبَاتِ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ كَذَلِكَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُقُوبَةِ الظَّالِمِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، وَضَرْبِ أَبْشَارِهِمْ، وَشَتْمِ أَعْرَاضِهِمْ، أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ بِالْعُقُوبَاتِ الَّتِي أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعَدَّهَا لِلْخَطَايَا الَّتِي اكْتَسَبَهَا الْمَظْلُومُ، فَعَاقَبَ الظَّالِمَ بِتِلْكَ الْعُقُوبَاتِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْعُقُوبَاتُ بِمَا اكْتَسَبَ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِقَابًا لِفِعْلٍ اكْتَسَبَهُ كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَعَاقَبَهُ بِتِلْكَ الْعُقُوبَةِ، وَأَحْبَطَ حَسَنَاتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُثِبْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ثَوَابَهَا اسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كَمَنِ اكْتَسَبَ مَالًا فِي الدُّنْيَا فَجَمَعَ مِنْهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ فَأَخَذَ مَا جَمَعَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، كَذَلِكَ مَا اكْتَسَبَ هَذَا الظَّالِمُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ فَاسْتَحَقَّ ثَوَابَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَتْ تَحْصُلُ لَهُ , لَوْلَا مَا جَنَى مِنْ تِلْكَ الْمَظَالِمِ، فَلَمَّا قُوبِلَتْ حَسَنَاتُهُ بِسَيِّئَاتِهِ بِتِلْكَ الْمَظَالِمِ، وَلَوْلَا حَسَنَاتُهُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ لَكَانَ يُعَاقَبُ عَلَى مَظَالِمِهِ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلظَّالِمِينَ، فَيَكُونُ هَذِهِ الْحَالُ وَهَذَا الْفِعْلُ مِنَ اللَّهِ بِهِ نَوْعًا مِنَ الْعُقُوبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلظَّالِمِينَ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الزَّاعِمُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِمَا لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الذَّنْبِ بَلْ عُوقِبَ بِذَنْبٍ اكْتَسَبَهُ، وَمَعْصِيَةٍ عَمِلَهَا، وَكَانَ ثَوَابُ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ جَزَاءً لِلْمَظْلُومِ فِيمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ، وَثَوَابًا عَلَى صَبْرِهِ عِنْدَمَا ظُلِمَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَيَكُونُ ذَلِكَ الثَّوَابُ ثَوَابًا عَلَى مَا اكْتَسَبَهُ مِنْ صَبْرِهِ وَفَضْلًا زَادَهُ اللَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، فَهَذَا قَدْ أُثِيبَ عَلَى مَا عَمِلَهُ، وَالظَّالِمُ عُوقِبَ عَلَى فِعْلِهِ، وَمَعْنَى أَخْذِ الْحَسَنَاتِ وَطَرْحِ السَّيِّئَاتِ نَوْعٌ مِنَ الْعُقُوبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلظَّالِمِينَ، فَقَدْ وَزِرَ هَذَا الْوَازِرُ وِزْرَهُ، وَلَا وِزْرَ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]
стр. 520
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا» حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح قَبِيصَةُ قَالَ: ح سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ سِنِينَ إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُطْرَحَ سَيِّئَاتُ مَنْ عَمِلَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْهَا، فَابْنُ آدَمَ إِنَّمَا قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً وَيُطْرَحُ عَلَيْهِ آثَامُ كُلِّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ جَزَاءُ فِعْلِهِ، كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عُقُوبَةَ ابْنِ آدَمَ فِي النَّارِ إِثْمَهَ وَآثَامَ الْقَاتِلِينَ، لَا أَنْ يَكُونَ يُؤَاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَعْمَلْهَا، كَذَلِكَ الظَّالِمُ جَعَلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ أَنْ يُعَاقَبَ بِآثَامِ مَنْ ظَلَمَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَعَلَى مَا اكْتَسَبَهُ، لَا أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، أَوْ مُعَاقَبًا بِمَا لَمْ يَجْنِهِ، فَحَصَلَ آخِرُ الْأَمْرِ أَنْ يُجَازَى الْمَظْلُومُ عَلَى ظُلْمِهِ ثَوَابَ حَسَنَاتِ ظَالِمِهِ، وَذَلِكَ جَزَاؤُهُ الَّذِي جَازَاهُ اللَّهُ بِهِ، وَعِوَضُ مَا أُخِذَ مِنْهُ أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ، وَثَوَابُ صَبْرِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، وَيُعَاقَبُ الظَّالِمُ بِذَهَابِ حَسَنَاتِهِ، وَعُقُوبَةِ مَا جَنَى الْمَظْلُومُ، وَذَلِكَ جَزَاءُ ظُلْمِهِ، وَعُقُوبَةُ مَا جَنَتْهُ يَدُهُ وَلِسَانُهُ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ظُلْمٌ وَلَا جَوْرٌ، وَلَا الْقَوْلُ بِالْإِحْبَاطِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً وَمَاتَ عَلَيْهَا حَبِطَتْ حَسَنَاتُهُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا مُدَّةَ عُمْرِهِ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ فِي مُدَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَلَا طَاعَتُهُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا، بَلْ هُوَ فِي النَّارِ خَالِدًا مُخَلَّدًا مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ. وَأَمَّا الَّذِي قُلْنَاهُ فَإِنَّ هَذَا الظَّالِمَ لَمْ تَحْبَطْ أَعْمَالُهُ , بَلْ أُسْقِطَتْ حَسَنَاتُهُ عِنْدَ عُقُوبَاتٍ كَثِيرَةٍ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ اقْتَصَّ مِنْهُ فَوَفَّتْ حَسَنَاتُهُ بِجِنَايَاتِهِ، أَوْ نَقَصَتْ جِنَايَاتُهُ وَزَادَتْ حَسَنَاتُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ زَادَتْ جِنَايَاتُهُ فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ فِي النَّارِ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنْ جِنَايَتِهِ فَيَكُونُ عُقُوبَتُهُ أَخَفَّ، وَمُدَّةُ لَبْثِهِ فِي النَّارِ أَقَلَّ، وَلَوْلَا حَسَنَاتُهُ لَطَالَ لَبْثُهُ فِي النَّارِ، وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهُ فِيهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]