Полный текст (520 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ح خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: ح الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطَبَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمَرْأَةُ لِآخِرِ زَوْجِهَا فِي الْجَنَّةِ» وَمَا كُنْتُ لِأَخْتَارَ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَفَ مِنَ السَّائِلَةِ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَتْ هِيَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَنَّهَا هِيَ السَّائِلَةُ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ، أُرَاهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكِلْتَاهُمَا كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَعَسَى خَطَرَ بِبَالِ السَّائِلَةِ أَنَّ زَوْجَهَا لَوْ لَمْ يَمُتْ لَكَانَتْ تَحْتَهُ أُخْرَى دَهْرَهَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْتُ فَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَسَاهَا أَشْفَقَتْ أَنْ تَكُونَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ، أَعْنِي لَوْلَا الْمَوْتُ لَكَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، فَاسْتَخْبَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ لِيُقَرِّرَ عِنْدَهَا أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَارَتْ لَهُ فِي الدُّنْيَا، فَأَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِشَارَةً أَدْرَكَتِ الْمُرَادَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: «لِأَحْسَنِهِمَا ⦗٣٤١⦘ خُلُقًا» وَأَحْسَنُ زَوْجِهَا خُلُقًا مَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحْسَنُ خُلُقًا مِنْهُ ﷺ ، لِقَوْلِهِ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. فَقَوْلُهُ ﷺ لِلسَّائِلَةِ: «لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا» أَيْ أَنْتِ لِي فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنْتِ لِي فِي الدُّنْيَا، وَلِلْأُخْرَى: «هِيَ لِآخِرِ زَوْجِهَا» كَذَلِكَ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمَا: أَنْتِ لِي إِذِ النَّبِيُّ ﷺ آخِرُ أَزْوَاجِ نِسَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ زَوْجًا سِوَاهُ، لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، فَإِذَا كَانَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا، وَآخِرُ أَزْوَاجَهَا النَّبِيُّ ﷺ كَانَتْ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ «الْمَرْأَةُ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا» فِيمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الطَّلَاقُ لَا الْمَوْتُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بَأْسٍ فَهُوَ سُوءُ الْخُلُقِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ أَبْغَضَ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ»
стр. 457
حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَلَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا أَبْغَضَ مِنَ الطَّلَاقِ» فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ مِمَّا يُبْغِضُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكَادُ يَفْعَلُهُ إِلَّا عَنْ بَأْسٍ، فَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ كَانَ ذَلِكَ لِسُوءِ خُلُقٍ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَقِلَّةِ مُدَارَاةٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْخُلُقِ كَانَتْ فِيهِ مَرَارَةٌ مَعَ امْرَأَتِهِ فَيَسْتَمْتِعُ بِهَا وَيَتَحَمَّلُ سُوءَ خُلُقِهَا، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا الطَّلَاقُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا
стр. 458
ح ⦗٣٤٢⦘ نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: ح يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: ح ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَرْأَةَ كَالضِّلَعِ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا عَلَى عِوَجٍ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يَسْتَمْتِعُ بِالْمَرْأَةِ يَتَحَمَّلُ مَا يَكُونُ مِنْهَا مِنَ الِاعْوِجَاجِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِالْمُدَارَاةِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَإِذَا حَسُنَ خُلُقُ الرَّجُلِ لَا يَكَادُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إِلَّا الْمَوْتُ، أَنْ يَمُوتَ عَنْهَا فَيَكُونَ آخِرَ أَزْوَاجِهَا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا مَعَهَا فَيَتَّفِقُ الْخَبَرَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
стр. 459
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 460
- ح أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ: ح أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْفَلِقُ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا مَنْ يُفْتَحُ لَهُ الْجَنَّةُ وَلَا فَخْرَ، فَآتِي فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيُفْتَحُ لِي فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَأُمِيِّزُ وَأُدْخِلُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ثُمَّ أَرْجِعُ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ ⦗٣٤٣⦘: اذْهَبْ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ إِيمَانًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَأُمَيِّزُ فَأُدْخِلُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، ثُمَّ يَبْقَى قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُمْ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَبَرُوتِي، وَعُلُوِّ مَكَانِي لَا أَدَعُ أَحَدًا كَانَ لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجْتُهُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُهُمْ فَيَجْعَلُهُمْ فِي نَهَرٍ يُسَمَّى نَهَرَ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ هَلْ تَرَوْنَ مَا يَلِي الظِّلَّ مِنْهَا اصْفَرَّ، وَمَا يَلِي الشَّمْسَ مِنْهَا اخْضَرَّ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ فِي الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: " إِنِّي كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ: لَا تَقُولُوا الْجَهَنَّمِيُّونَ وَلَكِنْ قُولُوا: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ " قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَوْلُهُ ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهُوَ ﷺ سَيِّدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَعْنَى تَخْصِيصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْمُلْكُ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا غَيْرَ أَنَّهُ قَدِ ادَّعَى قَوْمٌ الْمُلْكَ فِي الدُّنْيَا، وَيَوْمَئِذٍ لَا مُدَّعِي، كُلٌّ قَدْ أَذْعَنَ وَانْقَادَ، وَزَالَ مُلْكُ كُلِّ ذِي مُلْكٍ، فَلَا أَحَدَ يَقُولُ: أَنَا مَلِكٌ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لَا سُؤْدُدَ لِأَحَدٍ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الَّذِي يَفْزَعُ إِلَيْهِ الْقَوْمُ إِذَا أَصَابَتْهُمْ نَائِبَةٌ أَوْ حَلَّ بِهِمْ أَمْرٌ لَا يَقُومُونَ بِهِ، فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ، وَيَقُومُ بِأَسْبَابِهِمْ، وَيَتَحَمَّلُ الْحَمَالَةَ عَنْهُمْ وَيَذُبُّ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سَيِّدُ النَّاسِ خَادِمُهُمْ» ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيهِمْ مُؤَنَهُمْ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَهُ
стр. 461
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أُبْلِسُوا وَلَا فَخْرَ حَدَّثَنَاهُ حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 462
وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح مُسَدَّدٌ قَالَ: ح أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٣٤٤⦘: " يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَيُذْكَرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا نُوحًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ فَيَأْتُونَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَيُذْكَرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا مُوسَى ﵇ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهَ فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَيُذْكَرُ خَطِيئَتَهُ، ائْتُوا عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونَنِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَإِذَا رَأَيْتُهُ أَخِرُّ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنَ النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ " فَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: عِنْدَ هَذَا أَرَى وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، فَهَكَذَا السُّؤْدُدُ وَهَذَا السَّيِّدُ. وَقَوْلُهُ: «وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى لِوَاءِ الْحَمْدِ أَيْ: لِوَاءُ الثَّنَاءِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لِوَائِي لِوَاءٌ يَعْلَمُ الْخَلَائِقُ أَنَّهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ وَالرِّضَا؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُغْلَقُ التَّوْبَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يُعْرَفُ بِغَدْرَتِهِ» .
стр. 463
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح قَيْسٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِلِوَائِهِ عِنْدَ بَابِ اسْتِهِ» ⦗٣٤٥⦘ وَقَالَ ﷺ عِنْدَ ذِكْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ: «بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقْدُمُهُمْ إِلَى النَّارِ»
стр. 464
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَبَّاسِيُّ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ الْإِسْنَانِيُّ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: ح هِشَامٌ، عَنْ أَبِي جَهْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «امْرُؤُ الْقَيْسِ صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَرَاءِ إِلَى النَّارِ» فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلنَّاسِ أَلْوِيَةٌ صَحِيحَةٌ، وَأَلْوِيَةٌ أُخْرَى فَصِيحَةٌ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «عِنْدَ اسْتِهِ» لِيَكُونَ أَفْضَحَ لَهُ وَأَشْيَنَ، فَلِوَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَلِوَاءُ الثَّنَاءِ، وَالَّذِينَ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ أَلْوِيَةٌ أُخْرَى وَشَيْنٌ فَهُوَ ﷺ فِي صُحْبَتِهِ الْحَمَّادُونَ، وَهُوَ ﷺ أَحْمَدُ كُلِّ مَحْمُودٍ مِنَ الْخَلْقِ فَلِوَاؤُهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ قَالَ: فَيَحْمِلُهُ، وَيُفْتَحُ لَهُ مِنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يُفْتَحْ لِأَحَدٍ، ﷺ . وَقَوْلُهُ: «وَلَا فَخْرَ» يَقُولُ: لَا فَخْرَ لِي بِالْعَطَاءِ بَلِ الْفَخْرُ لِي بِالْمُعْطِي. وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ» يَعْنِي بِالْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَالرِّضَا وَالْقَبُولِ يُقَالُ: دَخَلْتُ عَلَى الْأَمِيرِ فَاسْتَقْبَلَنِي بِكُلِّ جَمِيلٍ إِذَا أَكْرَمَهُ وَأَدْنَاهُ وَسَمِعَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ يَعْنِي يُكْرِمُنِي وَيُدْنِينِي، وَيَسْمَعُ مِنْهُ، وَيُجِيبُ دُعَائِي، وَيُعْطِنِي سُؤَالِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «قُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِقْبَالُ بِمَعْنَى الْقَبُولِ، وَقَدْ يَجِيءُ فِي الْكَلَامِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ كَمَا يُقَالُ اسْتَقْدَمَ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: اسْتَقْدَمْتَ رَحَّالَتَكَ وَاسْتَعْجَلَ بِمَعْنَى عَجِلَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ : «فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ» أَيْ يَقْبَلُنِي إِيجَابًا، وَقَضَاءً لِحَاجَتِي، وَإِشْفَاعًا لِي ⦗٣٤٦⦘. وَقَوْلُهُ: «مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ إِيمَانٍ» أَيْ مِنْ عَمَلِ الْإِيمَانِ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مِنَ الْإِيمَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ «فِي قَلْبِهِ» كَأَنَّهُ يَقُولُ عَمِلَ عَمَلًا بِنِيَّةٍ مِنْ قَلْبِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ رَحْمَةً عَلَى مُسْلِمٍ رَأْفَةً عَلَى يَتِيمٍ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجَاءً لَهُ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ ثِقَةً بِهِ، هَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا هِيَ أَفْعَالُ الْقَلْبِ دُونَ الْجَوَارِحِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِيمَانِ مَا قُلْنَا وَلَمْ يُرِدْ تَجْزِئَةَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ لَهُ وَنَفْيُ الشِّرْكِ عَنْهُ، وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّهُ قَالَ: «وَيَبْقَى قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا» أَيْ هُمْ مُوَحِّدُونَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ غَيْرُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالتَّوْحِيدِ لَهُ يَدُلُّ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ
стр. 465
مَا حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّشَادِيُّ قَالَ: ح أَبُو بَكْرِ بْنُ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ الطَّرَسُوسِيُّ قَالَ: ح نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ لِي ابْنُ أَخٍ يَتَعَاطَى الشَّرَابَ فَمَرِضَ فَبَعَثَ إِلَيَّ لَيْلًا أَنِ الْحَقْ بِي فَأَتَيْتُهُ فَرَأَيْتُ أَسْوَدَيْنِ قَدْ دَنَيَا عَنِ ابْنِ أَخِي، فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، هَلَكَ ابْنُ أَخِي، فَاطَّلَعَ أَبْيَضَانِ مِنَ الْكُوَّةِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْزِلْ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَزَلَ تَنَحَّى الْأَسْوَدَانِ فَجَاءَ فَشَمَّ فَاهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ ذِكْرًا ثُمَّ شَمَّ بَطْنَهُ فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ صَوْمًا، ثُمَّ شَمَّ رِجْلَيْهِ فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِمَا صَلَاةً، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ عُدْ فَانْظُرْ، فَعَادَ فَشَمَّ فَاهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ ذِكْرًا، ثُمَّ عَادَ فَشَمَّ بَطْنَهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ صَوْمًا، ثُمَّ عَادَ فَشَمَّ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِمَا صَلَاةً قَالَ: وَيْحَكَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ. اصْعَدْ حَتَّى أَنْزِلَ أَنَا فَنَزَلُ الْآخَرُ، فَشَمَّ فَاهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ ذِكْرًا، ثُمَّ شَمَّ بَطْنَهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ صَوْمًا، ثُمَّ شَمَّ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِمَا صَلَاةً قَالَ: ثُمَّ عَادَ فَأَخْرَجَ لِسَانَهُ فَشَمَّهُ، فَقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرُ أَرَاهُ قَدْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ بِأَنْتَاكِيَّةَ قَالَ: ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ، وَشَمَمْتُ فِي الْبَيْتِ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ، قُلْتُ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ: هَلْ لَكُمْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَحَدَّثْتُهُمْ حَدِيثَ ابْنِ أَخِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ بِذِكْرِ أَنْتَاكِيَّةَ، قَالُوا: لَيْسَتْ هِيَ بِأَنْتَاكِيَّةَ هِيَ أَنْطَاكِيَّةُ، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُسَمِّيهَا إِلَّا كَمَا سَمَّاهَا الْمَلَكُ
стр. 466
فَأَنْجَتْهُ تَكْبِيرَةٌ أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، وَهَذِهِ التَّكْبِيرَةُ كَانَتْ سِوَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ شَهَادَةُ الْحَقِّ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ خَيْرٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، فَشَفَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ خَيْرٌ فَهُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ فَضْلًا وَكَرَمًا، وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا، وَكَلِمَةً صِدْقًا جَلَّ اللَّهُ الرَّءُوفُ بِعِبَادِهِ الْمُوَفِّي بِوَعْدِهِ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ
стр. 467
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 468
- ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِيزَانِ فَتُوضَعُ فِي كِفَّةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ لَهُ بِقِرْطَاسٍ مِثْلَ هَذَا - وَأَشَارَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ بِأُصْبُعِهِ وَأَمْسَكَ بِإِبْهَامِهِ عَلَى نِصْفِ أُصْبُعِهِ - الدُّعَاءِ فِيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَيُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَيَرْجَحُ مُسَبَّحُهُ بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَكُونُ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُخْرِجُهُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَهُوَ يَكُونُ قَوْلًا مِمَّنْ سَبَقَ الْإِيمَانُ مِنْهُ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَلَى مَعْنَى الذِّكْرِ لِلَّهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ طَاعَةَ مَنْ أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وُضِعَتْ عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَكَانَ هَذَا فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ مُؤْمِنٌ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ، وَمَنْ أَفْلَحَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِوُرُودِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ النَّارَ وَأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِإِيمَانِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ ⦗٣٤٨⦘، وَقَالَ: «يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا» ، وَقَالَ: «فَيَجْعَلُهُمْ فِي نَهَرٍ يُسَمَّى نَهَرَ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ» . وَالْأَخْبَارُ فِي وُرُودِ أَهْلِ الْإِيمَانِ النَّارَ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا جَاحِدٌ، وَلَا يَرُدُّهَا إِلَّا مُعَانِدٌ، فَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِرْطَاسُ الَّذِي فِيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، شَهَادَةُ مُؤْمِنٍ سَبَقَ إِيمَانُهُ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ زِيَادَةَ ذِكْرٍ عَلَى حُسْنِ نِيَّةٍ، وَيَكُونُ طَاعَةً مَقْبُولَةً قَالَهَا عَلَى خَلْوَةٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَدِيعَةً يَرُدُّهَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَعْظُمُ قَدْرُهَا، وَيَجِلُّ مَوْقِعُهَا فَيَرْجَحُ بِخَطَايَاهُ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَذُنُوبِهِ وَإِنْ عَظُمَتْ، وَلِلَّهِ الْفَضْلُ عَلَى عِبَادِهِ يَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ آخِرَ كَلَامِهِ فِي الدُّنْيَا
стр. 469
فَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ السِّرْمَارِيُّ ﵀ قَالَ: ح أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ح عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي غَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ: أَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ شَهَادَةَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنٌ يَسْتَوِي حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَازِي الْإِيمَانَ شَيْءٌ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَلَا يَرْجُحُ بِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ سِوَى الْإِيمَانِ سَيِّئَاتِهِ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْوُقُوفِ الطَّوِيلِ وَالْحَبْسِ عَنِ الْجَنَّةِ، وَالْخَوْفِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِ فَيَخِفُّ ذُنُوبُهُ، وَيُثَقِّلُ مَوَازِينَهُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَإِنْ حُمِلَ هَذَا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَهُ رَجَّحَ مِيزَانَ حَسَنَاتِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُ عَذَّبَهُ بِذُنُوبِهِ، وَيُنَجِّيهِ بِإِيمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْمَشِيئَةِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠] ، وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ الَّتِي هِيَ الْمَشِيئَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ، فَإِذَا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ فِي الْمَشِيئَةِ لَمْ تَكُنِ الْمَشِيئَةُ إِلَّا فِي الْمُؤْمِنِينَ ⦗٣٤٩⦘ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، فَلَا يُعَذِّبُهُ، وَيُطَهِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ بِمَا شَاءَ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ، وَيُوزَنُ إِيمَانُهُ، كَمَا يُوزَنُ سَائِرُ حَسَنَاتِهِ، وَإِيمَانُهُ يَرْجَحُ بِحَسَنَاتِهِ كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَدْخُلُ النَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُطَهِّرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ، فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ قَوْمٍ يَقُولُونَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَثْقُلُ مِيزَانُهُ، وَيَتَأَوَّلُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ، أَيِ النَّاجُونَ مِنَ الْخُلُودِ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ، يَوْمًا مَا. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ , لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
стр. 470
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 471
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح قُتَيْبَةَ قَالَ: ح رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عَبَّاسٍ الْحَجْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ قَالَ: «كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَوْلُهُ ﷺ «سَبْعِينَ مَرَّةً» عِبَارَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَثْرَةِ وَلَيْسَ عَلَى التَّحْدِيدِ، فَيَكُونُ مَا وَرَاءَ السَّبْعِينَ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ عَنِ الْخَادِمِ أَبَدًا، وَهَذَا فِيمَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ مِنْ سُوءٍ يَأْتِيهِ إِلَيْكَ، وَجِنَايَةٍ يَجْنِيهَا عَلَيْكَ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي هَتْكِ حُرْمَةٍ فِي الدِّينِ، أَوْ جِنَايَةٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ التَّأْدِيبُ عَلَيْهِ وَالْأَخْذُ بِهِ، كَمَا قَالَتْ ⦗٣٥٠⦘ عَائِشَةُ ﵂: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلِمَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا انْتُهِكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ بِذِكْرِ السَّبْعِينَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ , كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ لَا عَلَى التَّحْدِيدِ وَالْغَايَةِ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لَيْسَ هَذَا عَلَى التَّحْدِيدِ وَالْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ مَرَّةً لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُمْ، أَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِمْ لِأَنَّهُمْ كَافِرُونَ، وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ
стр. 472
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ عَاتَبَهُ عُمَرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبُيٍّ: " أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قِيلَ لِي ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ " حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ح سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ، لَيْسَ قَوْلُهُ: سَبْعِينَ مَرَّةً عَلَى الْغَايَةِ وَالتَّحْدِيدِ، وَلَكِنْ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] ، هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الطُّوَلِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الْغَايَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَعَذَابُ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ لَا غَايَةَ لَهُ، وَلَا نِهَايَةَ طُولًا وَأَلَمًا كَمَا أَنَّ ثَوَابَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا غَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ مُدَّةً وَلَذَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَقَوْلِهِ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] .
стр. 473
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ، قَالَ: ح السَّرِيُّ بْنُ عِصَامٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَارَكٍ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ ⦗٣٥١⦘، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ جُمْجُمَةٍ - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ بَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَصْلَهَا - أَوْ قَالَ - قَعْرَهَا»
стр. 474
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ رِضْوَانَ قَالَ: ح سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: ح سُفْيَانُ عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَوْفًلًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] قَالَ: كُلُّ ذِرَاعٍ سَبْعُونَ بَاعًا، كُلُّ بَاعٍ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَقَالَ كَعْبٌ ﵀: إِنَّ حَلْقَةً مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] إِنَّ حَلْقَةً مِنْهَا مِثْلُ حَدِيدِ الدُّنْيَا وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «إِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ: «أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»
стр. 475
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»
стр. 476
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ سِبَاعٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ عَوْنٍ الْوَاسِطِيَّ، قَالَ: ح أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ ⦗٣٥٢⦘، عَنْ حُذَيْفَةَ، ﵁ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» فَقَدْ قَالَ: سَبْعِينَ مَرَّةً، وَقَالَ: أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً، وَقَالَ: مِائَةَ مَرَّةٍ، فَيَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالسَّبْعِينَ الْحَدَّ وَالْغَايَةَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ كَثِيرًا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا هَوَى فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» ، وَقَالَ فِيهِ سَلْمَانُ لِعُمَرَ ﵄ وَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ عُمَرُ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ، وَمَعَ السَّبْعِينَ سَبْعِينَ خَرِيفًا. وَالْأَخْبَارُ فِي ذِكْرِ السَّبْعِينَ كَثِيرَةٌ، وَأَكْثَرُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ، لَا إِخْبَارٌ عَنْ نِهَايَةٍ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ السَّبْعِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْدَادِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنِ الْكَثْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْعَدَدَ قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ، فَالْقَلِيلُ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ، وَالْكَثْرَةُ الثَّلَاثَةُ فَمَا فَوْقَهَا، وَأَدْنَى الْكَثِيرِ الثَّلَاثَةُ، وَلَيْسَ لِأَقْصَاهُ غَايَةٌ، ثُمَّ الْعَدَدُ أَيْضًا نَوْعَانِ: شَفْعٌ وَوِتْرٌ، وَالشَّفْعُ أَوَّلُ النَّوْعَيْنِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ، وَأَوَّلُ الْإِشْفَاعِ اثْنَانِ، وَأَوَّلُ الْأَوْتَارِ الثَّلَاثَةُ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا ضَرَبْتَ وَاحِدًا فِي وَاحِدٍ لَمْ يَخْرُجْ هُنَاكَ عَدَدٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى فِي كِتَابِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ: الْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ وَإِنَّمَا الْعَدَدُ جَمَاعَةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مَأْخُوذًا مِنَ الْعَوْدِ، كَأَنَّ الْعَدَدَ إِعَادَةُ الْحِسَابِ مَرَّاتٍ، فَيُعَادُ الْوَاحِدُ مَرَّاتٍ فَيَصِيرُ عَدَدًا، فَالشَّفْعُ إِعَادَةُ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ، وَالْوِتْرُ إِعَادَتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، هَذَا أَوَّلُ الْأَشْفَاعِ، وَأَوَّلُ الْأَوْتَارِ، وَالْوَاحِدُ وِتْرٌ، وَلَيْسَ مِنْ جِهَةَ الْعَدَدِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ غَيْرُ زَوْجٍ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِوِتْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ ⦗٣٥٣⦘، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فَرْدٌ لَا يَزْدَوِجُ بِشَيْءٍ، كَمَا أَنَّهُ وَاحِدٌ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالسَّبْعَةُ أَوَّلُ جَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَوْتَارًا ثَلَاثَةً، وَأَشْفَاعًا ثَلَاثَةً، فَأَوَّلُ أَشْفَاعِهَا الِاثْنَانِ، ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ، وَأَوَّلُ أَوْتَارِهَا الثَّلَاثَةُ، ثُمَّ الْخَمْسَةُ، ثُمَّ السَّبْعَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِوِتْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ - كَمَا قُلْنَا - فَالسَّبْعَةُ جَمْعُ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَكَثْرَةِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا نَوْعَا الْعَدَدِ، ثُمَّ الْعَشَرَةُ كَمَالُ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّ الْآحَادَ مُنْفَرِدٌ كُلُّ عَدَدٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ إِلَى الْعَشَرَةِ، كَقَوْلِهِمُ: اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ إِلَى الْعَشَرَةِ، فَإِذَا جَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَهِيَ إِضَافَةُ الْآحَادِ إِلَى الْعَشَرَةِ، كَقَوْلِهِمُ: اثْنَا عَشَرَ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ إِلَى عِشْرِينَ، وَالْعِشْرُونَ تَكْرِيرُ الْعَشَرَةِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثُونَ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَى مِائَةٍ، وَالْقَوْلُ فِي الْمِائَةِ وَالْعَشَرَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْآحَادِ وَالْعَشَرَةِ، كَذَلِكَ الْأَلْفُ وَلَيْسَ وَرَاءَهُ اسْمٌ لِلْحِسَابٍ، بَلْ هُوَ إِعَادَةُ الْأَلْفِ مَرَّاتٍ وَتَكْرِيرُهُ. فَالسَّبْعُونَ يُجْمَعُ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالنَّوْعِ وَالْكَثْرَةِ وَكَمَالِ الْحِسَابِ، وَالْكَثْرَةُ مِنْهُ، وَالنَّوْعَيْنِ مِنَ الْكَمَالِ، وَالْكَثْرَةُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَشْرُ مَرَّاتٍ سَبْعَةٌ فَهُوَ فِي كَمَالِ الْحِسَابِ الَّذِي هُوَ الْعَشَرَةُ كَالسَّبْعَةِ فِي الْآحَادِ، وَالسَّبْعُونَ أَدْنَى الْكَثِيرِ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْأَقْصَى لَا الْغَايَةُ لَهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُجَاوِزُ الْعَدَدَ بِالسَّبْعِينَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِذَا بُولِغَ فِي الْكَثْرَةِ قَالُوا: سَبْعُمِائَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] ، فَأَخْرَجَهُ عَنِ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِلْحَاجِّ الْمَاشِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» , قِيلَ مَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: «كُلُّ حَسَنَةٍ سَبْعُمِائَةٍ» كَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْكَثْرَةِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِمِائَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّهَا مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، وَذَلِكَ الْعَدَدُ مَحْصُورٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ ⦗٣٥٤⦘ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] ، وَقَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] ؛ لِأَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُتَنَاهٍ مَعْدُودٌ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا نُزُولًا وَصُعُودًا لِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. وَقَوْلُهُ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ، فَهُوَ مَقْصُودُ طُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مُتَنَاهٍ، آخِرُهُ دُخُولُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ، وَالْخُلُودُ فِيهِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 477
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 478
ح خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: " أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلَتْنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ قَالَ: فَالْآنَ قَالَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةَ رَمْيَةً بِحَجَرٍ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّةَ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» . قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: ح أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ
стр. 479
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَفْصٍ قَالَ: ح أَبِي ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: ح أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " أَتَى مَلَكُ الْمَوْتِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا لِيَقْبِضَ نَفْسَهُ فَلَطَمَهُ لَطْمَةً فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَفَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ ⦗٣٥٥⦘ إِلَى رَبِّهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا صَنَعَ قَالَ: رَبِّ أَتَيْتُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَصَنَعَ هَذَا بِعَيْنِي قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ائْتِ عَبْدِي فَخَبِّرْهُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدِهِ عَلَى جِلْدِ ثَوْرٍ فَمَا وَارَتْ يَدُهُ مِنْ شَعَرٍ فَهُوَ يَعِيشُ بِهَا سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ قَالَ مُوسَى: لَا بَلِ الْآَنَ يَا رَبِّ إِنْ كَانَ لَا بُدَّ، وَلَكِنْ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ قَالَ: فَدُفِنَ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَلَوْ أَنِّي كُنْتُ عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ قَبْرِهِ " وَقَالَ أَيْضًا: ح أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِمَادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ كَانَ يَأْتِي النَّاسَ عَيَانًا فَأَتَى مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَطَمَهُ مُوسَى ﵇ فَفَقَأَ عَيْنَهُ» ، فَذَكَرَ نَحْوَ الَّذِي قَبْلَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: رَوَتِ الْأَئِمَّةُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَوَضَعُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَصَحَّحُوهُ، وَعَدَّلُوا رِوَايَتَهُ، وَاسْتَفْظَعْهُ قَوْمٌ فَجَحَدُوهُ، وَأَنْكَرُوهُ فَرَدُّوهُ لِضِيقِ صُدُورِهِمْ، وَقُصُورِ عِلْمِهِمْ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْحَدِيثِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلُوهُ فِي الصِّحَاحِ حَتَّى رَضَوْا إِسْنَادَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالرِّجَالِ، وَالْحَدِيثُ إِذَا صَحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَبُولُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْآَحَادِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ مِمَّا يُوجِبُ الْعَمَلَ لَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ لِشُهْرَتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَعَدَالَةِ رُؤْيَتِهِ وَصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، وَمِمَّا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّهُ وَإِنْكَارُهُ وَدَفْعُهُ، فَإِنَّ فِي رَدِّهِ تَكْذِيبَ الْأَئِمَّةِ وَجَرْحَ عُدُولِ الْأَئِمَّةِ. وَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ: لِعُلَمَاءِ الْأَثَرِ فِي تَلَقِّي الْأَخْبَارِ الْمُشَابَهَةِ مَذْهَبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِيمَانَ بِهَا فَرْضٌ كَالْإِيمَانِ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآَنِ حِينَ يَقُولُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ ⦗٣٥٦⦘: كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَقَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ الْمُشَابَهَةِ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، قَالُوا: فَمِثْلُهُ الْمُتَشَابِهُ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ إِذَا حُجِبَ عَنَّا عِلْمُ تَأْوِيلِهِ آَمَنَّا وَصَدَّقْنَا بِمَا قَالَ، وَوَكَلْنَا عِلْمَ تَأْوِيلِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 480
ثُمَّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ح الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُقْرِئُ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: ح الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْمُتَشَابَهَةِ؟ فَقَالَ: «مِنَ اللَّهِ الْعِلْمُ، وَعَلَى رَسُولِهِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، أَمِرُّوا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا جَاءَتْ» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ: سُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا ضَالًّا. هَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِيمَانَ بِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَرْضٌ، وَالْبَحْثُ عَنْ مُتَشَابِهِ التَّنْزِيلِ، وَأَخْبَارِ الرَّسُولِ وَاجِبٌ فِي الْأُصُولِ وَالْعُقُولِ فِرَارًا مِنْ تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ وَآفَةِ التَّشْبِيهَاتِ. قَالَ: وَالْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَمَنْ تَابَعَهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْأَثَرِ. قَالَ: وَبِمَعْرِفَةِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ تَمَيَّزَ الْفَاضِلُ مِنَ الْمَفْضُولِ، وَالْعَالِمُ مِنَ الْمُتَعَلِّمِ، وَالْحَكِيمُ مِنَ الْمُتَعَجْرِفِ، وَمَنْ أَمَرَّ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا جَاءَتْ حِينَ الْتَبَسَ عَلَيْهِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهَا لَمْ يَرُدَّهَا رَاوٍ مُنْكِرٌ جَاحِدٌ، بَلْ آَمَنَ وَاسْتَسْلَمَ، وَانْقَادَ وَوَكَلَ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . وَرَدُّ الْأَخْبَارِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ طَرِيقٌ سَهْلٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، وَالسَّفِيهُ وَالْعَاقِلُ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ فَضْلُ عِلْمِ الْعُلَمَاءِ، وَعَقْلِ الْعُقَلَاءِ بِالْبَحْثِ وَالتَّفْتِيشِ وَاسْتِخْرَاجِ الْحِكْمَةِ مِنَ الْآيَةِ وَالسُّنَّةِ، وَحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْأُصُولَ، وَتُصَحِّحُهُ الْعُقُولُ ⦗٣٥٧⦘. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَصًّا نَظِيرُهُ قَالَ تَعَالَى فِي خَبَرِ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉ ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وَقَالَ ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] . وَلَيْسَ الْجَرُّ إِلَيْكَ بِالْخُشُونَةِ وَالْغِلْظَةِ بِأَقَلَّ مِنَ الدَّفْعِ عَنْكَ بِالْخُشُونَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَهُوَ الصَّكُّ وَاللَّطْمُ، دَفَعَ عَنْكَ بِغِلْظَةٍ وَخُشُونَةٍ فَمَا سِوَاهُ، وَلَيْسَ هَارُونُ بِأَدْوَنَ مَنْزِلَةً مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، بَلْ هُوَ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْهُ، وَأَعْلَى مَرْتَبَةً، وَأَبَيْنَ فَضْلًا عِنْدَ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [المؤمنون: ٤٦] ، وَهُوَ مَعَ جَلِيلِ قَدْرِهِ فِي نُبُوَّتِهِ، وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ فِي رِسَالَتِهِ أَخُو مُوسَى لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَأَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صِغِيرِهِمْ كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» . فَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ أَخَذَ بِرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَجَرَّهُ إِلَيْهِ بِعُنْفٍ وَغِلْظَةٍ حَتَّى اسْتَعْطَفَهُ عَلَيْهِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] ، وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] ، وَلَوْلَا ذَلِكَ عَسَى كَانَ يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا صَنَعَ بِهِ، ثُمَّ لَمْ نَجِدْ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى عِتَابِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَلَا عَلَى تَوْبَتِهِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ صَغِيرَةً أَوْ زَلَّةً لَظَهَرَ ذَلِكَ نَصًّا فِي الْكِتَابِ أَوْ دَلَالَةً، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى زَلَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمُعَاتَبَتَهُ إِيَّاهُمْ عَلَيْهَا، وَتَوْبَتَهُمْ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ، وَرُجُوعَهُمْ إِلَيْهِ، وَاسْتِغَفَارَهُمْ إِيَّاهُ وَاعْتِرَافَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ لَهَا كَمَا قَالَ ﷻ فِي قِصَّةِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ⦗٣٥٨⦘ ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ، هَذَا عِتَابُهُ لَهُمَا مِنْ إِمْلَالِهَا فِي الْآَيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي اعْتِرَافِهِمَا وَتَوْبَتِهِمَا ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇ ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ، وَقَالَ فِي اعْتِرَافِهِ وَتَوْبَتِهِ ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] ، وَفِي قِصَّةِ دَاوُدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ فَغَفَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي مُوسَى ﵇ وَقَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] ، فَغَفَرَ لَهُ. فَلَوْ كَانَ جَرُّهُ أَخَاهُ إِلَيْهِ وَأَخْذُهُ بِرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ زَلَّةً مِنْهُ لَظَهَرَ اعْتِرَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَتَوْبَتُهُ إِلَى رَبِّهِ، أَوْ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ إِيَّاهُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ مَعْصِيَةً وَلَا زَلَّةً، كَذَلِكَ صَكُّهُ مَلَكَ الْمَوْتِ وَلَطْمُهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهُمَا عُنْفَانِ، أَحَدُهُمَا بِالدَّفْعِ عَنْكَ، وَالْآَخَرُ بِالْجَرِّ إِلَيكَ كَرِيمَيْنِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَحَدُهُمَا رَسُولٌ نَبِيٌّ، وَالْآَخَرُ مَلَكٌ زَكِيٌّ، وَكَمَا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ عِتَابٌ وَلَا تَوْبَةٌ، وَاعْتِرَافٌ فِي قِصَّةِ الْمَلَكِ فَمَا جَازَ فِي الْكِتَابِ مِنَ التَّأْوِيلِ سَاغَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ ﷺ بِهَارُونَ مَعَ عَظِيمِ حُرْمَتِهِ لِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ وَأُخُوَّتِهِ وَقَرَابَتِهِ وَحَقِّ سِنِّهِ زَلَّةً؛ لِأَنَّهُ ﵇ غَضِبَ لِلَّهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ فِيهِ حَمِيَّةٌ وَغَضَبٌ وَعَجَلَةٌ وَحِدَّةٌ كُلُّهَا فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ. أَلَا يَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣] ، وَخَبَّرَ أَنَّ عَجَلَتَهُ كَانَ طَلَبًا لِرِضَاهُ، كَذَلِكَ حِدَّتُهُ وَغَضَبُهُ عَلَى أَخِيهِ وَصَنِيعُهُ بِهِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢] ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْحِدَّةُ مِنْهُ وَالْغَضَبُ فِيهِ صِفَةَ مَدْحٍ لَهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ لِلَّهِ، وَفِي اللَّهِ كَمَا كَانَتْ رَأْفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَرَحْمَتُهُ فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ، ثُمَّ كَانَ يَغْضَبُ حَتَّى يَحْمَرَّ وَجْهُهُ وَتَذَرَّ عُرُوقُهُ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ، وَبِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]
⦗٣٥٩⦘ ، وَقَالَ ﷻ ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] ، فَلَوْ كَانَتِ الْغِلْظَةُ وَالشِّدَّةُ فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ كَذَلِكَ الْغَضَبُ وَالْحِدَّةُ مِنْ مُوسَى لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ، وَالْجَمِيعُ صِفَةُ مَدْحٍ وَنَعْتُ ثَنَاءٍ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵊ فِي مَدْحِهِ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي رِقَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَتَشْبِيهِهِ إِيَّاهُ بِإِبْرَاهِيمَ إِذْ يَقُولُ ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] وَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَعِيسَى ﵇ حِينَ قَالَ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادَكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وَقَوْلِهِ ﷺ فِي عُمَرَ ﵁ وَمَدْحِهِ لَهُ فِي غِلْظَتِهِ وَشِدَّتِهِ فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ، وَتَشْبِيهِهِ إِيَّاهُ بِنُوحٍ ﵇ حِينَ قَالَ ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فَأَوْصَافُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْصَافُ مَدْحٍ، وَنُعُوتُهُمْ نُعُوتُ ثَنَاءٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَكُّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَلَطْمُهُ إِيَّاهُ لَمْ يَكُنْ زَلَّةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِغَضَبِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ غَضَبًا لِلَّهِ، وَشِدَّةً فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَحَمِيَّةً لِدِينِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَكَ أَتَاهُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ مَلَكٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَمَا لَمْ يَعْرِفِ النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ جَاءَهُ يَسْأَلُهُ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ حَتَّى قَالَ ﷺ : «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لَيُعَلِّمَكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ قَطُّ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِيهَا إِلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ» ، فَكَذَلِكَ مُوسَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَتَاهُ فِي صُورَةٍ لَمْ يَأْتِهِ فِيهَا قَبْلَهَا، فَلَمْ يَعْرِفْهُ ثُمَّ أَرَادَ قَبْضَ رُوحِهِ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانٌ يُرِيدُ قَبْضَ رُوحِ كَلِيمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَصَكَّهُ وَلَطَمَهُ إِنْكَارًا لَهُ وَرَدًّا عَلَيْهِ أَنَّهُ مَلَكٌ، وَأَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ أَنْكَرَ عَلَيْهِ إِدِّعَاءَهُ مَا لَيْسَ لِلْبَشَرِ مِنْ قَبْضِ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ مِنَ الْبَشَرِ فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ فَغَضِبَ لِلَّهِ فَصَكَّهُ وَلَطَمَهُ، أَلَا تَرَى مِنْهُ لَمَّا عَادَ إِلَيْهِ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَبَبِ ثَوْرٍ وَأَنْ يَمُوتَ، اخْتَارَ الْمَوْتَ اسْتِسْلَامًا لِلَّهِ وَرِضَاءً لِحُكْمِهِ، وَتَصْدِيقًا لِرَسُولِهِ. وَأَمَّا فَقْؤُ عَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لِمُوسَى صلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَثَرِ لَطْمِهِ إِيَّاهُ وَصَكِّهِ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى أَحْدَثَهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَتَى الْمَلَكُ فِيهَا ⦗٣٦٠⦘، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَنَا لَا يَفْعَلُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ فِي نَفْسِهِ وَمَحَلِّ قَدْرَتِهِ، وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَلَمٍ عِنْدَ الضَّرْبِ، وَمَوْتٍ عِنْدَ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ، وَذَهَابِ السَّهْمِ بَعْدَ الرَّمْيِ، وَالْإِحْرَاقِ عِنْدَ اشْتِعَالِ النَّارِ فِي الْحَطَبِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَالْبَرَدِ فِي الثَّلْجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ بَعْدَ حَرَكَاتِ الْمُحْدَثِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى أَحْدَثَهَا وَاخْتَرَعَهَا، وَكَذَلِكَ الْإِحْرَاقُ عِنْدَ اشْتِعَالِ النَّارِ فِي الْحَطَبِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَالْبَرَدُ فِي الثَّلْجِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كُلُّهَا أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى يُحْدِثُهَا وَيَخْتَرِعُهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ وَحِينَ يُرِيدُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَثَرَ حَرَكَاتِ الْمُحْدَثِ فِي نَفْسِهِ، وَالْفَقَاءُ إِنَّمَا حَلَّ فِي الصُّورَةِ لَا فِي الْمَلَكِ؛ لِأَنَّ بِنْيَةَ الْمَلَائِكَةِ وَخَلْقَهُ لَيْسَتْ مِنَ الْأَمْشَاجِ وَالطَّبَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَقْبَلُ الْكَوْنَ وَالْفَسَادَ وَتَحُلُّهَا الْآَفَاتُ، وَيُؤَثِّرُ فِيهَا أَفْعَالُ الْمُحْدَثِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُمْنُونَ، وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَلَا يَنَامُونَ، وَلَا يَأْكُلُونَ، وَلَا يَسْأَمُونَ، وَلَا يَسْتَجِرُّونَ، وَلَا يَفْقَرُونَ، وَكُلُّ هَذِهِ آَفَاتٌ، وَالْفَقْؤُ آَفَةٌ، وَهُمْ لَا يُحِلُّهُمُ الْآَفَاتُ. فَالْآَفَةُ الَّتِي هِيَ الْفَقْؤُ إِنَّمَا حَلَّ فِي الصُّورَةِ الَّتِي جَاءَ الْمَلَكُ فِيهَا لَا فِي عَيْنِ الْمَلَكِ، وَلَيْسَ الْمَلَائِكَةُ كَالنَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِنْسَانٌ بِصُورَتِهِ وَخَوَاصِّهِ، وَلَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا بِخَوَاصِّهِ دُونَ صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَةُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ وُجِدَتْ خَوَاصُّهُ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، وَلَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْإِنْسَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ النَّوْعُ إِنْسَانًا حَتَّى يُوجَدَ ثَلَاثَةُ الْإِنْسَانِ وَصُورَتُهُ وَخَوَاصُّهُ، وَالْمَلَكُ مَلَكٌ بِخَوَاصِّهِ دُونَ صُورَتِهِ؛ لِأَنَّ صُوَرَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ وَخَوَاصَّهُمْ وَاحِدَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِيهِمْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الطَّيْرِ، وَمِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ السِّبَاعِ، وَمِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَكُلُّهُمْ مَلَائِكَةٌ وَلَهُمْ أَجْنِحَةٌ عَلَى أَعْدَادٍ مُتَفَاوِتَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثَلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] ، وَقِيلَ فِي حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّهُمْ أَمْلَاكٌ أَحَدُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، يَشْفَعُ إِلَى اللَّهِ فِي أَرْزَاقِهِمْ، وَالثَّانِي عَلَى صُورَةِ النَّسْرِ يَشْفَعُ إِلَى اللَّهِ فِي أَرْزَاقِ الطَّيْرِ، وَالثَّالِثُ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ يَشْفَعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْزَاقِ الْبَهَائِمِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُمْ، وَالرَّابِعُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ يَشْفَعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْزَاقِ الْبَهَائِمِ، وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُمْ يُصَدِّقُ ذَلِكَ
стр. 481
مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: ح حَامِدُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ح هَنَّادُ بْنُ السَّرِيُّ قَالَ: ح عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ ⦗٣٦١⦘، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَدَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي بَيْتَيْنِ مِنْ شَعْرِهِ قَالَ:
[البحر الطويل]
زُحَلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ... وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مَرْصَدُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَ» قَالَ، وَقَالَ:
وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ
فَقَالَ قَائِلٌ:
تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا ... إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَ» . فَلَمَّا كَانَتِ الصُّورَةُ صُورَةَ أَسَدٍ، وَثَوْرٍ، وَنَسْرٍ، وَإِنْسَانٍ، وَهُوَ مَلَكٌ بَانَ أَنَّ الْمَلَكَ لَمْ يَكُنْ مَلَكًا لِلصُّورَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَلَكٌ بِخَاصِّيَّةِ الَّذِي هُوَ خَاصِّيَّةٌ، وَالْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ بِخَاصِيَّتِهِ وَصُورَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَهُوَ ﷺ بِصُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ كَمَا شَاءَ مِنْ عِظَمِ خَلْقِهِ، وَعَجَبِ صُورَتِهِ
стр. 482
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: ح عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: ح الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرًّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵄: أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ
стр. 483
وَح مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ح سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ الرَّقَاشِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ ؟ قَالَ: " جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَكِ الْمَوْتِ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ خُذْ ⦗٣٦٢⦘ نَفْسَ مِيكَائِيلَ فَيَأْخُذُ فَيَقَعُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهَا مِثْلَ الطَّوْدِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ أَعْلَمُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ مَنْ بَقِيَ قَالَ: فَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بَقِيَ جِبْرِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ: يَقُولُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ مُتْ قَالَ: فَيَمُوتُ , فَيَبْقَى جِبْرِيلُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمْ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَمُوتَ فَيَقَعُ سَاجِدًا يَخْفِقُ بِجَنَاحَيْهِ سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ أَنْتَ الْبَاقِي الدَّائِمُ، وَجِبْرِيلُ الْفَانِي الْهَالِكُ الْمَيِّتُ قَالَ: فَيَأْخُذُ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَهُ فَيَقَعُ عَلَى مِيكَائِيلَ، وَإِنَّ فَضْلَ خَلْقِهِ عَلَى خَلْقِ مِيكَائِيلَ كَفَضْلِ الطَّوْدِ الْعَظِيمِ عَلَى الظَّرِبِ مِنَ الظَّرِبِ، ثُمَّ يَمْكُثُ اللَّهُ كَمَا كَانَ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْخَلْقِ مَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ عِلْمٌ بِمَا هُوَ مَاكِثٌ " وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ
стр. 484
حَدَّثَنَا الْمَحْمُودِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ح سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَهَذِهِ صُورَتُهُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا» ثُمَّ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ جِبْرِيلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَقُولُ اللَّهُ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ، وَقَالَ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ، فَالنَّازِلُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ هُوَ جِبْرِيلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالصُّورَةُ صُورَةُ دِحْيَةَ. قَالَ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ شُيُوخِ الْمُتَكَلِّمِينَ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِنْسَانًا وَبَشَرًا، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَكَانَ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ صِدْقًا حَيْثُ قَالُوا ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ، وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] ، وَقَالَ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]
⦗٣٦٣⦘ ، إِذًا فَجِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ صُورَةَ إِنْسَانٍ، إِذًا فَالصُّورَةُ لَيْسَ الْمَلَكُ، وَإِنْ كَانَ الْمَلَكُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا
стр. 485
ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهَا شِرَاءٌ وَلَا بَيْعٌ إِلَّا صِوَرُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنِ اشْتَهَى صُورَةً دَخَلَ فِيهَا» فَأَخْبَرَ أَنَّ الصُّورَةَ غَيْرُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهَا فَكَذَلِكَ الصُّورَةُ الَّتِي أَتَى مَلَكُ الْمَوْتِ فِيهَا مُوسَى، هِيَ صُورَةٌ أَدْخَلَ اللَّهُ الْمَلَكَ فِيهَا، وَالْفَقَاءُ إِنَّمَا حَلَّ فِي الصُّورَةِ دُونَ الْمَلَكِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَذْهَبَ عَيْنَ الصُّورَةِ عِنْدَ لَطْمِ مُوسَى ﵇، فَكَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ أَعْوَرَ، كَمَا كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فِي صُورَةِ رَجُلٍ لَيْسَتْ لَهُ أَجْنِحَةٌ، وَلَا عَلَى ذَلِكَ الْعِظَمِ الَّذِي أَتَى لَهُ مَرَّةً عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ فَهُوَ يَعْرِفُهُ فِيهَا، وَمَرَّةً عَلَى صُورَةِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فِيهَا، كَذَلِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ أَتَى مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا حِينَ أَتَاهُ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ، ثُمَّ نَقَلَهُ اللَّهُ عِنْدَ لَطْمِ مُوسَى عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ فُقِئَتْ عَيْنُهُ، وَهُوَ مَلَكٌ كَمَا هُوَ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ إِلَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا أَعْنِي الصُّورَةَ دُونَ مُوسَى، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ مُصِيبٌ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا حِكْمَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَفْعَلْ عَبَثًا وَلَا سَفَهًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنِ السَّفَةِ وَالْعَبَثِ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا حِكْمَةٌ وَصَوَابٌ، وَإِنْ جُهِلَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 486
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 487
- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: ح عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ مُعَاذٌ: أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ مَا ⦗٣٦٤⦘ اسْتَطَعْتَ، وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَحَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ شَرًّا فَأَحْدِثْ لِلَّهِ تَوْبَةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: قَوْلُهُ ﷺ : «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ» قَوْلُ أَدِيبٍ مُتَأَدِّبٍ بِأَدَبِ اللَّهِ تَعَالَى مُوَافِقٍ اللَّهَ قَوْلًا وَفِعْلًا وَخُلُقًا لَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ ﷺ . سَمِعَ اللَّهَ يَقُولُ مُنْزِلًا عَلَيْهِ مُوحِيًا إِلَيْهِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ اللَّهُ . فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مَا اسْتَطَعْتَ» أَيْ عَلَى مِقْدَارِ طَاعَتِكَ، وَمَبْلَغِ قُدْرَتِكَ، فَإِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ قَدْرَهُ، وَلَا تَتَّقِيهِ حَقَّ تُقَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَلَا يُطَاقُ إِقَامَةُ حَقِّهِ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ، لَكِنْ عَلَى قَدْرِ الْقُوَّةِ، وَمَبْلَغِ الطَّاقَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ «مَا اسْتَطَعْتَ» أَيْ بِجَمِيعِ اسْتِطَاعَتِكَ، وَاسْتِفْرَاغِ طَاقَتِكَ وَبَذْلِ جُهُودِكَ حَتَّى لَا تُبْقِيَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ، وَلَا تَسْتَبْقِيَ مِمَّا تُطِيقُ شَيْئًا إِلَّا بَذَلْتَهُ فِي تَقْوَاهُ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، وَوَفَاءً بِعَهْدِهِ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كَمَا قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . وَقَوْلُهُ: «وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَحَجَرٍ» أَيْ حَيْثُمَا كُنْتَ مِنْ سَفَرٍ وَحَضَرٍ فَيَكُونُ الشَّجَرُ إِشَارَةً إِلَى الْحَضَرِ، وَالْحَجَرُ عِبَارَةً عَنِ السَّفَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَالْخَصْبِ وَالْجَدْبِ، وَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَيَكُونُ الشَّجَرُ عِبَارَةً عَنِ الْخَصْبِ وَهُوَ حَالُ الرَّخَاءِ وَالسَّرَّاءِ، وَالْحَجَرُ عِبَارَةً عَنِ الْجَدْبِ، وَهُوَ حَالُ الشِّدَّةِ وَالضَّرَّاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] . وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَإِذَا عَمِلْتَ شَرًّا فَأَحْدِثْ لِلَّهِ تَوْبَةً» أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ الْبَشَرِيَّةِ وَعَجْزِ الْإِنْسَانِيَّةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّكَ إِنْ تَوَقَّيْتَ بِجَمِيعِ اسْتِطَاعَتِكَ فَغَيْرُ سَلِيمٍ ⦗٣٦٥⦘ مِنْ شَرٍّ تَعْمَلُهُ، وَسُوءٍ تَأْتِيهِ، فَعَلَيْكَ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ ﷺ إِيَّاكَ أَنْ تَعْمَلَ سُوءً، أَوِ احْذَرْ أَنْ تَأْتِيَ شَرًّا عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَجْرَى قَدَرِ اللَّهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزَ عَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 488
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ»
стр. 489
وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ قَالَ: ح مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: ح عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ» فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا بِالتَّوْبَةِ، وَأَوْصَاهُ بِهَا إِذْ عَلِمَ ﷺ أَنَّهُ لَاقٍ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَآَتٍ مَا سَبَقَ الْقَدَرُ بِهِ، فَقَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ شَرًّا» كَأَنَّهُ يَقُولُهُ لَهُ: لَا بُدَّ لَكَ مِنْ شَرٍّ تَعْمَلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ عَلَيْكَ فَأَحْدِثْ لِلَّهِ تَوْبَةً، وَأَنَّهُ لَا يُؤْتَى الْعَبْدُ مِنَ الْخَطَأِ وَالْمَعْصِيَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى مِنْ تَرْكِ التَّوْبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ
стр. 490
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: ح زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: ح عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: ح قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»
стр. 491
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ح ابْنُ نَجْدَةَ قَالَ: ح الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ أَوْ يَخْلُقُ قَوْمًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» كَأَنَّهُ يَقُولُ: خَيْرُ بَنِي آدَمَ التَّوَّابُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَفِيهِ شُمُوخٌ وَعُلُوٌّ وَتَرَفُّعٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ أَبَدًا، وَاللَّهُ خَلَقَ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لِنَفْسِهِ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَهُ فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَظَرَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَإِعْرَاضَهُ عَمَّا سِوَاهُ لِذَلِكَ سَخَّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ لِيَرْجِعَ عَنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَالشُّغْلِ بِهَا إِلَى رَبِّهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْخَدْمَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِمَصَالِحِهِ قَوْمًا هُمْ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْهُ، وَأَهْدَى لِمَصَالِحِهِ، وَأَعْلَمُ لِمَرَافِقِهِ مِنَ الْعَبْدِ، وَجَعَلَ لَهُ حَظَّهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مُعَقِّبَاتٍ فَكَفَاهُ رَبُّهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَاوِيَّةٍ، بَعَثَ رُسُلًا، وَأَنْزَلَ كُتُبًا، وَأَقَامَ شَرِيعَةً، وَنَصَبَ لَهُ دُعَاةً، وَجَعَلَ لَهُ شُفَعَاءَ مِنْ حَمَلَةِ عَرْشِهِ، وَكِرَامِ مَلَائِكَتِهِ، لِيَتَفَرَّغَ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ تَعَالَى إِقْبَالًا عَلَيْهِ، وَنَظَرًا إِلَيْهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهَا إِعْجَابًا بِهَا، وَعُكُوفًا عَلَيْهَا فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ، وَقَدَّرَ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ بِهِ، إِذَا شُغِلَ عَنْهُ وَصُرِفَ مِنْهُ مِنْ شَرٍّ يَعْمَلُهُ، وَسُوءٍ يَأْتِيهِ، وَمَعْصِيَةٍ يَرْتَكِبُهَا، وَكَبِيرَهٍ يُوَاقِعُهَا، وَصَغِيرَةٍ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا. يُنَبِّهُهُ لِنَظَرِهِ إِلَيْهِ، وَيَبْعَثُهُ عَلَى إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ: فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا ⦗٣٦٧⦘ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ، وَقَالَ ﷻ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ يَجِدُهَا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ» ، وَقَالَ: «السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ» . أَخْبَرَ أَنَّ الشَّرَّ الَّذِي يَعْمَلُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، وَفِي حَالَيْنِ سِرًّا وَجَهْرًا، فَالسِّرُّ أَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَالْعَلَانِيَةُ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ، كَأَنَّهُ ﷺ يَقُولُ: إِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِسِرِّكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِسِرِّكَ، وَإِذَا عَمِلْتَ شَرًّا بِجَوَارِحِكَ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً بِجَوَارِحِكَ، فَأَفْعَالُ السِّرِّ مِنَ الذُّنُوبِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ طَمَعٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَمَخَافَةٌ مِنْهُ وَرَجَاءٌ إِلَيْهِ وَمُعَادَاةُ أَوْلِيَائِهِ، وَمُوَالَاةُ أَعْدَائِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ حَسَدٌ لِمُؤْمِنٍ، وَتُهْمَةٌ لِبَرِيءٍ، وَبَغْيٌ عَلَى مُسْلِمٍ، وَحِقْدٌ يُضْمِرُهُ، وَسُوءٌ يُرِيدُهُ بِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْدِثَ تَوْبَةً مِنْهَا بِسِرِّهِ بِاكْتِسَابِ مَا يُزِيلُهَا وَيُثَبِّتُ أَضْدَادَهَا؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَغَزْوٍ وَأَمْثَالِهَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ كَثِيرُ نَفْعٍ مِنْهَا مَعَ فَسَادِ السِّرِّ وَنَجَاسَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَكَادُ يُطَهِّرُهَا بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَكَمُ لِأَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ ﵀:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْجَرَائِمَ أَقْفَلَتْ بَابَ الْهُدَى ... فَالْعِلْمُ لَيْسَ بِفَاتِحٍ أَقْفَالِهَا
إِنَّ الْقُلُوبَ تَنَجَّسَتْ بِبَطَالَةٍ ... فَالسَّعْيُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ أَفْعَالَهَا
وَذُنُوبُ الْعَلَانِيَةِ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَالْعَبْدِ تَرْكُ مَا أَمَرَ بِهِ، وَارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَضْيِيعِ فَرْضٍ وَإِضَاعَةِ حَقٍّ، وَمُجَاوَزَةِ حَدٍّ، وَقُصُورٍ عَنْهُ. وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى: الْمَظَالِمُ وَالْجِنَايَاتُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَتَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْهَا عَلَانِيَةٌ مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ وَالِاسْتِحْلَالِ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ مَحَالَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَضَاءِ مَا فَاتَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ وَإِخْرَاجِ مَا حَصَّلَ مِنْ مَالٍ، أَوْ مَتَاعٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ⦗٣٦٨⦘. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ نَدَمُهُ بِسِرِّهِ عَلَى مَا مَضَى مَعَ إِقَامَتِهِ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْوَقْتِ، وَتَوْبَتُهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَظَالِمِ بِسِرِّهِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِمَا فِي يَدَيْهِ. رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: " إِذَا قَالَ الْمُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَعِنْدَهُ مَالٌ حَرَامٌ قِيلَ لَهُ: لَا لَبَّيْكَ، وَلَا سَعْدَيْكَ حَتَّى تَرُدَّ مَا فِي يَدَيْكَ" لِذَلِكَ قَالَ السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ
стр. 492
حَدِيثٌ آخَرُ
стр. 493
- ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَيْ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي، كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَسَمُّوا بِاسْمِي، فَإِذَا سَمَّيْتُمْ بِاسْمِي فَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِبَاحَةَ الِاسْمِ وَحَظْرَ الْكُنْيَةِ، فَيَكُونُ الِاسْمُ مُحَمَّدًا جَائِزًا مَأْذُونًا بِهِ، وَيَكُونُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مَحْظُورًا، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا فِي عَصْرِهِ ﷺ وَصَبْوَتِهِ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ، فَيُقَالُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَيَظُنُّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ هُوَ الْمَدْعُوُّ فَيَلْتَفِتُ أَوْ يُجِيبُ , فَيَتَأَذَّى النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . يُصَدِّقُ ذَلِكَ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَرَّ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنَادَى رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَمْ أَعْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» .
стр. 494
قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ قَالَ: ح أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ح الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: ح حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ ⦗٣٦٩⦘ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا، فَقَالَ ﷺ : «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْكُنْيَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الِاسْمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ بِالِاسْمِ لِأَنَّ اللَّهَ نَهَى أَنْ يُدْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِهِ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] . فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ دَاعِيًا، فَإِذَا سَمِعَ مَنْ يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ , يَعْلَمُ ﷺ أَنَّ الْمَدْعُوَّ غَيْرُهُ فَلَا يَلْتَفِتُ وَلَا يُجِيبُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَدْعُوَّ، وَلَمْ يُرِدِ النَّهْيُ عَنِ الْكُنْيَةِ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَإِذَا سَمِعَ مَنْ يُنَادِي يَا أَبَا الْقَاسِمِ الْتَفَتَ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَدْعُوَّ، فَيَكُونُ فِيهِ أَذَاهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَلْتَفِتُ إِذَا مَشَى، فَإِذَا الْتَفَتَ لَا لِمَعْنًى كَانَ فِي ذَلِكَ أَذَاهُ، وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْذُوهُ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا فِي تَوْقِيرِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَوْقِيرِهِ وَإِجْلَالِهِ فَقَالَ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ مَنْ سُمِّيَ مُحَمَّدًا مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - يُقَالُ: أَنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاتِهِ - وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ فِي حَيَاتِهِ مَنْ كُنِّيَ بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 495
حَدِيثٌ آخَرُ
следующие страницы →