الناس فيها الجند الغزّى، وأنتم الجند الغزّى، فجئتكم لأكون معكم فيما أنتم فيه. قال الليث: فكان معهم في أشرّ أمورهم.
* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني حرملة بن عمران التّجيبيّ، عن عبد الرحمن بن شمّاسة المصري قال، سمعت أبا ذرّ ﵁ يقول، قال رسول الله ﷺ : إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا؛ فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على موضع لبنة فاخرج منها. فمرّ بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها. قال ابن وهب: فسمعت الليث - يعني ابن سعد - يقول: لا أرى رسول الله ﷺ قال له ذلك إلا للذي كان من أهل مصر في عثمان بن عفان (١).
* حدثنا حجاج بن نصير قال، حدثنا قرّة بن خالد، عن محمد بن سيرين قال: قدم محمد بن أبي حذيفة على عثمان ﵁ فأجازه بمائة ألف. ثم طعن عليه بعد ذلك. وقال: ما جعل هؤلاء أحق بالمال مني.
* حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن محمد ابن سيرين قال: ركب كعب الأحبار ومحمد بن أبي حذيفة في سفينة قبل الشام - زمن عثمان - في غزوة غزاها المسلمون، فقال محمد لكعب: كيف تجد نعت سفينتنا هذه في التوراة تجري غدا في البحر؟ فقال كعب: يا محمد لا تسخر بالتوراة؛ فإن التوراة
стр. 1122
كتاب الله. قال: ثم قال له ذاك ثلاث مرار. فقال: لا أجد سفينتنا هذه منعوتة في التوراة، ولكني أجد في بعض كتاب الله أن فتنة قد أطلت ينزو فيها رجل من قريش له سن شاغية (١) نزو الحمار في القيد، فاتق ألا تكون ذلك الرجل.
* حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرّة، عن محمد بمثله وقال: يثب فيها غلام من قريش أشفى الثنيتين فيؤخذ فيضرب عنقه، فانظر ألا تكون ذاك. فكان هو.
* حدثنا عارم قال، حدثنا أبو هلال، عن محمد قال: ركب كعب مع محمد بن أبي حذيفة في سفينة فقال محمد: يا كعب، أتجد جري سفينتنا في التوراة؟ فقال كعب: يا محمد إن التوراة حق، وهي في كتاب الله. فلا تستهزئ بها. فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا. فقال كعب: أجد في كتاب الله أن رجلا من قريش اسمه اسمك أشر الثّنايا يحجل في الفتنة كما يحجل الحمار في القيد، فاحذر لا يكون أنت هو.
* حدثنا علي بن محمد، عن رجل، عن الزهري قال: غزا ابن أبي سرح ذات الصّواري سنة أربع وثلاثين، ومعه محمد ابن بكر، ومحمد بن أبي حذيفة فكانا يعيبان عثمان، فحملهما ابن أبي سرح في سفينة مع القبط ثم كلّم فيهما فحوّلهما، فلما رجع كتب إلى عثمان بما كان منهما، فكتب إليه أن أشخص إليّ ابن أبي بكر، وقال عثمان: العجب لابن أبي حذيفة، كفلته
стр. 1123
وربيته، ثم هو يؤلب الناس عليّ، اللهم إنه لم يشكر بلائي فأجرني منه.
* حدثنا علي بن محمد، عن الماجشون، عن الزهري قال:
قال عثمان ﵁: ألا تعجبون لابن أبي حذيفة؛ ضممت الرجل لرحمه، فكنت أجسّ بطنه من الليل أنظر أجائع هو أم شبعان، ثم هو يسعى في خلعي وسفك دمي!! اللهم فاجزه جزاء من كفر النعمة وفجر.
* حدثنا صلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عبد العزيز، عن أبيه قال: كان محمد بن أبي حذيفة يخطب، وكان أقرأ الناس للقرآن فقال عقبة بن عامر: صدق الله ورسوله؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: يقرأ القرآن قوم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة.
قال: لئن كنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ تزعم إنك (١) ..... لكذوب، إنك ما علمت لمتّهم (٢).
* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن ابن حبيبة، عن ربيعة بن لقيط قال، حدثني سلمة بن مخرمة قال: لمّا انتزى ابن أبي حذيفة بمصر فخلع
стр. 1124
عثمان دعا الناس إلى أعطياتهم، فأبيت أن آخذ منه، قال: ثم ركبت إلى المدينة فصرت إلى عثمان فقلت: يا أمير المؤمنين إن ابن أبي حذيفة إمام حلا له كما علمت، وإنه انتزى علينا بمصر فدعانا إلى أعطياتنا، فأبيت أن آخذ منه. فقال: عجزت؛ إنما هو حقّك عجزت؛ إنما هو حقّك.
* حدثنا علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، عن يزيد ابن قحيف، عن رجل من قومه، عن رجاء بن حيوة. وحباب بن موسى، عن محمد بن إسحاق، عن مخلد بن خفاف، عن عروة ابن الزبير قالا (١): كتب أهل مصر إلى عثمان:
من الملإ المسلمين إلى الخليفة المبتلى، أما بعد: فالحمد لله الذي أنعم علينا وعليك واتّخذ علينا فيما آتاك الحجّة، وإنا نذكّرك الله في مواقع السحاب؛ فإنّ الله قال في كتابه «أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ» (٢) أن تحلّ ما شئت منه بقولك وتحرم ما شئت منه بقولك، ونذكّرك الله في الحدود، أن تعطّلها في القريب وتقيمها في البعيد؛ فإن سنّة الله واحدة، ونذكّرك الله في أقوام أخذ الله ميثاقهم على طاعته ليكونوا شهداء على خلقه، نصحوا لك فاغتششت نصيحتهم، وأخرجتهم من ديارهم وأموالهم - وقال الله في كتابه:
«وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ» (٣) فنذكرك الله وننهاك عن
стр. 1125
المعصية؛ فإنك تدّعي علينا الطاعة، وكتاب الله ينطق: لا طاعة لمن عصى الله؛ فإن تعط الله الطاعة نؤازرك ونوقّرك وإن تأب فقد علمنا أنك تريد هلكتنا وهلكتك، فمن يمنعنا من الله إن أطعناك وعصيناه وأنت العبد الميّت المحاسب، والله الخالق البارئ المصوّر الذي لا يموت.
* حدثنا علي، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال:
كتب عثمان إلى أهل مصر:
أذكركم الله الذي علّمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر؛ فإنه قال: «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا» (١) وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (٢) وقال: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» (٣) وقال: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ» (٤) وقال: «وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (٥) وقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» (٦) أما بعد فإن الله رضي لكم السمع والطاعة، وحذّركم المعصية والفرقة، وأنبأكم أنه قد فعله
стр. 1126
من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه لتكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا وصية الله، واحذروا عذابه؛ فإنكم لم تجدو أمّة هلكت إلا من بعد أن تختلف فلا يكون لها رأس يجمعها ومتى تفعلوا ذلك لا تكن لكم صلاة جماعة، ويسلّط بعضكم على بعض وتكونوا شيعا. وقال الله: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» (١).
* حدثنا علي، عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: دعا عثمان ﵁ عمّار بن ياسر ﵄ فقال: يا أبا اليقظان، إن لك سابقة وقدما، وقد عرفك الناس بذلك، وقد استمرح أهل مصر واستعلى أمرهم وبغيهم عليّ، فأنا أحبّ أن أبعثك إليهم فتعتبهم من كل ما عتبوا، وتضمن ذلك عليّ، وتقول بالمعروف وتنشر الحسنى، فعسى الله أن يطفئ بك ثائرة، ويلمّ بك شعثا، ويصلح بك فسادا.
وأمر له بحملان ونفقة، وكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يجري عليه رزقا ما أقام عنده. فخرج عمار إلى مصر وهو عاتب على عثمان ﵁، فألّب الناس عليه، وأشعل أهل مصر على عثمان ﵁، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان ﵁: إن عمارا قدم علينا فأظهر القبيح، وقال ما لا يحلّ،
стр. 1127
وأطاف به قوم ليسوا من أهل الدين ولا القرآن، وكتب يستأذنه في عقوبته وأصحابه. فكتب إليه عثمان ﵁: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح، أنا بقضاء الله أرضى به - اعلمه - من أن آذن لك في عقوبة عمار أو أحد أصحابه، فقد وجّهت عمارا وأنا أظن به غير الذي كتبت به، فإذا كان من أمره الذي كان فأحسن جهازه واحمله إلي، فلعمري إني لعلى يقين أني أستكمل أجلي وأستوفي رزقي وأصرع مصرعي، فقدم الكتاب على ابن أبي سرح فحمل عمارا إلى المدينة (١).
* حدثنا معمر بن بكار بن معمر بن حمزة بن عمر بن سعد قال، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان قال: كتب ابن أبي سرح إلى عثمان: أما بعد، فإنك بعثت قوما ليقوموا بضررك وإنهم يحرّضون عليك، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ضرب أعناقهم فليفعل. فكتب إليه عثمان ﵁: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح حتى تستأذن في قتل قوم فيهم عمّار بن ياسر!! أنا بقضاء الله أرضى من أن آذن لك في ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فأحسن صحبتهم ما صحبوك، فإذا أرادوا الرّحلة فأحسن جهازهم، وإيّاك أن يأتيني عنك خلاف ما كتبت به إليك.
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي عمرو، عن إبراهيم بن محمد ابن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: بعثني أبي إلى عمّار ﵁ حين قدم من مصر وبلغه ما كان من أمره، فأتيته فقام وليس عليه رداء، وعليه قلنسوة من شعر معتمّ عليها بعمامة وسخة، وعليه
стр. 1128
جبّة فراء يمانية، فأقبل معي حتى دخل على سعد (١)، فقال: يا أبا اليقظان، إن كنت عندنا لمن أهل الفضل، وكنت فينا مرجوّا قبل هذا، فما الذي بلغني عنك من سعيك في فساد المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين؟ فأهوى عمار بعمامته فنزعها عن رأسه. (فقال (٢):
ويحك يا عمار، أحين كبرت سنّك، ونفد عمرك، واقترب أجلك خلعت بيعة الإسلام من عنقك، وخرجت من الدين عريانا!! فقام عمّار مغضبا وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة. فقال سعد: «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» (٣) ألا في الفتنة سقطت يا عمار (٤).
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني الليث بن سعد: أن عمارا قال: لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تخرج معنا في هذا الأمر فقد خرج فيه من ليس بدونك؟ فقال سعد: إن جئتموني بسيف ينبو عن المؤمن ويجير على الكافر فعلت (٥)، فقال عمّار: مثل قول سعد، ثم قال: كأنّك أفضل ممّن خرج فيه؟! فقال سعد: أيّما أحبّ إليك، أمودّة على دخن أم صرم جميل؟ قال عمار: بل صرم جميل. قال سعد: فهو لله عليّ إن كلمتك من رأسي ما حييت.
* حدثنا علي بن محمد، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن
стр. 1129
الزّهري قال: لما خرج عمّار ﵁ من مصر فحرّك أهل مصر وقالوا: سيّر عمّار، وصرف ابن أبي حذيفة فيهم ودعاهم إلى السّير، فأجابوه، فخرج ستمائة أو أربعمائة، وجعلوا أمرهم إلى أربعة منهم رؤساء: عبد الرحمن بن عبد قيس بن عبّاد التجوبي، وجماع أمرهم إلى محمد بن أبي حذيفة. ويقال عبد الرحمن بن عديس، وكان اسمه في الجاهلية علقمة فتسمّى عبد الرحمن، وكان معهم عروة بن شتيم الليثي، وأبو رومان الأسدي، وسودان بن عمران التجوبي، وأظهروا أنهم يريدون العمرة فساروا قرب خمس وثلاثين، وفي ذلك يقول الشاعر:
خرجن من أليون (١) بالصّعيد … مستحقبات حلق الحديد
يطلبن حقّ الله في الوليد … وفي ابن عفّان وفي سعيد
فقدموا فنزلوا بذي خشب في رمضان، فقال سعد بن أبي وقاص لعمار: يا أبا اليقظان ألا تخرج إلى هؤلاء القوم فتردّهم وتنهاهم عن البغي؟ وجاء كثير بن الصّلت يسمع كلامهما من فرجة في الباب وفطن له عمار فقام إليه مغضبا بعكّاز فولّى كثير، وقال عمار: أما والله لو ثبتّ لفقأت عينك. وغضب فقال: لا أردّهم عنه، وتمثل:
أبت كبدي - لا أكرهنك قتالهم … عليّ وتأباه عليّ أناملي
وكيف قتالي معشرا يأذنونكم … عن الحقّ أن لا يأشبوه بباطل (٢)
стр. 1130
* حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان، (عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الأصم (١) قال: أرسلوني بذي خشب وقالوا: اسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، واجعل عليّا في آخر من تسأل. قال: فسألت فكلهم يأمرني بالقدوم، قال:
فأتيت عليّا ﵁ فسألته، فقال: لكنّي لا آمرهم، فإن فعلوا فبيض فليفرخ.
* حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن عبد الله: أنه وزيادا مرّا على أهل مصر بذي خشب فقال لهم: أتريدون أن أبلّغ عنكم أصحاب محمد ﷺ وأزواجه؟ فأرسلوهما إلى المدينة إلى أصحاب النبي ﷺ وأزواجه، واستشاروهم في القدوم على عثمان ﵁، وأمروهما أن يجعلا عليّا ﵁ من آخر من يأتيانه فيستعتبونه فإن أعتبهم فهو الذي يريدون، فأما عليّ ﵁ فقال لهما:
هل أتيتما أحدا قبلي؟ قالا: نعم، أزواج النبي ﷺ وأصحابك. قال: فما أمروهم؟ قالا: أمروهم بالقدوم. قال عليّ ﵁: لكن لا آمرهم بالقدوم، ولكن ليبعثوا إليه من مكانهم فليستعتبوه، فإن أعتبهم فهو الذي يريدون، وإن أبوا إلا أن يقدموا فبيض فليفرخوه، فبيض فليفرخوه.
* حدثنا علي بن محمد، عن عبد الله بن مصعب، عن هشام ابن عروة قال، قال عبد الله بن الزّبير ﵄: كنت أمشي
стр. 1131
مع أبي فلقينا عليّ ﵁ فقال: إني لا أظن هؤلاء القوم إلاّ قادمين فما ترى؟ قال: إني أرى أن تحبس (١) في بيتك ولا تكفّهم ولا ترشدهم. قال: هو رأي ومضى، فقلت لأبي والله ليعيننّهم وليرشدنّهم وليستعينن على أمير المؤمنين.
* قال الأصمعي سمعت ابن أبي الزناد يذكر، عن عبد الله ابن الزبير قال: بينا أنا وأبي نهوي نحو البقيع إذا مناد ينادي أبي من ورائه: يا أبا عبد الله، فنظرت فإذا عليّ ﵁، فتشربت له - يعني تحرّفت له - فقال أبي: إنه أبو الحسن لا أمّ لك. فجاء عليّ ﵁ فقال: ألا ترى ما يلقى عثمان ﵁؟! * حدثنا أبو بكر الباهلي قال، حدثني مؤدب ولد جعفر، عن ابن دأب قال، قال ابن عباس ﵁: ما ذاكرني عليّ ﵁ شيئا من أمر عثمان ﵁ حتى حضر أهل مصر وأرسل إليّ فقال: أشر عليّ في هذا الأمر، ما الرأي لي فيه؟ فقلت إنّك قد عمّيت عليّ في أمرك، فلست أعلم ما في نفسك وسأشير عليك مشورة لا أكشف فيها ما سترت عني؛ إن كنت تطمع في هذا الأمر فإنّ معك من يطمع فيه مثل طمعك ويدّعي فيه مثل حظّك، فإن أنت أشرفت لنفسك أشرف عليه يعذروه ويصدوه وكان أحبّ إليهم منك بعد كما كان أحبّ إليهم منك قبل، فإن رأوا أنّك رافض للأمر كفوك المؤونة وولوا نسيّا يكفيك، ثم تكون منه حيث ترى ورأيي لك: قد سبقك إلى هذا الأمر رجلان لن تعمل أفضل من عملهما إن وليت ما ولياه، واتباع عملهما بمثل عملهما شيء
стр. 1132
هو لهما دونك، وقد أشرف … (١) غيرك من شاهد لك وغائب عنك، ووالله لئن قتل عثمان ليلتبسنّ هذا الأمر التباسا لا يتخلّص لك فيما بقي من عمرك حتى تموت، فإما يلبسه لك من وليه بك وإمّا صار لغيرك، فأرى أن ترفضه رفضا صحيحا لا تسرّ فيه ولا تعلن. قال:
فرغت فحسبك.
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي عمرو، عن محمد بن المنكدر قال: نزل المصريون بذي خشب، فبعث عثمان ﵁ رجلا من المهاجرين إليهم وقال: أعطهم ما سألوك. فقال رجل من بني مخزوم: إني لا آمن الذي بعثت؛ فإن أذنت لي اتّبعته. فأذن له، فقدم عليهم الرجل فرآهم في هيئة رثّة، فسمعته يقول: قدمتم بما أرى من سوء الحال على عثمان ﵁ في سودانه وحمرانه، ما هذا لكم برأي. فرجع المخزومي إلى عثمان ﵁ فأخبره فقال: إنه لحريص لا بارك الله له فيما يؤمّل على ما يبلغنا، وقد سمع النبي ﷺ يقول: لا ينالها أبدا.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا يوسف بن الماجشون، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: جاء عليّ ﵁ إلى أهل مصر وهم في قبّة لهم فقال: جئتموني أكلة رأس؛ إنكم لا طاقة لكم بحمران عثمان ولا سودانه، ارجعوا فاستوثقوا وتعالوا، خيّر بذلك عبد الله بن الفضل عمّن كان وراء القبّة.
* حدثنا نضر بن علي بن نضر قال، حدثنا غسان بن نضر قال، حدثنا أبو مسلم سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد
стр. 1133
مولى أبي أسيد قال: خطبنا عثمان بن عفان ﵁ فقال:
إن ركبا نزلوا ذا الحليفة وإني خارج إليهم، فمن شاء أن يخرج فليخرج قال: فكنت فيمن خرج - يعني أبا سعيد - قال فأتيناهم فإذا هم في حظائر سقف، أبصرناهم من خلال الحائط، وإذا شابّ قاعد في حجره المصحف فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت «ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ» (١) فقال: إنّ عمر ﵁ حمى حمى، وإن الصدقة زادت فزدت في الحمى، فمن شاء أن يرعى فليرع، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: يا أمير المؤمنين أحسنت. (ثم (٢) قالوا:
يا أمير المؤمنين، هل على بيت الله إذن؟ قال: كنت أرى أن الجهاد أفضل من الحجّ، فإن كان ذلك من رأيكم فقد أذنّا للناس، فمن أراد أن يحجّ فليحجّ، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين - في خصال سألوه عنها فتاب منها ورجع عنها، كل ذلك يقولون: قد أحسنت يا أمير المؤمنين - قال:
فانفروا وتفرّقوا. ثم قام خطيبا فقال: ما رأيت ركبا كانوا في نفس أمير المؤمنين خيرا من هؤلاء الرّكب؛ والله إن قالوا إلا حقّا، وإن سألوا إلا حقّا. فرجعوا إليه، فأشرف عليهم فقال: ما رجّعكم إليّ بعد إعطائكم الحقّ؟ قالوا: كتابك. قال: ويلكم لا تهلكوا أنفسكم وتهلكوا أمّتكم، والله إن كتبتها ولا أمليتها. فقال الأشتر:
إني والله لأسمع حلف رجل ما أراه إلا قد مكر به ومكر بكم قال:
стр. 1134
فوثبوا عليه فوطئوه حتى ثقل ثقلا قال (١) فوقت عليهم سعد بن مالك فقال (٢): أفيم قتلكم!! تركتموه وهو في خطيئته ..... (٣)
تطهّر منها قتلتموه!! فجعلوا يقرعونه بالرّماح حتى سقط لجنبه، وجعل يقول: هلمّ فاقتلوني فلقد أصابت أمّي اسمي إذن إذ سمّتني سعدا. وأقبل الأشتر فنهاهم وقال: يا عباد الله اتّخذتم أصحاب محمد بدنا؟! وخرج سعد يدعو ويقول: اللهم إني فررت بديني من مكة إلى المدينة، وأنا أفرّ به من المدينة إلى مكة.
* حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا ابن المبارك قال، حدثنا الفضل بن لاحق، عن أبي بكر بن حفص، عن سليمان بن عبد الملك قال، حدثني رجل من تدمر - وهي قبيلة من اليمن - قال: بينما أنا أسير بين مكة والمدينة إذا أنا بركب يسيرون بين أيديهم راكب فدنوت فسلّمت عليهم فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد ابن مالك. فنهرت دابّتي فدنوت منه، فسلمت عليه وقلت: ماذا صنعتم؟ قال: أتعجب؟ كنت رجلا من أهل مكة بها مولدي وداري ومالي، فلم أزل بها حتى بعث الله نبيّه ﷺ فاتّبعته وآمنت به، فمكثت بها ما شاء الله أن أمكث، ثم خرجت منها فرارا بديني إلى المدينة، فلم أزل بها حتى جمع الله لي بها أهلا ومالا،
стр. 1135
وأنا اليوم فارّ بديني من المدينة إلى مكة كما فررت بديني من مكة إلى المدينة.
* حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سعدان بن بشر قال، حدثنا أبو محمد الأنصاري قال: شهدت عثمان ﵁ وهو يقتل بالدار، والحسن بن علي ﵄ وهو يضارب عنه حتى جرح فرفع (١) في بني زمعة جريحا.
* حدثنا علي بن الجعد، والأصمعي قالا، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا كنانة مولى صفية قال: كنت فيمن يحمل الحسين بن عليّ ﵄ جريحا من دار عثمان ﵁.
* حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن إسماعيل بن عياش، عن عطاء ابن عجلان، عن عاصم بن سليمان قال: قام الحسن بن علي ﵄ بعد ما قتل عثمان ﵁ فقال لهم - يعني لقتلة عثمان ﵁ لا مرحبا بالوجوه ولا أهلا، مشائم هذه الأمة من فتق فيها الفتق العظيم. أما والله لولا عزمة أمير المؤمنين علينا لكان الرأي فيكم ثابتا.
* حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني بعض أصحابنا قالوا:
جاء قوم يطلبون عليّا بعد قتل عثمان ﵁ فلم يجدوه، فسألوا الحسن بن عليّ ﵄: أين أمير المؤمنين؟ قال:
في حشّ كوكب - رحمة الله عليه - يعني عثمان ﵁.
стр. 1136
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا الهديل بن بلال، عن أبي الجحاف، عن عبد الله بن الزراد: أن رجلا حدثه أنه كان مع الحسن بن عليّ ﵁ في الحمام ورجلين آخرين وعلى الحسن ﵁ النّورة (١) وقد وضع يده على الحائط فتنفّس فقال: لعن الله قتلة عثمان، فقال رجل: أما إنهم يزعمون أن عليّا قتله.
فقال: قتله من قتله، لعن الله قتلة عثمان، ثم قال، قال علي:
أنا وعثمان وطلحة والزّبير كما قال الله: «وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ».
* حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن يحيى بن عمرو، عن أبيه قال ..... (٢) عثمان ثم انصرفت فوجدت عليّ بن أبي طالب واقفا على باب داره، فقيل .... (٣)
* حدثنا ......... (٤)، حدثنا علي بن محمد، عن عامر بن حفص عن أشياخ من أهل البصرة: أنهم خرجوا إلى عثمان ﵁ وعليهم حكيم بن جبلة، وفيهم سدوس بن عيسى ورجل من بني ضبيعة يقال له مالك، وكان حكيم ومالك ممن دخل عليه فأصابه.
* حدثنا عثمان بن عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان ﵁ أن وفدا من أهل
стр. 1137
مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فكان في قرية له خارجا من المدينة - أو كما قال - فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه - أراه قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة - فأتوه فقالوا: ادع بالمصحف. فدعا بالمصحف، فقالوا له: افتتح السابعة - قال:
وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأها حتى أتى على هذه الآية «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ» (١) قالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك به أم على الله تفتري؟! قال: أمضه، نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى فإن عمر ﵁ حمى حمى قبل لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زادت، أمضه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: أمضه نزلت في كذا وكذا - قال: والذي يلي كلام عثمان يومئذ في سنّك، قال أبو نضرة قال: قال لي أبو سعيد: وأنا في سنّك يومئذ. قال: ولم يخرج وجهي يومئذ. قال: ولا أدري لعله قال مرة أخرى: وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. وقال لهم: ما تريدون؟ فأخذوا ميثاقه - قال وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصى ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم - أو كما أخذوا عليه - قال فقال لهم: وما تريدون؟ قالوا: نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء. قال: إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد ﷺ . قال:
стр. 1138
فرضوا وأقبلوا معه إلى المدينة راضين، فقال فخطب فقال: إني والله ما رأيت وفدا في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ، ألا من كان له زرع فليحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلبه، ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد ﷺ . قال: فغضب الناس وقالوا: هذا مكر بني أمية. قال: ثم رجع الوفد المصريون راضين (١).
* حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال، حدثنا جابر ﵁ قال: بعثنا عثمان ﵁ خمسين راكبا، أميرنا محمد بن مسلمة؛ فكلم أهل مصر، فإذا رجل في عنقه مصحف متقلد سيفا تذرف عيناه فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا. فقال محمد:
اجلس؛ فنحن ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد. فلم يزل يكلمهم حتى رجعوا. قال جابر: فسمعت رجلا يقول: أما والله ليوشك أن يرجع. قال عمرو: فسمعت جابرا يقول: فزعموا أنهم وجدوا كتابا إلى ابن أبي سرح. فالله أعلم.
* حدثنا سليمان بن أيوب صاحب الكرا ...... (٢)
حدثنا أبو عوانة (عن المغيرة (٣) بن زياد الموصلي، عن أبي الزبير،
стр. 1139
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لما أقبل الركب من مصر دعاني عثمان بن عفان فقال: يا جابر، الق هؤلاء الركب. قال:
قلت يا أمير المؤمنين فأصنع ماذا؟ قال: أعطهم عليّ الحق، وأن أرجع عن كل شيء كرهته الأمة. قال قلت: وأعطيهم على ذلك عهدا وميثاقا؟ قال: نعم. (قلت (١) على أن ترد كل منفيّ، وتعطي كل محروم، ويقام كتاب الله وسنّة نبيّه. قال: فركبت فلقيت القوم سحرا بذي خشب، فسلمت عليهم (٢) فردوا السلام، وقالوا: من الرجل؟ قلت: جابر بن عبد الله الأنصاري. قالوا:
مرحبا مرحبا بصاحب رسول الله ﷺ . قلت: ما جاء بكم أيها القوم؟ فانبرى إليّ منهم فتى أمرد فاستخرج المصحف ثم سل السيف فقال: جئنا نضرب بهذا على ما في هذا. قال جابر ﵁ فقلت: نحن ضربنا به على ما فيه قبل أن تولد، بيننا وبينكم كتاب الله. قال: فنزلنا فنشرنا المصحف نتجادل بالقرآن حتى أصبحنا. قال أبو الزبير: سمعت عمرو بن ميمون الأنصاري ذكر أنهم تجادلوا بالقرآن حتى أرمضتهم حجارة الجبل يرمون بها حتى تحولوا إلى مكان تباعدوا فيه من الجبل. قال فقال جابر ﵁: اصطلحنا على الحق؛ على أن نردّ كل منفيّ، ونعطي كل محروم، ونعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ في العامة. قال: فرد عنهم لينصرفوا فقالوا: بل نأتي أمير المؤمنين فنسلم عليه ونستل سخيمته ونأتي ما سرّه. قلت: فعلى بركة الله.
стр. 1140
فرجعت بسببهم إلى أمير المؤمنين فقال: ما وراءك يا جابر؟ قلت:
خير يا أمير المؤمنين، أعطيتهم الذي أمرتني فرضوا وأرادوا الرجوع، ثم إنهم بدا لهم أن يسلموا عليك ويستلّوا سخيمة إن كانت في نفسك. قال: فدخلوا على أمير المؤمنين فسلموا عليه، ومكثوا ثلاثة أيام بالمدينة، ثم انصرف القوم (١).
* حدثنا علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن الوليد ابن سعيد، عن عروة بن الزبير قال: قدم المصريون فلقوا عثمان ﵁ فقال: ما الذي تنقمون؟ قالوا: تمزيق المصاحف. قال:
إلى الناس لما اختلفوا في القراءة خشي عمر ﵁ الفتنة فقال:
من أعرب الناس؟ فقالوا: سعيد بن العاص. قال: فمن أخطّهم؟ قالوا: زيد بن ثابت. فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد وخط زيد، فجمع الناس ثم قرأه عليهم بالموسم فلما كان حديثا كتب إليّ حذيفة: إن الرجل يلقى الرجل فيقول: قرآني أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفّر صاحبه، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة المصحف الذي كتبه عمر ﵁، وهو هذا المصحف، وأمرتهم بترك ما سواه، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم.
وما تنقمون؟ قالوا: حميت الحمى. وذكروا أهل البوادي وما يلقون من نعم الصدقة. فقال: إن وجدتم فيه بعيرا لآل أبي العاص فهو لكم.
وما تنقمون أيضا؟ قالوا: تعطيل الحدود. قال: وأي حد عطلت؟! ما وجب حد على أحد إلا أقمته عليه، وأنا أستغفر الله
стр. 1141
من كل ذنب وأتوب إليه، فاتقوا الله ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أذكركم الله أن تلقوا غدا محمدا ﷺ ولستم منه في شيء (١).
* حدثنا قريش بن (أنس، عن (٢) ابن عون قال: لما قدم المصريون على عثمان ﵁ أرسل إلى أصحاب النبي ﷺ فاستشارهم، فقام ابن عمر ﵁ فقال: صحبت رسول الله ﷺ فلا أعلم ظل يوما أو بات ليلة إلا وهو عنّي راض، وصحبت أبا بكر ﵁ فكذلك، وصحبت أبي فكذلك، وقد رأيت لك يا أمير المؤمنين من الطاعة ما رأيت لهم. قال: جزاكم الله خيرا آل عمر، لست عن هذا أسألك إنما أسألك عن هؤلاء القوم، ما تقول فيهم؟ قال: أرسل إليهم فادعهم إلى كتاب الله، فإن قبلوا فهو خير لهم، وإن أبوا فهو خير لك وشرّ لهم. قال: فأرسل إليهم عليّ بن أبي طالب ﵁ ورجلا آخر، فشادّوه فشادّهم، فشادوه فشادهم، فشادوه فشادهم. فقال رجل: رسول أمير المؤمنين وابن عم رسول الله ﷺ يعرض عليكم كتاب الله!! قال: فأصلح عليّ بينهم وكتبوا كتابا اشترطوا فيه خمسا؛ أن المنفيّ يقلب، وأن المحروم يعطى، وأن الفيء يوفّر، وأن يعدل في القسم، وأن يستعمل أولو القوة والأمانة، قال: واشترطوا شيئين لم يكتبوهما في الكتاب؛ وأن
стр. 1142
يستعمل الأشعري على الكوفة، وأن يرد ابن عامر على عمله بالبصرة فإنهم به راضون قال: فذهبوا (١).
* حدثنا صلت بن مسعود قال، حدثنا أحمد بن شبوية، عن سليمان بن صالح، عن عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم قال، سمعت محمد بن سيرين يحدث قال: لما قدم أهل مصر على عثمان ﵁ قال المغيرة بن شعبة: إن القوم تفرقوا في الدور فليس أمرهم بشيء، وإن نزلوا زمزمة واحدة (٢) فأمرهم سديد.
قال: فنزلوا زمزمة واحدة، فقال: دعني فلآتهم، قال: فأتاهم المغيرة، فلما رأوه قالوا: إليك عنا يا أعور ثقيف. فرجع إليه فأخبره بذلك، فدعا عليّ بن أبي طالب فقال: آت هؤلاء فأعطهم كتاب الله. فأتاهم عليّ ﵁ فعرض عليهم (٣) فأبوا عليه، فانصرف عنهم. فقال القول: أتاكم ابن عم نبيكم فعرض عليكم كتاب الله فرددتموه!! فبعثوا إلى عليّ ﵁ فدعوه، وقبلوا ما أعطاهم، واشترطوا أشياء - قال ابن عون، عن ابن سيرين:
فمنها أشياء كتبوها في كتابهم، ومنها أشياء لم يكتبوها (٤).
* حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا سعيد بن يزيد قال، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد مولى ابن أسيد قال: لما قدم المصريون على عثمان ﵁ اجتمعوا
стр. 1143
إلى حجرة، وجئنا فجعلنا ننظر إليهم من خلل الحجره، فما سألوه شيئا إلا خرج منه، فقالوا: أغلقت باب الهجرة، وحميت الحمي.
قال: إن عمر ﵁ حمى الحمى للصدقة، وإنها كثرت وزادت، فزدت في الحمى على قدر ما زادت الصدقة، وأما قولكم أغلقت باب الهجرة فإني لم أكن أرى هذا المال إلا لمن جاهد عليه، فمن شاء فليهاجر، ومن شاء فليجلس، ثم قال: ويحكم لا تزكّوا أنفسكم ولا تهلكوا أمتكم. فرجع القوم راضين (١).
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي مخنف، عن محمد بن يوسف، عن عبد الرحمن بن جندب قال: قال عثمان ﵁ لعبد الله ابن عمر ﵄: ما ترى في هؤلاء القوم؟ قال: تدعوهم إلى كتاب الله، فإن أجابوك كان خيرا لهم، وإن أبوا كان خيرا لك وشرا لهم، وابعث عليّا فإنه لا يردهم عنك غيره. قال:
جزاكم الله خيرا آل عمر؛ فإنكم طالما نصحتم الإسلام وأهله.
فأرسل إلى عليّ ﵁ فقال إيت هؤلاء القوم فأعطهم ما يسألونك. قال: قال: وأضمن ذلك عليك؟ قال: نعم. فأتاهم عليّ ﵁ فبهشوا (٢) إليه، فقال علي ﵁: تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم؟ قالوا: فتضمن ذلك لنا؟ قال: نعم. فأقبل معه ثلاثون من وجوههم، فدخلوا على عثمان ﵁، فأرضاهم وكتبوا بينهم كتابا: من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه، إن لكم العمل بكتاب الله، وإن المحروم
стр. 1144
يعطى، والمنفيّ يردّ، ولا يجمّر المبعوث، ولا تحمى الحمى.
شهد عليّ، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الله بن عمر، وسهل ابن حنيف، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت. ثم انصرفوا إلى بلادهم راضين (١).
(حركة أهل الكوفة ومسيرهم إلى عثمان ﵁ (٢)
* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا سعيد بن محمد الوراق، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر قال: بلغ عثمان ﵁ أن ناسا من أهل الكوفة يقعون فيه، ويقولون فيه الباطل. فكتب إليهم: إنه بلغني عنكم أمر لا يحلّ لكم، فمن كان منكم قال ما لا يحلّ له فليقيّد نفسه، قال: فقيد أولئك أنفسهم، فكان في الحيّ رجل منهم يقال له النعمان بن فلان - أو فلان بن النعمان - يحضر الصلاة مقيّدا شهرا، فكتب إليهم عثمان ﵁:
أن حلّوا أنفسكم يغفر الله لي ولكم.
* حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن بعض أصحابه قال: كتب عثمان بن عفان ﵁ إلى أهل الكوفة: من كان له قبلي حق فليقدم فليأخذ بحقه، أو تصدّقوا فإن الله يجزي المتصدقين، فلم أر يوما أكثر شيخا باكيا من يومئذ.
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي محنف، عن عبيد بن محصن،
стр. 1145
عن أبيه قال: كتب سعيد بن العاص إلى عثمان ﵁:
إن قبلي قوما يدعون القراء، وهم سفهاء؛ وثبوا على صاحب شرطتي فضربوه ظالمين له، وشتموني، واستخفّوا بحقي؛ منهم عمرو ابن زرارة، وكميل بن زياد، ومالك بن الحارث، وحرقوص ابن زهير، وشريح بن أوفى، ويزيد بن مكنّف، وزيد وصعصعة ابنا صوحان، وجندب بن زهير. فكتب عثمان ﵁ إلى الذين سماهم: أن يأتوا الشام ويغزوا مغازيهم، وكتب إلى سعيد:
إني قد كفيتك مئونتهم فأقرئهم كتابي فإنهم لا يخالفون إن شاء الله، وعليك يتقوى الله وحسن السّيرة. فأقرأهم سعيد الكتاب، فشخصوا إلى دمشق، فأكرمهم معاوية، وقال لهم: إنكم قدمتم بلدا لا يعرف أهله إلا الطاعة، فلا تجادلوهم فتدخلوا الشك قلوبهم.
فقال عمرو بن زرارة، والأشتر: إن الله قد أخذ على العلماء موثقا أن يبيّنوا علمهم للناس، فإن سألنا سائل عن شيء نعلمه لم نكتمه.
فقال معاوية: قد خفت أن تكونوا مرصدين للفتنه، فاتقوا الله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فيه. فحبسهما معاوية ﵁. فقال له زيد بن صوحان: ما هذا؟ إن الذين أشخصونا إليك من بلادنا لم يعجزوا عن حبسنا لو أرادوا ذلك؛ فإن كنا ظالمين فنستغفر الله ونتوب إليه، وإن كنا مظلومين فنسأل الله العافية.
فقال معاوية ﵁: إني لأحسبك امرأ صالحا، فإن شئت أذنت لك أن تأتي مصرك، وكتبت إلى أمير المؤمنين أعلمه إذني لك.
فقال أخشى أن تأذن لي وتكتب إلى سعيد. فلما أراد الشخوص كلّمه في الأشتر وعمرو بن زرارة فأخرجهما، فأقاموا لا يرون أمرا
стр. 1146
يكرهونه. وبلغ معاوية أن قوما يأتونهم فأشخصهم إلى حمص، فكانوا بها حتى اعتزم أهل الكوفة على إخراج سعيد فكتبوا إليهم فقدموا (١).
* حدثنا علي، عن عبد الأعلى بن سليمان العبدي، عن يونس بن أبي إسحاق الهمذاني قال: كتب ناس من وجوه أهل الكوفة ونسّاكهم؛ منهم معقل بن قيس الرّياحيّ، ومالك بن حبيب، وعبد الله بن الطّفيل العامري، وزياد بن حفص التّميمي، ويزيد بن قيس الأرحبيّ، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النّهدي إلى عثمان - ولم يسم أحد نفسه في الكتاب إلا كعب - أن سعيد بن العاص كثّر عندك على قوم من أهل الفضل والدين فحمّلك من أمرهم على ما لا يحل، وإنا نذكّرك الله في أمّة محمد.
فإنك قد بسطت يدك فيها، وحملت بني أبيك على رقابها، وقد خفنا أن يكون فساد هذه الأمة على يديك، فإن لك ناصرا ظالما، وناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك الناقم، ونصرك الظالم تباين الفريقان، واختلفت الكلمة؛ فاتق الله فإنك أميرنا ما أطعت الله واستقمت. وبعثوا بالكتاب مع أبي ربيعة العنزي. فقال له عثمان ﵁: من كتب هذا الكتاب؟ قال: صلحاء أهل المصر. قال: سمّهم لي. قال: ما أسمّى لك إلا من سمّى نفسه.
стр. 1147
فكتب عثمان ﵁ إلى سعيد: انظر ابن ذي الحبكة فاضربه عشرين سوطا، وحول ديوانه إلى الرّيّ. فضربه سعيد عشرين سوطا وسيّره إلى جبل دنباوند (١). فقال كعب بن عبدة؛
أترجو اعتذاري يا ابن أروى ورجعتي … عن الحق قدما غال حلمك غول
وإن دعائي كلّ يوم وليلة … عليك لما أسديته لطويل
وإنّ اغترابي في البلاد وجفوتي … وشتمي في ذات الإله قليل
فبلغ عثمان ﵁ الشعر، فكتب إلى سعيد: قد خفت أن أكون قد احتملت في ابن ذي الحبكة حوبة، فسرّح إليه من يقدم به إليك، ثم احمله إليّ. فبعث سعيد بكير بن حمران الأحمري - وهو الذي كان ذهب به - فردّه، ثم أشخصه إلى عثمان ﵁، فقال له عثمان ﵁: يا أخا بني نهد، والله لئن كان لكم عليّ حق إن لي عليكم لحقّا، وقد كانت مني طيرة فكتبت إلى سعيد آمره أن يضربك عشرين سوطا، وأنا أستغفر الله، فإن شئت تقتصّ فاقتص. قال: أقتصّ. فنزع عثمان ﵁ قميصه وقعد بين يديه وأعطاه السوط، فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين وتركت ذلك لله. فلما قدم الكوفة لامه .... (٢)
стр. 1148
قومه وقالوا: ما منعك أن تقتص؟ قال: سبحان الله!! والي المسلمين أقاد من نفسه، ولو شاء لم يفعل، أقتص منه عند توبته؟! ما كنت لأفعل (١).
* حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن زيد بن تبيع قال: تجهّز ناس من بني عبس إلى عثمان ﵁ ليقاتلوه، فقال حذيفة: ما سعى قوم ليذلّوا سلطان الله في الأرض إلا أذلّهم الله في الدنيا قبل أن يموتوا (٢).
* حدثنا أبو عاصم النبيل قال، حدثنا كثير بن كثير - رجل من بني تميم لم يكن في ذلك العصر رجل خير منه - قال، حدثني ربعي بن خراش: أنه انطلق إلى حذيفة ﵁، وذلك زمان خرج الناس إلى عثمان ﵁ فقال: يا ربعي أخبرني عن قومك، هل خرج منهم أحد؟ قال: نعم، فسمّى له نفرا، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من خرج من الجماعة - قال أبو عاصم مرة - مستذلا للإمارة - وقال مرة فاستذلّ الإمارة - لقي الله يوم القيامة لا وجه له.
* حدثنا حيان بن بشر، عن يحيى بن آدم قال، حدثنا حفص، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد بن علاقة قال: أراد الناس أن يخرجوا إلى عثمان ﵁ حين أنكروه، فجاءت فجاءت بنو عبس إلى حذيفة فقال: لا تفعلوا؛ فإني سمعت رسول الله
стр. 1149
ﷺ يقول: إن أول عصابة تسير إلى سلطان لتذلّه لا يكون لهم يوم القيامة وزن.
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي اليمان الحذيفي، عن أبيه - أو عمن حدثه - عن سعد بن حذيفة قال: سار أهل الكوفة إلى عثمان ﵁، فقال حذيفة: أما إنهم إن تناولوا محجما من دم ثار الشّرّ بينهم فاستبدلوا بذلك أضغانا وأهواء متفرّقة وذلاّ إلى يوم القيامة، فإن كان فعله لله رضى فسيستحلبون به لبنا وإن لم يكن لله رضى فسيستحلبون به دما (١).
* حدثنا علي، عن إسرائيل بن قادم قاضي المدائن، عن عبد الله ابن حسن قال: قدم نهارة النّخعيّ أبو عمرو بن زرارة على رسول الله ﷺ في وفد النخع فقال: يا رسول الله إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني. قال: ما هي؟ قال: رأيت أتانا خلّفتها في أهلي ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول: لظى لظى، بصير وأعمى. فقال النبي ﷺ : هل خلّفت في أهلك أمة مسرّة حملا؟ قال:
نعم. قال: فقد ولدت غلاما، وهو ابنك. قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: اذن منّي، أبك برص تكتمه؟ قال: والذي بعثك بالحق ما علمه أحد قبلك. قال: فهو ذلك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي. قال: وما الفتنة؟ قال: يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف بين أصابعه - دم المؤمن
стр. 1150
أحلّ من الماء، يحسب المسيء أنّه محسن، إن متّ أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك. قال: فادع الله ألا تدركني، فدعا له.
قال أبو الحسن، عن أشياخه، وزاد فيه: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملوجان (١) ومسكتان (٢) قال: ذلك ملك العرب يصير إلى أفضل (زينته وبهجته. قال يا رسول الله (٣):) ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الأرض. قال: تلك فتنة الدنيا (٤).
* حدثنا عليّ، عن أبي إسماعيل الهمداني، عن الكلبي، عن كميل بن زياد النّخعي قال: أوّل من دعا إلى خلع عثمان ﵁ عمرو بن زرارة.
* حدثنا علي، عن سلمة بن محارب، عن عوف الأعرابي، قال: قدم عبد الله بن عامر من المدينة حين ردّ عثمان ﵁ عمّاله إلى أمصارهم، فكان ليّن الجناح متردّدا؛ مرّ برجل يحرّش بين الأشراف، فأجرى الخيل، فسبقه حكيم بن جبلة (٥)، فغضب
стр. 1151
فأخذ خيلا كانت له بفارس، فغضب حكيم فجعل يعيب عثمان.
ورزق ابن عامر الناس طعاما أصابته السماء فتغيّر، فحمله قوم إلى عثمان وشكوا ابن عامر، فلم يعرض له، فتغيّر الناس لعثمان رضي عنه: وقالوا: عزل أبا موسى وولى ابن عامر (١).
* حدثنا علي، عن عامر بن حفص، عن أشياخه: أن نفرا من أهل البصرة خرجوا إلى عثمان ﵁ عليهم حكيم بن جبلة، وفيهم سدوس بن عبس، ورجل من بني ضبيعة يقال له مالك (٢).
انتهى الجزء الثالث من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، ويليه الجزء الرابع - الأخير - ان شاء الله، وأوله عنوان «رجوع أهل مصر بعد شخوصهم». (٣)
стр. 1152
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا هو الجزء الرابع - والأخير - من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة ﵀ وينتهي في الصفحة ١٣١٥.
والفهارس العامة تبدأ في الصفحة ١٣١٧، إن شاء الله.
стр. 1153
(رجوع أهل مصر بعد شخوصهم)
* حدثنا سليمان بن أيوب قال، حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة بن زياد الموصلي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: انصرف المصريون فلما أتوا على ذي المروة إذا هم بمولى لعمر بن الخطاب ﵁ باسط سفرته عليها طعام؛ فدعا القوم إليها، فنزل بعض وسار بعض، وكان المولى من صوافي أهل المدينة، فإذا على السفرة شنّة (١) بالية فيها رأس طومار فنظروا إلى الطّومار فقالوا: ما في هذا الكتاب؟ فحلف بالله ما أدري ما فيه، فنظروا فيه فإذا هم بكتاب من عثمان ﵁ إلى عامله على مصر: إذا أتاك القوم فافعل وافعل. فأخذوا الطومار وقالوا:
الحمد لله الذي أظهر نيته وأظهر منه ما كان يخفي، ارجعوا أيها القوم، فرجعوا فأحاطوا بالدار وائتمروا بقتله، وذكروا الكتاب.
فقال شيعة علي ﵁: هو عمل عثمان، وقال شيعة عثمان ﵁: هو عمل عليّ وأصحابه. قال: فأرسل عليّ ﵁ إليه: إنّ معي خمسمائة دارع فأذن لي فأمنعك من القوم؛ فإنك لم تحدث شيئا بعد التّوبة يستحلّ به (٢) دمك. فقال: جزيت خيرا؛ ما أحبّ أن يهراق دم بسببي. قال: وأرسل إليه الزّبير بن العوام ﵁ بمثلها. فقال: ما أحبّ أن يهراق دم في سببي.
* حدثنا عثمان بن عبد الوهاب قال، حدثنا معمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى ابن أسيد قال: رجع
стр. 1154
المصريون راضين، فبينما هم بالطريق إذا هم براكب يتعرّض لهم ثم يفارقهم ويسبقهم. فقالوا له: مالك إن لك لأمرا، ما شأنك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتّشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان ﵁، عليه خاتمه، إلى عامله أن يقتّلهم، أو يصلّبهم، أو يقطّع أيديهم وأرجلهم. فأقبلوا حتى أتوا المدينة، فأتوا عليّا ﵁ فقالوا له: ألم تر إلى عدوّ الله!! إنه كتب فينا بكذا وكذا، وإنّ الله قد أحلّ دمه، قم معنا إليه.
قال: لا والله ما أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: لا والله ما كتبت إليكم بكتاب قطّ. قال: فنظر بعضهم إلى بعض. ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون أم لهذا تغضبون؟! قال: فانطلق فخرج من المدينة إلى قرية، وانطلقوا حتى دخلوا على عثمان ﵁ فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا؟ قال: إنما هما اثنتان؛ أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقال: قد تعلمون أنّ الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم. فقالوا: قد والله أحلّ الله دمك، ونقض العهد والميثاق (١).
* حدثنا علي بن محمد، عن أبي مخنف، عن محمد بن يوسف، عن عبد الرحمن بن جندب قال: رجعوا راضين، فلما كانوا بأيلة (٢) لحقهم غلام لعثمان ﵁ يقال له يحنّة،
стр. 1155
فقالوا: من أنت؟ قال: غلام لعثمان. قالوا أين تريد؟ قال: مصر.
فاستنزلوه فلم يجدوا معه شيئا في متاعه، فقال كنانة بن بشر:
انظروا في إداوته. فنظروا في الإداوة فإذا فيها قارورة قد شدّ رأسها بأدم فيها كتاب عليه خاتم من رصاص، فقرأوا الكتاب فإذا هو:
من عثمان إلى ابن أبي سرح؛ إذا قدم عليك أهل مصر فاقتل عبد الرحمن ابن عديس واصلبه، واقطع يد عروة بن شييم، وأبي عمرو بن بديل بن ورقاء، وكنانة بن بشر. فأخذوا الكتاب ورجعوا إلى المدينة ومعهم غلام عثمان، فأتوا عليّا فقالوا: إنك ضمنت لنا ضمانا وكتبت بيننا وبين هذا الرجل كتابا، ثم تعقّبنا بما ترى!! وانطلق عليّ ﵁ بالكتاب إلى عثمان، فقال عثمان: والله ما كتبته، ولا أمرت به، ولا علمته، ولا سرّحت رسولي. قال: فمن تتّهم؟ قال: ما أبرى أحدا، وإن للناس تحيّلا. فقالت بنو أمية لعليّ ﵁: أنت قد صنعت هذا بنا، وألّبت الناس علينا. قال: والله ما فعلت، وقد ترون من يصنعه (١).
* حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن سعيد مولى ابن أسيد قال:
رجع القوم راضين حتى إذا كنّا بذي الحليفة إذا رجل على راحلة لعثمان ﵁، فقالوا: ما جاء بهذا إلا أمر، ففتّشوه فإذا كتاب إلى عامله أن يضرب أعناقهم. فرجعوا فشتموه وأخرجوا الكتاب، وقالوا هذا كتاب كاتبك. فقال: كاتبي يكتب ما شاء. قالوا:
стр. 1156
فهذا خاتمك. قال: خاتمي في يد كاتبي. قالوا: هذه راحلتك.
قال راحلتي يركبها من شاء. قالوا: فهذا غلامك. قال: غلامي يذهب حيث شاء. ثم قال: أي قوم، ارجعوا فوالله ما كتبتها ولا أمليتها. فقال الأشتر: أي قوم، والله إني لأسمع حلف رجل قد مكر به فيكم، فقال له رجل: انتفخ سحرك (يا أشتر - أو يا مالك (١) قال: فأقاموا حتى قتلوه (٢).
* حدثنا علي بن محمد، عن بشير بن عاصم، عن ابن أبي ليلى قال: قدم أهل مصر على عثمان ﵁ وقد نقموا عليه أشياء فأعتبهم، فرجعوا راضين، فلحقهم غلام لعثمان في الطريق معه كتاب إلى ابن أبي سرح يأمره فيه بقتلهم، فأخذوه ثم رجعوا إلى المدينة، وبلغ أهل مصر فأخرجوا ابن أبي سرح من مصر فألحقوه بفلسطين، وبلغ أهل الكوفة رجوع أهل مصر الثانية، فخرج الأشتر في مائتين من أهل الكوفة، وبلغ أهل البصرة فخرج حكيم ابن جبلة في مائة، فتوافوا بالمدينة فحصروا عثمان ﵁ (٣).
حدثنا علي بن محمد، عن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن مكحول قال: أصاب المصريّون غلاما لعثمان ﵁ يقال له وريس على جمل لعثمان، فأخذوه ومعه كتاب إلى ابن أبي سرح، فاحتبسوا الغلام وكتبوا إلى أهل مصر يخبرونهم أنهم
стр. 1157
يريدون الرّجعة إلى المدينة، ويأمرونهم بإخراج ابن أبي سرح، فأخرجوه إلى فلسطين. وسار الآخرون إلى المدينة فأتوا عثمان ﵁ بالكتاب، فحلف بالله ما كتبه ولا أمر به، فلم يصدّقوه، وحصروه أربعين يوما.
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، أنبأنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عبد الله بن سعد القرشي أمّره عثمان ﵁ على مصر، فخرج إلى عثمان ﵁ وافدا حين تكلّم الناس في عثمان ﵁، فقام الخارجة الذين خرجوا على عثمان ﵁ من أهل مصر - وابن سعد عنده - فكان ابن أبي حذيفة قد انتزى بمصر بعد ابن سعد فخلع حليفه ابن سعد، واستولى على مصر، فبعث عثمان ﵁ عبد الله بن سعد إلى مصر وقال: أرضهم فإنّهم جندك. فلمّا بلغ جسر القلزم وجد بها خيلا لابن أبي حذيفة فمنعوه أن يدخل، فقال: ويحكم؛ دعوني أدخل على جندي فأعلمهم ما جئتهم به؛ فإني قد جئتهم بخير، فأبوا أن يدعوه، فقال: والله لوددت أني دخلت عليهم فأعلمتهم ما جئت به ثم متّ، فانصرف إلى عسقلان، وكره أن يرجع إلى عثمان ﵁، وقتل عثمان ﵁ وهو بعسقلان. ونزا معاوية ﵁ لأهل الشام، فكره ابن سعد أن يبايع معاوية وقال: ما كنت لأبايع رجلا أعرف أنه يهوى قتل عثمان ﵁. قال: فمرض ابن سعد عند ذلك، فلما كانت الليلة التي توفي فيها جعل يقول لابن عمّه عند الصبح: يا هشام بن كنانة، قم فانظر هل أصبحنا بعد؟ فخرج هشام فنظر ثم رجع
стр. 1158
إليه فقال: لم نصبح. فجعل ابن سعد يقول: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصّبح. يا هشام قم فانظر هل أصبحت. فخرج فنظر فقال له: كأني أرى الصبح. فصلى الصبح ثم مال فمات. قال يزيد:
كان ابن أبي حذيفة ربما كتب الكتاب على لسان أمّهات المؤمنين من التّحريض على عثمان، ويبعث به مع الرجل، فيأتي ذلك الرجل بعد أيام وعليه هيئة السفر، فيأخذ ابن أبي حذيفة منه الكتاب فيقرأه على الناس، فكان يحرّض بذلك على عثمان ﵁.
* حدثنا عفان بن مسلم قال، حدثنا حصين بن نمير أبو محصن قال، حدثنا حصين بن عبد الرحمن قال، حدثني جهيم قال: بينا هم في بعض الطريق إذ مرّ بهم راكب فاتّهموه ففتّشوه فوجدوا معه كتابا في إداوة إلى عامله: أن خذ فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم. فرجعوا فبدأوا بعليّ ﵁ فسألوه، فجاء معهم إلى عثمان ﵁، فقالوا: هذا كتابك، وهذا خاتمك؟ قال: والله ما كتبت، ولا أمرت، ولا علمت، قالوا: فمن يكن؟ - قال أبو محصن: تتّهم - قال: أظنّ كاتبي غدر، أو أظنّك به يا عليّ. قال عليّ: فلم تظنّني؟ قال: لأنّك مطاع في القوم فلم تردّهم عني. قال: فأتى القوم وألحّوا عليه حتى حصروه.
* حدثنا عمرو بن الحباب قال، حدثنا عبد الملك بن هارون ابن عنترة، عن أبيه، عن جدّه قال: لما كان من أمر عثمان ﵁ ما كان، قدم قوم من مصر معهم صحيفة صغيرة الطّيّ، فأتوا عليّا ﵁ فقالوا: إن هذا الرجل قد غيّر وبدّل؛ ولم يسر مسيرة صاحبيه، وكتب هذا الكتاب إلى عامله بمصر:
стр. 1159
أن خذ مال فلان، واقتل فلانا، وسيّر فلانا، فأخذ عليّ الصحيفة فأدخلها على عثمان فقال: أتعرف هذا الكتاب؟ فقال: إني لأعرف الخاتم، فقال: اكسرها فكسرها. فلما قرأها قال: لعن الله من كتبه ومن أملاه. فقال له عليّ ﵁: أتتّهم أحدا من أهل بيتك؟ قال: نعم. قال: من تتّهم؟ قال: أنت أوّل من أتّهم، قال: فغضب عليّ ﵁ فقام وقال: والله لا أعينك ولا أعين عليك حتى ألتقي أنا وأنت عند ربّ العالمين.
* حدثنا علي بن محمد، عن الوقاص، عن إبراهيم بن محمد ابن سعد، عن أبيه قال: رجع أهل مصر إلى المدينة قبل أن يصلوا إلى بلادهم، فنزلوا ذا المروة في آخر شوّال، وبعثوا إلى علي ﵁: إن عثمان ﵁ كان أعتبنا، ثم كتب يأمر بقتلنا، وبعثوا بالكتاب إلى عليّ ﵁، فدخل عليّ ﵁ على عثمان ﵁ بالكتاب فقال: ما هذا يا عثمان؟ فقال: الخطّ خطّ كاتبي، والخاتم خاتمي، ولا والله ما أمرت ولا علمت. قال:
فمن تتّهم؟ قال: أتّهمك وكاتبي. فغضب عليّ ﵁ وقال:
والله لا أردّ عنك أحدا أبدا.
* حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أسد بن موسى، عن أبي لهيعة قال، حدثنا يزيد بن أبي حبيب قال: كان الركب الذين ساروا إلى عثمان ﵁ فقتلوه من أهل مصر ستمائة رجل، وكان عليهم عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وكان ممّن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة (١).
стр. 1160
* حدثنا إبراهيم بن (المنذر (١) قال حدثنا … (٢) عبد الله ابن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافريّ، أنه سمع أبا ثور التميمي قال: قدمت على عثمان بن عفان ﵁ فبينما أنا عنده خرجت فإذا أنا بوفد أهل مصر، فرجعت إلى عثمان بن عفان ﵁ فقلت: أرى وفد أهل مصر قد رجعوا؛ خمسين عليهم ابن عديس، قال: وكيف رأيتهم؟ قلت: رأيت قوما في وجوههم الشر. قال: فطلع ابن عديس منبر رسول الله ﷺ فخطب الناس وصلّى لأهل المدينة الجمعة، وقال في خطبته: ألا إنّ ابن مسعود حدّثني أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: إنّ عثمان بن عفان كذا وكذا، وتكلّم بكلمة أكره ذكرها، فدخلت على عثمان ﵁ وهو محصور فحدثته أن ابن عديس صلّى بهم. فسألني ماذا قال لهم (٣)؟ فأخبرته، فقال:
كذب والله ابن عديس ما سمعها من ابن مسعود، ولا سمعها ابن مسعود من رسول الله ﷺ قط، ولقد اختبأت عند ربي عشرا، فلولا ما ذكر ما ذكرت؛ إني لرابع أربعة في الإسلام، (وجهّزت جيش العسرة (٤)، ولقد ائتمني رسول الله ﷺ على ابنته، ثم توفّيت فأنكحني الأخرى، والله ما زنيت، ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تعنّيت، ولا تمنّيت، ولا