﵁ قال: إنما سميت «ثنية الوداع»، لأن رسول الله ﷺ أقبل من خيبر ومعه المسلمون قد نكحوا النساء نكاح المتعة، فلما كان بالمدينة قال لهم: دعوا ما في أيديكم من نساء المتعة. فأرسلوهن، فسميت «ثنية الوداع».
(ذكر دار هشام بن عبد الملك التي كان بنى، وقصر خل (١)، وقصر بني جديلة)
قال أبو غسان: كان الذي هاج هشام بن عبد الملك على بناء داره التي كانت بالسوق، أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل كان خال هشام بن عبد الملك، وكان ولاّه المدينة، فكتب إليه إبراهيم فذكر أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ بنى دارين بسوق المدينة، يقال لإحداهما «دار القطران» والأخرى «دار النقصان» وضرب عليهما الخراج، وأشار (٢) عليه أن يبني دارا يدخل فيها سوق المدينة، فقبل ذلك هشام وبناها، وأخذ بها السوق كلّه.
وجعل لها بابا شاميّا خلف شاميّ زاوية دار عمر بن عبد العزيز بالثنيّة ثم جعل بينها وبين دار عمر بن عبد العزيز عرضا ثلاث أذرع، ثم وضع جدارا آخر وجاه هذا الجدار، ثم زاد الأساس بينه وبين الدّور كلها ثلاثة أذرع، حتى الزقاق الذي يقال له زقاق ابن حبين، جعل عليه بابا، وجعل على الزقاق - الذي يقال له زقاق بني ضمرة، عند دار آل أبي ذئب - بابا، ثم جعل على الزّوراء خاتم البلاط (بابا) (٣)، ثم مدّ الجدار حتى جاء به على طيقان دار القطران الأخرى الغربي،
стр. 282
حتى جاء بها إلى دار ابن سباع بالمصلى التي هي اليوم لخالصة، فوضع ثمّ بابا، ثم بنى ذلك كله بيوتا، فجعل فيه الأسواق كلّها، فكان الذي ولّى ابن هشام سعد بن عمرو الزرقيّ من الأنصار، فتمّ بناؤها إلا شيئا من بابها الذي بالمصلى، ونقلت أبوابها إليها معمولة من الشام، وأكثرها من البلقاء، فلم تزل على ذلك حياة هشام ابن عبد الملك، وفيها التّجّار، فيؤخذ منهم الكراء حتى توفّي هشام فقدم بوفاته ابن مكدم (١) الثقفي، فلما استوى على رأس ثنية الوداع صاح: «مات الأحول، واستخلف أمير المؤمنين الوليد بن يزيد». فلما دخل دار هشام تلك، صاح به الناس ما تقول في الدار؟ قال: اهدموها. فوقع الناس فهدموها، وانتهبت أبوابها وخشبها وجريدها، فلم يمض ثالثة حتى وضعت إلى الأرض، فقال أبو معروف، أحد بني عمرو بن تميم.
ما كان في هدم دار السّوق إذ هدمت … سوق المدينة من ظلم ولا حيف
قام الرّجال عليها يضربون معا … ضربا يفرّق بين السّور والنّجف (٢)
ينحطّ منها ويهوي من مناكبها … صخر تقلّب في الأسواق كالحلف
وأما قصر خلّ الذي بظاهر الحرّة على طريق دومة فإن معاوية ابن أبي سفيان ﵁ أمر النعمان بن بشير ﵄ ببنائه، ليكون حصنا لأهل المدينة. ويقال: بل أمر به معاوية مروان بن الحكم وهو بالمدينة، فولاّه مروان النعمان بن بشير، وفيه
стр. 283
حجر منقوش فيه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، مما عمل النعمان ابن بشير، وإنما سمّي قصر خل لأنه على الطريق، وكل طريق في حرّة أو رمل يقال له الخل (١).
وأما قصر بني جديلة، فإن معاوية بن أبي سفيان ﵄، إنما بناه ليكون حصنا، وله بابان: باب شارع على خط بني جديلة، وباب في الزاوية الشرقية اليمانية، عند دار محمد بن طلحة التّيميّ، وهو اليوم لعبد الله بن مالك الخزاعي قطيعة. وكان الذي ولي بناءه لمعاوية الطّفيل بن أبي كعب الأنصاري، وفي وسطه بيرحاء.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا العطاف بن خالد قال: كان حسان بن ثابت ﵁ يجلس في أطمه «فارع» ويجلس معه أصحاب له، ويضع لهم بساطا يجلسون عليه، فقال يوما، وهو يرى كثرة من يأتي رسول الله ﷺ من العرب يسلمون.
أرى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد (٢)
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: من لي من أصحاب البساط؟ فقال صفوان بن المعطّل: أنا لك يا رسول الله منهم. فخرج
стр. 284
إليهم واخترط سيفه، فلما رأوه مقبلا عرفوا في وجهه الشّر، ففروا وتبدّدوا، وأدرك حسانا داخلا بيته، فضربه، فغلّق بيته. فضربه ففلق أليتيه، فبلغني أن النبي ﷺ عوّضه وأعطاه حائطا فباعه من معاوية بن أبي سفيان ﵄ بعد ذلك بمال كثير فبناه معاوية بن أبي سفيان ﵁ قصرا، وهو الذي يقال له بالمدينة «قصر الداريين».
(ما جاء فيما يخرج أهل المدينة منها)
حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن ابن شقيق، عن رجاء بن أبي رجاء الباهلي قال: دخل محجن (١) المسجد فرأى بريدة (٢) ﵁ عند باب المسجد، فقال: مالك لا تصلّي كما يصلي سكبة (٣) - رجل من خزاعة - قال شعبة: يمازحه - فقال: «إن
стр. 285
رسول الله ﷺ أخذ بيدي فصعدنا أحدا فلما أشرف على المدينة قال: «ويح أمها قرية (١)؛ يدعها أهلها كخير ما تكون» - أو كأعمر ما تكون - ثم نزلنا فأتينا المسجد، فرأى رجلا يصلي فقال: من هذا؟ فقلت: فلان، هذا كذا وكذا، فأثنيت عليه، قال: لا يسمعه فيهلكه، فلما دنا من حجر نسائه نزع من يدي وقال:
«انّ خير دينكم أيسره».
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا كهمس، عن عبد الله بن شقيق (٢)، عن محجن بن الأدرع قال: بعثني النبي ﷺ لحاجة، ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة فأخذ بيدي (فانطلقنا (٣) حتى أتينا أحدا، ثم أقبل على المدينة فقال لها قولا، فكان فيما قال لها: «ويل أمها قرية؛ يوم يدعها أهلها كأينع ما تكون» قلت: يا رسول الله، من يأكل ثمرها؟ قال: «عافية الطير والسباع».
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حمّاد بن سلمة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الأدرع قال:
стр. 286
بعثني النبي ﷺ إلى حاشي المدينة في حاجة، فلما جئت ذهبت معه حتى صعد أحدا، فأشرف على المدينة فقال: ويل أمك من قرية؛ كيف يدعك أهلك وأنت خير ما تكونين؟! حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس اليشكري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال:
إني لأمشي مع عمران بن حصين ﵁، فانتهينا إلى مسجد البصرة، فإذا بريدة ﵁ جالس فيه، و «سكبة» - رجل من أصحاب النبي ﷺ قائم يصلي الضحى، فقال: بريدة ﵁: يا عمران، أما تستطيع أن تصلي كما يصلي سكبة؟ وإنما يقول ذلك كأنه يعنيه به، قال: فسكت عمران ومضينا، فقال عمران ﵁: إني لأمشي مع رسول الله ﷺ إذا استقبلنا أحد فصعدنا عليه، وأشرف على المدينة فقال ﷺ : «ويل أمّها من قرية؛ يتركها أهلها أحسن ما كانت!! - حتى قالها ثلاثا - يأتيها الدّجال فلا يستطيع أن يدخلها، يجد على كل فجّ منها ملكا مصلتا السيف قال: ثم نزلنا، فأتينا المسجد، فإذا برجل يصلي فقال: من هذا؟ فقلت فلان، ومن أمر (١)، فجعلت أثني عليه، فقال:
لا تسمعه فتقطع ظهره. قال: ثم رفع يدي فقال: إن (خير (٢) دينكم أيسره.
стр. 287
حدثنا عبد الله بن نافع الزبيري قال، حدثنا مالك بن أنس، عن يوسف بن يونس بن حماس، عن عمه، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب والذئب فيغدي (١) على سواري المسجد - أو على المنبر - فقالوا: يا رسول الله، فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: للعوافي: الطير والسباع.
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:
لتتركنها مذلّلة أحسن ما كانت للطير والهوام.
حدثنا ميمون بن الأصبع قال، حدثنا الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي (٢) حمزة، عن الزهري، قال، أخبرني سعيد ابن المسيب: أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول تتركون المدينة على خير ما كانت، مذلّلة، لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع - وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحوشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما (٣).
стр. 288
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي، عن عيسى ابن المغيرة، وعثمان بن طلحة قالا، حدثنا ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد مولى عمرو بن خراش، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال «المدينة يخرج منها أهلها خير ما كانت». فقال أبو الوليد: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يردّ عليه.
قال محمد بن مساحق بن عمرو بن خراش: أنه كان جالسا عند ابن عمر ﵄، فجاء أبو هريرة ﵁ فقال:
لم تردّ عليّ، فو الله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي ﷺ : «يخرج منها أهلها خير ما كانت»؟ فقال ابن عمر ﵄: أجل، قد كنت أنا وأنت في بيت ولكن لم يقله (١)، إنما قال: «أعمر ما كانت»، ولو قال «خير ما كانت»، لكان ذلك وهو حيّ وأصحابه. فقال أبو هريرة ﵁ صدقت، والذي نفسي بيده (٢).
حدثنا أبو داود قال، حدثنا حرب، وأبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير قال، حدثني أبو جعفر: أن أبا هريرة ﵁ قال: ليخرجن أهل المدينة من المدينة خير ما كانت،
стр. 289
نصفا زهوا، ونصفا رطبا. قيل: من يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال أمراء السوء (١).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن أبي المهزم (٢) قال، سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: ليدعن أهل المدينة المدينة وهي خير ما كانت، مرطبة مونعة قيل: فمن يأكلها؟ قال: الطير والسباع.
حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب (٣)، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة ﵁ قال: يدع أهل المدينة المدينة والنخل مرطب (٤).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة ﵁ قال: ليجيئن الثعلب حتى يقيل في ظلّ المنبر ثم يروح، لا ينهنهه أحد (٥).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن عطاء ابن السائب عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة ﵁ قال:
стр. 290
آخر من يحشر رجلان: رجل من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المسجد فلا يريان إلا الثّعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس (١).
حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا عمران القطان، عن يزيد بن سفيان، عن أبي هريرة ﵁ قال: لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربض على منبر رسول الله ﷺ لا ينهنهه أحد (٢).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة ﵁ قال: يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة ويبقرون بطون (النساء (٣) ويقولون للحبلى في البطن: اقتلوا صبابة السوء، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم، فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم. قال أبو المهزم: فلما جاء جيش (حبيش (٤) بن دلجة قلنا: هم، فلم يكونوا هم.
стр. 291
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: والذي نفسي بيده، ليكونن بالمدينة ملحمة يقال لها «الحالقة»، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد (١).
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث البكري، عن حبيب بن حماد، عن أبي ذرّ ﵁ قال:
كنا مع النبي ﷺ في سفر، فنزل منزلا، فتعجّل ناس من أصحابه إلى المدينة، فتفقّدهم، فقلنا: تعجّلوا إلى المدينة. فقال:
ليتركنّها أحسن ما كانت! ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق، يضيء لها أعناق الإبل ببصرى كضوء النهار (٢).
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد ﵄:
أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁:
стр. 292
أن رسول الله ﷺ قال: ليخرجنّ أهل المدينة من المدينة ثم ليعودنّ إليها، ثم ليخرجنّ منها ثم لا يعودون إليها، وليدعنّها وهي خير ما تكون مونعة (١). قيل: فمن يأكلها؟ قال: الطير والسباع.
حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني عدي ابن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فأخبرنا بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، غير أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة (٢)؟ حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن حاتم بن أبي كريب، عن كثير بن مرّة، عن عوف بن مالك ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد ثم نظر إلينا فقال: أم والله لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي ..
أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع (٣).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبان بن يزيد، عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - قال، ذكر لي عن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أم والله يا أهل المدينة لتتركنها قبل يوم القيامة أربعين - وقال كعب:
стр. 293
ستخرب الأرض قبل الشام أربعين سنة -، وليهاجرن الرعد والبرق إلى الشام حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا ما بين العريش والفرات، قال: فظننا أنها أربعون سنة.
حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو اليمان الحكم ابن نافع، عن صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: أن رسول الله ﷺ قال: ليتركن المدينة أهلها، وإنها لمرطبة لا يأكلها إلا العوافي؛ الطير والسباع.
قال، وحدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد الله: أنه قرأ كتابا لكعب وليغشينّ أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذلّلة حتي يبول السّنانير على قطائف الخزّ، ما يروّعها شيء وحتى يخرق الثعالب في أسواقها ما يروّعها شيء (١).
حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي قال، أخبرني فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد قال: آخر الناس محشرا رجلان من مزينة، يفقدان الناس فيقول أحدهما لصاحبه:
قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخص من بني فلان.
فينطلقان، فلا يجدان بها أحدا. ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة فينطلقان، فلا يجدان بها أحداثهم يقول: انطلق بنا إلى منازل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السّباع والثعالب، فيوجهان نحو البيت الحرام (٢).
стр. 294
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال، قال أبو هريرة ﵁:
ليأتين على هذا المنبر يوم يستظل في ظله - أراه قال «الثعلب» - لا يروعه أحد من الناس (١).
وقال: إن رسول الله ﷺ قال: ليدعن أهل المدينة المدينة مرطبة قالوا: يا رسول الله، من يأكله؟ قال: السباع والطير (٢).
حدثنا سليم بن أحمد قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أنه سمع عمر بن الخطاب على المنبر يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها، فيعمرونها حتى تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا (٣).
قال جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: لينزلن راكب في جنب وادي المدينة فيقول: كان في هذه حاضر من المؤمنين كثير (٤).
(ما قيل في المدينة من الشعر يتشوق إليها وغير ذلك)
قال عبد الله بن عامر بن كريز، وركب البحر غائبا، فاشتاق رفيق له إلى المدينة فقال:
стр. 295
بكى صاحبي لما رأى الفلك قد مضت … تهادى بنا فوق ذي لجج خضر
وحنّ إلى أهل المدينة حنّه … لمصر وهيهات المدينة من مصر
فقلت له لا تبك عينك إنما … تقرّ قرارا من جهنم في البحر
وقال نفيلة بن المنهال الأشعار، وكان ممن شهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص ﵁ ومن الناس من يقول بقيلة - وقد وجدت هذه القصيدة في بعض الكتب تنسب إلى أبي المنهال الأشجعي (١) الأصغر، وزاد فيها أبياتا في أولها وفي أحقافها فما زاد في أولها:
أرقت وغاب عنّي من يلوم … ولكن لم أنم أنا والهموم
كأنّي من تذكّر ما ألاقي … إذا ما أظلم اللّيل البهيم
سقيم ملّ منه أقربوه … وأسلمه المداوي والحميم
هذه الزيادة، فأما الصحيح فقوله:
ولما (أن (٢) دنا منّا ارتحال … وقرّب ناجيات (٣) السير كوم (٤)
تحاسر واضحات اللّون زهر … على ديباج أوجهها النّعيم
وقائلة ومثنية علينا … تقول وما لها فينا حميم
متى تر غفلة الواشين عنها … تجد بدموعها العين السّجوم
стр. 296
تعدّ لنا الشهور (١) وتحتصيها … متى هو حائن منه قدوم
فإن يكتب لنا الرّحمن أوبا … ويقدر ذلك الملك الحكيم
فكم من حرّة بين المنقّي … إلى أحد إلى ما حاز ريم (٢)
إلى الجمّاء من خدّ أسيل … نقيّ اللّون ليس به كلوم (٣)
ومن الزيادة:
أتين مودّعات والمطايا … لدى أكوارها خوص (٤) هجوم (٥)
مشيّعة الفؤاد ترى هواها … وقرّة عينها فيمن يقيم
وأخرى لبّها معنا ولكن … تصبّر فهي واجمة كظوم (٦)
стр. 297
حدثني هارون بن عبد الله قال، أنشدني ابن ثابت قول ابن أبي عاصية السّلمي، يتشوّق إلى المدينة وهو باليمن عند معن ابن زائدة.
أهل ناظر من خلف غمدان مبصر … ذرى أحد رمت المدى المتراخيا
فلو أنّ داء اليأس بي وأعانني … طبيب بأرواح العقيق شفانيا
قال ابن أبي ثابت: يعني إلياس بن مضر، كان أصابه السّلّ، فكانت العرب تدعو السّل «داء إلياس».
قال أبو يحيى، وقال ابن أبي عاصية يتشوّق إلى المدينة، وهو بالعراق:
تطاول ليلي بالعراق ولم يكن … عليّ بأكناف الحجاز يطول
فهل لي إلى أرض الحجاز ومن به … بعاقبة قبل الفوات سبيل
فتشفى حزازات وتنقع أنفس … ويشفى جوى بين الضّلوع دخيل
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل … فريح الصبا مني إليك رسول
قال أبو يحيى، حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز قال، قال عبد الملك بن مروان لفتى من فتيانهم: أتجدك تشتاق المدينة؟ قال: لا. قال: أم والله لو حبست في مؤخّر المسجد بعد عتمة في ليلة مقمرة من ليالي الصّيف، قد توسّدت طرف ردائك مع لمّة أصحابك ينازعونك الحديث، لاشتقتها.
حدثني عيسى بن عبد الله قال، لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى المدينة:
محرّمكم ديوانكم وعطاؤكم … به يكتب الكتاب والكتب تطبع
стр. 298
ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي … بأن سماء الضرّ عنكم ستقلع (١)
وقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص لأبان - وكان نازلا بأيلة - يعيب عليه نزوله بأيلة وتركه النزول بالمدينة:
أتركت طيبة رغبة عن أهلها … ونزلت منتبذا بدير القعنذ
فقال أبان:
أنزلت أرضا برّها كترابها … والفقر مضربه بقصر الجنبذ
حدثني أبو غسان قال: أصاب الناس مرض بالمدينة، فخرجت أعرابية بولدها وجعلت تقول:
[يا ربّ باعد عنّي من ضرار] (٢) … من مسجد الرّسول ذي المنار
قال وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محرز بن جعفر قال: وفد حسان بن ثابت ﵁ على الحارث بن عمرو ابن أبي شمر فأكرمه وحباه وأصاب عيشا فقال:
يغدى عليّ بإبريق ومسمعة … إنّ الحجاز حليف الجوع والبؤس
قال، وحدثني عبد العزيز بن عمران قال: قدم لبيد إلى المدينة، فأقام بها سنة في بني النضير، فخرج كأنه نصل قدح، فقال له بنو جعفر: يا لبيد، خرجت من عندنا كالجمل الحجون ورجعت إلينا كالقدح السفون فأنشأ يقول:
يقول بنو أم البنين، وقد بدا … لهم زور جنبي من قميصي ومن جلدي
دفعناك في أرض الحجاز كأنما … دفعناك فحلا فوقه قزع اللّبد
стр. 299
فصافحت حمّاه وداء ضلوعه … وخالطت عيشا مسّه طرف الحصد
فأبت ولم نعرفك إلا توهّما … كأنك نضو من مزينة أو نهد
حدثني مصعب بن عبد الله بن مصعب قال، قالت امرأة لجبهاء (١) الأشجعي: يا جبهاء، انطلق بنا ننزل المدينة حتى تفرض وتقيم بها. فأقبل بولده وبإبله ليبيعها ويقدم المدينة، فلما أوفى على الحرّة (٢) وأشرف على المدينة تذكرت إبله أوطانها فكرّت راجعة، فجعل يدوّرها نحو المدينة وتأبى، فأقبل على امرأته فقال:
ما جعل هذه الإبل أنزع إلى أوطانها منّا؟ ونحن أحق بالحنين منها - أنت طالق إن لم ترجعي، وفعل الله بك وردّها (٣) ثم خلف بأقتابها يزجرها نحو نحو بلاده وأنشأ يقول:
قالت أنيسة بع بلادك والتمس … دارا بيثرب ربّة الأجسام
تكتب عيالك في العطاء وتفترض … وكذلك يفعل حازم الأقوام
فهممت ثم ذكرت ليل لقاحنا … بلوى عنيزة أو بقف بشام
إذ هنّ عن حسبي مذاود كلما … نزل الظلام بعصبة أعتام
إنّ المدينة، لا مدينة، فالزمي … حقف الستار وقبة الأرحام
يجلب لك اللبن الغريض وينتزع … بالعيس من يمن إليك وشام
стр. 300
حدثني أحمد بن معاوية، عن رجل من قريش، عن ابن غزية قال: كانت لبني قينقاع سوق في الجاهلية تقوم في السنة مرارا، وكانت عند مسجد الذبح (١) إلى الآطام التي خلف النخل، فهبط إليها نابغة بني ذبيان يريدها، فأدرك الربيع بن أبي حقيق هابطا من قريته يريدها، فتسايرا، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقا عظيمة يتفاخر الناس بها، ويتناشدون الأشعار، فحاصت ناقة النابغة حين سمعت الصوت، فزجرها وأنشأ يقول:
كادت تهد من الأصوات راحلتي ..
أجز يا ربيع. فقال:
والثّغر منها إذا ما أوجست خلق فقال النابغة:
لولا أنهنهها بالسّوط لانتزعت ..
أجز يا ربيع. فقال:
مني الزمام وإني راكب لبق فقال النابغة:
قد ملّت الحبس بالآطام واشتعفت أجز يا ربيع. فقال:
تريغ أوطانها لو أنها علق فقال: لا تعجل، تهبط السوق وتلقى أهلها، فإنك ستسمع شعرا لا تقدّم عليه شعرا. فقال: شعر من؟ قال: حسان بن ثابت.
стр. 301
قال: فقدم النابغة السوق، فنزل عن راحلته، وجثا على ركبتيه، واعتمد على يديه وأنشد:
عرفت منازلا بعريقنات (١) … فأعلى الجزع للحيّ المبنّ (٢)
قال حسان: فقلت في نفسي: هلك الشيخ؛ ركب قافية صعبة قال: فو الله ما زال يحسن حتى أتى على آخرها، ثم نادى:
ألا رجل ينشد؟ قال: فتقدم قيس بن الخطيم (٣) بين يديه فأنشد:
أتعرف رسما كاطّراد المذاهب … لعمرة وحشا غير موقف راكب (٤)
حتى أتى على آخرها، فقال له النابغة: أنت أشعر الناس يا ابن أخي قال حسان: فدخلني بعض الفرق، وأني لأجد على ذلك في نفسي قوة، فتقدمت، فجلست بين يديه فقال: أنشد فو الله إنك لشاعر قبل أن تتكلم. فأنشدته:
стр. 302
أسألت رسم الدّار أم لم تسأل … (بين الجوابي فالبضيع فحومل (١)
فقال: حسبك يا ابن أخي.
وفي اجتماع حسّان والنابغة غير حديث، منها: أن الاصمعي ذكر فيما حدثني عنه من أثق به: أنه كان يضرب للنابغة بسوق عكاظ قبة، فيجتمع إليه الشعراء فيها، فخرج إليه حسان والأعشى وخنساء بنت عمرو بن الشريد، فأنشدوه أشعارهم، فلما أنشدته خنساء:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به … كأنّه علم في رأسه نار
قال: يا خنيس، والله لولا أنّ أبا بصير أنشدني آنفا لقلت:
«إني لم أسمع مثل شعرك» وما بها ذات مثانة (٢) أشعر منك. قالت:
لا والله، ولا ذو خصيين، فغضب حسّان. فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة: يا ابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول:
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي … وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
حدثني هارون بن عبد الله قال، أخبرني يوسف بن عبد العزيز الماجشون، عن أبيه قال: قال حسان بن ثابت ﵁: أتيت جبلة بن الأيهم الغسّاني وقد مدحته، فأذن لي عليه، وعن يمينه رجل
стр. 303
ذو ضفيرتين، وهو النابغة، وعن يساره رجل لا أعرفه، فجلست بين يديه فقال: أتعرف هذين؟ فقلت: أما هذا فأعرفه؛ هو النابغة، وأما هذا فلا أعرفه. فقال: هو علقمة بن عبدة (١)، إن شئت استنشدتهما وسمعت، وإن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، وإن أحببت سكتّ. قال قلت: وذاك:، فاستنشد النابغة، فأنشده:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب (٢)
قال: فذهب يصغي. ثم قال لعلقمة: أنشد، فأنشد:
طحا بك قلب في الحسان طروب … بعيد الشّباب عصر حان مشيب (٣)
قال: فذهب يصغي (إلى) (٤) الآخر. ثم قال لي: أنت الآن أعلم، إن أحببت أن تنشدنا بعد ما سمعت فأنشد، وإن أحببت أن تمسك فأمسك. قال: فتشددت وقلت: لأنشد قال: هات، فأنشدته القصيدة التي أقول فيها:
أبناء جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السّواد المقبل
стр. 304
بيض الوجوه كريمة أحسابهم … شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل (١)
قال: أدنه، أدنه، لعمري ما أنت بدونهما، ثم أمر لي بثلاثمائة دينار وبعشرة أقمصة لها جيب واحد، وقال: هذا لك عندنا في كل عام.
قال محمد بن عبد الملك الفقعسي، من بني أسد بن خزيمة:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بسلع، ولم تغلق عليّ دروب
وهل أحد باد لنا، وكأنّه … حصان أمام المقربات جنيب
يخبّ السّراب الضّحل بيني وبينه … فيبدو لعيني تارة ويغيب
فإنّ شفائي نظرة إن نظرتها … إلى أحد والحرّتان قريب
وإني لأرعى النّجم حتى كأنّني … على كلّ نجم في السّماء رقيب (٢)
وأشتاق للبرق اليمانيّ إن بدا … وأزداد شوقا أن تهبّ جنوب
كان ابن نمير الحضرمي شاعرا مسنّا، وكان نازلا ببلاد قومه، ثم نزل المدينة يسيرا من دهره، ثم حنّ فرجع إلى بلاده نكرا منه في معيشته، فلامته على ذلك زوجته، فقال يعتذر لخروجه عن المدينة:
ألا قالت أمامة بعد دهر … وحلو العيش يذكر في السّنين
سكنت مخايلا وتركت سلعا … شقاء في المعيشة بعد لين
فقلت لها ذببت الدّين عني … ببعض العيش ويحك فاعذريني
стр. 305
أرجّي في المعاش على خضمّ … فيكفيني وأحسن في الدّرين
وغرب الأرض أرض به معاشا … يكفّ الوجه عن باب الضّنين
وقال محمد بن عبد الملك بن حبيب الأسدي ثم الفقعسي:
نفى النّوم عنّي فالفؤاد كئيب … نوائب همّ ما تزال تنوب
وأحراض (١) أمراض ببغداد جمّعت … عليّ وأنهار لهنّ قسيب
فظلّت دموع العين تمري غروبها … من الماء درّات لهنّ شعوب
وما جزع من خشية الموت اخضلت … دموعي ولكنّ الغريب غريب
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بسلع ولم تغلق عليّ دروب
وهل أحد باد لنا وكأنه … حصان أمام المقربات جنيب
يخبّ السّراب الضّحل بيني وبينه … فيبدو لعيني تارة ويغيب
فإنّ شفائي نظرة إن نظرتها … إلى أحد والحرتّان قريب (٢)
وإني لأرعى النّجم حتّى كأنّني … على كلّ نجم في السّماء رقيب
وأشتاق للبرق اليمانيّ إن بدا … وأزداد شوقا أن تهبّ جنوب
وقال أبو قطيفة (٣) عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو ابن أمية، حين أخرج عبد الله بن الزبير بني أمية من الحجاز إلى الشام:
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا … جبوب المصلّى أم كعهدي القرائن (٤)
стр. 306
أم الدّور أكناف البلاط عوامر … كما كنّ أم هل بالمدينة ساكن (١)
أحنّ إلى تلك البلاد صبابة … كأنّي أسير في السّلاسل راهن
إذا برقت نحو الحجاز غمامة … دعا الشّوق منّي برقها المتيامن (٢)
وما أخرجتنا رغبة عن بلادنا … ولكنّه ما قدّر الله كائن (٣)
ولكن دعا للحرب داع وعاقنا … معائب كانت بيننا وضغائن
لعلّ قريشا أن تئوب حلومها … ويزجر بعد الشّؤم طير أيامن
وتطفأ نار الحرب بعد وقودها … ويرجع ناء في المحلّة شاطن
فما يستوي من بالجزيرة داره … ومن هو مسرور بطيبة قاطن
وقال:
ليت شعري وأين مني ليت … أعلى العهد يلبن فبرام (٤)
أم كعهدي العقيق أم غيّرته … بعدي الحادثات والأيّام (٥)
منزل كنت أشتهي أن أراه … ما إليه لمن بحمص مرام
حال من دون أن أحلّ به النّأ … ي وصرف الهوى وحرب عقام
стр. 307
وتبدّلت من مساكن قومي … والقصور التي بها الآطام (١)
كلّ قصر مشيّد ذي أواس … تتغنّى على ذراه الحمام (٢)
وبأهلي بدّلت لخما وعكّا … وجذاما وأين منّي جذام (٣)
أقطع اللّيل كلّه باكتئاب … وزفير فما أكاد أنام (٤)
نحو قومي إذ فرّقت بيننا الدّا … ر وحادت عن قصدها الأحلام
حذرا أن يصيبهم عنت الده … ر وحرب يشيب منها الغلام (٥)
ولقد حان أن يكون لهذا الدّ … هر عنّا تباعد وانصرام
ولحيّ بين العريض وسيع … حيث أرسى أوتاده الإسلام
كان أشهى إليّ قرب جوار … من نصارى (في) دورها الأصنام (٦)
يضربون النّاقوس في كلّ فجر … في بلاد تنتابها الأسقام
стр. 308
ففؤادي من ذكر قومي حزين … ودموعي على الذرى سجّام
أقر قومي السّلام إن جئت قومي … وقليل منّي لقومي السّلام
وقال:
سقى الله أكناف المدينة مسبلا … ثقيل التّوالي من معين الأوائل
أحسّ كأنّ البرق في حجزاته … سيوف ملوك في أكفّ الصياقل
ويا ليت شعري هل تغيّر بعدنا … بقيع المصلّى أم بطون المسابل
أم الدور أكناف البلاط كعهدنا … ليالي لاطتنا بوشك التزايل
يجدّ لي البرق اليماني صبابة … تذكّر أيام الصبا والخلائل
فإن تك دار غرّبت عن ديارنا … فقد أبقت الأشجان صفو الوسائل
وقال:
إنّ ردّي نحو المدينة طرفي … حين أيقنت أنه التوديع
زادني ذاك عبرة واشتياقا … نحو قومي والدهر قدما ولوع
كلما أسهلت بنا العيس بينا … وبدا من أمامهن مليع
ذكر ما تزال تتبع قومي … ففؤادي به لذاك صدوع
وقال:
بكى أحد لما تحمّل أهله … فسلع فبيت العزّ عنه تصدعوا (١)
ونرحل نحو الشام ليست بأرضنا … ولا بدّ منها والأنوف تجدّع
على أثر البيض الذين تحمّلوا … لمقليهم منّا جميعا فودّعوا
стр. 309
وقال:
القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما … أشهى إلى القلب من أبواب جيرون (١)
إلى البلاط فما حازت قرائنه … دور نزحن (٢) عن الفحشاء والهون (٣)
قد يكتم الناس أسرارا فأعلمها … ولا ينالون حتى الموت مكنوني (٤)
(إني مررت لما زال منّا في شبيبتنا) … مع الرّجاء لعل الدّهر يدنيني (٥)
وقال:
بكى أحد إذ فارق النوم أهله … فكيف بذي وجد من القوم آلف
من اجل أبي بكر جلت عن بلادها … أميّة، والأيام ذات تصارف
وقال:
أيها الراكب المقحم في السّي … ر إذا جئت يلبنا فبراما
أبلغيه عني وإن شطّت الدّا … ر بنا عن هوى الحبيب السّلاما
ما أرى إن سألت إنّ إليه … يا خليلي لمن بحمص مراما
تلك دار الحبيب في سالف الدّه … ر سقاها الإله ربي الغماما
زانها الله واستهل بها المز … ن ولجّ السحاب فيها وداما
ربّما قد رأيت فيها حسانا … كالتماثيل آنسات كراما
стр. 310
خصّرات من البهاليل من عب … د مناف معلقات وساما
وعشارا من المهاري رقاقا … وعتاقا من الخيول صياما
وإذا ما ذكرت دهرا تولّى … فاض دمعي على ردائي سجاما
وقال الوليد بن عقبة:
طرب الفؤاد إلى المدينة بعدما … نزل المشيب محل غصن شباب
ودعى الهوى سدل فداعى ساجعا … فانهل دمعي واكف الأتراب
سيلا كما ارفض الجمان أساله … أحزانه في إثر حب رباب
ذكر الفؤاد مها برملة حرّة … في مونق جعد الثرى معشاب
نزحت بيثرب أن تزار ودونها … بلد يقل مناطق الأصحاب
[ولقد عمرنا ما كان تفرقا] … قبل السّبات وفرقة الأحباب (١)
لا يرجع الحزن الممرّ سفاهه … زمن العقيق ومسجد الأحزاب
وقال الوليد بن عقبة:
إذا البرق من نحو الحجاز تعرضت … مخايله هاج الفؤاد المتيّما
وهيّج أياما خلت وملاعبا … بأكناف سلع فالبلاط المكرّما
وذكّر بيضا كنّ لا أهل ريبة … يمرون لا يأتين من كان محرما
ويبدين حق الود للكفء ذي الحجى … ويأبين إلاّ عفة وتكرّما
ذكر حرس رسول الله ﷺ
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا يحيى بن سعيد، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث، أن عائشة ﵂ كانت تحدث: أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة
стр. 311
وهي إلى جنبه، قالت فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوت السلاح فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن مالك (١).
فقال: ما شأنك؟ فقال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت:
فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه.
حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان.
عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه ذكر صلاة رسول الله ﷺ صلاة الخوف، قال جابر ﵁:
كما يفعل حرسكم هؤلاء لأمرائهم.
حدثنا حرمى بن عمارة (٢)، عن محمد بن إبراهيم الهاشمي، عن إدريس الأودي، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى في الحجر قام عمر بن الخطاب ﵁ على رأسه بالسيف.
حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا عبد الأعلى (بن
стр. 312
عبد الأعلى (١) السامي قال، حدثنا سعيد الجريري (٢)، عن عبد الله بن شقيق ﵁: أن النبي ﷺ كان يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية: «وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (٣) فخرج إلى الناس فقال: أيها الناس الحقوا بملاحقكم، فإن الله جلّ وعز قد عصمني من الناس.
حدثنا عثمان بن عبد الوهاب قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن عاصم بن محمد بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي قال:
أمر رسول الله ﷺ بالحرس، فنزلت: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ»، فترك الحرس.
حدثنا محمد بن مسلم، قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن الحارث بن حسان البكري قال:
قدمت المدينة فإذا النبي ﷺ على المنبر، وإذا بلال متقلد بالسيف، وإذا رايات سود، فقلت: ما هذه الرايات؟ قالوا: هذا عمرو بن العاص قدم من غزوة ذات السلاسل (٤).
стр. 313
حدثنا الحسين بن إبراهيم بن الحرّ (١) قال حدثنا سيف ابن هارون البرجمي، عن عصمة بن بشير (٢) قال، أخبرني الفرع عن النفيع (٣) قال خاض الناس أن رسول الله ﷺ باعث خالد بن الوليد إلى رقيق مصر يعتقهم، فأتيت رسول الله ﷺ وهو على ناقة له، ومعه أسود قائم ما رأيت أحدا من الناس أطول منه، قد حاذى رأسه برأس رسول الله ﷺ ، فلما دنوت إليه، أهوى إلي، فكفّه رسول الله ﷺ .
حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا هشيم، عن يحيى ابن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: صلى
стр. 314
رسول الله ﷺ في حجرته والناس قائمون من وراء الحجرة يصلون بصلاته.
حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: كان عبد الله (١) ﵁ يلبس النبي ﷺ نعليه، ثم يأخذ العصا فيمشي أمامه، حتى إذا جلس أعطاه العصا، ونزع نعليه فجعلهما في ذراعيه، ثم استقبله بوجهه. فإذا أراد أن يقوم ألبسه نعليه، ثم أخذ العصا فمشى قدّامه، حتى يلج الحجرة أمام رسول الله ﷺ .
حدثنا الصّلت بن مسعود، وسليمان بن أحمد قالا، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عمّن رأى النبي ﷺ
стр. 315
سائرا إلى منى يقدم موكبه، إلى جانبه بلال في يده عود وعليه ثوب، يستر النبي ﷺ من الشّمس.
حدثنا أحمد بن يونس، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يتحارسه فأنزل الله «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ» (١)، فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس.
(ذكر أسواق المدينة في الجاهلية والإسلام وذكر أحجار الزّيت)
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا إسحاق بن جعفر ابن محمد قال، حدثنا عبد الله بن جعفر بن المسور، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال: «هذا سوقكم، فلا يضيّق، ولا يؤخذ فيه خراج» (٢).
حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال، حدثنا عبد الله ابن جعفر، عن محمد بن عبد الله بن حسن قال: تصدق رسول الله ﷺ على المسلمين بأسواقهم (٣).
стр. 316
حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ مر ببقعة فقال: رب يمين ها هنا لا تصعد إلى الله قال: فرأيت فيه النخاسين بعد.
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا أبو ضمرة، عن عبد الرحمن بن الحارث. بن عبيد، عن جده قال: خرجت مع أبي هريرة ﵁، حتى إذا كنا عند دار ابن مسعود قال:
يا أبا الحارث، إن حبّي أبا القاسم ﷺ أخبرني:
أن ربّ يمين بهذه البقعة لا تصعد إلى الله، قال: قلت له: أنّي ذلك يا أبا هريرة؟ قال: أما أني أشهد ما كذبت. قلت: وأنا أشهد (١).
حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال، أخبرني ابن أبي ذئب، عمّن سمع أبا المغيث يحدّث، عن أبي هريرة ﵁: أنه كان يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى يخسف برجل بصحن هذا السوق، قال ابن أبي فديك: وكنت أسمع من المشايخ أنه قال: والله أعلم: أن ذلك يكون على باب بيت البرّادين.
ويقال: هو بفناء دار ابن مسعود (٢).
قال أبو غسان: وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة
стр. 317
من الناحية التي تدعى يثرب، وسوق بالجسر في بني قينقاع، وبالصفاصف بالعصبة (١) سوق، وسوق يقوم في موضع زقاق ابن حبين كانت تقوم في الجاهلية وأول الإسلام، وكان يقال لذلك الموضع «مزاحم» (٢).
حدثنا أبو غسان قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن سمعان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ في حديث ساقه قال: كان يقال لسوق المدينة «بقيع الخيل» (٣).
حدثنا أبو غسان، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، قال، أخبرني يحيى بن محمد بن الحكم بن ميناء قال: أدركت سوقا بالزّوراء يقال له «سوق الحرص» (٤) كان الناس ينزلون إليها بدرج.
стр. 318
(ذكر أحجار الزّيت)
حدثنا خلاد بن يزيد قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوفي، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يا أبا ذر» قلت: لبيك وسعديك، يا رسول الله قال «كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت في الدّم؟» قال قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: «عليك بمن أنت معه» (١).
حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة مواجهة بيت ابن أمّ كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد. فعلا الكبس (٢) الحجارة فاندفنت.
حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد، عن هلال بن طلحة الفهري:
أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه: أن كعبا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومه عالم بالأرض. فلما قدم كعب المدينة جاءني كتابه ذلك، فقال: أعالم أنت بالأرض؟ قلت: نعم.
قال: إذا كان بالغداة فاغد عليّ. قال: فجئته حين أضحت (٣)، فقال: أتعرف موضع أحجار الزيت؟ قلت: نعم - وكانت أحجارا بالزوراء يضع عليها الزياتون رواياهم - فأقبلت حتى جئتها فقلت:
هذه أحجار الزّيت. فقال كعب: لا والله ما هذه صفتها في كتاب الله،
стр. 319
انطلق أمامي، فإنك أهدى بالطريق مني. فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل. فقال: يا هلال، إني أجد هنا أحجار الزيت في كتاب الله، فسل القوم عنها - وهم يومئذ وافرون - فسألتهم عن أحجار الزيت، وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها (١).
(ذكر البيداء؛ بيداء المدينة)
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد، عن هلال بن طلحة الفهري قال، قال كعب الأحبار: تجهز يا هلال: قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالعقيق ببطن السيل دون الشجرة - والشجرة يومئذ قائمة - فقال: يا هلال، إني أجد صفة الشجرة في كتاب الله. قلت:
هذه الشجرة. قال: فنزلنا فصلّينا تحتها، ثم ركبنا حتى استوينا على ظاهر البيداء قلت: أنت عليها، قال: والذي نفسي بيده إن في كتاب الله أن جيشا يؤمّون البيت الحرام فإذا استووا عليها نادى آخرهم أولهم: «ادفعوا»، فخسف بهم وبأمتعتهم وأموالهم وذراريهم إلى يوم القيامة. ثم خرجنا حتى إذا انهبطت رواحلنا قال:
يا هلال، إني أجد صفة الرّوحاء، قال، قلت: الآن دخلنا الروحاء.
стр. 320
حدثنا عفان قال، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: «يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة أهل بدر، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام. فيغزوهم جيش من أهل الشام، فإذا كانوا بالبيد خسف بهم، ثم يغزوهم رجل من قريش أخواله كلب، فيلتقون فيهزمهم الله، فالخائب من خاب من غنيمة كلب (١).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة ﵁ قال: يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة، ويبقرون بطون النساء، ويقولون للحبلى في البطن: «اقتلوا صبابة الشر»، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم، فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم - قال أبو المهزم: فلما جاء جيش (حبيش) (٢) ابن دلجة قلنا: هم، فلم يكونوا هم.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن، عن أم سلمة رضي الله