← Книги сунны

Книги сунны · id 13086

أخبار المدينة = تاريخ المدينة - ت شلتوت

ابن شبة

Полный текст (1 320 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تستطيعه، وقال محمد بن سلمة: «أتتكلم دون منافق عدوّ الله؟ فقال أسيد بن حضير: فيم تكثرون؟ دعونا من هذا، بيننا وبينه أن يأمر رسول الله ﷺ ثم لننظر هل يمنعه. فلم تبرح القالة حتى تداعوا بالأوس والخزرج، فنزل القرآن في ذلك: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ» (١) فلم يكن بعد الآية تبصرة ولا يتكلم فيه أحد. لقد كان رجل من بني ثعلبة يأتيه وهو جالس في المسجد فيأخذ بلحيته فيقول: اخرج منا فقد أختيتنا (٢). فيقول: ما أحد ينصرني من أسود بني ثعلبة هذا؟ فما يتكلم فيه أحد. حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد ابن زيد بن أسلم، عن ابن سعد بن رفعة: وأن هذه الآية نزلت «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» (٣) قال: خطب النبي ﷺ الناس فقال «من لي ممن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منا يا رسول الله قتلته، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة فقال: فإنك طاعة رسول الله ﷺ يا بن معاذ ولقد عرفت ما هو منك، فقال أسيد بن حضير: انك يا بن عبادة منافق تحب المنافقين. فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا أيها الناس فإن فينا رسول الله ﷺ ، وهو يأمرنا فيعقد أمره، فأنزل الله «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ» (٤).

стр. 352

حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال: ثم إن صفوان بن المعطّل اعترض حسان بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه - وقد كان حسان قال شعرا في ذلك يعرّض بابن المعطّل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر فقال: أمسى الجلابيب (١) قد عزّوا وقد كثروا وابن الفريعة (٢) أمسى بيضة البلد (٣) ما البحر حين تهبّ الرّيح شامية … فيغطئلّ ويرمي العبر بالزّبد (٤) يوما بأغلب منّي حين تبصرني … أفري من الغيظ فري العارض البرد (٥)

стр. 353

أمّا قريش فإني لن أسالمهم … حتّى ينيبوا من الغيّات للرّشد (١) ويتركوا اللاّت والعزّى بمعزلة … ويسجدوا كلّهم للواحد الصّمد (٢) ويشهدوا أنّ ما قال الرّسول لهم … حقّ ويوفوا بعهد الله والوكد (٣) أبلغ عبيدا بأني قد تركت له … من خير ما يترك الآباء للولد (٤) الدّار واسطة والنّخل شارعة … والبيض ترفل في الثّنّي كالبرد (٥) قال فاعترضه صفوان بن المعطّل فضربه بالسيف، ثم قال: - كما حدثني يعقوب بن عتبة: - تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنني … غلام إذا هوجيت لست بشاعر (٦) قال أبو زيد بن شبة: وفيها مما ليس في رواية إسماعيل:

стр. 354

جاءت مزينة من عمق لتخرجني … أخسا مزين ففي أعناقكم قدر (١) ما للقتيل الذي أعدوا فآخذه … من ديّة فيه يعطاها ولا قدد (٢) وقال: جاءت مزينة من عمق لتنصرهم … أخسا مزين وفي أستاهك الفتل (٣) فكل شيء سوى أن يدركوا أمرا … أو تدركوا شرفا من شأنكم جلل (٤) قوم مدانيس لا يمشي بعقوتهم … جار وليس لهم في موطن بطل (٥)

стр. 355

حدثنا أحمد بن عيسى قال، وحدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيّب، أن صفوان ابن المعطّل ضرب حسان بن الفريعة بالسيف في عهد النبي ﷺ في هجاء هجاه حسان، فلم يقطع النبي ﷺ يده. قال حسان حين برئ: القود. فأبى النبي ﷺ أن يقيده وقال «إنك قلت قولا شينا» وعقل رسول الله ﷺ جرحه ذلك. حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ: أن ثابت بن قيس بن شمّاس أخا بني الحارث بن الخزرج وثب على صفوان حين ضرب حسان، فجمع يده إلى عنقه بحبل، ثم انطلق إلى دار الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال: ما أعجبك ضرب حسان بالسيف، فو الله ما أراه إلا قد قتله، فقال له عبد الله: هل علم رسول الله ﷺ شيئا مما صنعت؟ قال: لا، قال: والله لقد اجترأت، ثم قال: أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فدعا حسان وابن المعطّل، فقال ابن المعطّل: يا رسول الله، آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ لحسان: «يا حسان أتشوّهت (١) على قومي أن هداهم الله للإسلام؟» ثم قال «أحسن يا حسان في الذي أصابك» قال: هي لك يا رسول الله. فأعطاه رسول الله ﷺ عوضا منها

стр. 356

ببرحاء (١) وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة، كانت مالا لأبي طلحة ابن سهل تصدّق بها إلى رسول الله ﷺ ، فأعطاها حسان في ضربته، وأعطاه سيرين: أمة قبطيّة، فولدت له عبد الرحمن ابن حسّان. وكانت عائشة ﵂ تقول: لقد سئل عن ابن المعطّل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا. وقال: حسان بن ثابت ﵁ يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة ﵂: حصان رزان ما تزنّ بربية … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (٢)

стр. 357

فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم … فلا رفعت سوطي إليّ أناملي (١) فكيف وودّي ما حييت ونصرتي … لآل رسول الله زين المحافل (٢) فإن الذي قد قيل ليس بلائط … ولكنه قول امرئ بي ما حل (٣)

стр. 358

قال: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه من فريتهم عليها: لقد ذاق حسّان الذي كان أهله … وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح (١) تعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم … وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا (٢) وآذوا رسول الله فيها فجلّلوا … مخازي تبقى عمّموها وفضّحوا وصبّت عليهم محصدات كأنّها … شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح (٣) وقال أبو بكر الصديق ﵁ لمسطح وكان اسمه «عوف» ومسطح: لقب: يا عوف ويحك هلاّ قلت عارفة … من الكلام ولم تتبع بها طمعا وأدركتك حميّا معشر أنف … ولم يكن قاطعا يا عوف من قطعا أما حديث من الأقوام إذ حشدوا … فلا تقول ولو عاينته قذعا لما رأيت حصانا غير مقرفة … أمينة الجيب لم يعلم لها خمعا (٤) في من رماها وكنتم معشرا أفكا … في سيّء القول من لفظ الخنى شرعا فأنزل الله عذرا في براءتها … وبين عوف وبين الله ما صنعا فإن أعش أجز عوفا عن مقالته … شرّ الجزاء بما ألفيته صنعا

стр. 359

حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، وعلي بن مجاهد وإبراهيم بن المختار (١)، عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، وخرجت مع النبيّ ﷺ في سفرة أخرى سقط أيضا عني عقدي، فحبس على التماسه وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: في كل سفرة تكونين بلاء وعناء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرّخصة بالتّيمّم، فقال أبو بكر ﵁: أم والله يا بنية إنك لما علمت لمباركة. حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه، أن عمار بن ياسر كان يحدث: أن الرخصة التي أنزل الله في الصعيد إنما نزلت في ليلة حبست عائشة الناس - هي مع رسول الله ﷺ عن الرحيل من أجل عقد لها من جزع أظفار حبسته في ابتغائه حتى ذهب من الليل ما شاء الله، وليس مع الناس ما يتوضأون (به) (٢) للصلاة، فأتى أبو بكر عائشة ﵂ فتغيّظ عليها، وقال: حبست الناس وليس معهم ما يتوضأون للصلاة، فأنزل الله الرخصة في التيمم بالمسح بالصعيد الطيّب، فقال حين أنزلت: يا بنية إنك ما علمت لمباركة.

стр. 360

حدثنا أبو عمران الداري قال، حدثنا معتمر بن، ميسرة ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر حسان عند عائشة ﵂ فتناولوه، فقالت: لا تسبوا حسانا، فقالوا: يا أم المؤمنين أو ليس من الذين قال الله ﵎: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، قالت: أو ليس من العذاب الأليم ذهاب بصره. «خبر عبد الله بن أبيّ بن سلول» حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا في منزل نزله رسول الله ﷺ ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له جعال (٢) - وهم زعموا - أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال له

стр. 361

جهجاه (١) فعلت أصواتهما واشتد (جهجاه) (٢) على المنافقين وردّ عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر ﵁ يسقيه - وكان أجيرا لعمر ﵁ ومع جعال فرس لعبد الله بن أبيّ، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا، فقال عبد الله بن أبيّ: هذا ما جاوزنا به؛ آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون. وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية الأنصاريين فغضب وقال - وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله ﷺ للإسلام -: أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد فخرج رجل من بني سليم مغضبا من قول حسان ﵁، فلما خرج ضربه حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن المعطّل؛ فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف، فلم يقطع رسول الله ﷺ يده - لضرب السلمي حسان - فقال: خذوه،

стр. 362

فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه، فأسروه وأوثقوه، وبلغ ذلك سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل: فأبوا عليه، فقال عمر ﵁ أثمّ إلى قوم رسول الله تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟! فغضب سعد لرسول الله ﷺ ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل. وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلّة ثم أرسله (١) فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله ﷺ فقال: «من كساك كساه الله من ثياب الجنة» قال: كساني سعد بن عبادة. وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعزّ منها الأذل، فأحصى الله عليه ما قال، وسمع زيد بن أرقم - رجل من بني الحارث بن الخزرج - قول عبد الله بن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب ﵁، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في ابن أبيّ فإنه يقول آنفا: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم وما اتبعه منهم رجل، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل. أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عبّاد بن بشر أخا بني عبد الأشهل أو معاذ

стр. 363

ابن عمرو بن الجموح فليقته، فكره رسول الله ﷺ قوله، فلما رأى ذلك عمر ﵁ سكت، وتحدّث أهل عسكر رسول الله ﷺ بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقارّ في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل (١)، فلما استقلّ الناس قالوا: ما شأن رسول الله ﷺ لم يتقارّ في منزله، لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟ فبعث النبي ﷺ إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا، فقال النبي ﷺ «إن كان سبق منك قول شيء فتب» فجحد وحلف، فوقع رجال بزيد بن أرقم وقالوا: أسأت بابن عمك وظلمته، ولم يصدّقك رسول الله ﷺ ، فبينما هم يسيرون رأوا النبي ﷺ يوحى إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرّي عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم، فأخذ بأذنه فعصرها (٢) حتى استشرف القوم بفعل رسول الله ﷺ ولا يدرون ما شأنه، فقال: «أبشر فقد صدّق الله حديثك» فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا» إلى قوله

стр. 364

«وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (١) فلما نزل رسول الله ﷺ بقباء (٢) من طريق عمق سرّح الناس ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟ فزعموا أنه قال «مات اليوم منافق عظيم النفاق (٣) ولذلك عصفت، وليس عليكم منها بأس إن شاء الله» وكان موته غائظا للمنافقين - قال جابر بن عبد الله ﵄: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق مات يومئذ - وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله ﷺ من بين الإبل، فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله ﷺ ، فقال المنافق: ألا يحدّثه الله بمكان راحلته؟ فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله؛ نافقت، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا ساعة. فمكث المنافق معهم شيئا، ثم قام وتركهم، فعمد لرسول الله ﷺ فسمع الحديث، فوجد الله قد

стр. 365

حدّثه حديثه، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله، وقال ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب المقابل لكم، قد تعلق زمامها بشجرة» فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعا حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم من مجلسه، فقال أنشدكم بالله هل أتى منكم أحد محمدا فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد، قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله، فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه، فاستغفر له رسول الله ﷺ . ويزعمون أنه ابن اللصيت (١)، ولم يزل - زعموا - يفسل (٢) حتى مات. حدثنا إبراهيم، قال محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال: حدثنا عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ وقد سئل عن زيد بن أرقم - فقال: هو الذي يقول النبي صلى الله

стр. 366

عليه وسلم: هو الذي أوفى الله بأذنه؛ سمع رجلا من المنافقين يقول - والنبي ﷺ يخطب - لئن كان هذا صادقا لنحن شرّ من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فقد والله صدق، ولأنت شر من الحمير، ثم رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ (١) وكان ما أنزل الله من هذه الآية تصديقا لزيد. حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جلاّس بن سويد (٢) قال: لئن كان ما يقول محمد حقّا لنحن شر من الحمير، فقال عمير بن سعد وكان ربيبه في حجره (٣): والله إن الذي يقول حق، وإنك لشر من الحمار، ورفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فأتاه جلاّس فرد قوله وكذبه وقال: والله ما قلت ذاك ولقد كذب عليّ فأنزل الله «يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ» الآية. قال جلاس: صدق يا رسول الله، لقد قلت ذاك،

стр. 367

وقد عرض الله عليّ التوبة وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت: وكان حمّل حمالة، أو عليه دين فأداه النبي ﷺ ، فذلك قوله «وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» (١) فقال النبي ﷺ لعمير (وفت أذنك وصدقك ربّك) وقال عمير لجلاس: أم والله لولا أني خشيت أن ينزل فيّ كتاب أو وحي بكتماني عليك لكتمت عليك. حدثنا ميمون بن الأصبغ قال، حدثنا الحكم بن نافع قال، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد ﵁ أخبره: أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه إكاف (٢) فوقه قطيفة فدكيّة وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعه بدر، فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبيّ - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشت المجلس عجاجة الدابة خمّر ابن أبي أنفة بردائه، ثم قال: لا تغيروا علينا، فسلم النبي ﷺ عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء إنه (لا أحسن من حديثك (٣) هذا إن كان حقا) فلا تؤذنا في مجلسنا،

стр. 368

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفّضهم حتى سكتوا، ثم ركب دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال (يا سعد ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب) (١) - يريد عبد الله بن أبيّ - قال كذا وكذا» فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فو الذي نزّل الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة (٢) على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرفه فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي ﷺ . وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال ﴿وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً» (٣) الآية، وقال الله «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً» (٤) وكان النبي ﷺ يتأوّل في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي صلى الله

стр. 369

عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل (من) (١) صناديد كفار قريش قال ابن أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا أمر قد توجّه له، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام وأسلموا. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن القرشي قال، حدثنا الوليد ابن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، وغيره من شيوخ أهل دمشق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: ركب النبي ﷺ يوما حمارا بإكاف عليه قطيفة فدكيّة (٢) وردفه أسامة بن زيد يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج، فذكر مثله إلى قوله فردّ الله ذلك بالحق الذي أنزل عليك (٣). حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر ابن عيّاش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في قوله: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (٤) قال: أقبل رسول الله ﷺ على حمار له يسير حتى وقف على عبد الله بن أبيّ بن سلول أخي بني الحبلى فراث الحمار فأمسك عبد الله على أنفه فقال: إليك حمارك عن وجه الريح

стр. 370

هكذا، فو الله لقد أنتنتني. فقال عبد الله بن رواحة: ألحمار رسول الله ﷺ تقول هذا؟ فو الله لهو أطيب عرضا (١) منك قال: ألي تقول هذا يا ابن رواحة؟ فقال: إي والله، ومن أبيك. فلم يزل الأمر بينهما حتى جاءت عشيرة هذا وعشيرة هذا، فكان بينهم وحي (٢) باللطام والنعال فأراد رسول الله ﷺ أن يحجز بينهم حتى نزلت: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا» إلى قوله «حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (٣) فلما نزلت عرفوا أنها الهاجرة، فكفوا، وأقبل بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير - وكان من رهط ابن رواحة - متقلّد السيف، فلما انتهي إلى القوم وقد تحاجزوا قال: أين أبيّ يا ابن أبي سعد أعليّ تحمل السيف؟ فقال: والله لو أدركتكم قبل الصلح لضربتك به. حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، أخبرني عروة ابن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: غزونا مع رسول الله ﷺ وناب (٤) ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان رجل من المهاجرين لعّابا فكسع (٥) أنصاريا، فغضب الأنصار غضبا شديدا حتى تداعوا، فقال الأنصاري: يا للأنصار

стр. 371

يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين يا للمهاجرين، فقال النبي ﷺ : «ما بال دعوة الجاهلية فقال: ما شأنهم» فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال «دعوها فإنها خبيثة (١) فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: قد تداعوا، إن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فقال عمر: يا نبي الله ألا تقتل هذا الخبيث؟ فقال النبي ﷺ «لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه» (٢). وقد أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر ﵁ يذكر هذا، وزاد فيه «يا معشر المهاجرين قد ابتلي بكم الأنصار ففعلوا ما قد علمتم، فآووا ونصروا، وأنتم مبتلون بهم فانظروا كيف تفعلون». حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال عبد الله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فحلف عبد الله بن أبيّ أنه لم يكن شيء من ذلك. فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فقمت كئيبا أو حزينا، فأرسل إليّ نبي الله ﷺ أو فأتيت رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله قد أنزل عذرك

стр. 372

وصدّقك» قال فنزلت هذه الآية «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا» إلى قوله «مِنْهَا الْأَذَلَّ» (١). حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا شجاع بن الوليد، عن زهير، عن ابن إسحاق، عن زيد بن أرقم ﵁: أنه سمعه يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدّة، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: «لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ، لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل. فقالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ ، فوقع في نفسي ممّا قالوا شدة حتى أنزل الله ﵎ يصدقني في «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ» (٢) قال: ووافاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. وقوله: «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» (٣) قالوا: كانوا رجالا أجمل شيء. حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة في قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ» (٤) قال: نزلت في عبد الله ابن أبيّ بن سلول؛ أن غلاما (٥) من قرابته انطلق إلى نبيّ الله صلى الله

стр. 373

عليه وسلم بحديث وتكذيب عنه شديد، فدعاه نبيّ الله ﷺ فإذا هو يحلف ويبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على الغلام فلاموه وعزّروه (١)، فقيل لعبد الله: لو أتيت رسول الله ﷺ استغفر لك، فجعل يلوي رأسه ويقول: لست فاعلا، وكذب عليّ. فأنزل الله ما تسمعون: «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا» إلى قوله «لا يَفْقَهُونَ» (٢) قال: هذا قوله لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يدعوه، فإنكم لولا أنتم تنفقون عليهم لتركوه ورحلوا عنه. حدثنا عفان قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير قال: نزل رسول الله ﷺ منزلا على منقلة أو منقلتين فأقبل رجلان، رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، جهجاه (٣) بن قيس الغفاري، وسنان بن وبرة الجهني حليف بني الخزرج، قال فظهر الله جهجاه (٤) على الجهني، وكان لعمر بن

стр. 374

الخطاب ﵁ عسيف (١) إذا نزل القوم انطلق يخنّس (٢) لفرسه فانطلق العسيف فوجدهما يقتتلان، قال وظهر عليه جهجاه، فاستصرخ ابن وبرة بقومه حتى نادوا: يا أبا الحباب - لعبد الله بن أبي -، فجاء عبد الله بن أبيّ وقد أخذ بيد الرجلين - فنظر في وجوه القوم فلم ير إلا قومه فقال: هنيئا لكم يا آل الأوس، ضممتم إليكم سرّاق الحجيج من مزينة وغفار، يأكلون ثماركم ويقهرونكم في دياركم، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، ولنمسكنّ بأيدينا عن أثمارنا حتى يجوعوا فينفضوا من حول صاحبهم، قال: فرجع عسيف عمر ولم يخنّس لفرسه، فقال له عمر ﵁: ما شأنك لم تخنّس لفرسي؟ قال: العجب، مررت بجهجاه وابن وبرة يقتتلان فظهر عليه جهجاه، فاستصرخ ابن وبرة بقومه، فجاء ابن أبيّ وقد أخذ بين الرجلين، فنظر في وجوه القوم فلم ير إلا قومه، فقال: هنيئا لكم يا آل الأوس، ضممتم إليكم سرّاق المخيّم من مزينة وغفار؛ يأكلون ثماركم ويقهرونكم في دياركم، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ولنمسكن

стр. 375

بأيدينا من ثمارها حتى يجوعوا فينفضّوا من حول صاحبهم، قال: قد سمعت. قال: فاندفع عمر ﵁ من مكانه إلى رسول الله ﷺ ، وكان إذا نزل بهم منزلا صلّى بهم صلاة المغرب لم يرتحل منه حتى يصلي بهم صلاة العشاء الآخرة، قال: فاستأذن عمر ﵁ وكان ممن يتوسد رداءه مكانه أو ذراعه حتى يصلّي صلاة العشاء الآخرة، فاستأذن عمر ﵁ فقال رسول الله ﷺ «ادعه» وقال يا رسول الله، إن لي عسيفا أبعثه يخنّس لفرسي إذا نزل القوم، وإنه انطلق يخنّس فوجد جهجاه وابن وبرة يقتتلان، فقصّ عليه القصة وما قال ابن أبيّ: فقال رسول الله ﷺ : «أو قد قيلت» فأمر فنودي في الناس بالرّحيل، فارتحلوا حتى قدموا المدينة، وتحدث الناس: لم يرحّل رسول الله ﷺ عن مرتحله الذي كان يرتحل إلا شيء خافه أو شيء أتاه. فأراد أن ينتهزه. قال - حتى أصبح الناس وهم يتحدثون بحديثه، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك من قول الناس، فقام فخطب فقال: «إنما عاقنا عن مرتحلنا الذي كنا نرحل له قول رجل منكم - عبد الله بن أبيّ - قال كذا وكذا» قال فوثب ورقة فقال: يا رسول الله ما أظعنك عن مرتحلك الذي كنت ترتحل إلا قول رجل منا؟ فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك أوّله من رأسه أضعه بين يديك، قال: وقد كان ورقة ابن عمّ لعبد الله فقال: فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، وقال «لا أحلّ»، ولكن انطلقوا فأتوني به» قال: فاندفعوا حتى دخلوا على ابن أبيّ قالوا: يا ابن أبيّ، إن رسول الله ﷺ بلغه عنك قول

стр. 376

فوجد عليك في نفسه، فإذا أنت أتيته فاعتذر إليه مما قلت، ومره فليستغفر لك، فإنك ستجده رحيما، قال: وما بي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم، وأنفق معكم إذا أنفقتم؟ فخرج معهم إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون له ذلك وهو يلوي رأسه إلى أصحابه جنبيه، ويقول: مالي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم وأنفق معكم إذا أنفقتم؟ حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو كذلك، فقال له رسول الله ﷺ : «يا ابن أبيّ، أنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، أفأنت أعزّ مني؟» قال: يا رسول الله، بل أنت أعز وأكرم، ما ركبنا حتى ركبت وما قاتلنا حتى كنت أوّل. قال «فأنت الذي تقول لنمسكنّ ما بأيدينا من ثمرنا حتى يجوعوا فينفضّوا عن صاحبهم؟ أي أنك تنفق علينا؟» قال: والذي تحلف به ما قلت. ونزلت: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» إلى قوله: «وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (١). حدثنا حارثة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال: يا رسول الله أقتل أبي؟ فقال ﷺ : «لا تقتل أباك». حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة في قوله: «لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» (٢)

стр. 377

قال: قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا: أحدهما غفاريّ والآخر جهنيّ، فظهر الغفاريّ على الجهنيّ، وكان بين جهينة والأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين؛ وهو عبد الله بن أبيّ: يا بني الأوس يا بني الخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم. ثم قال: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فسعى بها بعضهم إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر ﵁: يا نبيّ الله، مر معاذا يضرب عنق هذا المنافق، فقال «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا عقبة بن أبي الصهباء قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: كان النبي ﷺ ، معتكرا (١)، وكان بين رجل من الأنصار وبين رجل من قريش كلام حتى اشتد بينهما، واجتمع إلى كل واحد منهما ناس من أصحابه، فبلغ عبد الله بن أبيّ فنادى: غلبني على قومي من لا قوم له، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب ﵁ فأخذ سيفه ثم خرج يسعى، ثم ذكر هذه الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ» (٢) ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : «ما لك يا عمر: كأنك مغضب؟» فقال: لا، إلا أن هذا المنافق ينادي: غلبني على قومي من لا قوم له، لئن رجعنا إلى المدينة

стр. 378

ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فقال له النبي ﷺ : «فأردت ماذا يا عمر؟» قال: أردت أن أعلوه بسيفي حتى يسكت. قال لا تفعل ولكن ناد في الناس بالرحيل». قال: ترحلوا وسيروا. حتى إذا كان بينه وبين المدينة يوم تعجّل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، وجاء الناس يدخلون وتشعّبوا في الطريق حتى جاء عبد الله بن أبيّ فقال له ابنه: لا والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، وتعلم اليوم من الأعزّ من الأذلّ، فقال له: أنت من بين الناس؟ فقال: نعم أنا من بين الناس. فانصرف عبد الله حتى لقي رسول الله ﷺ فاشتكى إليه ما صنع به ابنه، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابنه أن خلّ عنه، فدخل فلبث ما شاء الله أن يلبث. حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني ثابت بن عمرو الأنصاري: أنه أسر رجل يوم بدر من قريش وهو كافر، فكان أسيرا عند عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان عبد الله كافرا ثم أسلم فنافق، فطفق ذلك الأسير يريد وليدة مسلمة تسمّى معاذة لعبد الله بن أبيّ فتمتنع الوليدة - من أجل إسلامها - من الأسير القرشي، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ضربها ليكرهها على البغاء رجاء أن تحمل من القرشيّ رغبة في فداء ولده، فأنزل الله : «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (١) الآية. حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زكريا، عن عامر قال: التي

стр. 379

جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي قال الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» (١) قال كانت أمة لعبد الله بن أبيّ المنافق، فكان يكرهها على البغاء، فكانت التوبة لها دونه. حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن عامر في التي جادلت في زوجها: خولة بنت حكيم، وأمها معاذة؛ وكانت أمة لعبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان يكرهها على البغاء، وكانت التوبة لها دونه خاصة، يعني: «فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (٢). حدثنا أبيّ بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت مسلمة جارية (٣) لعبد الله بن أبيّ، وكان يكرهها على البغاء، فقالت: إن كان خيرا فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فقد آن لي أن أدعه، فنزلت: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (٤). حدثنا حبّان قال، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمر بن ثابت قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبيّ، وكانت مسلمة، فكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (٥) الآية. حدثنا حبّان قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، سمعت الأعمش قال، حدثني أبو سفيان، عن جابر ﵁ في قوله:

стр. 380

«وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الزنا، فأنزل الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (١)، هكذا يقرؤها. (وفاة عبد الله بن أبيّ بن سلول) حدثنا سلمة بن إبراهيم قال، حدثنا عتبة بن أبي الصهباء، قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: مرض عبد الله بن أبيّ فاشتد مرضه فقال لابنه: إني قد اشتهيت أن ألقى رسول الله ﷺ ، وأنت إن شئت جئت به. فانطلق ابنه فقال: يا رسول الله إنّ عبد الله بن أبيّ وجع شديد الوجع، ولا أظنه إلا لمآبه، وقد اشتهى أن يلقاك. فقال له النبي ﷺ : «نعم وكرامة» فانطلق النبيّ ﷺ وانطلق معه نفر من أصحابه حتى دخلوا على عبد الله بن أبيّ فقال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال له النبي ﷺ : «يا عبد الله، جزعا» فقال يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني، ولكني دعوتك لترحمني. فاغرورقت عين النبي ﷺ ، ثم قال: «حاجتك؟» قال حاجتي إذا أنا متّ أن تشهد عليّ وتكفنني بثلاثة أثواب من ثيابك، وتمشي مع جنازتي وتصلّي عليّ، قال: فعل ذلك النبي ﷺ كلّه، غير أني لا أدري أصلّى أم دخل القبر أم لم يدخله. ثم إن هذه الآية

стр. 381

نزلت: «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ» (١). حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أن النبي ﷺ عاد عبد الله بن أبيّ فقال: «يا أبا الحباب، ما أغنى عنك حبّ اليهود؟» فقال عبد الله: قد كان ورقة يحبّهم، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ ورقة كان يحبّ الله ورسوله، فقال للنبي ﷺ : أعطني ثوبا من ثيابك، فأعطاه ثوبا، قال أعطني قميصك الذي يمس جلدك، فأعطاه. حدثنا مسلمة بن إبراهيم قال، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أن عبد الله بن أبيّ سأل النبيّ ﷺ قميصه فأعطاه إيّاه، فقيل يا رسول الله: أعطيت عبد الله بن أبيّ قميصك؟ فقال: «وما يدريكم لعلّ الله سيدخل في الإسلام من بني الخزرج كذا وكذا عدّة كثيرة». حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت الحسن يقول: سأل عبد الله بن أبيّ النبيّ ﷺ قميصه أن يكفّن فيه إيّاه. فأعطاه إيّاه. فقال عمر ﵁: يا رسول الله، أتعطي هذا المنافق قميصك يكفّن فيه؟ فقال: «ويحك يا ابن الخطاب!! وما عليّ أن أتألّف بني النجار بقميصي»؟. حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن الشعبي قال: لما ثقل عبد الله بن أبيّ انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن عبد الله قد احتضر، وأحب أن تشهده وأن تصلي

стр. 382

عليه. فانطلق معه حتى شهده، وألبسه قميصه - وهو عرق - وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه يا رسول الله؟ فقال: «إن الله قال: «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (١)» لأستغفرن له سبعين وسبعين» - قال أبو معاوية: وأشك في الثالثة - فلما انتهى إليه ابنه قال له: النبيّ ﷺ ، قال: الحباب، قال: بل أنت عبد الله بن عبد الله؛ الحباب: اسم شيطان. حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة قال: صلى النبي ﷺ على عبد الله بن أبيّ، وأعطاه قميصا من قمصه. فقيل له: يا رسول الله تصلي على هذا المنافق وتلبسه قميصك؟ فقال: «إني لأرجو أن يسلم بقميصي ألف من بني النجار» قال قتادة: ثم أنزل «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾ (٢). حدثنا ابن أبي الوزير، قال سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج ووضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، ونفث عليه من ريقه، فالله أعلم (٣).

стр. 383

حدثنا زكريا بن أبي خالد قال، حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ بمثله. قال وحدثنا سفيان، عن أبي هارون المدني: أن النبي ﷺ ألبسه قميصه الذي كان يلي جلده، وكان للنبي ﷺ قميصان. حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال: حدثنا محمد (١): أن النبي ﷺ صلى على عبد الله المنافق - قال: ثم إن عمر ﵁ لام نفسه وقال: رسول الله يترحّم على أصحابه وأنا أمنعه؟ حدثنا حازم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن يسار ابن السائب، عن عامر الشعبي: أن عمر ﵁ قال: لقد أصبت في الإسلام هفوة ما هفوت مثلها قط؛ إن النبي ﷺ أراد أن يصلي على عبد الله بن أبيّ فأخذت بثوبه فقلت: ما أمرك الله بهذا. قال الله: «اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ» (٢) قال: (قد خيّرني

стр. 384

ربي فقال افعل أو لا تفعل) (١) قال: وقعد النبي ﷺ على شفير البئر فجعل الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا. فقال رسول الله ﷺ (الحباب شيطان) وسمّاه: عبد الله. حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الحزامي قال، حدثنا أبو ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ جاء ابنه إلى النبي ﷺ عبد الله بن عبد الله فأعطاه قميصه، وأمره أن يكفّنه (فيه) (٢) ثم قام ليصلي عليه، فأخذ عمر ﵁ بيده وقال: أتصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر له؟ فقال إنما قال «اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ» (٣) قال فسأزيد على سبعين» قال: فصلى عليه النبي ﷺ وصلينا معه، ثم أنزل الله «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ» (٤) الآية. حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني الليث بن سعد، عن عمر مولى عفرة، وغيره: أن الذي أنزل في قول عبد الله بن أبيّ كان في غزوة بني المصطلق - بطن من خزاعة - وهاج ذلك أن المهاجرين والأنصار وردت سقاتهم الماء فقل عليهم، فتنازعوا فغلب المهاجرون الأنصار على

стр. 385

الماء، فغضب ناس منهم، فأتوا ابن أبيّ فذكروا ذلك فقال: هو عملكم، لولا أنكم تنفقون على من معه لتفرّقوا عنه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذلّ، فبلغ ذلك عمر ﵁، فذكره للنبي ﷺ ، فأمر أن يؤذن في الناس بالرحيل ليشتغل بعضهم عن بعض، فأقبل الناس على الرحيل وتركوا الماء، فدعا النبي ﷺ عبد الله بن عبد الله ابن أبيّ - وكان رجلا صالحا إن شاء الله - فقال له: «ألم تعلم ما بلغني عن أبيك؟ إنه قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ» فقال: صدق يا رسول الله. وهو كاذب: أنت الأعزّ وهو الأذلّ، فإن شئت جئتك برأسه، وقد علمت الأنصار ما ولد ولد قط أبرّ به مني حتى إني لاستحيت أن أنظر في وجهه (١)، فأما فيك فإن أمرتني قتلته، فقال النبي ﷺ «لا نأمرك بعقوق أبيك» ثم أنذره، فأنزل الله «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ» (٢). حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة عن، عطاء بن السائب، عن الشعبي: أن الحباب بن عبد الله بن أبي دخل القبر والنبي ﷺ على شفيره فجعلوا يقولون (٣) يا حباب اصنع كذا، فقال النبي ﷺ «حباب شيطان، أنت عبد الله». حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن أبي وهب قال، قال الليث: إن النبي ﷺ قال لابنه: «ما اسمك؟» قال:

стр. 386

حباب، قال «حباب اسم شيطان، اسمك عبد الله» فلما دنوا من المدينة أخذ عبد الله بزمام راحلة عبد الله بن أبيّ. فقال: لا والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، حتى تعلم أنه الأعزّ وأنت الأذلّ، فجعل الناس يقبلون فيقفون حتى أتى النبي ﷺ فقال: «ما هذه الجماعة؟» فأخبروه، فقال «مروه فليخلّ سبيله» قال: فلما دخلوا قال رسول الله ﷺ «يا بلال قم فجأ في أقفية المنافقين حتى تخرجهم من المسجد، قال: بلى يا رسول الله، قال: ابن أبيّ بن سلول وفلان وفلان. ففعل بلال، فوجأ في رقبة ابن أبيّ حتى أخرجه من المسجد، فلقيه عمر ﵁ وهو خارج من المسجد متغيّر اللون والحال، فقال: ما بك يا عبد الله بن أبيّ؟ قال: ما أدري ما لنا ولكم، إنا لنصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرءون، وننفق كما تنفقون.!! فقال عمر ﵁: وما ذاك؟ قال: أمر النبي ﷺ فوجأ في رقبتي حتى أخرجني من المسجد. فقال عمر ﵁: فارجع حتى يستغفر لك رسول الله ﷺ ، قال: فلوى عنقه (وقال) (١) وا عجبا ممّ يستغفر لي؟ أقلت هجوا يستغفر لي منه؟ وأنزل الله «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ» (٢) حتى تنقضي الآيات كلها. انتهى الجزء الاول وسيبدأ الجزء الثاني - باذن الله - بعنوان (ذكر اللعان).

стр. 387

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا هو الجزء الثاني من تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، ويجد القارئ الكريم في الصفحة ٦٥٣ أخبار عمر بن الخطاب ﵁. ونحب أن نشير للقاريء الكريم إلى أن الفهارس العامة لهذا المؤلف القيّم ستكون في الجزء الأخير، متتابعة ومفصلة، بإذن الله.

стр. 388

الله يأبى إلا ذلك» فقال: صدق الله ورسوله) (١) قال: فإن رسول الله ﷺ لكذاك إذ جاء هلال بن أمية الواقفي (٢) فقال: يا رسول الله، إني جئت البارحة عشاء من حائط (٣) لي كنت فيه فرأيت مع أهلي رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره النبي ﷺ ما جاء به، وقيل يجلد هلال وينكّل في المسلمين. فقال هلال: يا رسول الله، إني أرى في وجهك أنك تكره ما جئت به، وإني لأرجو أن يجعل الله (لي) (٤) فرجا، فإن رسول الله ﷺ لكذاك إذ نزل عليه الوحي - وكان إذا نزل عليه الوحي تربّد لذلك وجهه (وبرد) (٥) جسده - فلما رفع الوحي قال رسول الله ﷺ : «أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا» ثم قال رسول الله ﷺ : «ادعوها» فدعيت، فقال: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟» فقال هلال: يا رسول الله ما قلت إلا حقا، ولقد صدقت فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال: لا والله لا يعذبني الله عليها أبدا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة «أن لعنة الله

стр. 389

عليه إن كان من الكاذبين» وقيل لها اشهدي، فشهدت «أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين»، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه اتقي الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. قال: فبكت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة «أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين» وقضى رسول الله ﷺ : أن لا ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها جلد الحدّ، وليس لها عليه قوت ولا سكنى من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق ولا متوفّى (١) عنها، وقال رسول الله ﷺ : «أبصروها، فإن جاءت به أثبج (٢) أصهب (٣) أرسح (٤) حمش (٥) الساقين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به خدلج (٦) الساقين، سابغ الأليتين (٧)، أورق (٨) جعدا (٩) جمّاليّا (١٠) فهو لصاحبه» فجاءت به خدلج الساقين

стр. 390

سابغ الأليتين أورق جعدا جمّاليا، فقال رسول الله ﷺ : «لولا الأيمان لكان لي ولها أمر» قال عبّاد: فسمعت عكرمة يقول: لقد رأيته بعد ذلك أمير (١) مصر من الأمصار لا يدري من أبوه. حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا هشام (٢)، عن محمد (٣) قالت: سألت أنس بن مالك ﵁ وأنا أرى أن عنده فيه علما - فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأة بشريك بن سحماء (٤) وكان أخا البراء بن مالك لأمّه، فكان أول رجل لاعن في الإسلام. فقال النبي ﷺ : أبصروها فإن جاءت به أبيض
следующие страницы →