الإهداء
إلى من غرسا في نفسي حب الكتاب، والتنقيب
عنه في الخزائن الخاصة والعامة.
إلى والدي العزيزين أهدي هذا الكتاب
رجاء أن يكون لهما فيه من الله تعالى أجر
المؤلف في علم ينتفع به ..
اللهم رحماك بهما، وبالمؤلف، وبجميع
عبادك المؤمنين.
حبيب محمود أحمد
стр. 2
- هـ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين.
وبعد ..
فقد كانت أمنية غالية تراودني كلما عاودت المطالعة والقراءة في كتاب:
«وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» للعلاّمة السمهودي ﵀ الذي أورد نصوصا نقلها عن ابن شبّة في كتابه «تاريخ المدينة المنورة» أن أهتدي إلى نسخة من هذا الكتاب، مخطوطة أو مطبوعة، ودفعتني رغبة ملحّة في أن أجدّ في البحث والاستقصاء؛ علّني أعثر على هذا الكتاب الذي نقل عنه كثير من المحدّثين والمؤرخين ..
وبتوفيق من الله تعالى اهتديت إلى وجود نسخة من تاريخ ابن شبة - مدار البحث - في مكتبة المرحوم السيد محمد مظهر الفاروقي بالمدينة المنورة. وطلبت من حفيده الأخ عمر مظهر تمكيني من تصوير المخطوطة، فتفضل بذلك مشكورا.
وعهدت بقراءتها، ونسخها، وتحقيقها لفضيلة المحقق الكبير الأستاذ فهيم محمد شلتوت، الذي كان له فضل المشاركة عن طريق الصديق الكبير سعادة السيد أحمد هاشم مجاهد في إخراج هذا الكتاب بما بذله من مجهود وعناية ودراسة واهتمام .. تبرز ذلك مقدمته التي أوضح فيها مراحل الكتاب، وما يتعلق به.
стр. 3
- و -
على أنه لا يفوتني في هذا المقام شكر الأخ الدكتور بكري شيخ أمين الذي أشرف على تصحيح الكتاب ومراجعته وتدقيقه ..
وها هو ذا تاريخ المدينة المنورة بين يدي القراء الكرام، بعد أن يسّر الله إخراجه .. فله الفضل والمنة، ولآل مظهر الشكر والتقدير.
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حبيب محمود أحمد
ذو الحجة ١٤٠٢
стр. 4
- ز -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله على نعمائه والشكر لله على أفضاله وآلائه، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله وأكرم أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد:
فلقد أكرمني الله تعالى إذ هيأ لي أن أقوم بتحقيق هذا الكتاب، ويعلم الله وحده كم فرقت وانتابني الخوف حينما أطلعني الصديق الكريم الأستاذ أحمد هاشم مجاهد على مصورة مخطوطته، وحاولت أن أوجهه إلى بعض أساتذتي الأفاضل في ميدان التحقيق، وخصوصا هؤلاء الذين اشتغلوا بالحديث وعلومه، ولهم دراية بفقهه ومعايشة لألفاظه؛ لأنني قد حصرت جهدي في التحقيق في التاريخ الوسيط، اللهم إلا الجزء الخامس من سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي وهو يعالج بعض غزوات الرسول ﷺ .
ولكن أمام رغبة الصديق الأستاذ أحمد مجاهد وما شعرت به من إعزازه لسماحة السيد حبيب محمود أحمد وجدت نفسي عاجزا عن الإصرار على الاعتذار، وقبلت - على خوف ووجل - القيام بالتحقيق. وقلت: إذا استطعت أن أحقق نسبة ثمانين في المائة من تقويم هذا النص وتقديمه للعلماء وطلاب المعرفة، فإن ذلك لا شك سيكون بعون من الله وتوفيقه، وليس بجهد أدعيه خالصا لنفسي.
فخط الكتاب تتعذر قراءته، والخرم والسقط فيه كثير .. وهو من نسخة واحدة، ويعد أقدم المصادر في بابه، ويتعذر أن أجد مصدرا يسبقه قد يساعد على حل معضلاته، إلى جانب أن المجازفة في الاجتهاد محفوفة بمخاطر السقوط في الخطأ. ولعلّي أكون معذورا إذا فاتني استدراك
стр. 5
- ح -
صواب، أو قصر باعي عن سدّ خرم، أو أخطأت في اجتهاد، ولا أستطيع أن أدّعي لنفسي قدرة على حل المغاليق، ويكفي أنني لجأت إلى من لهم سبق في هذا المضمار طالبا العون فأعانوا بقدر ما أفاء الله عليهم من فضل وعذروني فيما توقفت فيه وتحيرت حياله، فالله يجزيهم عني وعن العلم خير الجزاء.
مؤلف الكتاب
هو المحدث الثقة المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري، ولد سنة ١٧٣ هـ، وتوفي سنة ٢٦٢ هـ وقد ترجم له ابن النديم في الفهرست، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في لسان الميزان، والسيوطي في بغية الوعاة.
وقد أجمع كل من ترجموا له على أنه صادق اللهجة، غير مدخول الرواية، عالم بالآثار، راوية للأخبار، أديب فقيه، صاحب نوادر واطلاع، عالم بالقراءات، صاحب تصانيف، بصير بالسير والمغازي وأيام الناس، ثقة في كل ما يروي.
وقد سمع وروى وحدث عن ثقات علماء عصره مثل جبلة بن مالك، ومحبوب بن أبي الحسن، وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن جعفر غندر، وأبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس، وعلي بن عاصم، ويزيد بن هارون، ومؤمل بن إسماعيل، وعمر بن شبيب، وحسين الجعفي، وابن بدر السكوني، ومعاوية بن هشام، وعبد الوهاب ابن عطاء، وأبي عاصم النبيل، ويحيى القطان، ويوسف بن عطية، ومحمد بن سلام الجمحي، وإبراهيم بن المنذر، وهارون بن عبد الله، وغيرهم ممن سيرد ذكرهم في الكتاب الذي بين أيدينا.
وروى عن ابن شبة، وحدث عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله ابن سليمان، وعبد الملك بن عمرو الوراق، وأحمد بن فرج، وأبو
стр. 6
- ط -
شعيب الحراني، وأبو قاسم البغوي صاحب الصحيح، ويحيى بن صاعد، وإسماعيل بن العباس الوراق، ومحمد بن زكريا الدقاق، والقاضي المحاملي ومحمد بن مخلد، ومحمد بن الأثرم، وابن ماجه صاحب السنن، وأبو العباس الثقفي، وأبو نعيم، وعبد الملك الجرجاني، وخلق كثير.
ولقد عاش عالمنا في فترة ثورة فكرية طبقت العالم الإسلامي، واقتحمت فيها الفلسفة ميادين الفكر والثقافة، وكان لها أثرها لدى متكلمي المعتزلة، ونتج عن هذا الأثر القول بخلق القرآن، تلك الداهية الدهياء التي دهي بها الفكر الإسلامي في أواخر سنة مائتين وثماني عشرة إبان عهد الخليفة المأمون بن الرشيد، وكان المحدثون أول من امتحن بها، ولكنهم على كره منهم وافقوا المأمون على قوله بخلق القرآن، ويقال إن من بين هؤلاء بعض أجلاء علماء الحديث مثل: محمد بن سعد الواقدي، وأبي مسلم المستملي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وأبي خثيمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي.
ثم انتقل الأمر إلى الفقهاء، وكأنما تجمعت رزية الفتنة في الإمام أحمد ابن حنبل ﵁؛ فقد لاقى على أيدي زبانية المأمون ثم المعتصم من السجن والتعذيب بالقيود والضرب بالسياط ما لم يسمع بمثله في حق عالم من العلماء.
وكان عالمنا ابن شبة من بين هؤلاء الذين امتحنوا بخلق القرآن، فقد روى الخطيب البغدادي في ترجمته لابن شبة خبرا عن أبي علي الغنوي يقول فيه: امتحن عمر بن شبة بسرّ من رأى بحضرتي، فقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. فقالوا له: من توقف فيه فهو كافر؟ فقال:
لا أكفر أحدا. فقالوا له: أنت كافر. ومزقوا كتبه فلزم داره وحلف ألا يحدث شهرا.
مؤلفات ابن شبة:
وقد ألف ابن شبة في التاريخ، والأدب، والأخبار، واللغة، وعلوم الدين، وأسماء كتبه كما أوردها ابن النديم هي:
стр. 7
- ى -
١ - كتاب الكوفة. ٢ - وكتاب البصرة. ٣ - وكتاب أمراء المدينة، - ولعله تاريخ المدينة الذي بين أيدينا -. ٤ - وكتاب أمراء مكة - ولعله كتاب تاريخ مكة الذي ينقل عنه البخاري. ٥ - وكتاب السلطان.
٦ - وكتاب مقتل عثمان. ٧ - وكتاب الكتاب. ٨ - وكتاب الشعر والشعراء. ٩ - وكتاب الأغاني. ١٠ - وكتاب التاريخ. ١١ - وكتاب أخبار المنصور. ١٢ - وكتاب أخبار محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن ابن الحسن. ١٣ - وكتاب أشعار الشراة. ١٤ - وكتاب النسب ..
١٥ - وكتاب أخبار بني نمير. ١٦ - وكتاب ما يستعجم الناس فيه من القرآن. ١٧ - وكتاب الاستعانة بالشعر وما جاء في اللغات. ١٨ - وكتاب الاستعظام للنحو - وقد أورد ياقوت الفقرة الأخيرة على النحو التالي:
كتاب الاستعظام، وكتاب النحو ومن كان يلحن من النحويين.
ولكن هذه الكتب كلها لم يعثر عليها بعد، وقد تكون عملية عقابه بتمزيقها قد قضت عليها، ولكن بروكلمان يذكر أن كتاب الشعر والشعراء موجود بدار الكتب المصرية، وقد رجعنا إلى دار الكتب واطّلعنا عليه فتبين أن اسمه طبقات الشعراء، وأنه ليس لعمر بن شبة.
ولقد وجدنا نقولا عن ابن شبة لدى البري في تاريخه والبخاري في صحيحه، وأبي الفرج الأصفهاني في أغانيه، وابن أبي بكر في تمهيده، والسمهودي في وفائه.
وأخيرا فقد عثر على هذا الكتاب العالم الجليل الفاضل سماحة السيد حبيب محمود أحمد رئيس مجلس الأوقاف بالمدينة المنورة بالكيفية والصورة التي بينها سيادته في التصدير لهذا الكتاب.
التاريخ للمدن في كتابات المؤرخين المسلمين»:
وقبل أن نتحدث عن كتاب تاريخ المدينة فإننا نمهد لذلك بحديث قصير.
كالمدخلية له.
بدأ اشتغال مؤرخي المسلمين بكتابة سيرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وحولها تفجّرت أفكارهم، فتناولوها من كل جوانبها، ومنذ
стр. 8
- ك -
منتصف القرن الثاني الهجري وحتى وقتنا هذا والكتابة في سيرة الرسول ﷺ شغل كثيرين من مفكري الإسلام. وقد أحصى السخاويّ المتوفى سنة ٩٠٢ هـ حوالي مائة مؤلف تتناول السيرة العطرة، ولعلها الآن قد تجاوزت الآلاف.
وقد اشتغل بعض المؤرخين المسلمين بالتأريخ للمدن الإسلامية، وأخذت كتابتهم صورا متعدّدة من صور المعالجة التاريخية. وإذا كان التأريخ لبعض المدن جاء عرضا في كتب السيرة إلا أنها لم تحظ بوقفات طويلة تروي ظمأ، أو تشفي غلة، اللهم إلا ما كان يتصل بمدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو بمكة المكرمة. لكن تاريخ المدن تناول جوانب عديدة يجد فيها الطالب بغيته.
ويقال إن التأريخ للمدن نشأ في القرن الثالث الهجري، لكننا نقرأ أخبارا عن تواريخ نشأت قبل ذلك؛ مثل تاريخ مكة للحسن البصري المتوفى سنة ١١٠ هـ ومنه نسخة في مكتبة تيمور بدار الكتب المصرية.
وتاريخ المدينة لابن زبالة الذي لا يعلم تاريخ وفاته، ولكنه كان حيّا سنة ١٩٩ هـ. غير أن القرنين الثالث والرابع قد حظيا بكثير من المؤلفات في تواريخ المدن. وكثير منها ينسب لمحمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وكثير ينسب للمدائني علي بن محمد المتوفي سنة ٢١٥ هـ، وكتاب تاريخ مكة للأزرقي المتوفى سنة ٢٤٤ هـ، وكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧ هـ، ثم يأتي دور كتاب تاريخ المدينة لابن شبة وتواريخه الأخرى، ويستمر تيار التأريخ للمدن منطلقا عبر القرون.
وإذا نظرنا إلى طبيعة تواريخ المدن فإننا نجد عناوينها تحدّد طبيعة بعضها؛ فإذا قيل فتوح مصر والمغرب، أو فتوح أرمينيا، أو فتوح الشام، أو قبل طبقات محدثي الموصل، أو شعراء البصرة، أو فضلاء المدينة، أو طبقات علماء أفريقيا وأهل تونس، أو قراء كذا، أو فقهاء كذا، أو ملوك كذا، فقد تحددت طبيعة التأريخ للمدينة.
ولكننا نجد كثيرا من كتب التأريخ للمدن يتناول كلّ ما يتصل بالمدينة
стр. 9
- ل -
سياسيا واجتماعيا ودينيا، ومن نزلها من الصحابة، أو التابعين، ومن برز فيها من القراء والمفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين، وعلماء النحو واللغة، والشعراء والأدباء.
ونجد طبيعة أخرى تتمثل في المعاجم البلدانية، وتتمثل فيما كتبه الرحالة عن المدن من أحاديث تمتزج فيها الخرافة بالحقيقة، وتتمثل فيما كتبه جغرافيو العرب، وفيما كتبه أصحاب الخطط والآثار، من المعلومات الموسوعية عن المدن.
ثم نجد ذلك اللون المتميز عن الكتابة عن المدن، الذي انفرد به القلقشندي صاحب صبح الأعشى المتوفى سنة ٨٢١ هـ، والذي يعتبر نموذجا متكاملا، يتناول مظاهر الحضارة في المدينة أو الإقليم، ويعنى بتوضيح مستوى التمدن والرقي الذي وصل إليه.
ولقد أحصى ابن النديم المتوفى سنة ٤٣٨ هـ من هذه الكتب حوالي ٨٥ كتابا.
وأحصى الصلاح الصفدي المتوفى ٧٦٤ هـ منها حوالي ١١٥ كتابا، وأحصى السخاوي منها حوالي ٣٠٠ كتاب.
ولعلنا لو رجعنا إلى كشف الظنون، ومفتاح السعادة، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سيزجين، والكتب الأخرى التي تعنى بإحصاء المؤلفات. لوجدناها تحصي أكثر من الألف كتاب دون مبالغة.
«كتاب تاريخ المدينة لعمر بن شبة:
بعد التقديم السابق نقول: إن أوّل مؤلف في تاريخ المدينة هو كتاب محمد بن الحسن بن زبالة، إلا أنه لم يعثر عليه بعد، ولولا تلك النقول التي أوردها السمهودي المتوفى سنة ٩١١ هـ في كتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى وغيره من المؤلفين، لظللنا نجهل ذلك الكتاب إلى وقتنا هذا، وقد أفرد هذه النقول المستشرق فستنفيلد منذ قرن من الزمان تقريبا في كتاب سماه تاريخ المدينة لابن زبالة.
стр. 10
- م -
ويليه كتاب أمر المدينة للمدائني علي بن محمد، ولكننا لم نعثر عليه بعد، ثم كتاب أخبار المدينة للزبير بن بكار المتوفى ٢٥٦ هـ، ولكننا أيضا لم نعثر عليه بعد، ثم كتاب تاريخ المدينة لابن شبة.
ولقد ظل هذا الكتاب مجهولا لا نعرف عنه إلا اسمه. ولم يذكر بروكلمان أن مكتبة ما في العالم تحوي نسخة منه، وكان جل اعتقادنا فيما ينسب إلى هذا الكتاب على نقول السمهودي، إلى أن أخرجه الله من ظلمات خزائن الكتب إلى نور الاطلاع والتداول منذ سنوات.
ومخطوطته في ٤٠٤ من الصفحات ورقمها في مكتبة مظهر الفاروقي ١٥٧ تاريخ، ومتوسط سطور الصفحة ٢٧ سطرا، ومتوسط كلمات السطر عشرون كلمة، وقد كتبت المخطوطة بخط دقيق غير منقوط إلا نادرا، ولا نستطيع أن نحكم عليه بأنه نسخي عادي، ولا أنه ينتسب للون بعينه من ألوان الخط العربي، فهو غير محرر الرسم للحروف والكلمات، ولا يستطيع قارئ مهما أوتي من الخبرة والدراية أن يقيم قراءة سطر من سطوره دفعة واحدة.
وليس في الكتاب ما يدل على أنه من خط عالم بعينه وإن جاء في هامش صفحة من صفحاته ما يشير إلى أنه بخط السخاوي، لكن هذا الخط يشبه إلى حد كبير خط الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ بحيث لا يمكن التمييز بينه وبين ما وجد بخطه من الكتب المحفوظة بدار الكتب المصرية. وأيا ما يكون الأمر فإنه لا يمكننا أن نغفل ما ذكره السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» في حديثه عن الكتب التي ألفت عن المدن الإسلامية:
«المدينة النبوية لعمر بن شبة» كما في ترجمته، وهو عند صاحبنا ابن فهد، نقله من نسخة بخط شيخنا - أي ابن حجر العسقلاني - كانت عند ابن السيّد عفيف الدّين» وهذه المقولة تؤكد وجود نسخة من الكتاب بخط الحافظ ابن حجر، وتجعلنا بالتالي نرجح أنها هي نسخة مكتبة مظهر الفاروقي.
المؤلف يورد الأخبار على طريقة المحدثين ومنهجهم، فيذكر سنده كاملا إلى أن يصل شاهد الحادثة أو سامعها أو ناقلها.
стр. 11
- ن -
والكتاب في صورته التي وصلنا بها يضم ثلاثة أقسام:
أولها عن حياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة، وهو ناقص من أوله ومن آخره ومضطرب الترتيب إذا قورن بما على شاكلته من الكتب.
ويليه قسم آخر عن حياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في المدينة، وهو أيضا ناقص من أوله وناقص من آخره.
ويليه قسم ثالث عن حياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المدينة، وهو ناقص من أوله ومن آخره أيضا. ولا تخلو الأقسام الثلاثة من سقط وبياض وخرم يتراوح بين الكلمة والصفحة، ولكنه يكثر في القسم الثالث.
ويلاحظ أن الكتاب لا يضم تاريخا لخليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁. وهذا يدعو إلى افتراض أحد فرضين: إما أن المؤلف ضمن كتابه تاريخ أبي بكر، ولكنه فقد من الكتاب في محنته التي أشرنا اليها سابقا والتي عوقب فيها بتمزيق كتبه، وإما أنه أهمل تاريخ أبي بكر؛ لأن عصره كان قصيرا قضاه أبو بكر مشتغلا بحروب الردة مما صرفه عن الاهتمام بالحياة العمرانية للمدينة وغير العمرانية من أمور الدنيا، والله أعلم أي الفرضين هو الصواب.
والقسم الأول: يمكن أن يقال بشأنه إنه يؤرخ لحياة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة منذ أن هاجر إليها إلى أن لحق بالرفيق الأعلى ويعالج من خلال ذلك الحياة العمرانية للمدينة من حيث إقامة المساجد وتخصيص الصدقات، وتخطيط الأحياء وإنزال القبائل في أحياء خاصة بهم وتخطيط الأسواق ومقابر المدينة وذكر الآبار والعيون وحدود المدينة وما حولها من جبال ووديان ومجتمع مياهها ومخايضها وما حماه النبي ﷺ لإبل الصدقة وغيرها.
وهو في ذلك يعد أقدم نص وصلنا عن تاريخ العمران في مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 12
- س -
والقسم الثاني: مؤرخ لحياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في المدينة منذ تولى الخلافة حتى لحق بالرفيق الأعلى شهيدا على يد أبي لؤلؤة المجوسي، وقد عني فيه بالإصلاحات التي أدخلها عمر على مرافق المدينة، والتوسيعات التي أجراها في مسجد الرسول، كما عني بشرح سياسة الخليفة عمر في إرساء قواعد العدل، ومراقبته للولاة وأولي الأمر في إدارة شئون الرعية، ومعالجته الأزمات الاقتصادية وبخاصة في عام الرمادة، وتنمية بيت المال بحيث أصبح يضمن رزقا لكل مسلم حتى الطفل الرضيع. وحماية الأحماء لترعى فيها خيول الجهاد وإبل الصدقة ..
والحديث عن رحلاته إلى الشام، وتفقده لأحوال المسلمين، وإرسائه أسس العلاقة مع أهل الذمة في تلك البلاد.
وإذا كان هناك من كتب عن حياة عمر بن الخطاب ﵁ في كتب التاريخ العام كالطبري، أو في كتب التاريخ الخاص كأنساب الأشراف، وكتب الطبقات، أو في كتب المناقب كابن الجوزي في مناقب عمر، وابن عنان في الغوث الأكبر في مناقب الجد الأعظم عمر، أو غير ذلك؛ فإن ما كتبه ابن شبة عن عمر ﵁ يعتبر النصّ الرائد في هذا المجال؛ من حيث قرب العهد، وتوثيق الأخبار والنصوص، والصدق في العرض مع غزارة المادة.
والقسم الثالث: يؤرخ لحياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ويعني بخاصة بجمع الناس على نسخة واحدة من القرآن والأسباب التي دعت لذلك، وكيف كتب المصحف، كما يعنى بالحديث عن الفتوحات وسعة الأرزاق، والرفاهية التي عاشها أهل المدينة، وكيف دخل على المجتمع المدني بعض أنواع اللهو، ومحاربة أمير المؤمنين للعب النرد، ورمي الجلاهقات (قوس البندق) وتطيير الحمام.
ثم تناول بالتوسع الأحداث التي سبقت الفتنة الكبرى، وتطور تلك الأحداث، وما روي عن مواقف بعض الصحابة منها.
стр. 13
- ع -
والنهاية الأليمة التي لقيها أمير المؤمنين بين المدافع عنه والخاذل، والتي فتحت أبواب الشر على المجتمع الإسلامي.
ولعلنا لا نجد نصا قديما قد عالج حياة عثمان والمجتمع المدني وأحداث الفتنة بمثل الدقة والتوسع، والاستيثاق والحيدة في الأحكام يضارع أو يقرب مما كتبه ابن شبة في هذا الكتاب، مما يجعله أهم النصوص الأصيلة التي بين أيدينا.
وأخيرا، فإذا كان هذا الكتاب قد مني بحظ عاثر فتأخر اكتشافه، وتأخر تحقيقه، إلا أننا نستطيع أن نقول: إنه بفضل الله تعالى، وبفضل الغيورين على العلم والأوفياء لمدينة الرسول ممثلين في سماحة السيد حبيب محمود أحمد نضم إلى الأصول الرائدة في تاريخ السيرة النبوية، والحياة الإسلامية في مدينة الرسول في الحقبة التي تولى أمور المسلمين فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵄ كتابا آخر هو تاريخ المدينة لعمر بن شبة النميري البصري.
ونحمد الله تعالى على أنه سدد الخطى، وبارك في الجهد، وسهل الصعب حتى تم تحقيق الكتاب، وهو وحده نعم المولى ونعم النصير، ولعلي أكون عند حسن ظن بعض الأساتذة الأفاضل الذين أشفقوا عليّ حينما علموا بإقدامي على تحقيق هذا الكتاب.
وأخيرا فإني أشكر كل من تفضل بمعاونتي في صورة ما من صور المعاونة، وأدعو الله أن يجزيهم عني وعن العلم أحسن الجزاء ..
فهيم محمد شلتوت
مكة المكرمة
في ١٤ من رجب سنة ١٣٩٩
(٨ من يونية سنة ١٩٧٩ م)
стр. 14
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الصلاة على الجنائز) (١)
*. . . . . . . (٢) قال: إن أوّل ما قدم (٣) رسول الله ﷺ المدينة (كان) (٤) إذا احتضر منا الميّت آذنّا رسول الله ﷺ فحضره واستغفر له، حتي إذا قبض انصرف النبي ﷺ ، وشهد موت جابر (٥) فربما طال حبس ذلك على رسول الله ﷺ .
стр. 15
فلما خشينا مشقّة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النّبيّ ﷺ بأحد حتى يقبض، فإذا قبض آذنّاه فلم يكن عليه في ذلك مشقّة ولا حبس، ففعلنا ذلك. وكنا نؤذنه بالميّت بعد أن يموت فيأتيه ويصلي عليه، فربما انصرف وربما مكث حتى يدفن. فكنا على ذلك حينا، فقلنا: لو لم نشخص رسول الله ﷺ ، وحملنا جنائزنا إليه حتى يصلي عليها عند بيته كان ذلك أرفق به، ففعلنا، فكان ذلك الأمر إلى اليوم.
* حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا هلك الهالك شهده فصلى عليه حيث يدفن، فلما ثقل رسول الله ﷺ وبدّن نقل إليه المؤمنون موتاهم يصلي عليهم، فصلى رسول الله ﷺ على الجنائز عند بيته في موضع الجنائز اليوم، ولم يزل ذلك جاريا (١)
. . . . . . . صلى رسول الله ﷺ على عمير (٢) عند بيته.
*. . . . . . . (٣) صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
стр. 16
قال مالك، وحدثنا نافع قال صلّي على عمر في المسجد.
حدثنا أبو داود قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، عن سالم أبي النضر، عن عائشة ﵂ قالت: صلّي على سهيل بن بيضاء في المسجد، فقال رجل لعبد العزيز: كان مالك ابن أنس يقول في هذا الحديث: إن النبي ﷺ صلى عليه. قال: كان مالك أعلم بالحديث مني.
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني من أثق به: أنه كان في موضع الجنائز نخلتان إذا أتي بالموتى وضعوا عندهما فصلّي عليهم، فأراد عمر بن عبد العزيز - حين بنى المسجد - قطعهما، فاقتتلت فيهما بنو النجار. فابتاعهما عمر فقطعهما.
(باب ذكر مقام جبريل ﵇ (١)
قال أبو غسان: علامة مقام جبريل ﵇ الذي يعرف بها اليوم: أنك تخرج من الباب الذي يقال له «باب آل عثمان» فترى على يمينك إذا خرجت من ذلك الباب على ثلاث أذرع وشبر، وهو من الأرض على نحو من ذراع وشبر حجرا أكبر من الحجارة
стр. 17
التي بها جدار المسجد ذلك (١) قال: فكان مالك بن أنس يقول:
ما أرى مقام جبريل (٢).
*. . . . . . . (٣) إلى تهامة فظلم رجلا يقال له دبّ، فجاء دبّ إلى مقام مروان حيث يريد أن يكبّر، فضربه بسكين معه فلم يفعل (٤) شيئا، وأخذه مروان، فقال:
ما حملك على ما صنعت؟ قال: بعثت عاملك فأخذ منّي بقرة فتركني وعيالي لا نجد شيئا، وأنا امرؤ خباث النفس، فقلت:
أذهب إلى الذي بعثه فأقتله فهو أصل هذا، فجاء ما ترى. فحبسه مروان في الحبس حينا، ثم أمر به فاغتيل سرّا، وعمل المقصورة.
*حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أشياخه: إن أوّل من عمل مقصورة بِلَبِنٍ عثمان بن عفّان ﵁، وكانت فيها كوى ينظر الناس منها إلى الإمام، وأن عمر ابن عبد العزيز عملها بالسّاج.
*حدثنا محمد بن يحيى، عن يعقوب، عن بكّار، عن مشيخة منهم عيسى بن محمد بن السائب، ومحمد بن عمرو بن مسلم
стр. 18
ابن السائب، وعمر بن عثمان بن عبد الرحمن: أن عثمان بن عفّان ﵁ أول من وضع المقصورة من لبن (١)، واستعمل عليها السائب بن خبّاب، وكان رزقه دينارين في كل شهر، فتوفّي عن ثلاثة رجال: مسلم، وبكير، وعبد الرحمن، فتواسوا في الدينارين، فجريا في الديوان على ثلاثة منهم إلى اليوم.
(باب ما جاء في القصص والقاصّ وجمع الصحف) (٢)
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة قال: إن أول من جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمان ابن عفان، ثم وضعه في المسجد (٣) فأمر به يقرأ كل غداة.
قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محرز بن ثابت مولى مسلمة بن عبد الملك، عن أبيه قال: كنت في حرس الحجّاج ابن يوسف، فكتب الحجاج المصاحف، ثم بعث بها إلى الأمصار، وبعث بمصحف إلى المدينة، فكره ذلك آل عثمان، فقيل لهم:
أخرجوا مصحف عثمان، يقرأ. فقالوا: أصيب المصحف يوم قتل عثمان ﵁. قال محرز: بلغني أن مصحف عثمان بن عفان
стр. 19
صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان. قال: فلما استخلف المهديّ بعث بمصحف إلى المدينة فهو الذي يقرأ (١) فيه اليوم، وعزل مصحف الحجاج، فهو في الصندوق الذي دون المنبر.
(ذكر القصص)
حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال، حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرّة أن عوف بن مالك الأشجعيّ دخل وابن عبد كلال مسجد حمص، فإذا جماعة على رجل، فقال عوف: ما هذه الجماعة؟ قالوا: كعب (٢) يقصّ على الناس. قال: يا ويحه!، أما سمع قول رسول الله ﷺ ، لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مراء أو مختال (٣).
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا العوام بن حوشب قال، حدثني عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد وكعب يقصّ فقال: من هذا؟ قالوا:
كعب. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلّف. قال: فبلغ ذلك كعبا، فما رئي يقصّ بعد (٤).
стр. 20
حدثنا محمد بن مصعب قال: حدثنا الأوزاعيّ، عن عبد الله بن عامر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال، قال رسول الله ﷺ : لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو مراء.
حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي قال: حدثنا بكر بن معروف قال: أحسبه عن مقاتل بن حيان قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵁ بقاصّ، فخفقه بالدّرة وقال: ما أنت؟ قال: مذكّر. قال:
كذبت، قال الله جلّ ثناؤه ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (١) ثم خفقه بالدّرة فقال: ما أنت؟ قال: ما أدري ما أقول لك؟ قلت: قاصّ.
فرددت عليّ، وقلت. مذكّر. فرددت عليّ: فقال: قل: أنا أحمق مراء متكلف (٢).
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا علي بن أبي بكر قال، حدثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لم يقصّ على عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد أبي بكر، ولا عهد عمر.
حدثنا أحمد بن جناب قال، حدثني عيسى بن يونس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن غضيف
стр. 21
ابن الحارث الثّماليّ: أن عبد الملك بن مروان سأله عن القصص ورفع الأيدي على المنابر فقال: إنّه لمن أمثل ما أحدثتم، فأما أنا فلا أجيبك إليهما، إنّي حدّثت عن النبيّ ﷺ أنه قال: ما من أمّة تحدث في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السّنة، فالتمسك من السنة (١) أحبّ إلي من إحداث البدعة.
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن الشيباني قال: أول من أحدث قصص العامة معاوية ﵁ فأرسل إلى رجل يريد أن يوليه القصص فقال له: جز لي. فقال: اجلس في بيتك.
حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى: أن رجلا استأذن عمر ﵁ في القصص فقال:
وددت لو أنك رفعت إلى الثريا ثم رمي (٢) بك إلى الأرض، فإياك وإياه، فإنه الذّبح.
حدثنا أيوب بن محمد البرقي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن السري بن يحيى قال:، قيل للحسن: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان ﵁. فقيل: (من) (٣) أوّل من قصّ؟ قال: تميم الدّاريّ ﵁.
стр. 22
حدثنا محمد بن يحيي قال، أنبأنا عبد الله بن موسى التّيميّ عن ابن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب قال: أوّل من قصّ في مسجد رسول الله ﷺ تميم الداريّ: استأذن عمر ﵁ أن يذكر الله مرّة فأبى عليه، ثم استأذن أخرى، فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته، فأذن له أن يذكّر يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر ﵁. فأستأذن تميم ﵁ في ذلك عثمان بن عفان ﵁ فأذن له أن يذكّر يومين من الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك (١).
حدثنا محمد بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع وغيره من أهل العلم: أنه لم يكن يقصّ في زمن النبي ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر ﵄، وإنما كان القصص حديثا أحدثه معاوية ﵁ حين كانت الفتنة (٢).
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: خرج عمر ﵁ إلى المسجد، فرأى حلقا في المسجد فقال: ما هؤلاء؟ فقالوا: قصّاص، فقال: وما القصّاص؟ سنجمعهم على قاصّ يقصّ لهم في يوم سبت مرة إلى مثلها من الآخر. فأمّر تميم الداريّ ﵁.
حدثنا موسى بن مروان البرقي قال، حدثنا محمد بن حرب الخولاني، عن الزبيري، عن الزهري، عن السائب بن يزيد: أنه
стр. 23
لم يكن قصّ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁، كان أوّل من قصّ تميم الداريّ ﵁. استأذن عمر ابن الخطاب ﵁ أن يقصّ على الناس قائما، فأذن له عمر ﵁ (١).
حدثنا أبو عاصم عن ابن أبي رواد، عن نافع: أن تميما الداريّ ﵁ استأذن عمر ﵁ في القصص فقال:
إني أخاف أن يجعلك الله تحت أقدامهم - وقال أبو عاصم مرة: إنه الذبح، وأشار إلى حلقه - فقال: إن لي فيه نيّة، وأرجو أن أوجر فيه. فأذن له، قال: وجلس إليه هو وابن عباس ﵄.
وقال أبو عاصم مرّة: وجلس إليه في أصحابه وهو يقص، فسمعه يقول: «إيّاك وزلّة العالم» فأراد أن يسأله عنها، فكره أن يقطع به.
قال: وتحدّث هو وابن عباس ﵄ وتميم يقصّ، وقاما قبل أن يفرغ.
حدثنا ابن أبي رجاء قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب: أنه سئل عن القصص فقال: لم يكن إلا في خلافة عمر ﵁، سأله تميم ﵁ أن يرخّص له في مقام واحد في الجمعة، فرخّص له (فسأله) (٢) أن يزيده فزاده مقاما آخر.
ثم استخلف عثمان ﵁ فاستزاده، فزاده مقاما آخر، فكان يقوم ثلاث مرّات في الجمعة.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، أنبأنا أبو عثمان قال:
حدثنا عتبة أن تميما الداريّ ﵁ استأذن عمر ﵁
стр. 24
أن يقصّ، فقال: لا. ثم استأذن أيضا، فقال: أما إني آذن لك فيه، وأعلمك أنه الذبح، وأشار إلى حلقه.
حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عطاء بن أبي رباح قال:
أمر عمر بن الخطاب ﵁ عبيد بن عمير (١) أن يذكّر الناس بعد الصبح وبعد العصر في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، فلم يزل ذلك جاريا إلى اليوم.
حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن ابن مسعود الجريري - من بني جرير بن عباد من بني قيس بن ثعلبة - عن أبي نضرة:
أن عائشة ﵂ قالت لقاص المدينة: ضع صوتك عن جلسائك، وتحدّث ما أقبلوا عليك بوجوههم، فإذا أعرضوا عنك فأمسك، وإيّاك والسجع في الدعاء.
حدثنا علي بن أبي هاشم قال، أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن عامر قال: قالت عائشة ﵂ لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاث لتتابعنني عليهن أو لأناجزنّك، قال: ما هن يا أم المؤمنين؟ بل أتابعك أنا. قالت: إيّاك والسّجع في الدعاء، فإني عهدت النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لا يفعلون ذلك، وقصّ على الناس في كل جمعة مرّة، فإن أبيت فمرّتين، فإن أكثرت فثلاث، ولا تملّ الناس، ولا ألفينّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم فتغمّهم، ولكن أنصت فإذا حدوك عليه وأمروك به فحدّثهم (٢).
стр. 25
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، عن نافع: أن ابن عمر ﵄: لم يكن يجلس إلى القاصّ، إلاّ أنه زحم يوما وكثر الناس، فإذا هو بموسى بن يسار يقصّ، فاستمع له، فلما فرغ قال ابن عمر ﵄: هكذا يتكلّم.
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا يحيى بن سعيد: أن سعيد بن المسيب كان يكون في مجلسه الذي يجلس فيه - وهو غير بعيد عن القاص - فكان القارئ يقرأ السجدة ويسجد الناس معه، ولا يسجد سعيد، فذكر ذلك له فقال: إني لم أجلس إليه.
حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة قال: كان مسلم بن جندب (١) قاصّا لأهل المدينة فقرأ سجدة بعد صلاة الصبح. فقال سعيد بن المسيّب: لو كان لي على هذا الأعرابي الجافي سلطان، لم أزل أضربه حتى يخرج من المسجد.
حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا عبيد الله ابن عامر، عن نافع قال: كان قاصّ الجماعة يقصّ فيحلق حلقة حول القاسم (٢)، ولا يدخل معهم في قصصهم.
стр. 26
حدثنا بشر بن عمر قال، أنبأنا مالك بن أنس: أن عمر ابن عبد العزيز أمر رجلا وهو بالمدينة أن يقصّ على الناس، وجعل له دينارين كل شهر، فلما قدم هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير كل سنة.
حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو مكين قال: سألت نافعا عن القصص فقال: أوّل من قصّ تميم الداريّ ﵁ على عهد عمر ﵁، فكان يقوم فيتكلم، فإذا جاء عمر ﵁ أمسك، وقد علم ذلك عمر ﵁.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا عاصم بن محمد، عن نافع (عن ابن عمر ﵄ (١) قال: قلت له أذكرت هذا الحديث عن أبيك؟ قال: نعم، قال: أرسلت عائشة ﵂ إلى أبي عمر ﵁ في قاصّ كان يقعد على بابها:
إنّ هذا قد آذاني وتركني لا أسمع الصوت، فأرسل إليه فنهاه، فعاد، فقام إليه أبي عمر ﵄ بعصاه حتى كسرها على رأسه.
حدثنا الحطيم بن موسى قال، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزّهري: أن عثمان بن عفّان ﵁ مرّ على قاصّ في مسجد رسول الله ﷺ ، فلما رآه القاصّ قرأ آية السجدة، فقال عثمان ﵁: إنما السجدة على من جلس لها واستمع لها.
стр. 27
حدثنا محمد بن يحيى، عن مالك، عن أنس قال: عمر ابن عبد العزيز رزق قاصّ الجماعة بالمدينة.
(ذكر البلاط الذي حول المسجد)
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا من نثق به من أهل العلم: أن الذي بنى حوالي مسجد رسول الله ﷺ بالحجاز معاوية بن أبي سفيان ﵄، أمر بذلك مروان ابن الحكم، وولى عمله عبد الملك ابن مروان، وبلّط ما حول دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز، وحدّ ذلك البلاط الغربي ما بين المسجد إلى خاتم الزوراء عند دار العباس بن عبد المطلب ﵁ بالسّوق، وحدّه الشرقي إلى دار المغيرة بن شعبة ﵁ التي في طريق البقيع من المسجد. وحدّه اليماني إلى حدّ زاوية دار عثمان بن عفان الشارعة على موضع الجنائز، وحدّه الشاميّ وجه حش (١) طلحة خلف المسجد، وهو في الغرب أيضا إلى حدّ دار إبراهيم بن هشام الشارعة على المصلّى. وللبلاط أسراب ثلاثة يصبّ فيها مياه المطر، فواحد بالمصلّى عند دار إبراهيم بن هشام، وآخر على باب الزّوراء عند دار العباس بن عبد المطلب بالسّوق، ثم يخرج ذلك الماء إلى ربيع في الجبّانة عند الحطّابين، وآخر عند دار أنس ابن مالك في بني حديلة عند دار بنت الحارث.
حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد بن يحيى، ومحمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله قال: بلّط مروان بن الحكم البلاط بأمر معاوية ﵁، وكان
стр. 28
مروان بلّط ممرّ أبيه الحكم إلى المسجد، وكان قد أسنّ وأصابته ريح، فكان يجرّ رجليه فتمتلئ ترابا؛ فبلّطه مروان لذلك السبب.
فأمره معاوية ﵁ بتبليط ما سوى ذلك مما قارب المسجد، ففعل. وأراد أن يبلّط بقيع الزّبير، فحال ابن الزّبير بينه وبين ذلك، وقال: تريد أن تنسخ اسم الزبير ويقال بلاط معاوية؟ قال:
فأمضى مروان البلاط، فلما حاذى دار عثمان بن عبيد الله ترك الرّحبة التي بين يدي داره، فقال له عبد الرحمن بن عثمان: لئن لم تبلّطها لأدخلنّها في داري، فبلّطها مروان.
(ذكر المرمر الذي بين يدي المنبر)
حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: رأيت طنفسة كانت لعبد الله بن حسن بن حسن، تطرح قبالة المنبر على مرمر كان ثمّ قبل (أن) (١) يعمل هذا المرمر، فحبس عبد الله بن حسن في سنة أربعين ومائة وبقيت الطّنفسة بعد حبسه أيّاما ثم رفعت. فلما ولي الحسن بن زيد بن حسن بن علي ابن أبي طالب المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة غيّر ذلك المرمر وعمله ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسّواري على ما هو عليه اليوم. فكلّمه رجل كان فاضلا كان يصلي هناك يقال له أبو مودود عبد العزيز بن [أبي] (٢) سليمان مولى الهذيل: أن يدع له مصلاّه فتركه ولم يلحقه بالأساطين المقدمة. فالمرمر المرتفع حول المنبر
стр. 29
عن المرمر المفروش بين ست (١) أساطين؛ ثلاث من قبل القبلة، وثلاث من قبل المشرق، وثلاث من قبل المغرب.
قال: وقدم المهدي حاجّا في سنة إحدى وستين ومائة فقال لمالك بن أنس: إني أريد أن أعيد منبر رسول الله ﷺ إلى حاله التي كان عليها. فقال له مالك: إنّه من طرفاء وقد سمّر إلى هذه العيدان وشدّ، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك، فلا أرى أن تغيّره. فانصرف رأي المهدي عن تغييره.
(ذكر البزاق في المسجد وسبب ما جعل فيه الخلوق)
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا عمر بن سليم قال، حدثنا أبو الوليد قال، قلت لابن عمر ﵄:
ما بدء الزّعفران؟ - يعني في المسجد - فقال: رأى رسول الله ﷺ نخامة في المسجد فقال: ما أقبح هذا! من فعل هذا؟ فجاء صاحبها فحكّها وطلاها بزعفران، فقال رسول الله ﷺ : هذا أحسن من ذلك (٢).
حدثنا هارون بن معروف قال، أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة ابن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبو اليسر، ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله ﵄ في مسجده، وهو يصلي
стр. 30
في ثوب واحد مشتملا به، فتخطّيت القوم حتى جلست بينه وبين القبلة، فقلت له: رحمك الله، تصلّي في ثوب واحد، وهذا رداؤك إلى جنبك؟ فقال: فقال بيده في صدره هكذا وفرق بين أصابعه ففرشها: أردت أن يدخل عليّ أحمق مثلك فيراني كيف أصنع فيصنع مثله؛ أتانا رسول الله ﷺ في معرضنا (١) هذا وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة مسجدنا نخامة فحكّها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: أيّكم يحبّ أن يعرض الله عنه؟ قلنا: لا أيّنا يا رسول الله: قال: فإنّ أحدكم إذا قام يصلّي فإنّ الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق قبل يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليفعل هكذا بثوبه، ثم طوى بعضه على بعض. أروني عبيرا، فقام فتى من الحيّ يشتدّ إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه النبي ﷺ على رأس العرجون ثم لطّخ به على أثر النّخامة. قال جابر ﵁: فمن هنالك جعلتم الخلوق في مساجدكم.
حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يمسك العراجين في يده، فدخل المسجد وفي يده عرجون، فرأى نخامة في المسجد فحكها حتى أنقاها حكّا، ثم أقبل على الناس مغضبا فقال: أيحبّ أحدكم أن يستقبله الرجل فيبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا قام في صلاته،
стр. 31
فإنما يستقبل ربّه، فلا يبصق قبالة وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره؛ فإن غلبته بادرة ففي ثوبه وأشار يحيى بطرف ردائه (١).
حدثنا زهير بن حرب قال أنبأنا سفيان عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد فحكّها بحصاة ثم نهى أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه، وقال:
يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى (٢).
حدثنا سفيان قال، أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن إبراهيم ابن إسماعيل، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قال: كلّ قد حدثني عن رسول الله ﷺ : أنه رأى نخامة في حائط المسجد فأخذ حصاة فحتّها، ثم أقبل على الناس فنحب (٣) عليهم ثم قال: إذا تنخّم أحدكم فلا يتنخّم وجاهه، وليتنخم عن يساره.
حدثنا أحمد بن عيسي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد ﵄ يقولان: رأى رسول الله ﷺ نخامة في القبلة فأخذ حصاة فحكّها، ثم قال: لا يتنخم
стр. 32
أحدكم في القبلة، ولا عن يمينه، وليتنخم عن يساره، أو تحت رجله اليسرى (١).
حدثنا غندر قال، حدثنا عبد الله بن سعيد قال، سمعت نافعا يحدث عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأى النبي ﷺ في قبلته نخامة، فأخذ شيئا فحكّها ثم قال:
لا يتنخم أحدكم في قبلته، فإن الله مواجهه، ولكن ليتنخم عن يساره أو تحت رجله.
حدثنا أبو عاصم قال، حدثني ابن أبي روّاد، عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ صلّى فرأى نخامة في القبلة، فلما انصرف أتاها فحكّها ثم قال: إن أحدكم إذا صلّى، فإن ربّه أمامه، ولا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره.
حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن النّبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد فحكّها، ثم أقبل على الناس فتغيّظ عليهم ثم قال: إن الله قبل وجه أحدكم في صلاته، فلا يتنخمنّ أحدكم قبل وجهه في صلاته.
حدثنا خلاّد بن يزيد، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع (٢) عن ابن عمر ﵄: أن النّبي ﷺ صلّى ذات يوم فرأى في قبلة المسجد نخامة، فلما قضى صلاته أخذ
стр. 33
عودا فحكّها. ثم دعا بخلوق فخلّق مكانها، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إذا صلّى أحدكم فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه، فإنه يستقبل الرّب جلّ وعزّ بوجهه (١).
حدثنا عبد الله بن بكر قال، حدثنا حميد ﵁:
رأى النّبيّ ﷺ نخامة في القبلة فكرهها حتى عرف ذاك في وجهه، فحكّها وقال: إن أحدكم - أو قال: إنّ المرء - إذا قام لصلاته فإنه يناجي ربّه، فإن ربّه بينه وبين قبلته، فليبزق عن يساره أو تحت قدمه - ثم أخذ ثوبه فبزق فيه، ثم ردّ بعضه على بعض وقال: أو ليفعل هكذا (٢).
حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: رأى النبيّ ﷺ في القبلة نخامة فوجد من ذلك حتى رئي شبه ذلك في وجهه، ثم قام فحكّه ثم قال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربّه - أو ربّه بينه وبين القبلة، قال حميد: لا أدري أيّها قال - فلا يتفل في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه. ثم تنخّم النبي ﷺ في طرف ردائه، ثم ردّ بعضه على بعض، ثم قال: أو يفعل هكذا (٣).
стр. 34
حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ثابت، عن أبي نضرة: أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب غضبا شديدا حتى كاد يدعو على صاحبها، ثم قال: لا يبزق أحدكم في قبلته، فإنّ ربّه مستقبله، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، فإن كان عن يساره أحد فليبزق في ثوبه. وبزق النبيّ ﷺ في ثوبه وحكّ بعضه ببعض.
قال وحدثنا حماد، عن حميد، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، مثله.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد عن ثابت، عن أبي نضرة: مثله - إلاّ أنه قال: فإن كان عن يساره أحد يكره أن يبزق نحوه، فليبزق في ثوبه.
قال وحدثنا حماد، عن حميد، عن أنس ﵁، بنحوه.
قال وحدثنا حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة: أن ذلك الذي بزق في قبلته، جاء بشيء من زعفران فطلى ذلك المكان، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ (١).
قال وحدثني حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ رأى في قبلته نخامة فحتّها بيده (٢).
стр. 35
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا شجاع بن الوليد قال، حدثنا ليث، عن محارب بن دثار، عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: أبصر رسول الله ﷺ في حائط المسجد بزاقا فحكّه على خرقة، فأخرجه من المسجد، فجعل مكانه شيئا من طيب أو زعفران أو ورس (١).
حدثنا عاصم قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن أبي سعيد ﵁ قال: رأيت واثلة بن الأسقع ﵁ دخل مسجد دمشق فصلّى فيه فبزق تحت رجله اليسرى ثم عركها، فلما انصرفت قلت له: أنت صاحب رسول الله ﷺ تبزق في المسجد؟ قال: هكذا رأيت النبي ﷺ صنع.
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن محمد بن عامر بن سعيد، عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا تنخّم أحدكم في المسجد فليغيّب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه (٢).
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا عبد الله بن عامر، عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن محمد بإسناده: مثله.
حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة:
أن أنس بن مالك ﵁ حدّث: أن رسول الله صلى الله عليه
стр. 36
وسلم قال: النّخامة في المسجد خطيئة وكفّارتها دفنها (١).
حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا شعبة وهشام، عن قتادة، عن أنس ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: - قال شعبة -: البزاق، - وقال هشام - التّفل في المسجد خطيئة وكفّارتها دفنها (٢).
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن واصل، عن أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذرّ الغفاريّ ﵁، عن النبي ﷺ قال: عرضت عليّ أمتي بأعمالها حسنة وسيّئة، فرأيت في سيّئ أعمالها النّخامة في المسجد لا تدفن (٣).
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ : مثله.
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا أبو عبيد، عن الحسين ابن واقد، عن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: من تنخّم في المسجد فسيّئة، ومن دفنه فحسنة (٤).
стр. 37
حدثنا القعنبي قال، حدثنا ابن لهيعة، عن المقدام بن سلامة، عن عباس بن خليد الحرثي أنه سمعه يقول: إذا تنخّم الرجل في المسجد امتعض (١) المسجد من النخامة كما يمتعض المعصور من الكف.
حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن رجل من فزارة، عن زياد بن ملقط، عن أبي هريرة ﵁ قال: إن المسجد لينزوي من النّخامة كما ينزوي الجلد من النار (٢).
حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرّة، أن النبي ﷺ بزق في المسجد فمسح عليه بنعله - أو قال: بخفّه (٣).
حدثنا أبو داود قال، حدثنا حرب بن شدّاد، عن يحيى:
أنّ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ بزق في المسجد ولم يدفنه، فجاء بمصباح فالتمسه حتى دفنه.
حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن إبراهيم ابن مهاجر، عن مجاهد قال: بزق ابن قتادة ﵁ في المسجد فذهب فجاء بمصباح فطلبها حتى وجدها فدفنها، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني بخطيئتي.
حدثنا محمد بن يحيى عن أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر
стр. 38
قال: كنت أنا ومحمد بن أبي بكر جالسين في المسجد، فشرب محمد ابن أبي بكر فتمضمض وصبّه في المسجد، فقال له القاسم بن محمد:
أتتمضمض في المسجد؟ فقال له: أنت تصنع فيه شرّا من ذلك؛ النخامة والمخاط. قال القاسم: إن ذلك ما لا بدّ للناس منه، فأمّا ما منه بدّ فاعزله عن المسجد.
حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك، عن أبي مودود، عن عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : من دخل مسجدي هذا فبزق أو تنخّم فليحفر. فليبعد، فليدفنه؛ فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه حتى يخرج به (١).
حدثنا محمد بن يحيى، عن يعلى بن عبيد، عن محمد ابن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: من تنخّم في المسجد بعث يوم القيامة وهي في وجهه (٢).
حدثنا محمد بن يحيى، عن الحكم بن سليم، عن أيوب ابن سليمان بن يسار: أن النبي ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد فحكّها وخلّق مكانها.
حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد، عن سعيد الجريري، عن طاوس: أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ بزق ذات ليلة في المسجد ثم ذهب، ثم رجع بشعلة من نار فجعل يتتبّع بزقته حتى وجدها ثم دفنها.
стр. 39
حدثنا موسى قال، حدثنا حماد أبو سفيان الزهري: أن رسول الله ﷺ قال: دخلت الجنة فرأيت ما لا أحصي من حسنات بني آدم وسيّئاتهم، وأن البزاق في المسجد سيّئة، ومسحها حسنة.
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: البزاق في المسجد خطيئة وكفّارته دفنه (١).
حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا شعبة، عن منصور قال:
ذكرت لإبراهيم قول مجاهد: البزاق في المسجد خطيئة فقال إبراهيم:
كفّارتها دفنها (٢).
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا إبراهيم بن قدامة، عن أبيه: أن عثمان بن مظعون ﵁ تفل في القبلة، فأصبح مكتئبا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا؟ قال: لا شيء إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلّي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها، ثم عملت خلوقا فخلّقتها؛ فكانت أوّل من خلّق القبلة (٣).
حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن كثير بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن أبي سعيد ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ :
البزاق في المسجد خطيئة، وكفّارته دفنه. قال: وبصق أبو سعيد في المسجد فرجع إليه فدفنه (٤).
حدثنا محمد بن يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروة،
стр. 40
عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن النبيّ ﷺ رأى في جدار القبلة بصاقا أو مخاطا أو نخامة - فحكّه (١).
حدثنا محمد بن يحيى، عن عمرو بن هارون، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي: أن النبي ﷺ قال: إذا أبصر أحدكم القملة وهو يصلّي في المسجد، فليصررها في ثوبه، ولا يقتلها في المسجد (٢).
حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الله، عن شيبة ابن نصاح: أن النبي ﷺ قال: إذا رأى أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد فليحفر لها، فليدفنها، وليبصق عليها؛ فإن ذلك كفارتها.
(ما كره من رفع الصوت، وإنشاد الضّالّة، والبيع والشّرى في المسجد)
حدثنا عبد الله بن يزيد قال، حدثنا حيوة بن شريح قال، سمعت أبا الأسود يقول، حدثني أبو عبد الله مولى شدّاد، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ :
من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد فليقل: «لا أدّاها الله إليك»؛ فإن المساجد لم تبن لهذا (٣).