← Джавами‘

Джавами‘ · id 13088

المسائل والأجوبة لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (212 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بشجرةٍ أأقتُلُه؟ فقال: إن قَتلتَه كنتَ بمنزلتِه قبلَ أن يقولَ ما قال، وكان بمنزلتك قبلَ أن تَقتلَه» فبيَّن أنك تكونُ مُباحَ الدم كما كان مُباحَ الدم، ومع هذا فلما كان أسامةُ متأوِّلاً لم يُبِحْ دمه. وأيضًا فقد ثبتَ «أنه أرسلَ خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمةَ، فلم يُحسِنُوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صَبَأْنا صَبَأْنا، فلم يجعل خالد ذلك إسلامًا بل أمرَ بقَتْلِهمِ، فلما بلغَ النبيَّ ﷺ ذلك رَفعَ يديهِ إلى السماء، وقال: اللهم إني أبْرَأُ إليك مما فَعَلَ خالد. وأرسلَ عليًّا فوَدَاهُم بنصفِ ديَاتِهم»، ومع هذا فلم يُعاقِبْ خالدًا ولم يَعْزِلْه عن الإمارة؛ لأنه كان متأوِّلاً، وكذلك فَعَلَ به أبو بكر لما قَتَلَ مالك بن نُوَيرةَ، كان متأوِّلاً في قتلِه فلم يُعاقِبْه ولم يَعْزِلْه؛ لأنَّ خالدًا كان سيفًا قد سَلَّه الله - تعالى - على المشركين؛ فكان نفعُه للإسلام عظيمًا، وإن كان قد يُخطىء أحيانًا، ومعلومٌ أن عليًّا وطلحة والزبير أفضلُ من خالدٍ وأسامةَ وغيرِهما. ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: «إن ابني هذا سيد وسيُصلحُ الله به بين فئتينِ عظيمتين من المسلمين» فمدحَ الحسنَ على الإصلاح ولم يَمدَح على القتال في الفتنة؛ علمنا أن الله ورسوله كان يحبُّ الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال، ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الخوارج: «يَحقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتِهم وقراءتَه مع قراءتِهم، يَقرءون القرآنَ لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم، يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ، أينما لَقِيْتمُوهم فاقتلوهم؛ فإنَّ في قَتْلِهم أجرًا

стр. 37

عند الله لمن قَتَلَهم يومَ القيامةِ». وقال: «يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق». ورُوِيَ «أَولَى الطائفتينِ بالحق» من معاوية وأصحابه. واعلم أن قتالَ الخوارج المارقةِ - أهلِ النهروان الذين قاتلَهم علي بن أبي طالب - كان قتالُهم مما أمر الله به ورسولُه، وكان عليٌّ محمودًا مأجورًا مُثَابًا على قِتالِه إيّاهم، وقد اتفق الصحابة والأئمةُ على قتالِهم بخلاف قتالِ الفتنة، فإن النصَّ قد دلَّ على أن تركَ القتالِ فيها كان أفضلَ؛ لقوله ﷺ : «ستكونُ فتنة القاعدُ فيها خير من [القائم، والقائم فيها خير من] الماشي، والماشي خير من الساعي»، ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: «هذا لا تَضُرُّه الفتنةُ»، فاعتزلَ محمد بن مسلمةَ الفتنةَ، وهو من خيار الأنصار، فلم يُقاتِل لا مع هؤلاءِ ولا مع هؤلاء، وكذلك أكثر السابقين

стр. 38

لم يُقاتِلوا، بل مثل سعد بن أبي وقّاص ومثل أسامة وزيد وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين، ولم يكن في العسكرينِ بعد عليٍّ أفضلُ من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة، ولا أبو بكرة، ولا غيرهما من أعيانِ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وقد قال النبي ﷺ لأهْبانَ بن صَيْفِي: «خُذْ هذا السيفَ فقاتِلْ به المشركين، فإذا اقتتلَ المسلمون فاكسِرْه»، ففعلَ ذلك ولم يُقاتِلْ في الفتنة. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يُوشِك أن يكون خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يَتبعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومَواقع القَطْرِ؛ يَفِرُّ بدِينه من الفِتن». وفي الصحيح عن أسامة عن النبي ﷺ قال: «إني لأرى الفتنةَ تَقَعُ خِلالَ بيوتكم كمواقع القَطْرِ». والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخبارِه بما سيكون في الفتنة بين أمتِه،

стр. 39

وأمرِه بتركِ القتال في الفتنة، وأن الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال. وقد ثبتَ عنه في الصحيح أنه قال: «سألتُ ربّي لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنين ومَنَعَني واحدًا، سالتُه أن لا يُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرهم؛ فأعطانيها، وسالتُه أن لا يُهلِكَهم بسَنَةٍ عامَّةٍ؛ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يَجعلَ بأسَهم بينهم؛ فَمَنَعَنِيْها». وكان هذا من دلائل نبوته ﷺ وفضائل هذه الأمة؛ إذ كانت النشأة الإنسانية لا بدَّ فيها من تفرُّقٍ واختلافٍ وسَفْكِ دماء، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ولما كانت هذه الأمة أفضل الأمم وآخر الأمم عَصَمَها الله أن تجتمعَ على ضلالةٍ، وأن يُسلَّط عدوٌّ عليها كلِّها كما سُلطَ على بني إسرائيل، بل إن غُلِبَ طائفة منها كان فيها طائفةٌ قائمةٌ ظاهرة بأمر الله إلى يوم القيامة، وأخبرَ أنه: «لا تزالُ فيها طائفةٌ ظاهرةٌ على الحقّ حتى يأتيَ أمر الله» وجعلَ ما يستلزمُ من نشأة الإنسانية من التفرق والقتال هو لبعضها مع بعض ليس بتسليط غيرِهم على

стр. 40

جميعهم كما سَلَّطَ على بني إسرائيل عدوًّا قَهَرَهم كلَّهم، فهذه الأمة - ولله الحمدُ - لا تُقْهَرُ كلُّها، بل لا بُدَّ فيها من طائفةٍ ظاهرةٍ على الحق منصورةٍ إلى قيام الساعة، إن شاء الله - تعالى - والله أعلم.

стр. 41

وسُئِل ﵀ ورضي عنه عن مسائل سألها أهل الرحبة خطيب قرية عشارا وهي: ١ - الرجل يأمر زوجته بالصلاة ويضربها فلا تصلي، ولا يقدر على طلاقها لأجل الصداق وغيره؟ ٢ - وفي الرجل يشرب الشراب ويأكل الحرام ويعتقد أنه حرام هل هو مسلم أم لا؟ ٣ - والرجل يصيبه الجنابة والوقت بارد يؤذيه الغسل بالماء البارد ويعدم الحمام أو الماء الحار هل يتيمم ولا إعادة عليه؟ ٤ - وإذا عدم الماء وبينه نحو الميل فإن أخر الصلاة إلى الماء فات الوقت، وإن تيمم أدركه، هل يتيمم ولا إعادة عليه. ٥ - وفي الرجل يحلف بالطلاق الثلاث على شيء أنه لا يفعله ثم يفعله، هل يلزمه الطلاق الثلاث؟ ٦ - وفي المؤمن هل يَكْفُر بالمعصية؟ ٧ - وما في المصحف هل هو نفس القرآن أم كتابته، وما في صدور المقرئين هل هو نفس القرآن أم لا؟ ٨ - والرجل يصلي وقتًا ويتركها أكثر زمانه، والرجل لا يصلي عمره من غير عذرٍ هل يُغسل ويُصلى عليه؟ ٩ - وفي الكفار هل يُحاسبون يوم القيامة أم لا؟ ١٠ - وما شجر بين الصحابة علي ومعاوية وطلحة وعائشة هل يُطالبون به أم لا؟ ١١ - وفي أهل الكبائر والشفاعة فيهم، وهل يدخلون الجنة إذا لم يتوبوا أم لا؟

стр. 42

١٢ - وفي الصالحين من أمة محمدٍ هل هم أفضل من الملائكة؟ ١٣ - وفي الميزان الذي في القيامة هل له كفتان، أم هو عبارة عن العدل؟ ١٤ - وفي المعاصي هل أرادها الله من خلقه؟ ١٥ - وفي الباري - تعالى - هل يُضل عباده ويهديهم أم لا؟ ١٦ - وفي المقتول هل مات بأجله أم قطع القاتل أجله؟ ١٧ - وفي الغلاء والرخص هل هو من الله؟ ١٨ - وفي الإسراء بالنبي ﷺ لما عُرِجَ به هل كان في اليقظة أم في النوم؟ ١٩ - وفي المبتدعة هل هم كفار أم فساق؟ ٢٠ - وفي ملك الموت هل يُذبح يوم القيامة أم لا؟ ٢١ - وفي الرجل يعتقد الإيمان بقلبه ولم يتلفظ بلسانه هل يصير بذلك مؤمنًا؟ ٢٢ - وغسل الجنابة هل هو فرض أم لا؟ وهل يجوز أن يصلي الجنب ويعيد؟ ٢٣ - وعن الحرام من المال والخمر هل هو رزق الله لمن أكله؟ ٢٤ - وفي الإيمان هل هو مخلوق أم لا؟ ٢٥ - وفي القراءة إذا أُهديت إلى الأموات هل يصل ثوابها من بعد وقرب؟ ٢٦ - وفي البئر إذا وقعت فيها ميتة أو نجاسة هل تنجس؟ وإذا نجست هل ينزع منها شيء أم لا؟ ٢٧ - وفي هلال شهر رمضان هل يُصام برؤيته أم بالحساب؟ وإذا حال دونه غيم هل يُصام بالحساب؟ ٢٨ - وفي رجل يصيبه رشاش البول وهو في الصلاة أو غيرها ويغفل عن نفسه، أو لم يتمكن من غسلها، هل يصلي بالنجاسة أو يترك الصلاة؟ ٢٩ - وفي الرجل إذا قُتل وفيه جراح يخرج منها دم هل يُغسل ويُصلى عليه؟ ٣٠ - والرجل يسرق الأسيرة من بلاد العدو - ولم يُعرف لها أهل - وينهزم

стр. 43

بها ويسافر ليلاً ونهارًا، فيريد التزويج بها كما يزوجه القاضي خوف الفتك، فيقول: أُشْهِدُ الله وملائكته أن صداقها عليَّ كذا. وترضى هي بالزواج والصداق، هل يجوز ذلك للضرورة وخوف الفتك كونها معه ليلاً ونهارًا يطلع عليها على ما يخفى في السفر؟ ٣١ - وفي الرجل يقرأ القرآن وما عنده أحد يسأل عن اللحن وإذا وقف على شيءٍ نظر في المصحف، هل يأثم أم لا؟ ٣٢ - وفي صلاة الجمعة إذا لم تتم الجماعة أربعون رجلاً ويصعب تركها، هل له رخصة عند أحد أن يصلي بدون الأربعين وذلك في قرى عديدة؟ (١) ٣٣ - وهل يجوز التقدم بين يدي الإمام أم لا؟ وهل تبطل صلاة من تقدم؟ ٣٤ - وفي القاتل عمدًا أو خطأ هل تدفع الكفارة المذكورة في القرآن ذنبه، أم يُطالب بالقتل؟ ٣٥ - والمصلي إذا رأى هوام الأرض هل يجوز قتله، ولو مشى إليه ثلاث خطوات وهو في الصلاة؟ ٣٦ - وفي السماع بالدف والشبابة هل هو حرام؟ ودخول النار وإخراج اللاذن ومؤاخاة النساء الأجانب هل هو حرام؟ ٣٧ - وفي البقر الحلابة تأكل النجاسة هل ينجس لبنها ويحرم؟ ٣٨ - وفي الذبيحة إذا كانت الغلصمة مما يلي البدن هل تحرم أم لا؟ ٣٩ - وفي البهيمة تُذبح في الماء وتموت فيه، هل تؤكل أم لا؟ ٤٠ - (وفي المسجد والجامع) وصلاة قوم برا المسجد وفي طريقه هل تجوز صلاتهم؟ ٤١ - وفي الرجل يشتري الدابة ويزن الثمن ويقبضها، واشترط له

стр. 44

الخيار مدة يومين، فتموت الدابة ليلة قبضها، هل يكون من البائع أم من المشتري؟ (١) فأجاب ﵀ ورضي عنه (*): * أما المرأة فإنه يجب أمرها بالصلاة مرةً بعد مرةٍ، وإلزامها بذلك بالرغبة والرهبة، وإذا كان عاجزًا إذا طلقها عن مهرها وأمكنه أن يرغبها بزيادةٍ في النفقة فعل إذا صلت، وكذلك يعاقبها بالهجر مرةً بعد مرةٍ، فإن عجز عن كل سببٍ تُصلي به لم يجب عليه - مع عجزه عن المهر - أن يطلقها فيُحبس ويُطلب منه ما يعجز عنه. فصل * وأما الذي يشرب الشراب ويأكل الحرام ويقر بالشهادتين هل هو مسلم أم لا ؟ الجواب: إذا كان مقرًّا بالشهادتين باطنًا وظاهرًا لم تكن معصيته بشرب الخمر وأكل الحرام مخرجًا له عن الإسلام بالكلية، ولا مخرجًا له عن جميع الإيمان، بل مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم أن من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمانٍ لم يخلد في النار، ومن أقر بالشهادتين لم يكن كافرًا بمجرد معصيته. ولكن الخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبائر ليس معه من الإيمان والإسلام شيء، وهذا القول مخالف الكتاب والسنة وإجماع السلف من الأمة. لكن هؤلاء إذا كانوا طائفة ممتنعة قوتلوا حتى يلزموا شرائع الإسلام، وأما الواحد فيُقام عليه الحدود الشرعية إذا أمكن ذلك، وإلا فيفعل المؤمن ما يقدر عليه، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

стр. 45

فصل * في الرجل وقعت عليه جنابة والوقت بارد إذا اغتسل فيه يؤذيه وتعذر عليه الحمام أو تسخين الماء، فيجوز أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه ؟ والجواب: إنه لا يجوز لأحدٍ قط أن يؤخر الصلاة عن وقتها لا لعذرٍ ولا لغير عذرٍ، بل يجوز عند العذر الجمع بين الصلاتين - صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء - وأما تأخير المغرب حتى تطلع الشمس فلا يجوز بحال، وكذلك تأخير صلاة الظهر والعصر حتى تغرب الشمس، بل إذا كان عادمًا للماء أو خاف الضرر باستعماله فعليه أن يتيمم ويصلي في الوقت، سواء كان جنبًا أو محدثًا، وله أن يقرأ القرآن في الصلاة وخارج الصلاة. ويتيمم إذا عدم الماء في السفر، وكذلك إذا خاف إن اغتسل بالماء البارد يضره والتسخين يتعذر، ولتعذر الحمام أو التسخين فإنه يتيمم ويصلي. ولا إعادة على أحدٍ صلى في الوقت كما أمره الله - تعالى - فإن الله لم يوجب على أحدٍ أن يصلي مرةً في الوقت ومرةً بعد الخروج من الوقت، بل إذا نسي وصلى بلا وضوء فإنه يؤمر بالقضاء؛ لأنه لم يفعل ما أمره الله به، فمن نسي الصلاة أو بعض فرائضها صلى إذا ذكرها؛ كما قال النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» وأمر من صلى وفي قدمه لمعة لم يصبها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة. وأما من ترك بعض الواجبات جهلاً لا يؤاخذ، فإن علم في الوقت أعاد، وإن لم يعلم إلا بعد الوقت فلا إعادة عليه؛ كالأعرابي الذي صلى بلا

стр. 46

طمأنينة، فإنه أمره بإعادة تلك الصلاة، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك مع قوله: «والذي بعثك بالحق لا أُحسن غير هذا»، وكذلك لم يأمر المستحاضة بإعادة ما تركته، ولم يأمر عمر وعمارًا بإعادة ما تركا مع الجنابة حيث لم يعلما التيمم الشرعي، ولم يأمر أبا ذر بالإعادة، ولم يأمر الذين اعتقدوا الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود لما أكلوا إلى أن تبينت

стр. 47

الحال، لم يأمرهم بالإعادة، ولم يأمر الصحابة الذين صلوا بلا ماءٍ ولا تيمم بالإعادة لما صلوا بلا ماءٍ قبل أن يشرع التيمم، ونظائر هذا متعددة. فصل * والذي إذا عدم الماء وبينه نحو الميل إذا أخر الصلاة خرج الوقت وإن تيمم أدركه ؟ فالجواب: إذا دخل الوقت والماء بعيد أو في بئر ( ... ) لا يصلون إليه إلا بعد الوقت؛ يصلون بالتيمم في الوقت مع البعد باتفاق المسلمين، وفي مسألة البئر عند جمهورهم. وكذلك المسافر إذا وصل إلى مكان فإن ذهب إلى الماء خرج الوقت صلى بالتيمم، فإن فرضه أن يصلي في الوقت بالتيمم، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يخرج الوقت وإن صلى بالوضوء بعد الوقت. وكذلك العريان فرضه أن يصلي في الوقت وإن كان عريانًا، ولا يؤخر الصلاة وإن صلى بعد الوقت مكتسيًا. وكذلك من اشتبهت عليه القبلة أو كان مربوطًا فإنه يصلي في الوقت ولو صلى إلى غير القبلة، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة وإن صلى إلى القبلة بعد الوقت. وكذلك إذا كان عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه لا يمكنه إزالتها إلا بعد الوقت، فعليه أن يصلي في الوقت، وإن كان عليه نجاسة فلا يؤخرها ليصلي بعد الوقت (بالطهارة. وكذلك المريض عليه أن يصلي في الوقت) بحسب الإمكان كما قال

стр. 48

النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا أو مضطجعًا» ولا يؤخر ليصلي بعد الوقت. وكذلك في حال الخوف يصلي في الوقت صلاة الخوف ولا يؤخر الصلاة ليصلي بعد الوقت صلاة آمن. والأصل الجامع في هذا أنه لا بد من الصلاة في وقتها لا تؤخر عن الوقت بوجهٍ من الوجوه، لكن يجوز في حال العذر أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وإذا عجز [عن بعض] واجبات الصلاة صلى في الوقت بحسب حاله، والله أعلم. فصل * وأما الذي يحلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئًا ثم يفعله هل يلزمه الطلاق ؟ فالجواب: إن كل من حلف يمينًا من أيمان المسلمين فإنه يجزئه كفارة يمين إذا حلف، كما دل على ذلك الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من غير وجهٍ أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا

стр. 49

منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير» وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين. والأيمان نوعان: أيمان المسلمين، وأيمان غير المسلمين فالحلف بالمخلوقات كالحلف بالملائكة والمشايخ والكعبة وغيرها من أيمان أهل الشرك لا من أيمان المسلمين، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وصححه الترمذي، وفي الصحيحين: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وكذلك النذر للمخلوقات - كالنذر لقبور الأنبياء وقبور المشايخ - هو من دين أهل الشرك، فالحلف بالمخلوقات لا ينعقد، ولا كفارة فيها إذا حنث. والنوع الثاني: أيمان المسلمين كالحلف باسم الله، أو النذر أو الطلاق أو العتاق أو الحرام أو الظهار، كقوله: والله لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو العتق يلزمني لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من دين الإسلام، أو فعليَّ الحج أو صيام سنة، أو فمالي صدقة ونحو ذلك، فهذا كله يجزئ فيه الكفارة في أظهر أقوال العلماء، وفيها أقوال أخر. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في مجلدات، هذا والمجلدات

стр. 50

منتشرات. فصل الْعَبْد هَلْ يَكْفُرُ بِالْمَعْصِيَةِ أَمْ لَا ؟ الجواب: إنه لَا يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ الذَّنْبِ؛ فَإِنَّهُ قد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ أَنَّ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ يُجْلَدُ وَلَا يُقْتَلُ، وَالشَّارِبُ يُجْلَدُ، وَالْقَاذِفُ يُجْلَدُ، وَالسَّارِقُ يُقْطَعُ، وَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا لَكَانُوا مُرْتَدِّينَ وَوَجَبَ قَتْلُهُمْ، وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ. فصل ما في الْمُصْحَفِ هَلْ هُوَ نَفْسُ الْقُرْآنِ أَو كِتَابَتُهُ، وَمَا فِي صُدُورِ الْقُرَّاءِ هَلْ هُوَ نَفْسُ الْقُرْآنِ أَوْ حِفْظُهُ ؟ والجواب: إن الْوَاجِبُ أَنْ نُطْلِقَ مَا أَطْلَقَها (١) الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ • فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ • فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ • لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ • فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾.

стр. 51

وَقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾، وقَوْله: ﴿كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ • فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ • فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ • مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ • بِأَيْدِي سَفَرَةٍ • كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُسَافِرُ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ»، وَقَوْلُهُ: «اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ [فَلهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا] مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ من (عُقُلِهَا)»، وَقَوْلُهُ: «[الْجَوْفُ] الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ»، وقد صححه التِّرْمِذِيُّ. فَمَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ فِي المصحف وَالصُّدُورِ؛ فَقَدْ صَدَقَ، وَمَنْ قَالَ: فِيهما حِفْظُهُ وَكِتَابَتُهُ؛ فَقَدْ صَدَقَ، وَمَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ؛ فَقَدْ صَدَقَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمِدَادَ والْوَرَقَ أَوْ صِفَةَ الْعَبْدِ أَوْ فِعْلَهُ أَوْ صَوْتَهُ قَدِيمٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ مَا فِي الْمُصْحَفِ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ، أَوْ:

стр. 52

مَا فِي صُدُورِ الْقُرَّاءِ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ، أَوْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ العربي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ اللَّهُ وَلَكِنْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ صَنَّفَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ، أو قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمَصَاحِفِ كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ فهذا أَيْضًا مُخْطِئٌ ضَالٌّ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَام الله، وَالْكَلَامُ نَفْسُهُ يُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُكْتَبُ اسْمُهَا وَذِكْرُهَا، فَالرَّسُولُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ذِكْرُهُ وَنَعْتُهُ (وكتابة المسميات) كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [وَكَمَا أَنَّ أَعْمَالَنَا فِي الزُّبُرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾] وَقَالَ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. فَمُحَمَّدٌ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَكَمَا أَنَّ أَعْمَالَنَا فِي الْكُتُبِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ نَفْسُهُ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ لَيْسَ الْمَكْتُوبُ ذِكْرُهُ وَالْخَبَرُ عَنْهُ، كَمَا يُكْتَبُ اسْمُ اللَّهِ فِي الْوَرَقِ، وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كِتَابَةِ الْأَسْمَاءِ وَالْكَلَامِ وَكِتَابَةِ الْمُسَمَّيَاتِ وَالْأَعْيَانِ - كَمَا جَرَى لِطَائِفَةٍ مِنْ النَّاسِ - فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا قَدْ يَجْعَلُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْحَقَائِقَ الْمُخْتَلِفَةَ شَيْئًا وَاحِدًا كَمَا قَدْ جَعَلُوا جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ مَعْنًى وَاحِدًا، وَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ يُسْمَعُ تَارَةً مِنْهُ، وَتَارَةً مِنْ الْمُبَلِّغِ عنه. فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَالَ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» فَهَذَا الْكَلَامُ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ الرَّسُولِ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الرَّسُولِ، فَإِذَا بَلَّغَهُ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ

стр. 53

بَلَّغَ كَلَامَ الرَّسُولِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَلَكِنَّ صَوْتَ الصَّحَابِيِّ الْمُبَلِّغِ لَيْسَ هُوَ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، سَمِعَهُ مِنْهُ جِبْرِيلُ وَبَلَّغَهُ عَنْ اللَّهِ إلَى مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدٌ سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَبَلَّغَهُ إلَى أُمَّتِهِ، فَهُوَ كَلَامُ اللَّه حَيْثُ سُمِعَ وَكُتِبَ وَقُرِئَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وَكَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ بِنَفْسِهِ، تَكَلَّمَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ، لَيْسَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَيْسَ قَائِمًا به بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَالسَّلَفُ قَالُوا: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. فَإِذَا قِيلَ: كَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا كَلَامُهُ مَخْلُوقًا وَلَا مَعْنًى وَاحِدٌ قَدِيمٌ بِذَاتِهِ، بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ، فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ قَدِيم، وَكَانُوا يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ، وَلَا قَالُوا إنَّ كَلَامَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَلَا قَالُوا إنَّ الْقُرْآن أَوْ حُرُوفَهُ وَأَصْوَاتَهُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ، بَلْ قَالُوا: إنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْحُرُوفَ. وَكَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. ويَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: هُوَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. فَإِنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا، وَيُرَادُ بِاللَّفْظِ الْمَلْفُوظُ بِهِ، وَهُوَ نَفْسُ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقَةِ. وَأَمَّا أَصْوَاتُ الْعِبَادِ وَمِدَادُ الْمَصَاحِفِ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ فِي أَنَّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّ أصوات الْقَارِئِ صَوْتُ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ أَحْمَد مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ أَحْمَد: مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ يُرِيدُ بِهِ الْقُرْآنَ فَهُوَ جهمي. وَالْإِنْسَانُ وَجَمِيعُ حَرَكَاتهُ وَأَفْعَالهُ وَأَصْوَاته مَخْلُوقَةٌ، وَجَمِيعُ صِفَاتِهِ مَخْلُوقَةٌ، فَمَنْ قَالَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِه إنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أَوْ قَدِيمَةٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ، وَمَنْ قَالَ

стр. 54

عَنْ شَيْءٍ مِنْ كَلَام اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ، وَأَمَّا أَصْوَاتُ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ وَالْمِدَادِ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ، بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ على أَنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ الَّذِي كُتب بِالْمِدَادِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَذُكِرَ أَقْوَالُ العلماء وَاضْطِرَابُهُمْ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. فصل والذي يُصَلِّي وَقْتًا وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ كَثِيرًا أَوْ لَا يُصَلِّي ؟ فالجواب: إن مِثْل هَذَا مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، بَلْ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ النِّفَاقَ يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَيُغَسَّلُونَ وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ المسلمين، كَمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ قد عَلِمَ نِفَاقَ شَخْصٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ؛ كَمَا نُهي النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، وَأَمَّا مَنْ شَكَّ فِي حَالِهِ فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ ظَاهِره الْإِسْلَام كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ نِفَاقُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ يَجُوزُ (١) النَّهْيُ عَنْهُم، وَلَكِنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُنَافِقِين

стр. 55

لَا تَنْفَعُهُ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَلْبَسَ ابْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ: «وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنْ اللَّهِ». وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وَتَارِكُ الصَّلَاةِ أَحْيَانًا وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْفِسْقِ فَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ إذَا كَانَ فِي هَجْرِ هَذَا وَتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا لَهُمْ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ؛ تركوا الصلاة عَلَيْهِ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَالْغَالِّ وَالْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ، وَهَذَا بِشَرٍّ (١) مِنْهُمْ. فصل وأما الْكُفَّار هَلْ يُحَاسَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ لَا ؟

стр. 56

فالجواب: إن هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَنَازَعَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، فَمِمَّنْ قَالَ إنَّهُمْ لَا يُحَاسَبُونَ: أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَبُو الْحَسَنِ [التَّمِيمِيُّ] وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَمِمَّنْ قَالَ إنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ: أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ - مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ - وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ. وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنَّ الْحِسَابَ يُرَادُ بِهِ عَرْضُ أَعْمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ وَتَوْبِيخُهُمْ عَلَيْهَا، أو يُرَادُ بِالْحِسَابِ مُوَازَنَةُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحِسَابِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الثَّانِي فَإِنْ قُصِدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَبْقَى لَهُمْ حَسَنَاتٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْجَنَّةَ فَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعِقَابِ فَعِقَابُ مَنْ كَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِقَابِ مَنْ قَلَّتْ سَيِّئَاتُهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ، كَمَا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَخَفُّ عَذَابًا مِنْ أَبِي لَهَبٍ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾، وَقَالَ: ﴿إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْكُفَّارِ عَذَابُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ - لِكَثْرَةِ سَيِّئَاتِهِ وَقِلَّةِ حَسَنَاتِهِ - كَانَ الْحِسَابُ لِبَيَانِ مَرَاتِبِ الْعَذَابِ، لَا لِأَجْلِ دُخُولِ الْجَنَّة. فصل وَأَمَّا ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا

стр. 57

وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ». وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ العاص وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ هُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَهُمْ فَضَائِلُ وَمَحَاسِنُ. وَمَا يُحْكَى عَنْهُمْ فكَثِيرٌ مِنْهُ كَذِبٌ، وَالصِّدْقُ مِنْهُ - إنْ كَانُوا فِيهِ مُجْتَهِدِينَ، فَالْمُجْتَهِدُ إذَا أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِن أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَخَطَؤُهُ مغفور لَهُ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ لَهُمْ ذُنُوبًا فَالذُّنُوبُ لَا تُوجِبُ دُخُولَ النَّارِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا [انْتَفَتْ] الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ عَشْرَةٌ: مِنْهَا التَّوْبَةُ، وَمِنْهَا الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْهَا الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ، وَمِنْهَا الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْهَا شَفَاعَةُ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا مَا يُهْدَى لِلْمَيِّتِ مِنْ الثَّوَابِ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ عنهم، وَمِنْهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَمِنْهَا أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي

стр. 58

بُعِثْت فِيهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ جَزَمَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ لَهُ ذنوبًا يَدْخُلُ بِها النَّارَ قَطْعًا فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ لَكَانَ مُبْطِلًا، فَكَيْفَ إذَا قَالَ مَا دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ عَلَى نَقِيضِهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ بما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ ذَمِّهِمْ أَوْ التَّعَصُّبِ لِبَعْضِهِمْ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عنه أَنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ [مِنْ الْمُسْلِمِينَ]» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ ما يدل عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالَّذِينَ مَعَهُ كَانُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمُقَابِلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فصل وأما الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ؟

стр. 59

فالجواب: إنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ من فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ، بَلْ كُلُّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ إلى الجنة وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ يُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ؛ كَمَا ثَبَتَ ذلك فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . فصل وأما الْمُطِيعونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ هَلْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ؟ فالجواب: إنه قَدْ ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ: يَا رَبِّ جَعَلْت بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَشْرَبُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ، كَمَا جَعَلْت لَهُمْ الدُّنْيَا. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. ثُمَّ أَعَادُوا عَلَيْهِ، فقَالَ: لَا أَفْعَلُ. ثُمَّ أَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَعِزَّتِي لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت

стр. 60

لَهُ كُنْ فَكَانَ» ذَكَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدارمي. وَرَوَى هذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد فِي كِتَابِ «السُّنة» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. وَثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا عَلَيْهِ أَكْرَمَ مِنْ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهُ: وَلَا جِبْرِيلُ وَلَا ميكائيل؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَتَدْرِي مَا جِبْرِيلُ وَميكائيل، إنَّمَا جِبْرِيلُ وميكائيل خَلْقٌ مُسَخَّرٌ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ».

стр. 61

وَمَا عَلِمْت عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَلَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُصَنَّفٌ مُفْرَدٌ ذَكَرْنَا فِيهِ الْأَدِلَّةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. فصل وأما الْمِيزَان هَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدْلِ أَمْ لَهُ كِفَّتَانِ ؟ فالجواب: إن الْمِيزَان مَا يُوزَنُ بِهِ الْأَعْمَالُ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَدْلِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾] وَقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي

стр. 62

الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»، وَقَالَ عَنْ سَاقَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «لَهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ وَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، وَيُؤْتَى لَهُ بِبِطَاقَةِ فِيهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ»، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُوزَنُ بِمَوَازِينَ يتَبَيَّن بِهَا رُجْحَانُ الْحَسَنَاتِ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَبِالْعَكْسِ، فَهُوَ مَا نتَبَيَّن بِهِ [الْعَدْلُ]، وَالْمَقْصُودُ بِالْوَزْنِ الْعَدْلُ كَمَوَازِينِ الدُّنْيَا. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تِلْكَ الْمَوَازِينِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَيْفِيَّةِ سَائِرِ مَا أُخْبِرْنَا بِهِ مِنْ الْغَيْبِ. فصل وأما السؤال عن اللَّهُ - تَعَالَى - هَلْ أَرَادَ الْمَعْصِيَةَ مِنْ خَلْقِهِ أَمْ لَا ؟

стр. 63

فالجواب: إن لَفْظ «الْإِرَادَةِ» مُجْمَلٌ لَهُ مَعْنَيَانِ: فَيُقْصَدُ بِهِ الْمَشِيئَةُ لِمَا خَلَقَهُ، وَيُقْصَدُ بِهِ الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى لِمَا أَمَرَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ أَنَّهُ أَحَبَّ الْمَعَاصِيَ وَرَضِيَهَا وَأَمَرَ بِهَا، فَلَمْ يُرِدْهَا بِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، بَلْ قد قَالَ لِمَا نَهَى عَنْهُ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا شَاءَ الله خَلقَهُ فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَكُونُ فِي الْوُجُودِ إلَّا مَا شَاءَه، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ يُرِيدُهَا وَفِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُرِيدُهَا، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ أَنَّهُ شَاءَهَا خَلْقًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا ولا أَمر بها، قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وَقَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، وَقَالَ فِي الثَّانِي: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ • وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا • يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. وَقَالَ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ

стр. 64

عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾. وَقَالَ: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فصل وأما الْبَارِي سُبْحَانَهُ هَلْ يُضِلُّ وَيَهْدِي ؟ فالجواب: إنَّ كُلَّ مَا فِي الْوُجُودِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَيُضِلُّ وَيَهْدِي، وَيُسْعِدُ وَيُشْقِي، وَيُؤتي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيَشْرَحُ صَدْرَ مَنْ يَشَاءُ إلى الْإِسْلَامِ، وَيَجْعَلُ صَدْرَ مَنْ يَشَاءُ ضَيِّقًا حرجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مُقَلِّبُ الْقُلُوب، مَا مِنْ قَلْبٍ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ إلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ، وَهُوَ الَّذِي حَبَّبَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرَّهَ إلَيْهِمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا، وَالْمُصَلِّيَ مُصَلِّيًا، قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. وَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾. وَقَالَ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا • إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ

стр. 65

جَزُوعًا • وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. وَقَالَ: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. وَقَالَ: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾، وَالْفُلْكُ مَصْنُوعَةٌ لِبَنِي آدَمَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَصْنُوعَات لِبَنِي آدَمَ. وَقَالَ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ • وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَـ «مَا» بِمَعْنَى «الَّذِي» أي والذي تنحتونه، وَمَنْ جَعَلَهَا مَصْدَرِيَّةً فَقَدْ غَلِطَ، لَكِنْ إذَا خَلَقَ الْمَنْحُوتَ كَمَا خَلَقَ الْمَصْنُوعَ وَالْمَلْبُوسَ وَ [الْمَبْنِيَّ] دَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ، كما في الحديث عن النبي ﷺ : «إن الله خالق كل صانع وصنعته». وَقَالَ: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. وَقَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾.

стр. 66

وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَلَهُ فِيمَا خَلَقَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَنِعْمَةٌ سَابِغَةٌ، وَرَحْمَةٌ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، لَا لِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ بَلْ لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَقَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وَقَدْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِأَسْبَاب كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وَقَالَ: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. وَقَالَ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾. فصل وأما الْمَقْتُول هَلْ مَاتَ بِأَجَلِهِ أَو قَطَعَ الْقَاتِلُ أَجَلَهُ ؟ فالجواب: إن الْمَقْتُول كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى لَا يَمُوتُ أَحَدٌ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَلَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ عَنْ أَجَلِهِ، بَلْ سَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالْأَشْجَارِ لَهَا آجَالٌ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ؛ فَإِنَّ أَجَلَ الشَّيْءِ هُوَ نِهَايَةُ مدته (١)، وَعُمْرُهُ مُدَّةُ بَقَائِهِ، فَالْعُمْرُ مُدَّةُ الْبَقَاءِ، وَالْأَجَلُ نِهَايَةُ الْعُمْرِ بِالِانْقِضَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ،

стр. 67

وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»، وَفِي لَفْظٍ: «ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وَقَدْ كَتَبَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَمُوتُ بِالْبَطْنِ أَوْ ذَاتِ الْجَنْبِ أَوْ الْهَدْمِ أَوْ الْغَرَقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا يَمُوتُ مَقْتُولًا إمَّا بِالسُّمِّ وَإِمَّا بِالسَّيْفِ وَإِمَّا بِالْحَجَرِ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْقَتْلِ، وَعِلْمُ اللَّهِ ذَلِكَ وَكِتَابَتُهُ لَهُ - بَلْ مَشِيئَتُهُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَخَلْقُهُ لِكُلِّ شَيْءٍ - لَا يَمْنَعُ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، بَلْ الْقَاتِلُ إنْ قَتَلَ قَتلًا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَ قَتِيلًا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَفعلِ الْقُطَّاعِ وَالْمُعْتَدِينَ عَاقَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَ قَتلًا مُبَاحًا كَقَتلِ الْمُقْتَصِّ لَمْ يُثَبْ وَلَمْ يُعَاقَبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ أَوْ سَيِّئَةٌ فِي أَحَدِهِمَا. وَالْأَجَلُ أَجَلَانِ: أَجَلٌ مُطْلَقٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَأَجَلٌ مُقَيَّدٌ، وَبِهَذَا تَبَيَّن قَوْله ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمَلَكَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ أَجَلًا وَقَالَ: إنْ وَصَلَ رَحِمَهُ كتب (١) كَذَا وَكَذَا. وَالْمَلَكُ لَا يَعْلَمُ أَيزادُ أَمْ لَا، ولَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَسْتَقِرُّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ الْمَقْتُولُ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إنَّهُ كَانَ يَعِيشُ، وَقَالَ بَعْضُ نفاة الْأَسْبَابِ إنَّهُ كان يَمُوت، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ بِالْقَتْلِ، فَإِذَا قَدَّرَ خِلَافَ مَعْلُومِهِ كَانَ تَقْدِيرًا لِمَا لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ؟ وَهَذَا قَدْ يَعْلَمُهُ بَعْضُ

стр. 68

النَّاسِ وَقَدْ لَا يَعْلَمُهُ، فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ مَوْتَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ حَيَاتَهُ إلَى وَقْتٍ آخَرَ، فَالْجَزْمُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ جَهْلٌ، وَهَذَا كَمَنْ قَالَ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ هَذَا مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ قد كَان يَمُوت أَوْ يُرْزَق شَيْئًا آخَرَ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ لَوْ لَمْ يُحْبِلْ هَذَا الرَّجُلُ لهَذِهِ الْمَرْأَة هَلْ كانت عَقِيمًا أَم يُحْبِلُهَا رَجُلٌ آخَرُ، وَلَوْ لَمْ تَزْدَرِعْ هَذِهِ الْأَرْضُ هَلْ كَانَ يَزْدَرِعُهَا غَيْرُهُ أَمْ كَانَتْ تَكُونُ مَوَاتًا لَا زرع بها، وَهَذَا الَّذِي تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ مِنْ هَذَا لَوْ لَمْ يَتعلمهُ هَلْ كَانَ يَتَعَلَّمُه مِنْ هذا (١) أَمْ لَمْ يَكُنْ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ أَلْبَتَّةَ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. فصل وأما الْغَلَاء وَالرُّخْص هَلْ هُمَا مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - أَمْ لَا ؟ فالجواب: إن جَمِيع مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَصِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ، وهُوَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا وَمَلِيكُهَا وَمُدَبِّرُهَا، لَا رَبَّ لَهَا غَيْرُهُ وَلَا إلَهَ سِوَاهُ لها، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مُعِينٍ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ • وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَا يُدْعَى مِنْ دُونِهِ لَيْسَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا شِرْكٌ فِي مِلْكٍ، وَلَا إعَانَةٌ عَلَى شَيْءٍ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي يثبت بِهَا حَقّ (٢)، فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلشَّيْءِ مُسْتَقِلًّا بِمِلْكِهِ أَوْ يَكُونُ مُشَارِكًا فيه لَهُ فِيهِ نَظِيرٌ، أَوْ لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، فَيَكُونُ مُعِينًا لِصَاحِبِهِ كَالْوَزِيرِ أو الْمُشِيرِ وَالْمُعَلِّمِ وَالْمُنْجِدِ وَالنَّاصِرِ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِلْك مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا لِغَيْرِهِ شِرْكٌ فِي ذَلِكَ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَلَا يَمْلِكُونَ

стр. 69

شَيْئًا، وَلَا لَهُمْ شِرْكٌ فِي شَيْءٍ، وَلَا لَهُ سُبْحَانَهُ ظَهِيرٌ، وَهُوَ الْمُظَاهِرُ الْمُعَاوِنُ فَلَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ ولا معين وَلَا مُشِيرٌ ونظير، وَهو كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ يُوَالِي الْمَخْلُوقَ لِذُلِّهِ؛ فَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُوَالِيهِ [عَزَّ بِوَلِيِّهِ]، وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يُوَالِي أَحَدًا لغناه (١) تَعَالَى عن ذلك، بَلْ هُوَ الْعَزِيزُ بِنَفْسِهِ، و ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، وَإِنَّمَا يُوَالِي عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَجُودِهِ وَتفَضلِهِ وَإِنْعَامِهِ. وَحِينَئِذٍ فَالْغَلَاءُ بِارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ وَالرُّخْصِ بِانْخِفَاضِهَا، وهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا خَالِقَ لَهَا إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، لَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ بَعْضَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ سَبَبًا فِي بَعْضِ الْحَوَادِثِ، كَمَا جَعَلَ [قَتْلَ] الْقَاتِلِ سَبَبًا فِي مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَجَعَلَ ارْتِفَاعَ الْأَسْعَارِ قَدْ يَكُونُ لِسَبَبِ ظُلْمِ بعض الْعِبَادِ، وَانْخِفَاضِهَا قَدْ يَكُونُ لِسَبَبِ إحْسَانِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلِهَذَا أَضَافَ مَنْ أَضَافَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ

стр. 70

الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ الْغَلَاءَ وَالرُّخْصَ إلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أُصُول فَاسِدَة: أَحَدُهَا: أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ. وَالثَّانِي: أنَّ مَا يَكُونُ فِعْلُ الْعَبْدِ سَبَبًا لَهُ يَكُونُ الْعَبْدُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْغَلَاءَ وَالرُّخْصَ إنَّمَا يَكُونُ بِهَذَا السَّبَبِ. وَهَذِهِ أُصُول بَاطِلَةٌ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ (في الصحيح) أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا، وَدَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ السَّمْعِيَّةُ (١)، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (من السلَفِ وَالأَئِمَّة) (٢) وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّ الْعِبَادَ لَهُمْ قُدْرَةٌ وَمَشِيئَةٌ وَإِنَّهُمْ فَاعِلُونَ لِأَفْعَالِهِمْ، وَيُثْبِتُونَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ الْحِكَمِ. وَمَسْأَلَةُ الْقَدَرِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ ضَلَّ فِيهَا طَائِفَتَانِ مِنْ النَّاسِ، طَائِفَةٌ أَنْكَرَتْ أَن اللَّه - تعالى - خَالِق كُلِّ شَيْءٍ، أو أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، كَمَا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَطَائِفَةٌ أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فَاعِلًا لِأَفْعَالِهِ، أو أَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي مَقْدُورِهَا، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِغَيْرِهِ، أو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ شَيْئًا لِحِكْمَة، كَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمُجْبِرَةِ الَّذِي ينتسب كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَى السُّنَّةِ، فَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. وَأما الثَّانِي: وَهُوَ إنَّ مَا كَانَ فِعْلُ الْعَبْدِ أَحَدَ أَسْبَابِهِ كَالشِّبَعِ والري الَّذِي يَكُونُ بِسَبَبِ الْأَكْلِ، وَزُهُوقِ النَّفْسِ الَّذِي يَكُونُ بِسبب الْقَتْلِ، فَهَذَا قَدْ جَعَلَهُ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ فِعْلًا لِلْعَبْدِ، وَالْجَبْرِيَّةُ لَمْ يَجْعَلُوا لِفِعْلِ الْعَبْدِ فِيهِ [تَأْثِيرًا بَلْ مَا] تَيَقَّنُوا أَنَّهُ سَبَبٌ، قَالُوا: إنَّهُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فَلَا يَجْعَلُونَ للْعَبْد فعلًا لِذَلِكَ كَفِعْلِهِ لِمَا قَامَ بِهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ، وَلَا يَمْنَعُونَ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا أَسْبَابه (٣)، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَ فِعْلَ الْعَبْدِ

стр. 71

مَعَ غَيْرِهِ أَسْبَابًا فِي حُصُولِ مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ • وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَالْإِنْفَاقُ وَالسَّيْرُ هُوَ نَفْسُ أَعْمَالِهِمْ الْقَائِمَةِ بِهِمْ فَقَالَ فِيهَا: ﴿إلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: «إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ» فَإِنَّهَا بنَفْسهَا عَمَلٌ، بنَفْس كِتَابَتِهَا يَتحصلُ بِها الْمَقْصُودُ، بِخِلَافِ الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَالْجُوعِ الْحَاصِلِ بِسفرِ الْجِهَادِ، وبِخِلَافِ غَيْظِ الْكُفَّارِ وبِمَا نِيلَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَفْسَ أَفْعَالِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ حَادِثَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ مِنْهَا أَفْعَالُهُمْ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ مَا يحدثُ الْآثَار (١) عَنْ أَفْعَالِ الْعبدِ يكتب لَهُمْ بِهَا عَمَلٌ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُمْ كَانَتْ سَبَبًا فِيهَا، كَمَا قَالَ ﷺ : «مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَلَاءَ وَالرُّخْصَ لَا تَنْحَصِرُ أَسْبَابُهُ فِي ظُلْمِ بَعْض الناس، بَلْ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ قِلَّةَ مَا يَخْلُقُ أَوْ يَجبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا كَثُرَتْ الرَّغَبَاتُ فِي الشَّيْءِ وَقَلَّ الْمَرْغُوبُ فِيهِ ارْتَفَعَ سِعْرُهُ، وَإِذَا كَثُرَ وَقَلَّتْ الرَّغَبَاتُ فِيهِ انْخَفَضَ سِعْرُهُ، وَالْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ قَدْ لَا تَكُونُ سَبَبًا مِنْ الْعِبَادِ، وَقَدْ يَكُونُ لِسَبَب لَا ظُلْمَ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ ظُلْم، وَاللَّهُ يَجْعَلُ الرَّغَبَاتِ فِي الْقُلُوبِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ:

стр. 72

«قَدْ تَغْلُو الْأَسْعَارُ وَالْأَهْوَاءُ غِرَارٌ، وَقَدْ تَرْخُصُ الْأَسْعَارُ وَالْأَهْوَاءُ قفار». فصل * وأما السؤال عن المعراج هل عرج بالنبي ﷺ يقظة أو منامًا ؟ فالجواب: إن الذي عليه جماهير السلف والخلف أنه كان يقظة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى • عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى • إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى • مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى • لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ تعظيم لهذه الآية وتسبيح الرب الذي فعلها، والتسبيح يكون عند الأمور العجيبة العظيمة الخارجة عن العادة، ومعلوم أن عامة الخلق يرى أحدهم في منامه الذهاب من مكة إلى الشام، وليس هذا مما يُذكر على هذا الوجه من التعظيم، وهو سبحانه ذكر في تلك السورة ما يتمكن الرسول من ذكر الشواهد ودلائله، فإنهم لما أنكروا الإسراء، وقد علموا أنه لم يكن يأتي بيت المقدس، فسألوه عن صفته ليبين لهم هل هو صادق، فأخبرهم عن صفته خبر من عاينه، وأخبرهم عن عير كانت لهم بالطريق، ولو كان منامًا لما اشتدَّ إنكارهم له، ولا سألوه عن صفته، فإن الرائي قد يرى الشيء في المنام على خلاف صفته. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى • عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى • إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى • مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى • لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ صريح

стр. 73

في أن بصره رأى ما رآه في الملأ الأعلى، وأنه ما زاغ بصره وما طغى، وقد ثبت أن جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء لا في الأرض، فإذا رأى بعينه ما هنالك امتنع أن يكون ذلك منامًا، ودل ذلك على أن جسده كان هنالك، ولكنه سبحانه ذكر في سورة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ لأنه مما ذكر له دلائله وشواهده ذلك تمهيدًا لما أخبر به عن رؤية ما رآه عند سدرة المنتهى، والقرآن يدل على ذلك حيث قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى • ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى • وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ثم قال في النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي رأى الذي رآه بالأفق الأعلى مرة أخرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. وهذا قول أكثر السلف كابن مسعود وعائشة وغيرهما، وقالت طائفة منهم ابن عباس: إن محمدًا رأى ربه بفؤاده مرتين. ولم يقل أحد من الصحابة ولا من الأئمة المعروفين كأحمد بن حنبل وغيره أنه رآه بعينه، ولا في أحاديث المعراج الثابتة شيء من ذلك، وقد نقل بعضهم ذلك عن ابن عباس، وقد نقلوه رواية عن أحمد بن حنبل، وهو غلط على ابن عباس وعلى أحمد، كما بُسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، ولكن جاءت عن النبي ﷺ أحاديث أنه رأى ربه في المنام بالمدينة، ولم يكن ذلك ليلة المعراج؛ فإن المعراج كان بمكة. وقد اتفق السلف الأئمة على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة وفي عرصات القيامة وفي الجنة، واتفقوا على أن أحدًا من البشر لا يرى الله

стр. 74

بعينه في الدنيا، لم يتنازعوا إلا في نبينا محمد ﷺ ، والذي عليه الأئمة والأكابر من السلف أنه لم يره بعينه في الدنيا أحدٌ، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر أنه قال: «سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟ » وما يذكره بعض الناس من أنه قال لأبي بكر: «رأيته» وقال لعائشة: «لم أره» فهو من الأكاذيب التي لم يروها أحد من علماء الحديث، بل اتفقوا على أن ذلك كذب، وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت». وأما رأيه جبريل بعينه منفصلاً عنه يقظة فهذا ما نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه المسلمون، وإنما ينازع في ذلك المتفلسفة القائلون بأن جبريل هو خيال يتخيل في نفسه، أو أنه العقل الفعال، ويقولون إن هذا لا يمكن رؤيته بالعين، وهذا القول كفر بالأنبياء، وإنما جاء به مخالف لدين المسلمين واليهود والنصارى، وقد

стр. 75

أخبر الله عن الملائكة وصفاتهم وتصورهم في صورة البشر في القرآن وغيره ما يخالف قول هؤلاء الملاحدة، وإثبات رؤيته لجبريل، وأن جبريل ملك عظيم - ليس هو خيال في النفس، ولا هو مما يذكره المتفلسفة من العقول التي لا حقيقة لها إلا أمورًا مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان - هو من أعظم أصول الإسلام والإيمان، وذلك واجب بخلاف رؤية محمد ربه بعينه؛ فإن هذا ليس يجب اعتقاده عند أحدٍ من أئمة المسلمين، ولا نطق به كتاب ولا سنة صحيحة، ولا قاله أحد من الصحابة ولا من الأئمة المشهورين كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين، وقد حكى غير واحد من [العلماء] إجماع المسملين - كعثمان بن سعيد الدارمي وغيره - على أن محمدًا ﷺ لم ير ربه بعينه، وأما من يدعي إجماع أهل السنة، أو إجماع المسلمين المثبتين للرؤية في الآخرة على أن محمدًا رأى ربه بعينه ليلة المعراج - كما يذكر ذلك بعض الناس مثل ابن شكر المصري ونحوه فهذا كلام جاهل بالكتاب والسنة وكلام السلف. وقد زعم طائفة أن المعراج كان مرتين: مرة منامًا، ومرة يقظةً، ومنهم من جعله ثلاث مرات، والصواب أنه كان مرة واحدة، وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس، ولم يكن هذا إلا مرة واحدة لم تفرض مرتين، ولكن بعض الناس غلط في بعض ما نقله؛ فقيل إنه كان قبل النبوة منامًا، وأن تلك الليلة فُرضت الصلوات الخمس قبل فرضها بعد النبوة، وهذا غلط. فصل * وأما المبتدعة هل هم كفار أو فساق ؟ والجواب: إن المبتدعة جنس تحته أنواع كثيرة، وليس حكم جميع المبتدعة سواء، ولا كل البدع سواء، ولا من ابتدع بدعة تخالف القرآن والحديث مخالفة بينة
следующие страницы →