← Джавами‘

Джавами‘ · id 13088

المسائل والأجوبة لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (212 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مَعَ غَيْرِهِ أَسْبَابًا فِي حُصُولِ مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ • وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَالْإِنْفَاقُ وَالسَّيْرُ هُوَ نَفْسُ أَعْمَالِهِمْ الْقَائِمَةِ بِهِمْ فَقَالَ فِيهَا: ﴿إلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: «إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ» فَإِنَّهَا بنَفْسهَا عَمَلٌ، بنَفْس كِتَابَتِهَا يَتحصلُ بِها الْمَقْصُودُ، بِخِلَافِ الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَالْجُوعِ الْحَاصِلِ بِسفرِ الْجِهَادِ، وبِخِلَافِ غَيْظِ الْكُفَّارِ وبِمَا نِيلَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَفْسَ أَفْعَالِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ حَادِثَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ مِنْهَا أَفْعَالُهُمْ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ مَا يحدثُ الْآثَار (١) عَنْ أَفْعَالِ الْعبدِ يكتب لَهُمْ بِهَا عَمَلٌ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُمْ كَانَتْ سَبَبًا فِيهَا، كَمَا قَالَ ﷺ : «مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَلَاءَ وَالرُّخْصَ لَا تَنْحَصِرُ أَسْبَابُهُ فِي ظُلْمِ بَعْض الناس، بَلْ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ قِلَّةَ مَا يَخْلُقُ أَوْ يَجبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا كَثُرَتْ الرَّغَبَاتُ فِي الشَّيْءِ وَقَلَّ الْمَرْغُوبُ فِيهِ ارْتَفَعَ سِعْرُهُ، وَإِذَا كَثُرَ وَقَلَّتْ الرَّغَبَاتُ فِيهِ انْخَفَضَ سِعْرُهُ، وَالْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ قَدْ لَا تَكُونُ سَبَبًا مِنْ الْعِبَادِ، وَقَدْ يَكُونُ لِسَبَب لَا ظُلْمَ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ ظُلْم، وَاللَّهُ يَجْعَلُ الرَّغَبَاتِ فِي الْقُلُوبِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ:

стр. 72

«قَدْ تَغْلُو الْأَسْعَارُ وَالْأَهْوَاءُ غِرَارٌ، وَقَدْ تَرْخُصُ الْأَسْعَارُ وَالْأَهْوَاءُ قفار». فصل * وأما السؤال عن المعراج هل عرج بالنبي ﷺ يقظة أو منامًا ؟ فالجواب: إن الذي عليه جماهير السلف والخلف أنه كان يقظة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى • عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى • إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى • مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى • لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ تعظيم لهذه الآية وتسبيح الرب الذي فعلها، والتسبيح يكون عند الأمور العجيبة العظيمة الخارجة عن العادة، ومعلوم أن عامة الخلق يرى أحدهم في منامه الذهاب من مكة إلى الشام، وليس هذا مما يُذكر على هذا الوجه من التعظيم، وهو سبحانه ذكر في تلك السورة ما يتمكن الرسول من ذكر الشواهد ودلائله، فإنهم لما أنكروا الإسراء، وقد علموا أنه لم يكن يأتي بيت المقدس، فسألوه عن صفته ليبين لهم هل هو صادق، فأخبرهم عن صفته خبر من عاينه، وأخبرهم عن عير كانت لهم بالطريق، ولو كان منامًا لما اشتدَّ إنكارهم له، ولا سألوه عن صفته، فإن الرائي قد يرى الشيء في المنام على خلاف صفته. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى • عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى • إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى • مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى • لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ صريح

стр. 73

في أن بصره رأى ما رآه في الملأ الأعلى، وأنه ما زاغ بصره وما طغى، وقد ثبت أن جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء لا في الأرض، فإذا رأى بعينه ما هنالك امتنع أن يكون ذلك منامًا، ودل ذلك على أن جسده كان هنالك، ولكنه سبحانه ذكر في سورة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ لأنه مما ذكر له دلائله وشواهده ذلك تمهيدًا لما أخبر به عن رؤية ما رآه عند سدرة المنتهى، والقرآن يدل على ذلك حيث قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى • ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى • وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ثم قال في النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي رأى الذي رآه بالأفق الأعلى مرة أخرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. وهذا قول أكثر السلف كابن مسعود وعائشة وغيرهما، وقالت طائفة منهم ابن عباس: إن محمدًا رأى ربه بفؤاده مرتين. ولم يقل أحد من الصحابة ولا من الأئمة المعروفين كأحمد بن حنبل وغيره أنه رآه بعينه، ولا في أحاديث المعراج الثابتة شيء من ذلك، وقد نقل بعضهم ذلك عن ابن عباس، وقد نقلوه رواية عن أحمد بن حنبل، وهو غلط على ابن عباس وعلى أحمد، كما بُسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، ولكن جاءت عن النبي ﷺ أحاديث أنه رأى ربه في المنام بالمدينة، ولم يكن ذلك ليلة المعراج؛ فإن المعراج كان بمكة. وقد اتفق السلف الأئمة على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة وفي عرصات القيامة وفي الجنة، واتفقوا على أن أحدًا من البشر لا يرى الله

стр. 74

بعينه في الدنيا، لم يتنازعوا إلا في نبينا محمد ﷺ ، والذي عليه الأئمة والأكابر من السلف أنه لم يره بعينه في الدنيا أحدٌ، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر أنه قال: «سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟ » وما يذكره بعض الناس من أنه قال لأبي بكر: «رأيته» وقال لعائشة: «لم أره» فهو من الأكاذيب التي لم يروها أحد من علماء الحديث، بل اتفقوا على أن ذلك كذب، وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت». وأما رأيه جبريل بعينه منفصلاً عنه يقظة فهذا ما نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه المسلمون، وإنما ينازع في ذلك المتفلسفة القائلون بأن جبريل هو خيال يتخيل في نفسه، أو أنه العقل الفعال، ويقولون إن هذا لا يمكن رؤيته بالعين، وهذا القول كفر بالأنبياء، وإنما جاء به مخالف لدين المسلمين واليهود والنصارى، وقد

стр. 75

أخبر الله عن الملائكة وصفاتهم وتصورهم في صورة البشر في القرآن وغيره ما يخالف قول هؤلاء الملاحدة، وإثبات رؤيته لجبريل، وأن جبريل ملك عظيم - ليس هو خيال في النفس، ولا هو مما يذكره المتفلسفة من العقول التي لا حقيقة لها إلا أمورًا مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان - هو من أعظم أصول الإسلام والإيمان، وذلك واجب بخلاف رؤية محمد ربه بعينه؛ فإن هذا ليس يجب اعتقاده عند أحدٍ من أئمة المسلمين، ولا نطق به كتاب ولا سنة صحيحة، ولا قاله أحد من الصحابة ولا من الأئمة المشهورين كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين، وقد حكى غير واحد من [العلماء] إجماع المسملين - كعثمان بن سعيد الدارمي وغيره - على أن محمدًا ﷺ لم ير ربه بعينه، وأما من يدعي إجماع أهل السنة، أو إجماع المسلمين المثبتين للرؤية في الآخرة على أن محمدًا رأى ربه بعينه ليلة المعراج - كما يذكر ذلك بعض الناس مثل ابن شكر المصري ونحوه فهذا كلام جاهل بالكتاب والسنة وكلام السلف. وقد زعم طائفة أن المعراج كان مرتين: مرة منامًا، ومرة يقظةً، ومنهم من جعله ثلاث مرات، والصواب أنه كان مرة واحدة، وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس، ولم يكن هذا إلا مرة واحدة لم تفرض مرتين، ولكن بعض الناس غلط في بعض ما نقله؛ فقيل إنه كان قبل النبوة منامًا، وأن تلك الليلة فُرضت الصلوات الخمس قبل فرضها بعد النبوة، وهذا غلط. فصل * وأما المبتدعة هل هم كفار أو فساق ؟ والجواب: إن المبتدعة جنس تحته أنواع كثيرة، وليس حكم جميع المبتدعة سواء، ولا كل البدع سواء، ولا من ابتدع بدعة تخالف القرآن والحديث مخالفة بينة

стр. 76

ظاهرة كمن ابتدع بدعة خفية لا يعلم خطؤه فيها إلا بعد نظرٍ طويلٍ، ولا من كثر اتباعه للسنة إذا غلط في مواضع كثيرة كمن كثر مخالفته للسنة وقل متابعته لها، ولا من كان مقصوده اتباع الرسول باطنًا وظاهرًا وهو مجتهد في ذلك لكنه يخفى عليه بعض السنة أحيانًا كمن هو معرض عن الكتاب والسنة طالب الهدى في طرق الملحدين في آيات الله وأسمائه، المتبعين لطواغيتهم من أئمة الزندقة والإلحاد وشيوخ الضلال والأهواء، فقد جعل الله لكل شيء قدرًا. فمن كان من أهل البدع والتحريف للكلم عن موضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ومن كان مفرطًا في طلب ما يجب عليه من العلم والسنة متعصبًا لطائفة دون طائفة؛ لهواه ورياسته قد ترك ما يجب عليه من طلب العلم النبوي وحسن القصد، ولكنه مع ذلك مؤمن بما جاء به الرسول، إذا تبين له ما جاء به الرسول لم يكذبه، ولا يرضى أن يكون مشاقًّا للرسول متبعًا لغير سبيل المؤمنين، لكنه يتبع هواه ويتكلم بغير علمٍ، فهذا قد يكون من أهل الذنوب والمعاصي وفساقهم، الذين حكمهم حكم أمثالهم من المسلمين أهل الفتن والفرقة والأهواء والذنوب. ومن كان قصده متابع الرسول باطنًا وظاهرًا يقدم رضا الله على هواه، مجتهدًا في طلب العلم الذي بعث الله به رسوله باطنًا وظاهرًا لا يقدم طاعة أحدٍ على طاعة الرسول، ولا يوافق أحدًا على تكذيب ما قاله الرسول، ولو كان من أهل قرابته أو مدينته أو مذهبه أو خرقته، لكنه قد خفي عليه بعض السنة إما لعدم سماعه للنصوص النبوية أو لعدم [فهمه] لما أراده الرسول، أو لسماع أحاديث ظنها صدقًا وهي كذب، أو لشبهات ظنها حقًّا وهي باطل، كما قد وقع في بعض ذلك كثير من علماء المسلمين وعبادهم، وأكثر المتأخرين من العلماء والعباد لم يخلصوا من أكثر ذلك، فهؤلاء [ليسوا] كفارًا ولا فساقًا، بل مخطئون خطأ يغفره الله لهم، كما قال تعالى على

стр. 77

لسان المؤمنين ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء، وثبت في الصحيح من غير وجهٍ «أن الله - تعالى - غفر للذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني واسحقوني وذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين». فهذا مؤمن ظن أن الله لا يقدر على إعادته، وأنه لا يعيده إذا فعل ذلك، وقد غفر الله له هذا الخطأ بخشيته منه وإيمانه. وقد أنكر كثيرٌ من السلف أشياء خالفوا بها السنة، ولم يكفرهم أحدٌ من أئمة الدين، فقد كان غير واحدٍ يكذب بأحاديث ثابتة عن النبي ﷺ ويغلط رواتها؛ لما ظنه معارضًا لها من ظاهر القرآن (أو أخبر خبرًا) كما أنكرت عائشة عدة أخبارٍ، وأبو بكر وعمر وعلي وزيد وغيرهم بعض الأخبار، وأنكر غير واحدٍ بعض الآيات التي لم يعلم أنها من القرآن، وهؤلاء من سادات المسلمين، وخيار أهل الجنة وأفضل هذه الأمة وقد اختلفوا اختلافًا آل بهم إلى الاقتتال بالسيف والتلاعن باللسان، ومع هذا فالطائفتان من أهل العلم والإيمان مبرءون عند أهل السنة من الكفر والفسوق. وقد صح عن النبي ﷺ الحديث في الخوارج من وجوهٍ كثيرةٍ، قال أحمد بن حنبل: صح فيهم الحديث من عشرة أوجهٍ. وقد رواها مسلم - صاحب أحمد - في صحيحه، وروى البخاري قطعة منها، فثبت بالنص وإجماع الصحابة

стр. 78

أن الخوارج مارقون ومبتدعون مستحقون القتال، قد قال فيهم النبي ﷺ : «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، فيقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة»، ومع هذا فلم يكفرهم الصحابة، بل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي قاتلهم حكم فيهم بحكمه في المسلمين الجاهلين الظالمين، لا بحكمه في الكافرين المشركين وأهل الكتاب، وكذلك الصحابة كسعد بن أبي وقاص ذكروا أنهم من المسلمين، هذا مع أن الخوارج كفروا عثمان وعليًّا ومن والهما، وكانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، وقد قتلوا من المسلمين ما شاء الله. فصل في الدَّابَّةِ كَالْجَامُوسِ وَغَيْرِهِ (يقع) فِي الْمَاءِ فَيُذْبَحُ وَيَمُوتُ وهو فِي الْمَاءِ هَلْ يُؤْكَلُ ؟

стр. 79

والجواب: إنه إذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُوحٍ وَغَابَ رَأْسُ الْحَيَوَانِ فِي الْمَاءِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، فَإِنَّهُ اشْتَرَكَ (فِي أجله السبب الْحَاظِرُ وَالْمُبِيحُ) (١) كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إنْ خَالَطَ كَلْبَك كِلَابٌ أخر فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ»، وَإِنْ كَانَ بَدَنُهُ فِي الْمَاءِ وَرَأْسُهُ خَارِجَ الْمَاءِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا فَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ. فصل وأما السؤال عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ وَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ الصَّلَاةُ جُنُبًا ؟ فالجواب: إن الطَّهَارَة مِنْ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ جُنُبًا وَلَا مُحْدِثًا حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وإن لَمْ يَسْتَحِلَّ ذَلِكَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كُفْرِهِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ الْغَلِيظَةِ، لَكِنْ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ اغْتَسَلَ، وَإِنْ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ أو يَخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفِ بَرْدٍ تَيَمَّمَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ صَلَّى بِلَا غُسْلٍ وَلَا تَيَمُّمٍ - فِي أَظْهَرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ - وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. فصل * وأما السؤال عن ملك الموت هل يُؤتى به يوم القيامة ويذبح أم لا ؟ الجواب: إنه قد ثبت في الصحاح: «أنه يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة

стр. 80

كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة. فيشرئبون وينظرون، ويا أهل النار. فيشرئبون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. فيُذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾». ولكن هذا مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عرض، والأعراض لا تنقلب أجسامًا، قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب، فلا تنقلب الحركة طعمًا، فالطعم لونًا، ولكن الأجسام في قولهم جنسٌ واحدٌ، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعضٍ، كانقلاب الماء ملحًا ورمادًا، قالوا: وإنما تتبدل الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة، وأنكر ذلك على هؤلاء غيرهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإن الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله سبحانه يقلب الجنس إلى الجنس الآخر؛ كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارًا، والتراب ماء، والماء ترابًا، وكما يقلب المني علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظامًا، وكما يقلب الحبة شجرة، وكما يقلب ما يخرج من الشجرة ثمرًا. فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجسامًا كما ورد بذلك النصوص في مواضع كقوله ﵇: «اقرءوا القرآن، اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما»، وقال: «إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر دويًّا عند العرش تذكر صاحبها»، وقال:

стр. 81

«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم»، وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وهذا باب متسع يتسع الكلام فيه، وقد بُسط في موضع آخر. فصل * وأما من سأل عمن اعتقد الإيمان بقلبه ولم يقر بلسانه هل يصير مؤمنًا ؟ الجواب: أما مع القدرة على الإقرار باللسان فإنه لا يكون مؤمنًا لا باطنًا ولا ظاهرًا عند السلف والأئمة وعامة طوائف القبلة إلا جهمًا ومن قال بقوله كالصالحي وطائفة من المتأخرين كأبي الحسن وأتباعه، وبعض متأخري [أصحاب] أبي حنيفة زعموا أن الإيمان مجرد تصديق القلب، وأن قول اللسان إنما يعتبر في أحكام الدنيا والآخرة، فيجوزون أن يكون الرجل مؤمنًا بقلبه وهو يسب الأنبياء والقرآن ويتكلم بالشرك والكفر من غير إكراه ولا تأويل، وهذا القول قد كفر قائله غير واحدٍ من الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما. وألزم المسلمون قائل هذا القول أن يكون إبليس مؤمنًا، وفرعون مؤمنًا، واليهود مؤمنين وأبو طالب وأبو جهل وغيرهما ممن عرف أن محمدًا حق مؤمنين، وأن يكون من قاتل الأنبياء مؤمنًا، ومن ألقى المصاحف في الحشوش وأهانها غاية الإهانة مؤمنًا، وأمثال هؤلاء ممن لا يشك مسلم في كفره، فأجابوا بأنه كل من دلَّ النص أو الإجماع على كفره [علمنا] أنه كان في الباطن غير مقرٍّ بالصانع، وألزموا أن يكون إبليس وفرعون

стр. 82

وقومه واليهود ومعاندو الفرق غير مقرين بالصانع، قال لهم أئمة المسلمين وجمهورهم: هذه مكابرة ظاهرة وبهتان بيِّن؛ فإن الله قد قال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وقال موسى يا فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، وقال تعالى عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، وقال عن قوم من المشركين: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. وإبليس لم يرسل إليه رسول فيكذبه، ولكن الله أمره فاستكبر وأبى وكان من الكافرين، فعلم أن الكفر قد يكون من غير تكذيبٍ بل عن كبرٍ وامتناع من قول الحق والعمل به، وعلم أنه قد يعلم الحق بقلبه من لا يقر به ولا يتبعه، ويكون كافرًا، ومتى استقر في القلب التصديق والمحبة والطاعة فلا بد أن يظهر ذلك على البدن في اللسان والجوارح؛ فإنه ما أسر أحدٌ سريرة خيرٍ أو شرٍّ إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وقال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، فإذا كان المنافق الذي يجتهد في كتمان نفاقه لا بد أن يظهر في لحن قوله، والمؤمن الذي يجتهد في كتمان إيمانه - كمؤمن آل فرعن، وامرأة فرعون - يظهر إيمانه على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فكيف يكون مؤمن قد حصل في قلبه الإيمان التام بالله - تعالى - ورسوله ولا ينطق بذلك من غير مانع يمنعه من النطق، بل هذا مما يعلم بصريح العقل امتناعه، كما قد بسط ما يتعلق بهذه المسألة في غير هذا الموضع، وأما الأخرس فليس من شرط إيمانه نطق لسانه، والخائف لا يجب عليه النطق عند من يخافه بل لا بد من النطق فيما بينه وبين الله. فصل * وأما السؤال عن القرآن إذا قرأه الأحياء للأموات فأهدوه إليهم هل يصل

стр. 83

ثوابه سواء كان بعيدًا أو قريبًا؟ الجواب: إن العبادات المالية كالصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة؛ لأنه تدخلها النيابة بالاتفاق، وأما العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة ففيها قولان للعلماء: أحدهما: يصل ثوابها للميت، وهذا مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه، وهو الذي ذكره الحنفية مذهبًا لأبي حنيفة، واختاره طائفة من أصحاب مالك والشافعي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» فجعل الصيام يقبل النيابة. ومنهم من قال: إنه لا يصل، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي. ومن احتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فحجته داحضة؛ فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه ينتفع بالدعاء له والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك، فالقول في مواقع النزاع كالقول في موارد الإجماع، وقد ذكر الناس في الآية أقاويل، أصحها أن الآية لم تنف انتفاع الإنسان بعمل غيره، وإنما نفت أن يستحق غير سعيه بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وهذا حق، لا يستحق إلا سعي نفسه لا سعي غيره، لكن لا يمنع ذلك أن الله - تعالى - يرحمه وينفعه بغير سعيه، كما يدخل أطفال المؤمنين الجنة بغير سعيهم، وكما يُنشئ في الآخرة خلقًا يسكنهم الجنة بغير سعيهم، وكما ينتفع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، وكما ينتفع بصدقة غيره، فكذلك بصيامه وقراءته وصلاته. فصل * وأما السؤال عن البئر إذا وقع بها نجاسة هل تنجس أم لا، وإن تنجست كم ينزح منها ؟

стр. 84

والجواب: إذا كان الماء قلتين - وهو نحو قنطار بالدمشقي - لم ينجس إلا بالتغيير عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك لو كانت أقل من قلتين لم ينجس إلا بالتغير في أظهر قولي العلماء، وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب أهل المدينة وروايتهم عن (١) كأبي المحاسن الروياني وحكى قولاً للشافعي ومالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه كابن عقيل وأبي محمد بن المثنى وغيرهما، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي، فإذا لم يتغير الماء لم ينزح من البئر شيء سواء تمعط فيها شعر الفأرة أو الهر أو غيرهما، أو لم يتمعط، فإن شعر الميتة طاهر عند أكثر العلماء - وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه - وإن تغير الماء بالنجاسة نُزح مقدار ما يطيب به الماء ويزول تغيره بالنجاسة، وليس لذلك حدٌّ مقدرٌ، والله أعلم. فصل * عن شهر رمضان هل يُصام بالهلال أو بالحساب والقياس إذا حال دونه غيم أو غيره ؟ والجواب: إذا رأى الناس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان أو أكملوا عدة شعبان ثلاثين وجب عليهم الصوم باتفاق العلماء أئمة الإسلام، ولا يجب الصيام قبل ذلك عند عامة السلف والخلف لا في الغيم ولا في الصحو، والإمام أحمد لم يكن يوجب الصيام ليلة الغيم، ولكن استحب ذلك اتباعًا لابن عمر وغيره من الصحابة، ولكن أوجب صيامه طائفة من أصحابه، وهذا القول لم ينقل عن أحدٍ من السلف، وآخرون من أصحابه نهوا عن صيامه نهي تحريم أو تنزيه كأبي الخطاب وابن عقيل وأبي القاسم بن منده وغيرهم، وهذه رواية ثابتة عنه، وهذا قول مالك والشافعي. وكثير من الصحابة والتابعين والعلماء كانوا يصومون يوم الغيم على طريق الاحتياط لا على طريق الإيجاب، ومذهب مالك وأبي حنيفة يجوز صوم يوم الشك

стр. 85

مع الصحو والغيم، وكثير منهم ينهى عن صومه في الصحو والغيم، وكثير منهم كان يصومه في الغيم دون الصحو، وهو المشهور عن أحمد، وعنه رواية أخرى أنه لا يصوم إلا مع الناس، وقال: لا يصوم وحده لكن يصوم مع الجماعة، يد الله على الجماعة. وهذه الرواية أظهر؛ لما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون». والشهر اسم لما يشتهر، والهلال اسم لما يستهل به الناس، فما لم يشتهر ولا يستهل لا يكون شهرًا ولا هلالاً، وقد بُسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وقد ثبت في السنة وآثار السلف أنه لو انفرد برؤية هلال ذي الحجة لم يقف بعرفات وحده، ولكن يقف مع الناس، فكذلك الصوم والفطر على هذه الرواية، فإذا رأى الهلال وحده لم يصم، ولم يُستحب له الصوم وحده بل يُكره، وهذه رواية منصوصة عن أحمد بن حنبل، وهي أرجح في الدليل. والعلماء لهم فيمن انفرد برؤية هلال الصوم والفطر ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: إنه يصوم وحده ويفطر وحده سرًّا، كقول الشافعي. والثاني: إنه يصوم وحده ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور عن أحمد ومالك وأبي حنيفة. والثالث: إنه لا يصوم إلا مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس، وهذا أرجح الأقوال. ومن رجح الاستحباب زعم أن هذا القول أقيس الأقوال، فإن ما شك في وجوبه لم يجب، لكن يستحب فيه الاحتياط، كما لو شك في وجوب الزكاة أو الحج

стр. 86

أو الكفارات أو الطهارة أو غير ذلك؛ فإن الاحتياط فيما شك في وجوبه مشروع وليس بواجب، ولكن مالك يوجب الطهارة إذا شك هل أحدث، والجمهور يستحبون الطهارة ولا يوجبونها، لكن من هؤلاء من يجزم بنية رمضان، كإحدى الروايتين عن أحمد، ومنهم من يجزم بنية شعبان فإن صادف رمضان أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من يصومه بنيةٍ فيقول: إنه إن كان من رمضان فهو من رمضان، وإلا فهو تطوع، وهذا هو الذي نقله المروزي عن أحمد، وهو اختيار الخرقي في «شرح المختصر» - ذكره عنه أبو يعلى في تعليقه - وهو أحد الأقوال من يختار صيامه (١). والجمهور الذين ينهون عن صومه يجيبون عن هذا بأن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»، وقال: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا بيومين»، وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة»، قالوا: فقد نهى عن الصيام قبل الرؤية أو إكمال العدة، ونهى عن استقباله باليوم، والذي من فعله أن الاحتياط في ذلك غير مشروع؛ لأن في ذلك مفسدة وهي الزيادة على المشروع (والاحتياط الواجب يغير ويفرق واختلافها) (٢) وهذه المفاسد

стр. 87

راجحة على المصلحة بالاحتياط، قالوا: لأن الاحتياط إنما يكون مع الشك في الوجوب، ونحن نجزم أن الله لم يوجب علينا أن نصوم إلا شهرًا، والشهر متعلق برؤية الهلال، فما لم يشتهر ولم يستهل به لم يوجب الله صومه، فلا احتياط مع الجزم بانتفاء الوجوب، والله أعلم. فصل * وأما السؤال عن الصبي إذا مات وهو غير مطهر هل يقطع ختانه بالحديد عند غسله أم يخلى على حاله ؟ والجواب: إن الصبي وغيره إذا مات وهو غير مختون لم يختن بعد الموت عند عامة أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، ولكن فيه قول شاذ أنه يختن، وليس بشيء، فإن هذا مثلة بعد الموت، والنبي ﷺ نهى عن المثلة؛ ولأن المقصود من الختان منع احتباس البول في القلفة، وهو بعد الموت لا يبول، ولكن تنازع العلماء في قص أظفاره وأخذ عانته وإبطه وجز شاربه، منهم من استحب ذلك كأحمد وغيره؛ لأنه نظافة، وسعد بن أبي وقاص غسل ميتًا فدعا بالموسى، ومنهم من لم يستحب - كالشافعي - كالختان، والله أعلم. فصل * وأما السؤال عن رشاش البول وهو في الصلاة أو في غيرها ويغفل عن نفسه وعن ثيابه، ولم يتمكن من غسلها في الصلاة هل يصلي بالنجاسة أو غيرها ؟ والجواب: إنه إن كان به سلس البول فهو كالمستحاضة ونحوها؛ فمن به الحدث الدائم الذي لم ينقطع مقدار الطهارة والصلاة فهذا يتوضأ ويصلي بحسب الإمكان، ولو جرى البول في أثناء الصلاة لم يضره، لكن يتخذ حفاظًا يمنع وصول البول إلى

стр. 88

بدنه وثيابه، فإن عجز عن ذلك فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وأما إن لم يكن به سلس فعليه أن يغسل البول من بدنه وثيابه، فإن لم يجد ماء يغسل به ذلك صلى والنجاسة في بدن وثيابه ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت ويجد الماء، ولا إعادة عليه، والله أعلم. فصل * أما السؤال عن المقتول إذا مات وبه جراح فخرج منها الدم، فهل يُغسل ويُصلى عليه أم لا ؟ والجواب: إنه إذا كان شهيدًا في معركة الكفار لم يُغسل بل يُدفن في ثيابه كما قال النبي ﷺ في شهداء أحد: «زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ فإن أحدهم يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك»، وفي الصلاة عليه نزاع مشهور، ومن قتله المسلمون ظلمًا ففيه نزاع، وأكثر العلماء يرون غسله والصلاة عليه، وأما من قتل قصاصًا فهذا يُغسل ويُصلى عليه باتفاقهم، وكذلك إذا جرح وبعد الجرح أكل أو شرب - كما جرى لعمر بن الخطاب - فإن هذا يُغسل ويُصلى عليه.

стр. 89

فصل * وأما السؤال عن رجل يسرق الأسيرة من المغل أو غيرهم، وما لها أحدٌ، وهو يريد أن ينهزم بها، ويخبؤها ليلاً ونهارًا ويختلي بها، ويخفيها خوفًا من المغل، فأراد الرجل أن يتزوجها، وقال الرجل: إني أشهد الله وملائكته أني رضيت بها زوجة، وأن صداقها علي كذا وكذا. وقالت المرأة: أشهد الله وملائكته أني رضيت بالصداق المعين. وأن يكون زوجها، فهل يجوز ذلك مع الضرورة والخوف من الفتك والوقوع في الزنا لخلوته بها في طول مسافة الطريق وانكشافه عليها ليلاً ونهارًا أم لا؟ والجواب: إنه إن أمكنه أن يذهب بها إلى مكان يزوجها به ولي أمر ذلك المكان ذهب أو وَكَّل، وإن كان قاضي المكان لا يزوجها زوجها غيره ممن له سلطان كوالي الحرب، أو رئيس القرية، أو أمير الأعراب أو التركمان أو الأكراد، فمتى زوجها ذو سلطان - وهو المطاع - جاز النكاح، نصَّ عليه أحمد بن حنبل وغيره، نصَّ أحمد على أن والي الحرب يزوج إذا كان القاضي جهميًّا، وعلى أن دهقان القرية يزوج إذا لم يكن هناك حاكم، وكذلك إذا وكَّلت عالمًا مشهورًا أو خطيب القرية ونحو ذلك جاز أن يزوجها إذا وكلته، وإن تعذر هذا كله وكلت رجلاً من المسلمين يزوجها بهذا الرجل فلا تباشر هي العقد، وإن تعذر هذا كله واحتاجا إلى النكاح زوجته نفسها؛ فإن ما أمر الله به في العقود وغيرها يجب مع القدرة، وأما مع العجز فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فلا يحرم ما يحتاج إليه الناس من النكاح لعجزهم عن بعض ما أمر به من ذلك، بل ما عجزوا عنه سقط وجوبه، والله أعلم. فصل وأما السؤال عَنْ رجل يَقْرَأُ الْقُرْآنَ للجهورة مَا عِنْدَهُ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ عَنْ اللَّحْنِ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَيه شَيْء يَطَّلِعُ فِي الْمُصْحَفِ فهَلْ يَلْحَقُهُ إثْمٌ ؟ والجواب: إنه إذا احْتَاجَ الناس إلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عليهم قَرَأَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ،

стр. 90

وَيرجع إلَى الْمُصْحَفِ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَلَا يَتْرُكُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَنْتَفع (١) بِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ مَا قد يَعْرِضُ مِنْ الْغَلَطِ أَحْيَانًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذلك مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فصل وأما السؤال عَنْ الْقَاتِلِ خَطَأً أو عَمْدًا هَلْ تَدْفَعُ الْكَفَّارَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآنِ ذنبه، أَمْ يُطَالَبُ بالْقَتْلِ أو الدِّيَةِ ؟ والجواب: [قَتْلُ الْخَطَأِ لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا إثْمَ فِيهِ، وَأَمَّا الْقَاتِلُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْإِثْمُ، فَإِذَا عفى عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَوْ أَخَذُوا الدِّيَةَ لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَقُّ الْمَقْتُولِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا قَتَلُوهُ فَفِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا يَسْقُطَ، لَكِنَّ الْقَاتِلَ إذَا كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْهُ بَعْضُهَا مَا يَرْضَى بِهِ الْمَقْتُولُ، أَوْ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ مِنْ عِنْدِهِ إذَا تَابَ الْقَاتِلُ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَقَاتِلُ الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ] بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الأئمَّةِ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ وَالْمُعَاهَدِ كَمَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ قَوْل للسَّلَفِ (٢) وَالْأَئِمَّةِ، لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ مُتَقَدِّمٌ، لَكِنَّ بَعْضَ مُتَأَخِّرِي الظَّاهِرِيَّةِ زَعَمَ أَنَّ الذمي لَا دِيَةَ لَهُ. وَأَمَّا الْقَاتِلُ عَمْدًا فَفِيهِ الْقَوَدُ، فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى الدِّيَةِ جَازَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَكَانَتْ الدِّيَةُ في مَالِ الْقَاتِلِ بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: قَتْلُ الْعَمْدِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ، وكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، كَمَا اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ، وَإِن وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ، وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، [وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: بَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ] وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِثْمَ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْكَفَّارَةِ.

стр. 91

فصل وأما الْخَمْر وَالْحَرَام هَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ لِلْجُهَّالِ أَمْ يَأْكُلُونَ مَا قُدِّرَ لَهُمْ ؟ والجواب: أَنَّ لَفْظَ الرِّزْقِ يُرَادُ بِهِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ أو مَلَّكَهُ إيَّاهُ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَتَقَوَّى (١) بِهِ الْعَبْدُ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فَهَذَا الرِّزْقُ هُوَ الْحَلَالُ وَالْمَمْلُوكُ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَمْرُ وَلا الْحَرَامُ. وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وَاللَّهُ - تَعَالَى - يَرْزُقُ الْبَهَائِمَ وَلَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا تَمْلِكُ، وَلَا بِأَنَّهُ أَبَاحَ اللَّهُ لَهَا ذَلِكَ إبَاحَةً شَرْعِيَّةً، فَإِنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَى الْبَهَائِمِ، وَ [كَذَلِكَ] الْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ، لَكِنْ كما أنه لَيْسَ (بملك) (٢) وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهَا، وَأما الْمُحَرَّمُ الَّذِي (٣) يَتَغَذَّى بِهِ الْعَبْدُ فَهُوَ مِنْ الَّذِي (٤) [عَلِمَ] اللَّهُ أَنَّ العبد يغتذي بِهِ، وَقَدَّرَ ذَلِكَ ليس هو مما أَبَاحَهُ وَمَلَّكَهُ، كَمَا فِي الصَّحِيح عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، ثم قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ

стр. 92

أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا». فَالرِّزْقُ الْحَرَامُ هو مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَكَتَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ حَرَّمَهُ وَنَهَى عَنْهُ، وَلِفَاعِلِهِ مِنْ غَضَبِهِ وَذَمِّهِ وَعُقُوبَتِهِ مَا هُوَ له أَهْلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ الْإِيمَانُ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ؟ الْجَوَابُ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَشَا (١) النِّزَاعُ فِيهَا لَمَّا ظَهَرَتْ مِحْنَةُ الْجَهْمِيَّة فِي الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ وَهِيَ مِحْنَةُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ جَرَتْ فِيهَا أُمُورٌ يَطُولُ وَصْفُهَا هُنَا. لَكِنْ لَمَّا ظَهَرَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ - وَأَطْفَأَ اللَّهُ نَارَ الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ - صَارَتْ طَائِفَةٌ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ مَخْلُوقٌ. وَيُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ، فَصَارُوا يَقُولُونَ: أَلْفَاظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ، أَوْ تِلَاوَتُنَا أَوْ قِرَاءَتُنَا له مَخْلُوقَةٌ. وَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ مُجَرَّدَ أصواتهم (٢) وَحَرَكَاتِهِمْ بَلْ يُدْرِجُونَ (٣) فِي كَلَامِهِمْ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي نَقْرَؤُه بِأَصْوَاتِنَا وَحَرَكَاتِنَا، وَعَارَضَهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى قَالُوا: أَلْفَاظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَرَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي، وَمَنْ قَالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَتَكَلَّمَ النَّاسُ حِينَئِذٍ فِي الْإِيمَانِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ، وَأَدْخَلُوا (٤) فِي ذَلِكَ مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ، مِثْلَ قَوْلِه: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَصَارَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَخْلُوقَةٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهَا؛ فَبَدَّعَ الْإِمَامُ أَحْمَد هَؤُلَاءِ، وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» أَفَيَكُونُ قَوْلُ

стр. 93

«لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَخْلُوقًا. وَمُرَادُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: هِيَ مَخْلُوقَةٌ مُطْلَقًا كَانَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ: أَلْفَاظنَا وَتِلَاوَتنَا وَقِرَاءَتنَا الْقُرْآن مَخْلُوقَةٌ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ نَزَلَ بِمَخْلُوق لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ قُرْآنًا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ. وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا عنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ قَدْ يُسمعَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بِلَا وَاسِطَةٍ وَهَذَا سَمَاعٌ مُطْلَقٌ - كَمَا يَرَى الشَّيْءَ رُؤْيَةً مُطْلَقَةً - وَقَدْ يَسْمَعُهُ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ فَيَكُونُ قَدْ سَمِعَهُ سَماعًا مُقَيَّدًا - كَمَا يَرَى الشَّيْءَ [فِي] الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ رُؤْيَةً مُقَيَّدَةً لَا مُطْلَقَةً - ولما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ خُوطِبَ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ يَسْمَعُ سَمَاعًا مُقَيَّدًا مِنْ الْمُبَلِّغِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ اللَّهِ (كما سمعه موسى بن عمران، فهذا المعنى هو الذي عليه السلف والأئمة. ثم بعد ذلك حدث أقوال أخر، فظن طائفة أنه سمع من الله ثم) مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَ الْقَارِئِ مِنْ اللَّهِ، ومنهم مَنْ قال: إنَّ صَوْتَ الرَّبِّ حَلَّ فِي الْعَبْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ظَهَرَ فِيهِ وَلَمْ يَحِلَّ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا نَقُولُ ظَهَرَ وَلَا حَلَّ، ثم مِنْهُمْ مَنْ يقول: الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ قَدِيمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَسْمَعُ مِنْهُ صَوْتَانِ: مَخْلُوقٌ، وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنْ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ: بِأَنَّهُ يَسْمَعُ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ الْقَائِمَ بِذَاتِ الله مَعَ سَمَاعِ الصَّوْتِ الْمُحْدَثِ، قَالَ هَؤُلَاءِ: يَسْمَعُ الْقَدِيمَ وَالْمُحْدَثَ، كَمَا قَالَ أُولَئِكَ: يَسْمَعُ صَوْتَيْنِ قَدِيمًا

стр. 94

وَمُحْدَثًا، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى قَالَتْ: لَمْ يَسْمَعْ النَّاسُ كَلَامَ اللَّهِ لَا مِنْ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُسْمَعُ إلَّا مِنْ الْمُتَكَلِّمِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: يُسْمَعُ حِكَايَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْمَعُ عِبَارَتُهُ لَا حِكَايَتُهُ، وَمِنْ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَنْ قَالَ: يُسْمَعُ شَيْئَانِ الْكَلَامُ الْمَخْلُوقُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي لِلْعَبْدِ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُبْتَدَعَةٌ، لَمْ يَقُلْ السَّلَفُ شَيْئًا مِنْهَا، وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَلَكِنْ أَلْجَأَ أَصْحَابَهَا إلَيْهَا اشْتِرَاكٌ فِي الْأَلْفَاظِ وَاشْتِبَاهٌ فِي الْمَعَانِي، فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: سَمِعْت زَيْدًا (١) وقِيلَ: هَذَا كَلَامُ زَيْدٍ، فَإِنَّ هَذَا يُقَالُ عَلَى كَلَامِهِ الَّذِي - تَكَلَّمَ هو بِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْمُوعًا مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، وَأَنَّهُ إذَا سُمِعَ مِنْهُ سُمِعَ بِصَوْتِهِ، وَإِذَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِهِ سُمِعَ من ذَلِكَ الْمُبَلِّغِ لَا بِصَوْتِ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ لَفْظَ الْمُتَكَلِّمِ، وَقَدْ يُقَالُ مَعَ الْقَرِينَةِ هَذَا كَلَامُ فُلَانٍ، وَإِنْ ترْجمَ عَنْهُ بِلَفْظِ آخَرَ، كَمَا حكى اللَّهُ كَلَامَ مَنْ يَحْكِي قَوْلَهُ مِنْ الْأُمَمِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا قَالُوا بِلَفْظٍ [عِبْرِيٍّ] أَوْ سُرْيَانِيٍّ أَوْ قِبْطِيٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوضِع أُخَرَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَشَأَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ نِزَاع فِي مَسْأَلَتَيْ الْإِيمَانِ والْقُرْآنِ [بِسَبَبِ] أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ وَمَعَانِي مُتَشَابِهَةٍ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ كَالْبُخَارِيِّ - صَاحِبِ الصَّحِيحِ - وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ. وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تعالى - وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ السنة (٢) عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ، وأصوات العباد مخلوقة، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا زِلْت أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. وَصَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَهَؤُلَاءِ خَالَفُوا أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ وَغَيْرَهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، وَجَرَى لِلْبُخَارِيِّ مِحْنَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ حَتَّى زَعَمَ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا مَاتَ أَمَرَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ أَن لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ

стр. 95

الْبُخَارِيَّ ﵀ مَاتَ بَعْدَ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ بِنَحْوِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، تُوُفِّيَ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ الْبُخَارِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ يُحِبُّ الْبُخَارِيَّ وَيُبجلُّهُ (١) وَيُعَظِّمُهُ، وَأَمَّا تَعْظِيمُ الْبُخَارِيِّ وَأَمْثَالِهِ الْإِمَام أَحْمَد فَهُوَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ، وَلَمَّا صَنَّفَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَهُ فِي «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» وَذَكَرَ فِي آخِرِ كِتَابِه الصحيح (٢) أَبْوَابًا فِي هَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لَفْظَنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، وَالْقَائِلونَ (٣) بِأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ [ينْتسبُونَ] (٤) إلَى الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ، (وَكلَام الطَّائِفَتَيْنِ كلام من لَمْ يَفْهَمْ ذرة من كَلَامِ) (٥) أَحْمَد - رضوان الله عليه. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى كَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُونَ: إنَّهُمْ عَلَى اعْتِقَادِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ قَالُوا: أَحْمَد وَغَيْرُهُ إنما كَرِهُوا أَنْ يُقَالَ لَفظت (٦) بِالْقُرْآنِ؛ لأنَّ اللَّفْظَ هُوَ الطَّرْحُ وَالنَّبْذُ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُ مُتَّبِعٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ [إلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ وَمَذْهَب] الْحَدِيثِ ويَقُولُونَ: إنَّهُمْ عَلَى اعْتِقَادِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ مَا كَانَ يَقُولُهُ أهل (٧) السُّنَّةِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَدْ بَسَطْنَا أَقْوَالَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، خلا الْبُخَارِيُّ وَأَمْثَالُهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِقَوْلِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ.

стр. 96

وَقَدْ رَأَيْت طَائِفَةً تَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ كَأَبِي نَصْرٍ السجزي وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَرُدُّونَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ يَقُولُونَ: إنَّ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَذَكَرُوا رِوَايَاتٍ كَاذِبَةٍ لَا رَيْبَ فِيهَا، والقول الْمُتَوَاتِرُ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنَيْهِ - صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ - وَحَنْبَلٍ والمروزي وفُوْرَان وَمَنْ لَا يُحْصى يبين أَنَّ أَحْمَد كَانَ يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءِ [وَهَؤُلَاءِ] وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو بَكْرٍ المروزي فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ «السُّنَّةِ»، وَذَكَرَ بَعْضَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ «الْإِبَانَةِ» وغيره، وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ منده فِيمَا صَنَّفَهُ فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﵀ أَنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ، فاللفظ هو فعل العبد يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ فعل الْعَبْدِ وَصَوْتُهُ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَأَمَّا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ الْعِبَادُ فَلَيْسَ مَخْلُوقًا. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِيمَانِ لَمْ يَقُلْ قَطُّ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ إنَّ الْإِيمَانَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ولا قال إنه قديم، بل وَلَا قَالَ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ إنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَلَا قَالَ قط أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْعَبْدِ وَأَفْعَالِهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، لَا صَوْته بِالْقُرْآنِ وَلَا

стр. 97

لَفْظه بِالْقُرْآنِ، وَلَا إيمَانه وَلَا صَلَاته، وَلَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ، ولَكِنْ الْمُتَأَخِّرُونَ انْقَسَمُوا فِي هَذَا الْبَابِ انْقِسَامًا كَثِيرًا، فَالَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَدِيمٌ فِي هَذَا وَهَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ، فَيَقُولُونَ: الْأَقْوَالُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أو قَدِيمَةٌ وَفعَالُ (١) الْإِيمَانِ مَخْلُوقَةٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِي أَفْعَالِ الْإِيمَانِ: إنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهَا مَخْلُوقٌ، وَأَمَّا الطَّاعَاتُ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُمْسِكْ (٢) عَنْ الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ أَفْعَالُ الْعِبَادِ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أَوْ قَدِيمَةٌ، وَيَقُولُ: لَيْسَ مُرَادِي بِالْأَفْعَالِ المركبات (٣)، بَلْ مُرَادِي الثَّوَابُ الَّذِي يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَحْتَجُّ هَذَا بِأَنَّ الْقَدَرَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالشَّرْعَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيَجْعَلُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ هِيَ الْقَدَرُ وَالشَّرْعُ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ القدرة (٤) وَالْمَقْدُورِ، وَالشَّرْعِ وَالْمُشَرَّعِ (٥)، (فَإِنَّ الشَّرْعَ) الَّذِي هُوَ أَمْرُ اللَّهِ وَنَهْيُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ الْمَأْمُورُ بِهَا وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَكَذَلِكَ قَدَرُ الله الَّذِي هُوَ عِلْمُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَمَّا الْمُقَدَّرَاتُ: الْآجَالُ وَالْأَرْزَاقُ وَالْأَعْمَالُ فَكُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَقَائِلِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كُلُّهُمْ بَرِيئُونَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُبْتَدَعَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ، لَا مَعْنَى قَائِمٌ بِالذَّاتِ، وَلَا أنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ فِي الْقدمِ بِحَرْف وَصَوْتٍ قديمين، وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي الْقدمِ بِحَرْف قَدِيمٍ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَإِنَّما الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأن اللَّه لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ، فَكَلَامُ الله لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَهُوَ (٦) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الصَّوْتَ الْمُعَيَّنَ قَدِيمٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ الآية كَمَا قد بَسَطْت الْكَلَامَ [فِي غَيْرِ هَذَا

стр. 98

الْمَوْضِعِ] عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كَلَامِ اللَّهِ. فمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلْهُ فَيْضًا مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ في (١) النُّفُوسِ، كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَهُوَ أَفْسَدُ الْأَقْوَالِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ بَائِنًا عَنْهُ، كَقَوْلِ الْجَهْمِيَّة والنجارية وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مَعْنًى قَدِيمٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ كَقَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ الْأَشْعَرِيِّ (٢)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قديمة كَقَوْلِ ابْنِ سَالِمٍ [وَطَائِفَة. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، كَقَوْلِ ابْنِ كَرَّامٍ وَطَائِفَةٍ]. وَالصَّوَابُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَمَا قَدْ بَسَطْت أَلْفَاظَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَمَّا ظَهَرَتْ الْمِحْنَةُ كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَكَانَتْ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الْقَطَّانُ لَهُ فَضِيلَةٌ وَمَعْرِفَةٌ رَدَّ [بِهَا] عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ نفاة الصِّفَاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ شُبْهَةِ الْجَهْمِيَّة كُلَّ التَّخَلُّصِ بَلْ ظَنَّ أَنَّ الرَّبَّ لَا يَتَّصِفُ بِالْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ [بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَلَا يَتَكَلَّمُ] بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يُحِبُّ الْعَبْدَ وَيَرْضَى عَنْهُ بَعْدَ إيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ، وَلَا يَغْضَبُ عَلَيْهِ وَيَسْخَطُ بَعْدَ كُفْرِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، بَلْ (ما زال) مُحِبًّا رَاضِيًا أَوْ غَضْبَانَ سَاخِطًا عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ • الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، وَقَالَ

стр. 99

تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى مَآخِذِ اخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ نُثْبِتَ مَا أَثْبَتَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَنَنْفِيَ مَا نَفَاهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاللَّفْظُ الْمُجْمَلُ الَّذِي لَمْ يَرِدْ به الْكِتَاب وَالسُّنَّة لَا يُطْلَقُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِهِ (كَمَا إذَا قَالَ الْقَائِلُ): الرَّبُّ مُتَحَيِّزٌ، أَوْ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ، أَوْ هُوَ فِي جِهَةٍ، أَوْ هو فِي غير جِهَةٍ. قِيلَ: هَذِهِ أَلْفَاظ مُجْمَلَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، وَلَا نطق أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ بِإِثْبَاتِهَا وَلَا نَفْيِهَا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُك بِقَوْلِك إنَّهُ متحيز، أنه مُحِيط بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أو يفتقر إليها، فالله تعالى غني عن كل شيءٍ لا يفتقر إلى العرش ولا إلى غيره من المخلوقات، بل هُوَ بِقُدْرَتِهِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحَمَلَتَهُ، وكذلك هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى الْكَبِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ مُتَحَيِّزًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُك بأَنَّهُ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَلي عَلَيْهَا فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ فوق سماواته على عرشه بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ، مِثْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ

стр. 100

وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ صَحِيحُ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحُ الْمَعْقُولِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوضِع آخَرَ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ «الْجِهَةِ» إنْ أَرَادَ بِالْجِهَةِ أَمْرًا مَوْجُودًا يُحِيطُ بِالْخَالِقِ أَوْ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ فَكُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لله، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مفتقر إلَيْهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَن كل مَا سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَهَذَا معنى صَحِيحٌ سَوَاءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجِهَةِ أَوْ بِغَيْرِ لَفْظِ الْجِهَةِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ «الْجَبْرِ» إذَا قَالَ: هَلْ الْعَبْدُ مَجْبُورٌ، أَوْ غَيْرُ مَجْبُورٍ؟ قِيلَ له: إنْ أَرَدتَ بِالْجَبْرِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَشِيئَةٌ، أَوْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ، أَوْ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ فَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَهُوَ يَفْعَلُهَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْجَبْرِ أَنَّ الله خَالِقُ مَشِيئَته وَقُدْرَته وَفِعْله، فَاللَّه خَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَكذلك إِذَا قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ قِيلَ لَهُ: مَا تُرِيدُ بِالْإِيمَانِ؟ أَتُرِيدُ بِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ﴾ وَإيمَانُهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهُ الْمُؤْمِنُ، فَهذا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، أَوْ تُرِيدُ به شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ؟ فَالْعِبَادُ كُلُّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ الْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَلَا يَقُولُ هَذَا مَنْ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ. فَإِذَا حَصَلَ الِاسْتِفْسَارُ وَالتَّفْصِيلُ ظَهَرَ الْهُدَى وَبَانَ السَّبِيلُ، وَقَدْ قِيلَ: أَكْثَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ، ومثل هذه المسألة وَأَمْثَالِهَا مِمَّا كَثُرَ فِيهِ نزاعُ النَّاسِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إذَا حصِلَ (١) فِيهَا الْخِطَابُ ظَهَرَ فيها الْخَطَأُ مِنْ الصَّوَابِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْخَلْقِ أَنَّ مَا أَثْبَتَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَثْبَتُوهُ، وَمَا نَفَاهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَفَوْهُ، وَمَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بلَا نَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ [اسْتَفْصَلُوا فِيهِ قَوْلَ] الْقَائِلِ، فَمَنْ أَثْبَتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ نَفَى مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ أَثْبَتَ

стр. 101

مَا نَفَاهُ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ فَقَدْ لَبَّسَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَفْصِلَ مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ فَيَتَّبِعَ الْحَقَّ وَيَتْرُكَ الْبَاطِلَ، وَكُلّ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ أَيْضًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يُخَالِفُ شيئًا من النَّقْلَ الصَّحِيحَ، كَمَا أَنَّ الْمَنْقُولَ الثابت عَنْ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُخَالِفُ بَعْضُ ذلك بَعْضًا، وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّ تَنَاقُضَ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ وَنَسْأَلُ اللَّهَ العظيم أَنْ يَهْدِيَنَا إلى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم: صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. فصل * وأما السؤال عن الإمام إذا استقبل القبلة في الصلاة هل يجوز لأحد أن يتقدم عليه، وهل تبطل صلاة الذين يتقدمون إمامهم ؟ والجواب: إن السنة للمؤتمين أن يقفوا خلف الإمام مع الإمكان كما كان المسلمون يصلون خلف النبي ﷺ ، وإذا صلى الإمام بواحدٍ أقامه عن يمينه كما فعل النبي ﷺ بابن عباس لما قام يصلي معه بالليل، فوقف عن يساره فأداره عن يمينه وجدته (١) في «الصحيحين» وكذلك في الصحيح - مسلم - من حديث جابر أنه أوقفه عن يمينه، فلما جاء جابر بن صخر أوقفهما جميعًا خلفه، فلهذا كانت السنة إذا كان المأمومون اثنين فصاعدًا يقفوا خلفه، وإن وقف بين الاثنين جاز؛

стр. 102

كما وقف ابن مسعود بين علقمة والأسود وقال: إن النبي ﷺ فعل كذلك. وقد قيل: إنما ذاك لأن أحدهما كان صبيًّا. وأما الوقوف قدام الإمام [ففي صلاة المأموم ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل إنها تكره] فهذا هو المشهور في مذهب مالك، والقول القديم للشافعي. والثاني: لا تصح الصلاة مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو المشهور من مذهب أحمد عند كثيرٍ من أصحابنا، على ما نقل عنه من إطلاق القول، ولكن نصوصه تدل على الفرق كما سنذكره. والثالث: أنه إن تقدم لحاجةٍ صحت الصلاة وإلا فلا، وهذا مذهب كثيرٍ من أهل العلم، وهو قول في مذهب أحمد، وأهل هذا القول يقولون: إذا لم يمكن الصلاة خلفه لزحمة أو غيرها - كما قد يحصل في الجمع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانًا - فالصلاة أمامه جائزة، وقد نصَّ أحمد على ما قضت به السنة في حديث أم ورقة الأنصارية أن المرأة تؤم الرجال عند الحاجة كقيام رمضان إذا كانت تقرأ وهم لا يقرءون، وتقف خلفهم لأن المرأة لا تقف في صف الرجال فلا تكون أمامهم، فنصَّ على أن المأمومين في هذا الموضع يكونون قدام الإمام كما جاء في الحديث، وذلك لئلا تكون المرأة في صف الرجال أو تكون أمامهم، فهنا كان تقدم المأموم على الإمام أولى في الشرع من تقدم النساء على

стр. 103

الرجال أو مصافة المرأة للرجال، مع أنه سُئل عن المرأة إذا وقفت في صف الرجال هل تبطل صلاة الرجال الذين يحاذونها؟ فتوقف في ذلك، ومسائل التوقف تخرج على وجهين، وتنازع أصحابه في ذلك فقالت طائفة ببطلان الصلاة كمذهب أبي حنيفة، وهو قول أبي بكر وأبي حفص، وقالت طائفة: لا تبطل، كمذهب الشافعي، وهو قول أبي حامد والقاضي وأتباعه. وهذا التفريق بين حالٍ وحالٍ، وجواز التقدم على الإمام للحاجة هو أظهر الأقوال، فإن جميع واجبات الصلاة تسقط عند العجز وتصلى بدونها، وكذلك ما يشترط للجماعة يسقط بالعجز ويصلى بدونه كصلاة الخوف التي صلاها النبي ﷺ في جماعة، والتزم لأجل الجماعة أمورًا لا تجوز لغير الحاجة، مثل تخلف الصف الثاني عن عن متابعته كما في صلاة عسفان (ومثل مفارقة الطائفة الأولى له قبل سلامه، وانتظار) الطائفة الثانية القعود كما في صلاة ذات الرقاع، ومثل استدبار القبلة والعمل الكثير كما في حديث ابن عمر إلى أمثال ذلك، ومن ذلك المسبوق يقعد لأجل متابعة الإمام مما لو فعله منفردًا بطلت صلاته، مثل كونه إذا رآه ساجدًا أو منتصبًا دخل معه، ومثل كونه يتشهد في أول صلاته دخل معه، فدل على أنه يجوز لأجل الجماعة ما لا يجوز بدون ذلك، ومع هذا فوقوف المأموم عن يسار الإمام للحاجة ووقوفه وحده خلف الصف للحاجة أحق بالجواز من تقدمه على الإمام للحاجة. وبهذا تأتلف النصوص جميعها، وعلى ذلك تدل أصول الشريعة، فإن جميع واجبات الصلاة من الطهارة بالماء، واستقبال الكعبة، وستر العورة، واجتناب

стр. 104

النجاسة، وقراءة القرآن، وتكميل الركوع والسجود، وغير ذلك، إذا عجز عنه المصلي سقط، وكانت صلاته بدون هذا الواجب خيرًا من تأخير الصلاة عن وقتها فضلاً عن تركها، فكذلك الجماعة متى لم تكن إلا بترك واجباتها سقط ذلك الواجب، وكانت الجماعة مع ترك ذلك الواجب خيرًا من تفويتها وصلاة الرجل وحده. ولهذا كان مذهب أحمد وغيره أنهم مع قولهم بالمنع من [الصلاة] خلف الفاسق والمبتدع، يأمرون بأن يُصلى خلفه ما يتعذر صلاته خلف غيره كالجمعة والعيدين وطواف الحج (١)، ونحو ذلك من الجُمَع والجماعات التي أن لَم (٢) تصلى خلف ذلك الفاسق والمبتدع خيرًا (٣) من أن يصلي الرجل وحده. وهذه سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي ﷺ كان يأمر (٤) الأمير ثم يتبين له فيما بعد أنه كان مذنبًا فيعزله، ولا يأمر المسلمين أن يعيدوا ما صلوه خلفه، كما أمر أميرًا فلم ينفذ أمره فقال: «ما منعكم أن تنفذوا أمري أو أن تولوا من ينفذ أمري» وإصراره على ترك تنفيذ أمر النبي ﷺ يقدح في دينه، ولم يأمرهم بإعادة ما صلوه خلفه، وقد أَمَّر الذي أمر أصحابه بدخول النار فقال النبي ﷺ : «لو دخلوها لما خرجوا منها» ولم يأمرهم بإعادة ما صلوا، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ولاه فأنزل الله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ لما أخبره بمنع الذين أرسله إليهم الصدقة، هذا إن كان معه جماعة يصلي بهم، وقد أخبر عن الأمراء الذين يكونون

стр. 105

بهذه (١) أنهم يستأثرون ويظلمون الناس وأنهم يمنعون الناس حقوقهم ويطلبون حقهم، ومع هذا فنهى عن قتالهم وأمر بالصلاة خلفهم من غير إعادة، حتى إن من كان منهم يؤخر الصلاة عن وقتها أمر المسلمين أن يصلوا الصلاة لوقتها ويصلوا خلفهم ويجعلوها نافلة، فلم يأمر بالثانية لنقض الأولى لكن لتحصيل الجماعة والنهي عن الفرقة، وقد صلى أصحابه - كابن عمر وغيره - خلف الحجاج بن يوسف، وخلف الخوارج وخلف المختار ابن أبي عبيد، وأمثال هؤلاء من أهل البدع والفجور، ولم يُعِد أحدٌ من الصحابة خلفهم، مع أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» فالكذاب هو المختار، والمبير هو الحجاج، وقد صلى الصحابة خلف هذا وهذا، ولم يأمر أحدٌ من الصحابة بالإعادة. وقد سن النبي ﷺ للمسلمين الاصطفاف في الصلاة وأمر بإقامة الصف، وقد قال النبي ﷺ : «لا صلاة لمن صلى خلف الصف» ورأى رجلاً يصلي وحده

стр. 106

خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة، ومع هذا فصلى بأنسٍ مرةً بالصبي اليتيم والمرأة خلفهما، فجعل المرأة وحدها صفًّا لأجل الحاجة، إذ كانت السنة في حقها أن لا تقف مع الرجال، والإمام يقف وحده لأجل الإمامة؛ فمن سوى بين الإمام والمرأة وبين الرجل المؤتم في الانفراد فقد خالف السنة، ومن جعل وقوف الفذ لا يجوز بحالٍ فقد خالف السنة، فعلم أن الاصطفاف أمر به - ونهى عن وقوف الرجل وحده - مأمور به مع القدرة، وأما مع الحاجة فوقوف الإنسان وحده خير له من أن يدع الجماعة، ونظائر هذا كثيرة، والله أعلم. فصل * في قتل الهوام في الصلاة ؟

стр. 107

فالجواب: «إن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب» وقد قال أحمد وغيره: يجوز له أن يذهب إلى النعل فيأخذه ويقتل به الحية والعقرب، ثم يعيده إلى مكانه. وكذلك سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال، مثل ما ثبت في الصحيحين «أن النبي ﷺ صلى على منبره بالناس، فكان يقوم عليه ويركع، ثم ينزل يسجد بالأرض، ثم يصعد يقوم عليه ليراه الناس ليتعلموا صلاته»، ومثل ما ثبت في الصحيح «أنه كان يصلي وهو حامل أمامة» ومثل ما ثبت عنه «أنه تقهقر في صلاة الكسوف وتقهقرت الصفوف معه، وأنه مَدَّ يده يتناول شيئًا» ومثل ما ثبت عنه في الصحيح «أنه أمر برد المار في الصلاة، وقال: فإن أبى فليقاتله؛ فإنه معه القرين»، ومثل ما ثبت عنه أنه قال: «إن الشيطان تغلب عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي فأخذته فَذَعَتُّه حتى سال لعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية

стр. 108

المسجد، فذكرت دعوة أخي سليمان»، ومثل ما «مشى حتى فتح الباب لعائشة» ومثل ما قال لابن مسعود: «إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب وأن تسمع لسِوادي حتى أنهاك» رواية مسلم. فهذه السنن تدل على جواز ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال التي ليست من عمل الصلاة، لكن أُبيحت في الصلاة للحاجة ولا تقطع الصلاة، وكان أبو برزة معه فرسه - وهو يصلي - كلما خطا يخطو معه خشية أن يتقدمه. وقال أحمد: إن فعل كما فعل أبو برزة فلا بأس. وظاهر مذهب أحمد وغيره أن هذا لا يقدر بثلاث خطوات ولا ثلاث فعلات، كما قضت به السنة، ومن قيده بثلاث - كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد - فإنما ذاك إذا كانت متصلة، فإذا كانت متفرقة فيجوز وإن كانت زائدة على ثلاث، إذا لم يتصل أكثر من ثلاث، والله أعلم. فصل * وأما السؤال عن سماع الغناء ؟ فالجواب: إن سماع الغناء والدفوف والشبابات وما يُذكر معه كإخراج اللاذن

стр. 109

ودخول النار ومؤاخاة النساء يُسأل عنه على وجهين: أحدهما: هل هو قربة وطاعة وطريق إلى الله شرع سلوكه لأولياء الله المتقين وعباده الصالحين وجنده الغالبين أم لا؟ والثاني: إذا لم يكن قربة فهل هو حلال أم حرام؟ والمسألة الأولى أهم وأنفع وأظهر من الثانية؛ فإن الذين يجتمعون على ذلك من المشايخ وأتباعهم المنتسبين إلى الدين والفقر والزهد وسلوك طريق الله لا يعدون ذلك من باب اللعب واللهو وتضييع الزمان فيما لا ينفع كما يلهو بعض العامة في الأفراح والغناء وغيره، بل هو عندهم طريق للقوم المشار إليهم بالدين، ومنهاج لأهل الزهد والعبادة وأهل السلوك والإرادة، وذوي القلوب من الرجال أهل المقامات والأحوال، فإنما يفعلونه قاصدين به صلاح القلوب والدخول في زمرة أهل الوجد (والرزق والمشروب) (١)، وتحريك وجد أهل المحبة بالمحبوب، إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. ويحصل لهم فيه أنواع من الأحوال العجيبة والموارد الغريبة ما يعرفه من الرجال أهل المعرفة بهذا الحال، فمنهم من يصعد في الهواء، ومنهم من يبقى راقصًا في الهواء، ومنهم من يصير ذاهبًا وجائيًا على الماء، ومنهم من يُؤتى بشراب يسقيه للفتى، أو غيره من الجلساء، أو بزيت فيوقد به المصباح بعد مقاربة الانطفاء، ومنهم من يخاطب بعض الحاضرين بلسان الأعجمي، ويكاشفه سر الخفي وإذا أفاق لم يدر ما قال كالمصروع بالجني ومنهم من يشير إليه، ومنهم من يسلب بعض المنكرين عليه قلبه ولسانه حتى لا يستطيع قراءةً ولا دعاءً ولا ذكرًا، وقد يمسك لسانه فلا يستطيع أن يقول لا عُرفًا ولا نُكرًا، ومنهم من يباشر النار بلا دهنٍ ولا حجرٍ طلق ولا غير ذلك من أمور الطبيعة بل يبقى بالنار تتأجج في يديه وثيابه، ومنهم من يأتيه زعفران ولاذن من حيث لا يدري، وقد يأخذ بيده حصاة فتسلت من يده ويجعل مكانها سكرة، إلى أمثال هذه العجائب التي يطول وصفها التي يظنها من لا يعرف

стр. 110

حقيقة وأنها (١) من كرامات الأولياء الصالحين، وأنها دالة على ولاية صاحبها من الأدلة والبراهين، وقد بُسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، لكن نذكر هنا ما يليق بهذا الجواب، فنقول: يجب أن يُعرف أصلان عظيمان: أحدهما: أنه لا طريق إلى الله يوصل إلى ولايته وكرامته ومحبته ورضوانه إلا بمتابعته رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ الآية، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «[إن الله قال]: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بُدَّ له منه». فالطرق التي بعث الله بها رسوله هي التقرب إلى الله بالفرائض، وبعد الفرائض بالنوافل، لا يتقرب إليه إلا بفعل واجبٍ أو مستحب و [يستوي] في ذلك الأمور الباطنة في القلوب والظاهرة للعيان، فحقائق الإيمان الباطنة في القلوب موافقة لشرائع الإسلام الظاهرة على الأبدان. وما ليس بواجبٍ ولا مستحب عند أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ولا عند أئمة المسلمين المعروفين ولا مشايخ الدين المتقدمين - كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وغيرهم - فليس في هؤلاء من حضر هذا السماع المحدث ولا أمر به، بل هذا ظهر في الإسلام في
следующие страницы →