رسول الله ﷺ – ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فض١ الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
ثم قال الهيثمي: ورواه البزار باختصار، وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح٢.
قلت: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع أيضا عن ابن هشام وابن حبان والبيهقي. وقد صحح هذا الحديث الألباني٣.
وعند الواقدي: قال: ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين - وهو واد أجوف ذو شعاب ومضايق - وفرق الناس فيه، وأوعز٤ إلى الناس أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة.
وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه وصفهم صفوفا في السحر، ووضع الألوية والرايات في أهلها.
ثم ذكر الألوية في قبائل العرب وحامليها: في المهاجرين والأنصار، وأسلم وبني غفار، وبني ضمرة وبني ليث، وبني كعب بن عمرو بن ربيعة بن خزاعة، وبني مزينة وجهينة وبني أشجع وسليم٥.
ثم قال: وكان رسول الله ﷺ قد قدم سليما من يوم خرج من مكة فجعلهم مقدمة الخيل، واستعمل خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجعرانة، وانحدر رسول الله ﷺ بأصحابه، وقد مضت مقدمته وهو على تعبئة في وادي حنين،
стр. 142
فانحدر رسول الله ﷺ انحدارا - وهو وادي حدور١ - وركب رسول الله ﷺ بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين٢ والمغفر والبيضة، واستقبل الصفوف وطاف عليها بعضها خلف بعض ينحدرون في الوادي، فحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، فبينا هم على ذلك ينحدرون في غلس الصبح.
فكان أنس بن مالك يحدث يقول: لما انتهينا إلى وادي حنين، وهو واد من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن شيء، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان من السواد والكثرة! ...
فلما تحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، فانكشف أول الخيل - خيل سليم – مولية فولوا، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين، ما يلوون على شيء٣.
? مهارة هوازن النادرة في إصابة الهدف بحيث لا يكاد يسقط لهم سهم.
وقد صرح بذلك حديث البراء بن عازب ﵁ عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
٥٩- حدثنا عمرو٤ بن خالد، ثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل٥: أكنتم فررتم يا أبا عمارة٦ يوم حنين؟ قال: لا والله ما٧ ولى
стр. 143
رسول الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم١ حسرا ليس٢ بسلاح فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون. الحديث٣.
وفي لفظ عند مسلم وابن أبي شيبة والطبري وأبي عوانة: "فقال البراء: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر٤ إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق٥ من نبل كأنها رجل٦ من جراد فانكشفوا". الحديث٧.
هذه بعض المرجحات التي كانت في جانب المشركين أدت إلى تفوقهم في أول الأمر.
وخاصة خطبة مالك بن عوف فيهم، خطبته الحماسية التي كان لها أثرها الفعال ووقعها في نفوسهم، حيث أثار فيهم النخوة والشجاعة والبسالة، في قوله: "إن محمدا
стр. 144
لم بقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لاعلم لهم بالحرب فينصر عليهم". الأمر الذي جعل هوازن يستميتون في ساحة المعركة، يتساقطون واحدا تلو الآخر وهم مصممون على الانتصار.
ثانيا: بيان الأسباب الداخلية لاندحار المسلمين في أول الأمر:
أ- اغترار بعض المسلمين بكثرتهم، كما تقدم في حديث: "لن نغلب اليوم عن قلة" ١.
وعند الواقدي: فلما فصل رسول الله ﷺ من مكة، قال رجل من أصحابه: "لو لقينا بني شيبان٢ ما بالينا٣ ولا يغلبنا اليوم أحد عن قلة"٤.
فكانت هذه المقالة بادرة سوء تألم منها رسول الله ﷺ ، لأن فيها إعجاب بالعدد والكثرة وغفلة عن الله الذي لا يكون النصر للمسلمين إلاّ من عنده. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ، [آل عمران، من الآية: ١٢٦] .
ب- عدم تمكن عقيدة التوحيد في بعض المسلمين كما في حديث أبي واقد الليثي في قول بعضهم: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" ٥.
وكانت هذه الكلمة مؤلمة لسمع الرسول ﷺ مما يدل على وجود حفنة من هذا الجيش لم يصلوا بعد إلى المستوى الإيماني المطلوب، لحداثة عهدهم بالإسلام.
?- الخفة والعجلة التي حصلت من بعض القوم وشبانهم، حيث خرجوا إلى هوازن قبل استكمال وسائل الحرب فلم يستطيعوا الوقوف أمام سهام المشركين ونبالهم، وهذا ما صرح به حديث البراء بن عازب ﵁.
стр. 145
فعند البخاري وغيره عن البراء قال له رجل: يا أبا عمارة ولَّيْتُم يوم حنين؟
قال: لا. والله ما ولى النبي ﷺ ، ولكن ولى سرعان١ الناس، فلقيهم هوازن بالنبل. الحديث٢.
وفي لفظ: فقال البراء: "أما أنا فأشهد على أن النبي ﷺ لم يول، ولكن عجل سرعان القوم، فرشقتهم هوازن". الحديث٣.
وفي لفظ قال البراء: "لا. والله، ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقتهم ما يكادون يخطئون" الحديث٤.
فهذا الحديث على اختلاف ألفاظه يدل على أن سرعان القوم وأخفاءهم عجلوا في مبارزة العدو قبل استكمال عدة الحرب فلم يستطيعوا الثبات أمام هجمة هوازن عليهم ففروا وفر الناس بعدهم.
د- فرار الأعراب وعدم ثبوتهم أمام المشركين مما شجع العدو في مواصلة مطاردة المسلمين.
стр. 146
وهذا هو صريح حديث أنس بن مالك قال: "افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف١، وعلى مجنبة٢ خيلنا خالد ابن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوي٣ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب٤ ومن نعلم من الناس" ... الحديث٥.
?- انهزام الطلقاء:
وهذا هو ما صرح به أنس بن مالك في حديثه عند مسلم وغيره، وهذا سياق مسلم:
٦٠- حدثنا أبو بكر٦ بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن أم سليم٧ اتخذت يوم حنين ٨
стр. 147
خنجرا١، فكان معها، فرآها أبو طلحة٢ فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر٣، فقال لها رسول الله ﷺ "ما هذه الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت٤ به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء٥ انهزموا بك. فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" ٦.
والحديث أخرجه ابن سعد، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وأبو نعيم. الجميع من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت به٧.
стр. 148
وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، كلاهما من طريق سليمان١ بن المغيرة، عن ثابت به٢.
وأخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة. الجميع من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك٣.
وأخرجه أحمد من طريق ابن أبي عدي٤، عن حميد، عن أنس٥. فهذا الحديث رواه هؤلاء الأئمة عن أنس منهم المختصر ومنهم المطول.
٦١- وأخرجه ابن إسحاق عن عبد الله٦ بن أبي بكر مرسلاً بنحوه، وهذا سياقه قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وأنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها٧ الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته٨ مع الخطام، فقال لها رسول الله ﷺ : أم سليم؟ .
стр. 149
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل.
فقال رسول الله ﷺ : "أو يكفي الله يا أم سليم"؟
قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟
قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين، بعجته به.
قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم للغميصاء١.
ومن طريقه أخرجه الطبري٢.
و انكباب المسلمين عل جمع الغنائم واشتغالهم بها، وذلك أن المسلمين حملوا على الكفار فلاذوا بالفرار تاركين أموالهم وعتادهم، فظن المسلمون أن الكفار انهزموا إلى غير رجعة، فأقبلوا على جمع الغنائم وحيازتها، فانتهز المشركون غفلة المسلمين فانهالوا عليهم من كل صوب يضربون ويطعنون، فانكشف المسلمون أمام المشركين لا يلوي أحد منهم على أحد، والكفار في آثارهم يطاردونهم. وهذا ما صرح به البراء بن عازب ﵁ في حديثه عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياق البخاري:
عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل من قيس: "أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة٣، وإنا لما حملنا
стр. 150
عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام ... " الحديث١.
ومن خلال هذه الألفاظ الواردة في حديث البراء نرى كيف وصل الحال بالمسلمين عندما ذهبوا يتسابقون إلى حطام الدنيا الفانية مما جعلهم يفقدون توازنهم، ويتركون مواقعهم عندما هاجمتهم هوازن في حال انشغالهم بجمع الغنائم، فكانت كارثة عظيمة، تخلى المسلمون عن رسول الله ﷺ إلاّ القليل منهم.
ز- إن ما حصل للمسلمين في غزوة حنين من انكسار أمام الأعداء، كان مصدره أمر الله وقدره، وذلك ليطأطئ رؤوس أقوام رفعها الإعجاب بكثرتهم وقدرتهم القتالية، فأدبهم الرب ليعلمهم أن النصر من عنده ، وأن كثرتهم وجموعهم لا تجدي عنهم شيئا.
وهذا ما تضمنه حديث أبي قتادة٢ ﵁ عند البخاري وغيره. وهذا سياق البخاري:
٦٢- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى٣ بن سعيد، عن ابن أفلح٤، عن أبي٥ محمد مولى أبي قتادة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ
стр. 151
يوم حنين١، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة٢، فرأيت رجلا من المشركين علا٣
стр. 152
رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل١ عاتقه، فأقبل علي فضمني٢ ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر٣ بن الخطاب فقلت٤ ما بال الناس؟ قال: "أمر٥ الله". الحديث٦.
والحديث أخرجه أيضا مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، ومالك، والشافعي، وعبد الرزاق، والحميدي، وأحمد، وابن الجارود، والطحاوي، وأبو عوانة، والبيهقي، والحازمي٧. الجميع من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن كثير بن أفلح به.
стр. 153
منهم من ساقه بتمامه ومن هم من اقتصر على جزء منه.
وقد اتفقت جميع الطرق على ان أبا قتادة راوي الحديث هو الذي سأل عمر بن الخطاب عن سبب انهزام المسلمين، ماعدا مسلما والحازمي فإن الأمر عندهما بالعكس.
والحديث أخرجه كذلك ابن إسحاق من طريقين: قال في الأولى: حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن أبي قتادة.
وفي الثانية: حدثني من لا أتهم من أصحابنا عن نافع مولى بني غفار أبي محمد عن أبي قتادة، ثم ساق الحديث١.
ومن طريقه أخرجه أحمد٢، وسمى المبهم في الطريق الثانية "يحيى بن سعيد" الذي مدار حديث الباب عليه، غير أن كون يحيى بن سعيد يروي عن نافع مباشرة فيه نظر، وذلك لأن جميع طرق الحديث التي وقفت عليها أنه يروي عنه بواسطة "عمر بن كثير بن أفلح" ولم أجد مَنْ نصّ مِن العلماء أن نافعاً من شيوخ يحيى، فالظاهر أن في سند ابن إسحاق انقطاعا، وقد عرف الواسطة من طرق أخرى، وهو: "عمر بن كثير".
هذه معظم الأسباب التي عثرت عليها في سبب تخلي المسلمين عن رسول الله ﷺ منسحبين أمام هوازن إلاّ قلة ممّن ثبت معه ﷺ .
وإذا أمعنا النظر نجد أن الذين بدأوا بالفرار هم أحداث الأسنان والأعراب والطلقاء، وهؤلاء ليسوا من كبار الصحابة وأهل القدم الراسخ في الإسلام. ثم صادف ذلك انشغال بعض المسلمين بجمع الغنائم كما في بعض الروايات الصحيحة.
стр. 154
هذا هو الذي استخلصته في بيان أسباب انكشاف المسلمين في بداية المعركة، معتمدا على المرويات الواردة في ذلك، ولكن الأمر لم يدم طويلا في تلك المعركة لصالح المشركين، بل نصر الله جنده في نهاية الأمر، كما سيتبين ذلك من خلال دراستنا لهذه الغزوة.
وفي ختام هذا المبحث أحب أن أشير إلى أن من سنن الله الكونية التي لا تتخلف أن الله ، جعل للنصر والظفر على الأعداء أسبابا، كما جعل للهزيمة والانحدار أسبابا، فمن أخذ بأسباب النصر جاءه النصر بإذن الله، ومن تخلى عنها أو عن بعضها جاءته الهزيمة والانتكاس.
والعبرة التي يجب تقريرها والتأكيد عليها في هذا المبحث أيضا أن الجيش الإسلامي الذي يكون قائده رسول الله ﷺ ، إذا حصل منه تقصير في جنب الله، فإنه يعاقب بالهزيمة ولا يخرج عن سنة الله في ذلك، فلا ينتصر وهو غير مستوجب لشروط النصر وأسبابه.
فوقوع مثل هذا في جيوش المسلمين المقصرين في حق الله عليهم، والذين قوادهم من البشر العاديين أولى وأحرى، وإنه لدرس عظيم تقدمه لنا سيرة سلفنا الصالح وحياة ذلك الرعيل الأول، الذين عاش بين ظهرانيهم رسول الله ﷺ ، والوحي ينزل عليه، وقد أذاقهم الله حلاوة النصر من عنده إذا صبروا وصدقوا واستكملوا عناصر النصر المادية والمعنوية، ولم يغفلوا عن الله.
كما أذاقهم مرارة الهزيمة، إذا هم غفلوا عن الله وتنازعوا وركنوا إلى الدنيا وبيّن لهم أن ذلك الانهزام ما جاءهم إلا من عند أنفسهم إما إعجابا بكثرتهم أو بإقبالهم على حطام الدنيا، أو بغير ذلك من الأسباب.
وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وممّا يحسن الإشارة إليه هنا – أيضا – أن المسلمين في غزوة حنين كانوا اثني عشر ألفا أو يزيدون١، وقد حصل لهم ما بيّناه في هذا المبحث من إدبارهم على رغم هذا العدد الكبير الذي لم يتوافر مثله في غزواتهم السابقة، وقد يتوهم متوهم أن هذا يعارض ما رواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عباس الوارد فيه:
стр. 155
٦٣- "ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ١.
وفي لفظ عند أحمد: "لن يغلب قوم عن قلة يبلغون أن يكونوا اثني عشر ألفا".
وعند الدارمي: "وما بلغ اثنا عشر ألفا فصبروا وصدقوا فغلبوا من قلة".
وعند أبي يعلى: "وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صدقوا وصبروا".
وعند الواقدي: "ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة كلمتهم واحدة" ٢.
ذلك أن هذا الحديث مقيد بقيدين وهما: "الصبر، والصدق". فإذا بلغ الجيش هذا العدد لا يغلب من قلة، إذا صبروا وصدقوا، بل ربما يكون عددهم أقل من هذا ويكون النصر حليفهم بالصبر والصدق، وإنما يغلبون لأمر آخر كالإعجاب بالكثرة وبما زين لهم الشيطان من أنفسهم من قدرتهم على الحرب وشجاعتهم وقوتهم ونحو ذلك.
والحاصل أن انتصار المسلمين مرتبط بأسباب وموانع، فإذا توفرت الأسباب وانتفت الموانع حصل النصر بإذن الله قل العدد أو كثر، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ،٣. على أنه قد يقال بعدم التعارض مطلقا بين ما وقع في حنين، وما يتضمنه قوله ﷺ : "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ذلك أن ما وقع في حنين ليس هزيمة كسر فيها المسلمون ولم يقم لهم بعدها قائمة في هذه المعركة، وإنما الذي حدث هو إدبار في بادئ المعركة، أعقبه بعد ذلك انتصار عظيم على الكفار، وغنيمة لما معهم، فمثل هذه الحال لا يقال فيها إنها هزيمة نهائية، وعليه فلا تعارض، وهذا أظهر واوجه. والله أعلم.
وحديث "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، كلهم
стр. 156
من طريق جرير١ بن حازم، عن يونس٢ بن يزيد الأيلي، عن الزهري٣، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ٤.
وأخرجه الترمذي، وأحمد وأبو يعلى، والطحاوي، كلهم من طريق حبان٥ بن علي العنزي، عن عقيل٦ بن خالد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي- ﷺ -٧.
ورواه الدارمي من طريق حبان بن علي العنزي، عن يونس بن يزيد، وعقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن النبي ﷺ ٨.
والحديث قال فيه أبو داود: والصحيح أنه مرسل٩.
стр. 157
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا.
وقد رواه حبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ .
ورواه الليث بن سعد١، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي - صلى الله عليه مسلم -٢. إهـ
وهكذا أعله بالإرسال أيضا أبو حاتم، والطحاوي، والبيهقي٣.
والخلاصة: أن هذا الحديث تفرد بوصله جرير بن حازم، وهو ثقة. والزيادة من الثقة مقبولة، كما هو مقرر في علم المصطلح٤.
وقد قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف بين الناقلين عن الزهري٥. وسكت عنه الذهبي.
وقال ابن القطان٦: هذا ليس بعلة، فالأقرب صحته٧.
وقال البيهقي - بعد سياق الحديث -: "قال أبو داود: أسنده جرير بن حازم وهو خطأ".
стр. 158
فتعقبه ابن التركماني بقوله: "هذا ممنوع، لأن جريرا ثقة، وقد زاد الإسناد فيقبل قوله"١.
وصححه أيضا السيوطي٢.
وقال الألباني: "جرير بن حازم ثقة احتج به الشيخان، وقد وصله، وهي زيادة يجب قبولها، ولا يضره رواية من قصر به على الزهري"، ولذلك قال ابن القطان: هذا ليس بعلة فالأقرب الصحة.
وقد تابعه حبان بن علي العنزي على وصله، كما ذكر الترمذي.
ثم ذكر من وصل الحديث من طريق حبان بن علي، ثم قال: ورجال الحديث كلهم ثقات رجال البخاري، غير حبان بن علي وهو ضعيف، لكنه لم يترك كما قال الذهبي٣.
فمثله يستشهد به٤.
стр. 159
المبحث الثاني: مواقف مريبة إثر انكشاف المسلمين في بادئ الأمر:
لما خرج رسول الله ﷺ إلى حنين لمنازلة هوازن وجموعها، خرج معه كثير من أهل مكة وهم أوزاع منهم الطلقاء، ومنهم المقيم على كفره١، ومنهم المسلم الذي حسن إسلامه، ومنهم ضعيف الإيمان.
وكان خروج الأغلبية منهم يرجون الغنائم وينظرون لمن تكون الغلبة، ولا يكرهون أن تكون الهزيمة للمسلمين.
стр. 160
قال ابن كثير قال ابن لهيعة١، عن أبي الأسود٢، عن عروة٣.
وذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" عن الزهري، أن رسول الله ﷺ لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن معه أهل مكة لم يغادر منهم أحداً ركباناً ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه.
قالوا: وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا: وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: "إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا". لما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة٤.
قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الأعراب، فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من الأعراب٥، وغضب صفوان لذلك، قال
стр. 161
عروة: وبعث صفوان غلاماً له فقال: اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: "يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب" ... الحديث١.
والحديث أخرجه البيهقي في دلائل عن عروة وموسى بن عقبة ولم يذكر الزهري٢. وفي السند إلى عروة أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد لم أجد له ترجمة.
والحديث في كلا الإسنادين مرسل، لأن عروة بن الزبير من الثانية وموسى بن عقبة من الخامسة٣.
٦٤- وعند ابن إسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن٤، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام٥ لمعه في كنانته، وصرخ جبلة٦ بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن٧.
стр. 162
ذكر هذا ابن إسحاق بدون إسناد، ومن طريقه أخرجه الطبري، لكن الجزء الأخير منه - وهو قول جبلة: "بطل السحر اليوم" - وجواب صفوان له ثابت عند أبي يعلى من حديث جابر بن عبد الله، وهذا نصه:
حدثنا جعفر١، ثنا عبد٢ الأعلى، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر قال: كان أمام هوازن رجل جسيم٣ على جمل أحمر في يده راية٤ سوداء إذا أدرك طعن بها وإذا فاته شيء من بين يديه رفعها لمن خلفه، فعمد٥ له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار كلاهما يريده، قال: فضربه علي على عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، قال: وضرب الأنصاري ساقه، قال: فطرح قدمه بنصف ساقه فوقع، واقتتل الناس.
وصرخ - حين كانت الهزيمة - كلدة وكان أخا صفوان٦ بن أمية وكان صفوان يومئذ مشركا، في المدة التي ضرب له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم٧. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش
стр. 163
أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن"١.
ومن هذا الطريق أخرجه ابن حبان٢.
والحديث فيه: جعفر بن مهران السباك، وثقه ابن حبان وهو متساهل في التوثيق، وقال الذهبي: موثق وله ما ينكر. ولكن أصل الحديث ثابت عند أحمد وابن هشام والطبري والبيهقي من غير طريق جعفر بن مهران٣.
٦٥- وروى الواقدي عن قتادة قال: مضى سرعان المنهزمين إلى مكة يخبرون أهلها بالهزيمة، فسر بذلك قوم من أهلها وأظهروا الشماتة وقال قائلهم:"ترجع العرب إلى دين آبائها، وقد قتل محمدوتفرق أصحابه".
فقال عتاب بن أسيد: إن قتل محمد فإن دين الله قائم، والذي يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا حتى جاءهم الخبر بنصره ﷺ ، فسر عتاب ومعاذ بن جبل، وكبت الله من كان يسر خلاف ذلك٤.
٦٦- وأخرج الطبراني والبيهقي كلاهما من طريق أيوب٥ بن جابر، عن صدقة بن سعد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه٦ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على
стр. 164
قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر"١
فضرب بيده في صدري ثم قال: "اللهم اهد شيبة"، ثم ضربها الثانية فقال: "اللهم اهد شيبة"، ثم ضربها الثالثة ثم قال: "اللهم اهد شيبة".
قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه:. الحديث٢.
والحديث ضعيف، لأن فيه:
أ - أيوب بن جابر٣.
ب - صدقة بن سعيد٤.
? - مصعب بن شيبة٥.
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني وفيه أيوب بن جابر وهو ضعيف٦.
٦٧- وروى الطبراني، والبيهقي – أيضا – كلاهما من طريق عبد الله٧ بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي٨، عن عكرمة٩ مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان
стр. 165
قال: لما رأيت رسول الله يوم حنين قد عرى١، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما٢، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه بين درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج٣، فقلت: عمه ولن يخذله، قال: ثم جئته عن يساره فإذا بأبي سفيان٤ بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره٥ سورة بالسيف إذ رفع شواظ٦ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني٧، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى٨، فالتفت رسول الله ﷺ وقال: "يا شيبة٩ ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان".
قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: "يا شيبة قاتل الكفار". الحديث١٠.
والحديث أورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف١١.
وقال ابن حجر: متروك الحديث١٢.
стр. 166
وأخرج البلاذري نحوه من طريق الوليد بن مسلم، ثنا يحيى١ بن عبد العزيز.
٦٨- عن عبد الله٢ بن نعيم الأردني، عن الضحاك٣ بن عبد الرحمن الأشعري قال: لما هزم الله هوازن يوم حنين عقد رسول الله ﷺ لأبي عامر علي خيل الطلب. الحديث. وفيه: "وكان شيبة بن عثمان العبدري شديدا على المسلمين وكان ممن أومن فسار إلى هوازن طمعا في أن يصيب من النبي ﷺ غرة، قال: فدنوت منه فإذا أهله محيطون به، ورآني فقال: "يا شيب إليّ، فدنوت منه، فمسح صدري، ودعا لي" فأذهب الله كل غل كان فيه وملأه إيمانا وصار أحب الناس إليّ٤.
والحديث ضعيف لأن فيه يحيى بن عبد العزيز، وعبد الله بن نعيم، وفيه أيضا الإرسال، لأن الضحاك بن عبد الرحمن لم يدرك هذه القصة.
وأخرج ابن سعد من طريق الواقدي نحو ما تقدم ولفظه:
٦٩- كان شيبة بن عثمان رجلا صالحا له فضل وكان يحدث الناس عن إسلامه وما أراد الله به من الخير ويقول: "ما رأيت أعجب ممّا كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ثم يقول: لما كان عام الفتح ودخل رسول الله ﷺ مكة عنوة فقلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا". الحديث وهو مطول٥.
стр. 167
والحديث فيه الواقدي، وهو متروك الحديث١.
وعند ابن إسحاق بدون إسناد قال: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار، قلت: اليوم أدرك ثأري من محمد - وكان أبوه قتل يوم أحد – اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني٢.
ومن طريقه أخرجه الطبري والبيهقي٣.
والخلاصة: أن الأحاديث الواردة في سبب إسلام شيبة بن عثمان كلها ضعيفة، ولذا قال ابن السكن٤: في إسناد قصة إسلامه نظر٥.
ولكن هذه الروايات على ضعف أكثرها تدل على محاولات شيبة للقضاء على رسول الله ﷺ وأخذ الثأر منه، كما أن تلك الأقوال الحاقدة التي أطلقها بعض أهل مكة كانت بمثابة التشفي من المسلمين، والرغبة في اندحار الحق.
وتلتقي هذه الأقوال وتلك المحاولات من شيبة وغيره في إطار واحد يمثل ضيق نفوس هؤلاء بالإسلام، وحبهم للعهد الجاهلي وبقائه، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وينصر نبيه ﷺ ، ولله الحمد والمنة.
стр. 168
المبحث الثالث: عدد الثابتين مع رسول الله ﷺ يوم حنين:
مر بنا أن مالك بن عوف سبق إلى وادي حنين وفرق جيوشه في منعطفاته ومضايقه واستعدوا وتأهبوا وأحكموا خطتهم١.
وكان المسلمون لا يعلمون بذلك، وبينما هم ينحدرون في الوادي إذ انهالت عليهم هوازن بوابل من النبال والسهام، فانكشفت مقدمة المسلمين، وتبعها بقية
стр. 169
الجيش الإسلامي، ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا قلة من المسلمين، وهذا ما نريد الحديث عنه في هذا المبحث.
على أنه قد اختلفت الروايات في عدد الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ ، وهي كالآتي:
أ- ورد في حديث أنس بن مالك عند البخاري ومسلم وغيرهما قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده" الحديث١.
قال ابن حجر: ويجمع بين قوله "حتى بقي وحده" وبين الأخبار الدالة على أنه بقي جماعة، بأن المراد: بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه، أو وحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان ابن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك٢.
ب- وأخرج ابن أبي شيبة والبزار من حديث بريدة بن الحصيب أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا رجل واحد يقال له زيد. وهذا سياق الحديث عند البزار:
٧٠- حدثنا معمر٣ بن سهل، وصفوان٤ بن المغلس قالا: ثنا عبيد٥ بن
стр. 170
موسى، ثنا يوسف١ بن صهيب، عن عبد الله٢ بن بريدة، عن أبيه٣ قال:
"تفرق الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين، فلم يبق إلا رجل يقال له زيد٤، وهو آخذ بعنان٥ بغلة رسول الله ﷺ الشهباء٦، فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 171
"ويحك١ ادع الناس"، فنادى زيد: يا أيها الناس! هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: ويحك خص الأوس والخزرج، فنادى: يا معشر الأوس والخزرج! هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: ويحك خص المهاجرين فإن لي في أعناقهم بيعة، قال: فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون حتى أتوا رسول الله ﷺ فمشوا قدما حتى فتح الله عليهم".
قال البزار: لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا رواه عن عبد الله إلا يوسف بن صهيب، وهو كوفي مشهور.
وقال الهيثمي وابن حجر: "رجاله ثقات"٢.
ونسبه ابن كثير ليونس بن بكير فقال: وروى يونس بن بكير في مغازيه عن يوسف بن صهيب، عن٣ عبد الله: أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد٤.
?- وعند أبي يعلى والطبراني من حديث أنس بن مالك: أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث، وهذا سياقه عند أبي يعلى قال:
стр. 172
٧١- حدثنا محمد١ بن أبي بكر، ثنا عمرو٢ بن عاصم، ثنا أبو العوام، عن معمر٣، عن الزهري٤، عن أنس قال: "لما كان يوم حنين انهزم الناس عن رسول الله ﷺ إلاّ العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث". الحديث٥.
قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح، غير عمران بن دوار٦ وهو أبو العوام، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره".
قلت: يشهد له حديث العباس، فقد أخرج الحاكم من طريق ابن أبي عمر٧:
٧٢- ثنا سفيان٨، عن الزهري، عن كثير٩ بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه١٠ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو
стр. 173
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ وهو راكبها وأبو سفيان لا يألو أن يسرع نحو المشركين" ١ ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي.
د- وعند ابن ابي شيبة من مرسل الحكم٢ بن عتيبة قال:
٧٣- لما فر الناس يوم حنين جعل النبي ﷺ يقول:
"أنا النبي لا كذب ... أنا بن عبد المطلب
فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، علي، والعباس بين يديه، أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، قال: وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل٣" ٤.
?- وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق ما يدل على أنه بقي مع رسول الله ﷺ عشرة، وهذا سياقه: قال:
لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف خطوط إنما ننحدر فيه انحدارا – قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدّوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: أين أيها٥ الناس؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله، قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله ﷺ نفر٦ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.
стр. 174
وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر، وعمر.
ومن أهل بيته: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث وابنه١، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد. الحديث٢.
والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي: الجميع من طريق ابن إسحاق، ولم يذكروا "ابن أبي سفيان:".
و وعند أحمد والبزار والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود أن الذين ثبتوا يوم حنين كانوا ثمانين، وهذا سياقه عند أحمد قال:
٧٤- ثنا عفان٣، ثنا عبد الواحد٤ بن زياد، ثنا الحارث٥ بن حصيرة، ثنا القاسم٦ بن عبد الرحمن، عن أبيه٧ قال: قال عبد الله بن مسعود: كنت مع رسول
стр. 175
الله ﷺ يوم حنين، قال: فولى١ عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فنكصنا٢ على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة٣، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدما فحادت٤ به فمال عن السرج فقلت له: "ارتفع رفعك الله" الحديث٥.
والحديث رواه البزار والطبراني والحاكم: كلهم من طريق عفان ابن مسلم به٦.
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة٧.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: الحارث وعبد الواحد ذوا مناكير، وهذا منها، ثم فيه إرسال".
والحديث أعله الذهبي بأنه من مناكير عبد الواحد٨ والحارث، وبالإرسال.
وعبد الواحد الذي يقول فيه الذهبي إنه صاحب مناكير، قد وثقه أئمة هذا الشأن حيث نقل توثيقه عن يحيى بن معين، وأبي زرعة٩، وأبي حاتم١٠، وابن
стр. 176
سعد١، والنسائي، وأبي داود، والعجلي٢، والدارقطني، وابن حبان.
وقال ابن عبد البر: "لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت".
وقال ابن القطان الفاسي٣: "ثقة لم يعتل عليه بقادح، ولكن أشار يحيى"٤ القطان إلى لينه، فروى ابن المديني عنه أنه قال: ما رأيته طلب حديثا قط وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفا.
قال ابن حجر: "وهذا غير قادح لأنه كان صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة"٥.
قلت: والذهبي نفسه أورد قول يحيى بن القطان في "سير أعلام النبلاء" وعقب عليه بقوله: قلت: قد كان عبد الواحد من علماء الحديث، وحديثه مخرج في الصحاح٦.
وفي "تذكرة الحفاظ" قال عنه: عبد الواحد بن زياد الإمام الفقيه.. وثقه أحمد وغيره، وأما ابن حبان فقال: ليس بشيء، ثم عقب على هذا بقوله: قلت: كان عالما صاحب حديث وله أوهام ولكن حديثه محتج به في الكتب. ا?٧.
قلت: وأكثر ما نقموا عليه حديثه عن الأعمش، وحديث الباب ليس من حديثه عن الأعمش.
فعلى هذا فقول الذهبي بأن عبد الواحد صاحب مناكير وأن هذا الحديث منها فيه نظر.
стр. 177
وأما الحارث فوثقه قوم وضعفه آخرون ورمي بالتشيع.
وحديث الباب ليس فيه ما يدعو على التشيع.
وقد توسط فيه ابن حجر فقال: "صدوق يخطئ ورمي بالرفض".
وأما الإرسال١: فقد اختلف العلماء في سماع عبد الرحمن من أبيه، فمنهم من نفاه مطلقا، ومنهم من أثبته مطلقا، ومنهم من قال: سمع حديثا، ومنهم من قال: سمع حديثين، وقال ابن حجر: "سمع من أبيه لكن شيئا يسيراً".
وذلك لأن عبد الرحمن عند وفاة أبيه كان عمره ست سنوات وهو وقت يمكن أن يسمع فيه بعض الأحاديث، ويصعب الجزم بأن حديث الباب من المسموع لأنهم لم ينصوا على ذلك، وإذا كان الحديث مرسلا فيكون ضعيفا لكن يشهد له حديث حارثة٢ بن النعمان وهو ما اورده ابن حجر في ترجمته فقال:
٧٥-وروى ابن شاهين٣ من طريق المسعودي٤، عن الحكم٥، عن القاسم٦،: أن حارثة أتى النبي ﷺ وهو يناجي رجلا ولم يسلّم، فقال جبرائيل: "أما
стр. 178
أنه لو سلم لرددنا عليه، فقال رسول الله ﷺ لجبرائيل: وهل تعرفه؟ فقال نعم، هذا من الثمانين الذين صبروا يوم حنين رزقهم ورزق أولادهم على الجنة" ١.
ورواه الحارث٢ من وجه آخر عن المسعودي، فقال: عن القاسم٣، عن الحارث بن النعمان كذا قال.
ورواه الطبراني من طريق ابن أبي ليلى٤، عن الحكم٥، عن مقسم٦، عن ابن عباس، فذكر نحوه٧.
قلت: الحديث المشار إليه عند الطبراني هذا سياقه:
٧٦- قال: حدثنا محمد٨ بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد٩ بن عمران بن أبي ليلى، حدثني أبي١٠، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس
стр. 179
قال: "مرّ حارثة بن النعمان على رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇، يناجيه، فلن يسلم، فقال جبريل ﵇: "ما منعه أن يسلم، إنه لو سلم لرددت عليه، ثم قال: أما إنه من الثمانين"، فقال رسول الله ﷺ : "وما الثمانون؟ ". قال: يفر الناس عنك غير ثمانين يصبرون معك، رزقهم ورزق أولادهم على الله في الجنة، فلنا رجع حارثة سلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ألا سلمت حين مررت؟ ". قال: "رأيت معك إنسانا فكرهت أن أقطع حديثك، قال::فرأيته؟ " قال: نعم، قال: "ذاك جبريل ﵇، وقد قال: فأخبره بما قال جبريل ﵇" ١.
والحديث قال فيه الهيثمي: "رواه الطبراني والبزار بنحوه وإسناده حسن، رجالهم كلهم وثقوا وفي بعضهم خلاف"٢.
وعند البيهقي بطريق مرسل وفيه راو لم أجد ترجمته٣ عن حارثة بن النعمان: حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ يوم حنين فقلت: مائة واحدة٤.
وعند الواقدي: ويقال: أن رسول الله ﷺ لما انكشف الناس، قال لحارثة بن النعمان: "يا حارثة كم ترى الذين ثبتوا؟ قال: فلما التفت ورائي تحرجا، فنظرت عن يميني وشمالي فحزرتهم مائة، فقلت يا رسول الله هم مائة! حتى كان يوم مررت على النبي ﷺ وهو يناجي جبريل ﵇ عند باب المسجد، فقال جبريل ﵇: من هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : حارثة بن النعمان، فقال جبريل ﵇: هذا أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت ﵇، فأخبره النبي ﷺ ، فقال: ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك ٥.
ز- وعند الترمذي: من حديث ابن عمر أن الثابتين يوم حنين نحو المائة، وهذا نصه:
стр. 180
٧٧ حدثنا محمد١ بن عمر بن علي المقدمي، حدثني أبي٢، عن سفيان٣ بن حسين، عن عبيد الله٤ بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قالك "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل" ٥.
ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله، لا نعرفه ألا من هذا الوجه.
قال المباركفوري: قوله: "وإن الفئتين لموليتان"، كذا في النسخ الحاضرة، وأورد الحافظ هذا الحديث في الفتح نقلا عن الترمذي وفيه: "وإن الناس لملون"٦ مكان "وإن الفئتين لموليتان"٧.
والحديث فيه عمر بن علي المقدمي وهو مدلس وقد عنعن.
وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلّسين، وهي المرتبة التي لا يحتج بشيء من حديث من أصحابها إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل٨.
والحديث حسنه الترمذي وابن حجر وجمع بينه وبين حديث ابن مسعود، وهذا