← Сира

Сира · id 1308

مرويات غزوة حنين وحصار الطائف

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (751 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سعد١، والنسائي، وأبي داود، والعجلي٢، والدارقطني، وابن حبان. وقال ابن عبد البر: "لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت". وقال ابن القطان الفاسي٣: "ثقة لم يعتل عليه بقادح، ولكن أشار يحيى"٤ القطان إلى لينه، فروى ابن المديني عنه أنه قال: ما رأيته طلب حديثا قط وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفا. قال ابن حجر: "وهذا غير قادح لأنه كان صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة"٥. قلت: والذهبي نفسه أورد قول يحيى بن القطان في "سير أعلام النبلاء" وعقب عليه بقوله: قلت: قد كان عبد الواحد من علماء الحديث، وحديثه مخرج في الصحاح٦. وفي "تذكرة الحفاظ" قال عنه: عبد الواحد بن زياد الإمام الفقيه.. وثقه أحمد وغيره، وأما ابن حبان فقال: ليس بشيء، ثم عقب على هذا بقوله: قلت: كان عالما صاحب حديث وله أوهام ولكن حديثه محتج به في الكتب. ا?٧. قلت: وأكثر ما نقموا عليه حديثه عن الأعمش، وحديث الباب ليس من حديثه عن الأعمش. فعلى هذا فقول الذهبي بأن عبد الواحد صاحب مناكير وأن هذا الحديث منها فيه نظر.

стр. 177

وأما الحارث فوثقه قوم وضعفه آخرون ورمي بالتشيع. وحديث الباب ليس فيه ما يدعو على التشيع. وقد توسط فيه ابن حجر فقال: "صدوق يخطئ ورمي بالرفض". وأما الإرسال١: فقد اختلف العلماء في سماع عبد الرحمن من أبيه، فمنهم من نفاه مطلقا، ومنهم من أثبته مطلقا، ومنهم من قال: سمع حديثا، ومنهم من قال: سمع حديثين، وقال ابن حجر: "سمع من أبيه لكن شيئا يسيراً". وذلك لأن عبد الرحمن عند وفاة أبيه كان عمره ست سنوات وهو وقت يمكن أن يسمع فيه بعض الأحاديث، ويصعب الجزم بأن حديث الباب من المسموع لأنهم لم ينصوا على ذلك، وإذا كان الحديث مرسلا فيكون ضعيفا لكن يشهد له حديث حارثة٢ بن النعمان وهو ما اورده ابن حجر في ترجمته فقال: ٧٥-وروى ابن شاهين٣ من طريق المسعودي٤، عن الحكم٥، عن القاسم٦،: أن حارثة أتى النبي ﷺ وهو يناجي رجلا ولم يسلّم، فقال جبرائيل: "أما

стр. 178

أنه لو سلم لرددنا عليه، فقال رسول الله ﷺ لجبرائيل: وهل تعرفه؟ فقال نعم، هذا من الثمانين الذين صبروا يوم حنين رزقهم ورزق أولادهم على الجنة" ١. ورواه الحارث٢ من وجه آخر عن المسعودي، فقال: عن القاسم٣، عن الحارث بن النعمان كذا قال. ورواه الطبراني من طريق ابن أبي ليلى٤، عن الحكم٥، عن مقسم٦، عن ابن عباس، فذكر نحوه٧. قلت: الحديث المشار إليه عند الطبراني هذا سياقه: ٧٦- قال: حدثنا محمد٨ بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد٩ بن عمران بن أبي ليلى، حدثني أبي١٠، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس

стр. 179

قال: "مرّ حارثة بن النعمان على رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇، يناجيه، فلن يسلم، فقال جبريل ﵇: "ما منعه أن يسلم، إنه لو سلم لرددت عليه، ثم قال: أما إنه من الثمانين"، فقال رسول الله ﷺ : "وما الثمانون؟ ". قال: يفر الناس عنك غير ثمانين يصبرون معك، رزقهم ورزق أولادهم على الله في الجنة، فلنا رجع حارثة سلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ألا سلمت حين مررت؟ ". قال: "رأيت معك إنسانا فكرهت أن أقطع حديثك، قال::فرأيته؟ " قال: نعم، قال: "ذاك جبريل ﵇، وقد قال: فأخبره بما قال جبريل ﵇" ١. والحديث قال فيه الهيثمي: "رواه الطبراني والبزار بنحوه وإسناده حسن، رجالهم كلهم وثقوا وفي بعضهم خلاف"٢. وعند البيهقي بطريق مرسل وفيه راو لم أجد ترجمته٣ عن حارثة بن النعمان: حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ يوم حنين فقلت: مائة واحدة٤. وعند الواقدي: ويقال: أن رسول الله ﷺ لما انكشف الناس، قال لحارثة بن النعمان: "يا حارثة كم ترى الذين ثبتوا؟ قال: فلما التفت ورائي تحرجا، فنظرت عن يميني وشمالي فحزرتهم مائة، فقلت يا رسول الله هم مائة! حتى كان يوم مررت على النبي ﷺ وهو يناجي جبريل ﵇ عند باب المسجد، فقال جبريل ﵇: من هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : حارثة بن النعمان، فقال جبريل ﵇: هذا أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت ﵇، فأخبره النبي ﷺ ، فقال: ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك ٥. ز- وعند الترمذي: من حديث ابن عمر أن الثابتين يوم حنين نحو المائة، وهذا نصه:

стр. 180

٧٧ حدثنا محمد١ بن عمر بن علي المقدمي، حدثني أبي٢، عن سفيان٣ بن حسين، عن عبيد الله٤ بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قالك "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل" ٥. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله، لا نعرفه ألا من هذا الوجه. قال المباركفوري: قوله: "وإن الفئتين لموليتان"، كذا في النسخ الحاضرة، وأورد الحافظ هذا الحديث في الفتح نقلا عن الترمذي وفيه: "وإن الناس لملون"٦ مكان "وإن الفئتين لموليتان"٧. والحديث فيه عمر بن علي المقدمي وهو مدلس وقد عنعن. وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلّسين، وهي المرتبة التي لا يحتج بشيء من حديث من أصحابها إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل٨. والحديث حسنه الترمذي وابن حجر وجمع بينه وبين حديث ابن مسعود، وهذا

стр. 181

نص كلامه قال: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل". ثم قال: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين١. ثم قال: وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ثم ساق الحديث وقال في نهايته: "وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين". ا?٢. وعلى هذا الجمع يكون حديث ابن عمر مؤيدا لحديث ابن مسعود. والخلاصة: أن الأحاديث اختلفت في عدد الثابتين يوم حنين كما تقدم إيضاح ذلك، وعلى إثر ذلك اختلفت أقوال العلماء تبعا لهذه الآثار وخلاصة ما ورد في الآثار: أ- أن الذين ثبتوا يوم حنين مع رسول الله ﷺ أربعة٣. كما ورد في حديث الحكم بن عتيبة. ب- وفي بعضها: عشرة، كما في حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق. ج_ أو اثنا عشر٤. د- أو كانوا ثمانين، كما في حديث ابن مسعود وحارثة بن النعمان. ?- أو أنهم نحو مائة وهو الوارد في حديث عبد الله بن عمر، وهو قريب من الوارد في حديث عبد الله بن مسعود وحارثة بن النعمان.

стр. 182

و أو كانوا مائة، ورد ذلك في حديث حارثة بن النعمان أيضا، عند الواقدي والبيهقي١. قال الزرقاني: وجمع شيخنا، بحمل الأربعة على من بقي معه آخذا بركابه، والاثنى عشر والعشرة على المتلاحقين بسرعة، فمن قال اثنا عشر عد من كان معه أولا فيهم، ومن قال عشرة أراد الأربعة وستة ممن أسرع، وحمل الثمانين على الذين نكصوا على أقدامهم ولم يولوا الدبر، والمائة عليهم وعلى من انضم إليهم حين تقدموا إليه ﵇. إ?٢. وذكر ابن حجر بعض هذه الأقوال ثم قال: ووقع في شعر العباس ابن عبد المطلب: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ... وقد فر من فر عنه فأقشعوا وعاشرنا٣ وافي الحمام بنفسه ... لما مسه في الله لا يتوجع ثم قال: ولعل هذا هو الثابت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم. ا?٤. قلت: لعل ما قاله ابن حجر هو الصواب، ويؤيده ما ورد عند ابن إسحاق من حديث العباس بن عبد المطلب بإسناد صحيح قال: إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة٥ بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال: ورسول الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: "أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال العباس، اصرخ، يل معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، قال: فأجابوا لبيك٦ لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه،

стр. 183

ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا". الحديث١. فهذا يدل على ان بعضهم عاد بسرعة إلى المعركة فكأنه لم ينهزم، وممن صرح باسمه لأنه ثبت يوم حنين غير من تقدم٢: قثم بن العباس، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، وشيبة بن عثمان الحجبي، وأبو دجانة – سماك بن خرشة الأنصاري – وأبو طلحة – زيد بن سهل الأنصاري – وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وأبو بشر المازني الأنصاري. ومن النساء: أم سليم - والدة أنس بن مالك -، وأم عمارة - يقال اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية، والدة عبد الله بن زيد -، وأم الحارث - جدة عمارة بن غزية الأنصارية-، وأم سليط - والدة سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة. هؤلاء الذين نص على أسمائهم بأنهم ثبتوا يوم حنين، وهم مفرقون في الأحاديث، ومنهم من نص عليه في ترجمته٣. وقد تحقق لدي من خلال هذه الروايات الكثيرة المتباينة في ظاهرها حول رصد الذين ثبتوا يوم حنين من المسلمين، أن أولى الأقوال بالقبول هو قول (ابن حجر) ولا تنافي بين العشرة المذكورين في شعر العباس، وبين القول أنهم كانوا اثني عشر لتقارب العدد في ذلك، ولا شك أن هول الموقف وشدة الأزمة أديا إلى هذا الاختلاف في النظر إلى عدد الذين صمدوا مع رسول الله ﷺ ، لكن المقبول قوله في ذلك هو العباس لأنه أعلم من غيره، حيث كان أبرز الثابتين يوم حنين مع رسول الله ﷺ وهو الذي طلب منه الرسول ﷺ أن ينادي في الناس، فكان قوله مقدما على غيره، ومن قال بأنهم ثمانون أو مائة يحمل على المسرعين في إجابة نداء العباس، وهذا ما أرجحه في هذه المسألة. والله أعلم.

стр. 184

المبحث الرابع: عوامل انتصار المسلمين في حنين: كانت معركة حنين تجربة عسكرية خطيرة في معارك المسلمين، وكانت أيضا مدرسة تربوية عظيمة إذ ذاق فيها المسلمون مرارة الاندحار، ووطأة الفرار أمام زحف المشركين ونبالهم وعظيم تخطيطهم واشتداد هجمتهم عليهم في بداية المعركة هجمة رجل واحد، كما مضى بيان ذلك١. كما أذاقهم الله في هذه المعركة نفسها حلاوة النصر وبهجة الغلبة على أعدائهم، وتلك إحدى الحسنيين، وهذا من خصائص معركة حنين التي كانت المعركة الفاصلة الأخيرة بين المسلمين والمشركين في الجزيرة كما كانت بدرا المعركة الفاصلة الأولى بين الطائفتين. وفي هذا المبحث نود أن نتلمس من خلال النصوص والمرويات عوامل انتصار المسلمين، ويمكن ان تكون على النحو التالي: أ- ثبات الرسول ﷺ في ساحة المعركة يناشد ربه النصر والعون، ويعلن لأعداه من هوازن وغيرهم بأنه نبي حقا لا ينبغي له أن يَفِرّ مهما تكاثرت جموعهم، فكان يركض بغلته نحوهم وهو يقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب٢

стр. 185

ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته واستنصر ودعا، فكان من دعائه وتضرعه ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد من حديث أنس بن مالك، وهذا سياقه: ٧٨- حدثنا يزيد بن هارون١، أنا حميد، عن أنس قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يوم حنين: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم" ٢. ورواه الخطيب البغدادي من طريق يزيد بن هارون، حدثنا سفيان٣ بن حسين، عن الزهري، عن أنس٤. قال الزرقاني: "قوله: "إنك إن تشأ لاتعبد بعد اليوم"؛ لأنه أول يوم لقي فيه المشركين بعد الفتح الأعظم ومعه المشركون والمؤلفة قلوبهم، والعرب في البوادي كانت تنتظر بإسلامها قريشا فلو وقع - والعياذ بالله تعالى - خلاف ذلك لما عبد الله"٥. وقال السفاريني: "في قوله: "إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم"، أي: لأن معظم المسلمين أو كلهم إلا القليل قد كان حاضرا، وأهل مكة يومئذ لم يستحكم الإيمان فيهم، ولم تخالط بشاشته قلوبهم، بل كانوا ما بين مؤلف ومستأمن، ومظهر للإيمان على مضض منه وكره، والعرب أيضا معظمهم في ذلك اليوم حاضر، وقبائل الكفار قد تألبت واجتمعت اجتماعا لا مزيد عليه، فإذا لم ينصر الله دينه ويؤيد عبده ويعز جنده، ويكبت الكفار ويخذلهم، ويجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، نجم النفاق، وظهر الكفر والشقاق، وتكلمت الألسن بما أكنت الضمائر من العداوة والبغضاء والجحود والشرك الذي لا يرضى"٦. والحديث أورده ابن كثير ثم قال: إسناده ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب٧ من هذا الوجه٨.

стр. 186

وقال السفلريني أيضا: "سنده على شرط الصحيحين"١. وقال الزرقاني: "رجاله رجال الصحيح"٢. وجاء في هذا المعنى ما رواه أحمد والدارمي من حديث صهيب ﵁ بإسناد صحيح، أن رسول الله ﷺ كان يدعو أيام حنين: "اللهم بك أحاول، وبك أصاول وبك أقاتل" ٣. ٧٩- وعند موسى بن عقبة بن نافع: فرفع ﷺ يديه وهو على البغلة يدعو: "اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا" ٤. وعند البخاري من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: "سمعت البراء وسأله رجل: أكنتم فررتم يا أبا عمارة يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله ﷺ ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس بسلاح، فأتوا قوما رماة، جمع هوازن وبني النصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى النبي ﷺ وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر، ثم قال: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب٥

стр. 187

ثم صف أصحابه١. وهو عند أبي عوانة من طريق زهير أيضا دون قوله: "ثم صف أصحابه". واقتصر ابن جارود على قوله: "فنزل فاستنصر ثم قال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم صف أصحابه"٢. وعند مسلم والبيهقي: (فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم صفهم". وعند مسلم والبيهقي أيضا وابن ابي شيبة وأبي عوانة: الجميع من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على النبي ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر، إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقود به، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزل نصرك. قال البراء: كنا والله إذا احمر٣ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني النبي ﷺ ٤.

стр. 188

وعند البخاري ومسلم من طريق شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق، قال رجل للبراء بن عازب ﵄: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا١، فأقبل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله ﷺ لم يفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وأن ابا سفيان آخذ٢ بلجامها والنبي ﷺ يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب والحديث أخرجه أيضاً أحمد، وابن أبي عاصم، وأبو يعلى، والروياني، والطبري، وأبو عوانة: الجميع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق٣.

стр. 189

ورواه أبو داود الطيالسي، وأبو عوانة، والبيهقي: كلهم من طريق شعبة وعمرو بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق١. وفي لفظ عند البخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق: قيل للبراء وأنا أسمع: أوليتم مع النبي ﷺ يوم حنين؟ قال: أما النبي ﷺ فلا، كانوا رماة، فقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وفي لفظ عند البخاري أيضا من طريق شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟. فقال: "لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لاكذب". قال إسرائيل وزهير: "نزل النبي ﷺ عن بغلته" ٢. والحديث أخرجه أيضا مسلم، وأحمد، والروياني، والطبري: الجميع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق٣. وفي لفظ عند البخاري، وابن سعد، والطبري، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء فقال: يا أبا عمارة، أوليتم يوم حنين؟ قال البراء - وأنا أسمع -:أما رسول الله ﷺ لم يول يومئذ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته، فلما غشيه٤ المشركون نزل فجعل يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قال: "فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه "٥.

стр. 190

وعند ابن أبي شيبة والروياني: "من طريق شريك - هو ابن عبد الله النخعي - عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ يوم حنين دبره"، قال: والعباس وسفيان آخذان بلجام بغلته وهو يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب لفظ ابن أبي شيبة. ولفظ الروياني: "ولقد كان العباس آخذا بلجام بغلته وأبو سفيان عن يساره فقال: من أنت؟ قال: ابن أمك١ يا رسول الله، قال: وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ٢ وفي لفظ عند ابن أبي عوانة من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب - ويسأل -: يا أبا عمارة: أولى رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: معاذ الله! قال: أما أنا فأشهد أن النبي لم يول ولكن ولى سرعان من الناس حين رشقهم هوازن بالنبل، وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، والنبي - صلى الله عليه - وسلم يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ٣ والحديث عند البخاري وابن سعد والبيهقي كلهم من طريق سفيان به بنحوه٤.

стр. 191

وعند أبي عوانة أيضا من طريق عمرو بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء قال: ما كان معنا يوم كذا وكذا - ذكر يوما من أيام رسول الله ﷺ فارس إلا المقداد١ بن الأسود ﵁ فارس رسول الله ﷺ فقال رجل يمازحه٢: فررتم عن رسول الله ﷺ : فقال البراء: "إني أشهد على رسول الله ﷺ ما فر يومئذ، كان والله إذا اشتد القتال واحمر البأس، اتقينا به" ٣. وعند أبي داود: "لما لقي النبي ﷺ المشركين يوم حنين فانكشفوا٤ نزل عن بغلته فترجل" ٥. وحديث البراء بجميع طرقه، يدور على أبي إسحاق السبيعي. قال ابن حجر: "اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى قوله: "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" إلاّ رواية زهير٦ بن معاوية فزاد في آخرها "ثم صف أصحابه" وزاد مسلم: في حديث البراء من رواية زكريا٧ عن أبي إسحاق قال البراء: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه" يعني النبي ﷺ ." ا?٨.

стр. 192

فهذا الحديث على اختلاف ألفاظه وكذا حديث أنس بن مالك وجابر بن عبد الله والعباس بن عبد المطلب وغيرهم من الصحابة تدل دلالة واضحة على شجاعة رسول الله ﷺ المتناهية، ولقد نفى البراء بن عازب نفيل قاطعا كون رسول الله ﷺ فرَّ أو خطر بباله الفرار، فقال: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به". وفي حديث العباس عند مسلم وغيره ... قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. وقد أوضح ابن حجر سبب نفي البراء الفرار عن رسول الله ﷺ وإثباته لبعض الصحابة. فقال: قول السائل: "يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين". وفي رواية: "أوليتم مع النبي ﷺ يوم حنين" وفي رواية: "أفررتم عن رسول الله ﷺ ؟ - " وكلها بمعنى. وقوله: "أما انا فأشهد على النبي ﷺ أنه لم يول"١. تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي ﷺ لظاهر رواية "أوليتم مع النبي ﷺ " ويمكن الجمع بين هذه الرواية، ورواية "أفررتم عن رسول الله ﷺ " بحمل المعية ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد منه ﷺ . ثم قال: قال النووي: هذا الجواب الذي أجاب به البراء من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: "فررتم كلكم"، فيدخل فيهم النبي ﷺ ، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله ﷺ ، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح ان فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام. ثم قال ابن حجر: "وكأنه يستحضر رواية "أوليتم مع النبي ﷺ "، وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصة أن الجميع لم يفروا، ويحتمل أن البراء فهم من

стр. 193

السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع١، الذي خرجه مسلم بلفظ "مررت برسول الله ﷺ منهزماً"، فلذلك حلف أن النبي ﷺ لم يول. ودل ذلك على أن "منهزماً"حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى "ومررت برسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته، فقال لقد رأى ابن الأكوع فزعا". ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] ، فبين له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص. ا?٢. وقال النووي حول حديث سلمة بن الأكوع: "قال العلماء: قوله (منهزماً) حال من ابن الأكوع، كما صرح أولا بانهزامه، ولم يرد أن النبي ﷺ انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم: أنه ﷺ ما انهزم، ولم ينقل أحد أنه انهزم ﷺ في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه ﷺ ولا يجوز ذلك عليه، بل كان العباس وأبو سفيان بن الحارث آخذين بلجام بغلته يكفانها عن إسراع التقدم نحو العدو". ا?٣. ونقل الزرقاني: "نحو قول النووي ثم قال: وقوله "قالت الصحابة كلهم أنه ﷺ ما انهزم، فلا يجوز أن ينقل عن سلمة ما يخالفهم بمجرد لفظ محتمل دفعته الرواية الأخرى عنه، فهذا من جملة ما استند إليه العلماء في أنه (حال من ابن الأكوع) ". ا?٤. وقد عقد القاضي عياض فصلا في شجاعة رسول الله ﷺ ونجدته فقال: "وأما الشجاعة والنجدة: فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان ﷺ منهما بالمكان الذي لا يجهل قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة٥ والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت

стр. 194

لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه ﷺ ، وأن الصحابة كانوا إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون برسول الله ﷺ ". ا?١. قال ابن الحجر: "وفي حديث البراء بن العازب من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه: جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وفيه: جواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال: كان النبي ﷺ متيقناً بالنصر لوعد الله تعالى بذلك وهو حق لأن أبا سفيان بن الحارث - وقد ثبت معه - آخذا بلجام بغلته وليس هو في اليقين مثل النبي ﷺ –". وقد استشهد في تلك الحال أيمن بن أم أيمن، وفيه: ركوب البغلة إشارة إلى كزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو. ا?٢. وقال النووي: "قال العلماء: ركوبه ﷺ البغلة في مواطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضا يكون معتمدا يرجع المسلمون إليه، وتطمئن قلوبهم به، وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدا وإلا فقد كانت له أفراس معروفة، ومما ذكره في الحديث - يعني حديث العباس - من شجاعته ﷺ تقدمه يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، وفي الرواية الأخرى - يعني حديث سلمة بن الأكوع - أنه نزل إلى الأرض حين غشوه، وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر، وقيل فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين وقد أخبرت الصحابة ﵃ بشجاعته ﷺ في جميع المواطن".

стр. 195

وفي صحيح مسلم - يعني حديث البراء - قال: "إن الشجاع منا للذي يحاذي به، وأنهم كانوا يتقون به". ا?١. وقال القسطلاني: "وقد ركب ﵊ البغلة في هذا المحل الذي هو موضع الحرب والطعن والضرب تحقيقا لنبوته لما كان الله تعالى خصه به من مزيد الشجاعة وتمام القوة، وإلا فالبغال عادة من مراكب الطمأنينة ولا تصلح لمواطن الحرب في العادة إلا الخيل، فبين ﵊ أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس وثقة وتوكلا على الله تعالى". ا?٢. ومما سبق من الروايات التي ذكرناها يتجلى لنا عاملان هامان من عوامل النصر وهما الثبات في المعركة حين لقاء العدو وذكر الله بحضور قلب وإلحاح في الدعاء، وقد ذكر الله في هذين العاملين في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣. ولا ينتصر المسلمون على عدوهم إلا إذا حققوا في أنفسهم التحلي بهذين العاملين وغيرهما من عوامل النصر التي ذكرها الله مادية ومعنوية. ب- رجوع المسلمين إلى المعركة: لقد عاد المسلمون إلى المعركة مسرعين حين رأوا ثبات نبيهم ﷺ وحين سمعوا النداء بالرجوع كما تبينه الرواية الآتية: ٨٠- فعند مسلم وغيره من حديث كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة٤ بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون

стр. 196

مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض١ بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ ، أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أي عباس ناد أصحاب السمرة"٢ فقال عباس: - وكان رجلا صيتا٣- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله! لكأن٤ عطفتهم، حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار٥، والدعوة٦ في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار!

стр. 197

يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس" ١، الحديث٢. وعند ابن إسحاق والطبري: قال العباس: إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت قال: ورسول الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار، يا معشر أهل السمرة فأجابوا: لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه٣، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت أخيرا: يا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله ﷺ بركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: "الآن حمي الوطيس". وعند ابن سعد والطبري عن العباس قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بفرز النبي ﷺ ، والنبي ﷺ ما يألو ما أسرع نحو المشركين قال: فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء فقال: يا عباس

стр. 198

ناد يا أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلا صيتا فناديت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة؟ فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها، يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار مرتين، ثم قصرت الدعوى في بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي ﷺ إلى قتالهم فقال: "هذا حين حمي الوطيس" الحديث١. وعند الحميدي: عن عباس قال: كنت مع النبي ﷺ يوم حنين ورسول الله ﷺ على بغلته التي أهداها له الجذامي فلما ولى المسلمون، قال لي رسول الله ﷺ : "يا عباس ناد، قلت يا أصحاب سورة البقرة٢، وكنت رجلا صيتا فقلت: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة، فرجعوا عطفة كعطفة البقرة على أولادها، وارتفعت الأصوات وهم يقولون: معشر الأنصار، يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن خزرج، يا بني الخزرج، قال: وتطاول رسول الله ﷺ على بغلته فقال: "هذا حين حمي الوطيس" الحديث٣.

стр. 199

والحديث رواه الفسوي من طريق الحميدي١. ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٢. وتعقبه الذهبي بقوله: قلت أخرجه مسلم٣. ٨١- ونعد الحاكم من حديث جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله ﷺ يوم حنين الأنصار فقال: "معشر الأنصار فأجابوه: لبيك، بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله، قال: أقبلوا بوجوههم إلى الله وإلى رسوله يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فأقبلوا ولهم حنين٤ حتى أحدقوا٥ به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين" ٦. ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرج الحاكم أيضا من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله ﷺ الأنصار فقال: يا معشر المسلمين أنا رسول الله. فقالوا: "إليك والله جئنا فنكسوا ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" ٧. ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". وفي حديث أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء فأدبروا عنه حتى

стр. 200

بقي وحده، "فنادى١ يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله، فانهزم المشركون" الحديث٢. ?- المعجزة النبوية التي حصلت في هذه المعركة وذلك أن رسول الله ﷺ نظر إلى اجتلاد المسلمين واشتباكهم مع المشركين فقال "هذا حين حمي الوطيس" ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار فامتلأت أعينهم ترابا من تلك الرمية فهزمهم الله . توضح ذلك الأحاديث الآتية: فعند مسلم وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار" الحديث وفيه: فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالنتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ٣ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا٤ ورب محمد" قال: "فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى،

стр. 201

قال: فوالله! ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم١ كليلا وأمرهم مدبرا" ٢. ثم قال مسلم: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال: "فروة بن نعامة الجذامي، وقال: "انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة" ٣. وزاد في الحديث حتى هزمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته. ٨٢- وعند مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ فولى صحابة النبي ﷺ وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله ﷺ منهزماً وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعا فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: "شاهت٤ الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين٥. ٨٣- وعند ابي يعلى والطبراني: من حديث أنس بن مالك بإسناد حسن قال: لما كان يوم حنين: انهزم الناس عن النبي ﷺ إلاّ العباس بن عبد المطلب وأبا

стр. 202

سفيان بن الحارث وأمر النبي ﷺ أن ينادي يا أصحاب سورة البقرة يا معشر الأنصار ثم استحر النداء في بني الحارث بن خزرج فلما سمعوا النداء أقبلوا فوالله ما شبهتهم إلا بالإبل تجري إلى أولادها، ولما التقوا التحم القتال، فقال رسول الله ﷺ : "الآن حمي الوطيس" وأخذ كفا من حصى فرمى به، وقال: "هزموا ورب الكعبة وكان علي بن ابي طالب من أشد الناس قتالا يومئذ"١. والحديث أورده الهيثمي٢ في مجمع الزوائد وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن دوار وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره. ٨٤- وأخرج الطبراني عن أنس قال: لنا انهزم المسلمون يوم حنين مر رسول الله ﷺ على بغلته الشهباء - وكان اسمها دلدل - فقال رسول الله ﷺ : دلدل اشتدي٣ فألزقت بطنها بالأرض حتى أخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال: "حم لا ينصرون"٤ فانهزم القوم وما رميناهم بسهم ولا طعناهم برمح ولا ضربنا بسيف ٥. لم يروه عن ثابت٦ إلا عمارة، تفرد به مؤمل.

стр. 203

والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه: أحمد١ بن محمد بن القاسم وهو ضعيف٢. قلت: "والجزء الأخير من الحديث وهو قوله: فانهزم القوم الخ ثابت معناه عند ابن حبان والحاكم من حديث أنس أيضا" وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي٣. ٥٨- وأخرج الطبراني أيضا عن يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم، قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعتهم الكفار فأخذ رسول الله ﷺ قصبة من الأرض فرمى بها وجوههم وقال: "ارجعوا شاهت الوجوه" فما منا من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكوا القذى أو يمسح عينيه٤. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ٨٦- وقال البزار: حدثنا إسماعيل٥ بن سيف القطعي، ثنا يونس٦ ابن أرقم ثنا الأعمش٧، عن سماك٨ بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن علي بن أبي

стр. 204

طالب ناول رسول الله ﷺ التراب١ فرمى به وجوه المشركين يوم حنين٢. قال البرزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه البزار عن إسماعيل بن سيف وهو ضعيف"٣. قال ابن حجر: قلت: "وشيخه يونس"٤. والخلاصة: أن أخذ الرسول ﷺ يوم حنين ترابا ورميه في وجوه الكفار، جاء في أحاديث كثيرة منها الصحيح والحسن والضعيف. فقد ورد من حديث العباس بن عبد المطلب عند مسلم وغيره٥. ومن حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم والبيهقي٦. ومن حديث أبي عبد الرحمن الفهري عند أحمد وأبي داود وغيرهم٧. ومن حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد والحاكم والبيهقي وغيرهم٨.

стр. 205

ومن حديث شيبة بن عثمان العبدري عند الطبراني وغيره١. ومن حديث عبد الرحمن بن أزهر عند أحمد وأبي عوانة٢. ومن حديث يزيد بن عامرالسوائي عند عبد بن حميد والطبري٣. ومن حديث أنس بن مالك عند أبي يعلى والطبراني٤ وهذه الأحاديث التي أوردتها في بيان هذا العامل من عوامل النصر، يؤخذ منها نصر الله للمسلمين بمعجزات يؤيد الله بها رسوله ﷺ ليزيد المؤمنين إيمانا ولتقوم الحجة على المكذبين برسالته ﷺ ، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. والمسلمون إذا قوي إيمانهم بالله سبحانه فإن الله يؤيدهم وينصرهم على أعدائهم بأسباب كونية قدرية لاقبل لعدوهم بها، ولهذا شواهد لا تحصى في التاريخ الإسلامي. د- تأييد الله للمسلمين بجند من عنده: كان هذا التأييد السماوي بعد أن أدب الله المؤمنين الذين اغتروا وأعجبوا بكثرتهم وبعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وذلك بسبب ما حل بهم من الخوف عندما ركب الأعداء ظهورهم يسوقونهم، فركبت إبل المسلمين بعضها بعضا وولوا مدبرين، إلاّ رسول الله ﷺ وطائفة يسيرة معه، وفي هذه الحال الحرجة أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا من عنده تقوية لقلوب المؤمنين وتثبيتاً

стр. 206

لهم، ولقد صوّر القرآن الكريم هذا أتم تصوير فقال: جل ذكره: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ، [سورة التوبة، الآية: ٢٥] . قال الشوكاني عند تفسير هذه الآيات قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٦] ، أي: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين، بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين١: هم الذين لم ينهزموا، وقيل الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوهَا﴾ قال: هم الملائكة، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، والإشارة بقوله ﴿وذلك﴾ إلى التعذيب المفهوم من عذب وسمى ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف بل لا بدّ من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم، وتعظيما له، وقوله ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أي من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر لمن أذنب فتاب، ﴿الرَحِيمٌ﴾ بعباده يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه٢. وقد وردت بعض الآثار تبين أن المراد (بالجنود) في الآية هم الملائكة. فقد أخرج ابن أبي حاتم قال: أخبرنا أحمد٣ بن عثمان بن حكيم فيما كتب إلي

стр. 207

ثنا أحمد١ بن مفضل، ثنا أسباط٢ عن السدي٣،في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ قال: هم الملائكة٤. وأخرج الطبري نحوه: من طريق أحمد بن المفضل به٥، والحديث ضعيف كما علم من خلال تراجم رجاله، وهو مقطوع، لأن السدي من التابعين، وقد قيل إن تفسيره هذا قد جعل له إسنادا واستكلفه٦. ٨٨- وعند الطبري قال: حدثنا القاسم٧، قال: ثنا الحسن بن عرفة٨، قال: ثني المعتمر٩ بن سليمان، عن عوف١٠ قال: سمعت عبد الرحمن١١ مولى أم برثن أو أم مريم، قال: ثني جل كان من المشركين يوم حنين، قال: "لما التقينا نحن

стр. 208

وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حلب١ شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله ﷺ قال: فتلقانا عنده رجال بيض، حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها" ٢ والحديث حسن لذاته وجهالة الرجل لا تضر لأن الظاهر أنه أسلم وحدث عبد الرحمن بهذه القصة، جهالة الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول، وقد قال ابن حجر: "بأن عبد الرحمن روى عن رجل من الصحابة ولم يسمه٣ فالظاهر أنه هذا". والله أعلم. وتقدم في حديث عثمان بن شيبة العبدري أنه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين والله مال أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر" الحديث٤. ٨٩- وقال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق٥ بن يسار أنه حدث عن جبير٦ بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد٧ الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد

стр. 209

ملأ الوادي، لم يشك أحد أنها الملائكة ثم لم يكن إلا هزيمة القوم١. والحديث أخرجه الطبري عن ابن إسحاق عن أبيه أنه: حدث عن جبير بن مطعم٢. وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق أيضا وصرح بسماع إسحاق من جبير بن مطعم. وهذا سياقه: قال: "حدثنا أبو مسلم٣ ثنا عبيد الله٤ بن محمد بن عائشة ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبيه قال: سمعت جبير بن مطعم يقول رأيت يوم حنين شيئا أسود مثل البجاد". الحديث٥. ثم قال الطبراني: "لا يروى هذا عن جبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن إسحاق". ثم ساق سندا آخر فقال حديثنا محمد٦ بن أبان ثنا محمد٧ بن عباد بن آدم ثنا أبي٨ ثنا حماد بن سلمة فذكر نحوه٩. وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما عباد بن آدم لم يوثقه أحد ولم يجرحه"١٠.

стр. 210

وأورده ابن كثير عن ابن إسحاق فقال: وقال محمد بن إسحاق: "حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم". ثم ساق الحديث. ثم قال: رواه البيهقي١ عن الحاكم عن الأصم٢ عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به٣. والظاهر أن في الحديث انقطاعا بين إسحاق بن يسار وبين جبير ابن مطعم وأن رواية الطبراني الواردة فيها التصريح بسماع إسحاق من جبير بن مطعم "خطأ". ولعلها تحرفت من حدث عن جبير بن مطعم إلى حدثني فرواها بعض الرواة بالمعنى "سمعت". وذلك لأن المزي وابن حجر لم يذكرا في شيوخ إسحاق، جبير بن مطعم كما لم يذكرا أيضا إسحاق في تلاميذ جبير بن مطعم٤. وعلى كل فإن الحديث يتقوى بالأحاديث السابقة والآتية وهي: ما رواه عبد بن حميد قال: حدثني موسى٥ بن مسعود ثنا سعيد٦ بن السائب الطائفي حدثني أبي السائب٧ بن يسار، قال: سمعت يزيد٨ بن عامر السوائي وكان شهد

стр. 211

حنينا مع المشركين ثم أسلم فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: "كان يأخذ لنا الحصاة فيرمي بها الطست فيطن، قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا ١. والحديث أورده ابن حجر في المطالب العالية ونسبه لعبد بن حميد٢. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات"٣. وأخرجه الطبري فقال: حدثنا محمد٤ بن يزيد الآدمي، قال ثنا معن٥ بن عيسى عن سعيد بن السائب الطائفي عن أبيه عن يزيد بن عامر٦. والحديث فيه السائب الطائفي ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وقد قال الهيثمي: بأن رجاله ثقات. ٩١- وعند أحمد وغيره من حديث أبي٧ عبد الرحمن الفهري وهذا سياقه عند أحمد قال: ثنا بهز٨ ثنا حماد٩ بن سلمة أخبرني يعلى١٠ بن عطاء عن أبي همام١١ - قال أبو الأسود هو: عبد الله بن يسار - عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: "كنت مع

стр. 212

رسول الله ﷺ في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي١ وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه٢، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، حان الرواح؟ فقال: أجل، فقال: يا بلال فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: اسرج لي فرسي، فأخرج سرجا دفتاه من ليف٣ ليس فيهما أشر ولا بطر، قال: فأسرج قال: فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت٤ الخيلان، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله ، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين: أنا عبد الله ورسوله"، قال: "ثم اقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فهزمهم الله ، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عينه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست٥ الحديد٦.

стр. 213

ثم ساق سندا آخر فقال: ثنا عفان١ ثنا حماد بن سلمة أنا يعلى ابن عطاء عن عبد الله بن يسار أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: "كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ، فذكر مثله" ٢. والحديث أخرجه أبو داود عن موسى٣ بن إسماعيل أخبرنا حماد ابن سلمة به وساق منه إلى "فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، فركب وركبنا" ثم قال: قال أبو داود: أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث. وهو حديث نبيل٤ جاء به حماد بن سلمة٥. وأخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة عن عفان بن مسلم أخبرنا حماد به بتمامه٦. وأخرجه الطيالسي عن حماد بن سلمة به وساقه تاما ومن طريقه أخرجه البيهقي٧. وأخرجه الدارمي عن حجاج٨ بن منهال وعفان قالا: ثنا حماد بن سلمة به٩. وأخرجه الطبري عن علي١٠ بن سهل قال: ثنا مؤمل١١ قال: ثنا حماد بن سلمة به١٢.

стр. 214

وساق كل من الدارمي والطبري إلى "فحدثني أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا". وأخرجه البزار عن عبد الواحد١ بن غياث، ثنا حماد بن سلمة به، بتمامه٢. وفي آخره قال: قال البزار: "ما روى الفهري إلا هذا، وما رواه إلا حماد". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: روى أبو داود منه إلى قوله "ليس فيه أشر ولا بطر" ورواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات٣. وأورده ابن حجر وقال: "أصله في سنن أبي داود ورجاله ثقات"٤. وساقه ابن كثير في تفسيره عن أحمد وفي آخره قال: وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به٥. وفي البداية والنهاية ساق الحديث عن أبي داود الطيالسي وفي آخره قال: ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه٦. وأورده الزرقاني وقال: رواه أحمد وأبو داود والدارمي وابن سعد وابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه٧ والبيهقي، ورجاله ثقات، كلهم من حديث أبي عبد الرحمن الفهري٨.

стр. 215

وأورده ابن الأثير في ترجمة أبي عبد الرحمن الفهري وقال: رواه حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عن أبي عبد الرحمن١ الفهري٢. وقال ابن حجر في الإصابة: "أخرج حديثه أبو داود والبغوي ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي من طريق يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عنه أنه شهد حنينا"٣. والحديث بجميع طرقه يدور على أبي همام عبد الله بن يسار، ووصف بأنه مجهول. ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وهو متساهل في التوثيق، واعتمد ابن حجر فيه قول ابن المديني "شيخ مجهول". وقد قال ابن حجر أيضا والهيثمي والزرقاني عن هذا الحديث بأن رجاله ثقات٤ وقال أبو داود: هو حديث نبيل٥، مع أنه يدور على أبي همام المذكور والحديث مع الأحاديث المتقدمة يشد بعضها بعضا. ٩٢- وعند الطبري قال: حدثنا ابن حميد٦ قال: ثنا جرير٧ عن يعقوب٨ عن
следующие страницы →