← Сира

Сира · id 1308

مرويات غزوة حنين وحصار الطائف

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (751 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ما رواه ابن سعد: أخبرنا عمرو١ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٢ أخبرنا الحسن٣ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال فرمى رجل٤ من فوق سورها فقتل" ٥ والحديث إسناده حسن وهو مرسل. ما رواه البيهقي عن عروة بن الزبير في حصار الطائف، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، وقاتلته ثقيف بالنبل والحجارة، وهم في حصن الطائف وكثرت القتلى في المسلمين، وفي ثقيف" الحديث٦. والحديث مرسل، وفيه محمد٧ بن عمرو بن خالد أبو علاثة. ما أخرجه ابن إسحاق قال: "حدثني عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ لما سار إلى الطائف نزل قريبا من حصن الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حصن طائف، فكانت النبل تنالهم" الحديث وفيه أيضا: " حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديدة محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا" ٨. وقد ورد تسميتهم عند ابن إسحاق فقال:

стр. 317

١٥٧- وهذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ يوم الطائف: من قريش، ثم من بني أمية بن عبد شمس: سعيد١ بن سعيد بن العاص بن أمية وعرفطة٢بن جناب، حليف لهم، من الأسد٣بن الغوث. ومن بني تيم بن مرة: عبد الله٤ بن أبي بكر الصديق، رمى بسهم، فمات منه بالمدينة، بعد وفاة النبي ﷺ . ومن بني مخزوم: عبد الله٥ بن أبي أمية بن المغيرة، من رمية رميها يومئذ.

стр. 318

ومن بني عدي بن كعب: عبد الله١بن عامر بن ربيعة حليف لهم. ومن بنى سهم بن عمرو: السائب٢ بن الحارث بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله بن الحارث. ومن بني سعد بن ليث: حجيلة٣ بن عبد الله. واستشهد من الأنصار: من بني سلمة: ثابت٤ بن الْجَذَع. ومن بني مازن بن النجار: الحرث٥ بن سهل بن صعصعة.

стр. 319

ومن بني ساعدة: المنذر١ بن عبد الله. ومن الأوس: رُقَيم٢ بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية. فجميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا: سبعة٣ من قريش، وأربعة٤ من الأنصار، ورجل٥ من بنيليث٦ هكذا ساقه ابن إسحاق بدون إسناد. ١٥٨- وممن أصيب في هذه الغزوة أبو سفيان بن حرب فقد فقئت عينه، وذلك فيما رواه ابن الزبير بن بكار عن سعيد٧ بن عبيد الثقفي قال: "رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصبت عينه، فأتى النبي ﷺ فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: "إن شئت دعوت الله فردت عليك وإن شئت فالجنة، فقال: الجنة" ٨.

стр. 320

وأخرجه ابن عساكر من طريق سعيد بن عبيد ربه. ولفظه: "قال رأيت أبا سفيان بن حرب يوم الطائف قاعدا في حائط أبي يعلى يأكل فرميته فأصبت عينه، فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله هذه عيني أصيبت في سبيل الله" الحديث ١. وأورده السيوطي فقال: أخرج الزبير بن بكار وابن عساكر من طرق عن سعيد بن عبيد الثقفي، ثم ساق هذا الحديث٢. قال الزرقاني: "وفي هذا قوة إيمان أبي سفيان وثبات يقينه بعدما كان من المؤلفة"٣. وقد جاء عند ابن مندة خلاف هذا، وذلك أنه جعل أبا سفيان بن حرب هو الذي رمى سعيد بن عبيد ففقأ عينه. قال ابن حجر: "روى ابن مندة من طريق إسماعيل بن طريح حدثني أبي عن جدي أن أبا سفيان رمى سعيد بن عبيد جده يوم الطائف بسهم فأصاب عينه فأتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إن هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: إن شئت دعوت الله فرد عليك عينك، وإن شئت فعين في الجنة، قال: عين في الجنة". ثم قال ابن مندة: "وهذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". قال ابن حجر: "قلت: فيه لفظة منكرة، فإن أبا سفيان في حصار الطائف كان مسلما فكيف يرمي سعيدا إن كان سعيدا مسلما، وأظن الصواب: أن أبا سفيان رماه سعيد". ويؤيد ذلك ما أخرجه الزبير بن بكار من هذا الوجه فقال عن سعيد بن عبيد قال: رأيت أبا سفيان يوم الطائف قاعدا في حائط يأكل فرميته فأصبت عينه، فذكر الحديث.

стр. 321

وروى ابن عائذ١ عن الوليد٢ عن سعيد٣ بن عبد العزيز أن عين أبي سفيان أصيبت يوم الطائف. ١٥٩- وروى أبو الفرج٤ الأصبهاني من طريق أسامة٥ بن زيد الليثي عن القاسم٦ بن محمد قال: لم يزل السهم الذي أصاب عبد الله بن أبي بكر عند أبي بكر حتى قدم وفد الطائف فأراهم إياه فقال سعيد بن عبيد: هذا سهمي أنا بريته وأنا رميت به، فقال أبو بكر: الحمد لله الذي أكرمه بيدك ولم يهنك بيده٧. ثم قال ابن حجر: "وله طريق أخرى في ترجمة عبد الله بن أبي بكر، فثبتت بذلك صحبة سعيد بن عبيد، وتحررت الرواية الأولى، ولله الحمد"٨. وفي الصحيحين وغيرهما أن المسلمين في حصار الطائف قاتلوا ثقيفا قتالا شديدا حتى كثرت الجراحات في المسلمين ٩. فهذا الحديث صريح في أن المسلمين نالهم في هذا الحصار جراحات شديدة، وقد قتل بعضهم كما ورد ذلك في كتب التواريخ وغيرها، وقد تقدم بيان ذلك وهذا ما يتعلق بإصابة المسلمين في هذه الغزوة.

стр. 322

وأما ما يتعلق بإصابات المشركين في الأرواح وغيرها، فقد تقدم في حديث عروة بن الزبير قوله: "أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف بضع عشرة ليلة، وقاتلته ثقيف بالنبل والحجارة وهم في حصن الطائف، وكثرت القتلى في المسلمين، وفي ثقيف" ١. فهذا الأثر صريح في أن القتل كثر في المشركين أيضا، غير أن المصادر الموجودة بأيدينا لم تنص إلا على ثلاثة فقط وفيما يلي ما ذكره العلماء في هذا الصدد: ١٦٠- أخرج أبو داود في كتاب المراسيل عن عكرمة قال: لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت قبلها فقالت: هادونكم فارموا فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها. وفي رواية "فما أخطأ أن قتلها، فأمر بها رسول الله ﷺ أن توارى" ٢. وعند الواقدي: "أن أهل الطائف أخرجوا امرأة ساحرة، فاستقبلت الجيش بعورتها وذلك حين نزل النبي ﷺ يدفعون بذلك عن حصنهم"٣. فلعل هذه المرأة الساحرة هي الواردة في حديث عكرمة. ١٦١- ما أخرجه الواقدي أن يزيد٤ بن زمعة بن الأسود خرج على فرس له فسأل ثقيفا الأمان يريد يكلمهم، فأعطوه الأمان، فلما دنا منهم رموه بالنبل فقتلوه. وخرج هذيل بن أبي الصلت أخو أمية٥ بن أبي الصلت من باب الحصن، ولا يرى عنده أحدا، ويقال: إن يعقوب٦ بن زمعة كمن له فأسره حتى أتى به النبي ﷺ فقال: "قاتل أخي يا رسول الله! فسر رسول الله ﷺ حين أتى به إليه، فأمكنه النبي ﷺ فضرب عنقه" ٧.

стр. 323

١٦٢- ما أخرجه الواقدي أيضا: "أن رجلا من المشركين كان يقوم على حصن الطائف فيقول: "روحوا رعاء الشاء! روحوا جلابيب محمد! "١. أترون نتباءس على أحبل٢ أصبتموها من كرومنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم روح مروحا إلى النار". قال سعيد بن أبي وقاص: "فأهوى له بسهم فوقع في نحره، وهوى من الحصن ميتا، قال: فرأيت النبي ﷺ قد سر بذلك" ٣. هذا ما ذكرته المصادر عن قتلى المشركين، وقد ظهر من النصوص السابقة أن هذه الغزوة كانت من المواقع الشديدة بين المسلمين والمشركين، وقد أصيب المسلمون فيها بجراحات شديدة واستشهد عدد من الصحابة وقد وقع لثقيف المحاصرة قتل في الأرواح وحرق لثمارهم واشتد بأس المسلمين عليهم، واستمر حصارهم مدة من الزمن غير يسيرة٤، وعلى الرغم من ذلك كله لم تلن قناة المشركين من ثقيف ولم يستسلموا حتى تركهم المسلمون على ما هم عليه من عدم استسلامهم للمسلمين كما سنوضح ذلك في المبحث الآتي:

стр. 324

المبحث الرابع: فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة كانت مدة حصار الطائف تتراوح ما بين بضعة عشر يوما إلى أربعين يوما كما مر توضيح ذلك١. وفي أثناء هذا الحصار كانت المفاوضة مستمرة بين رسول الله ﷺ وبين أهل الطائف. ١٦٣- فقد روى ابن عساكر٢ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لقد بعث رسول الله ﷺ يوم الطائف حنظلة٣ بن الربيع إلى أهل الطائف فكلمهم فاحتملوه ليدخلوه حصنهم، فقال رسول الله ﷺ : "من لهؤلاء وله مثل أجر غزاتنا هذه"، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب حتى أدركه في أيديهم قد كادوا أن يدخلوه الحصن فاحتضنه العباس، وكان رجلاً شديداً، فاختطفه من أيديهم وأمطروا على العباس الحجارة من الحصن، فجعل النبي ﷺ يدعو له حتى انتهى به إلى النبي ﷺ ٤. وذكر ابن الأثير وابن حجر عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث حنظلة بن الربيع إلى أهل الطائف يقول لهم أتريدون الصلح أم لا؟ ٥.

стр. 325

وعند ابن إسحاق أيضا من حديث عمرو بن شعيب قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفاً: أن أمنونا١ حتى نكلمكم فأمنوهما، فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما، وهما٢ يخافان عليهن السباء، فأبين، منهن٣: أمنة٤ بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود، له منها داود بن عروة، والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة٥، لها عبد الرحمن٦ بن قارب. والفقمية٧ أميمة بنت الناسئ٨ أمية بن قلع، فلما أبين عليهما قال لهما ابن الأسود بن مسعود: "يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا أدلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني

стр. 326

الأسود بن مسعود حيث علمتما وكان رسول الله ﷺ بينه وبين الطائف نازلا بواد يقال له العقيق"١. إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله والرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل، فزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم. وأخرج البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: استأذن عيينة٢ بن حصن رسول الله ﷺ أن يأتي أهل الطائف يكلمهم لعل الله أن يهديهم،

стр. 327

فأذن له فأتاهم فقال: "تمسكوا بمكانكم والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لو حدث به١ حدث لتملكن العرب عزا ومنعة فتمسكوا بحصنكم وإياكم أن تعطوا بأيديكم، ولا يتكاثرن عليكم قطع هذه الشجر، ثم رجع فقال له رسول الله ﷺ : ماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم وأمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه وحذرتهم النار ودللتهم على الجنة. قال: "كذبت بل قلت لهم كذا وكذا. فقال: صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك" ٢.. والحديث أخرجه أبو نعيم وفي كليهما محمد٣ بن عمرو بن خالد الحراني أبو علاثة. وأخرجه الواقدي ولفظه: وقال عيينة: "يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم، فأذن له، فجاءه فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن٤ فقال: إذن فدنا فقال: ادخل فدخل عليهم الحصن، فقال فداؤكم أبي وأمي! والله لقد سرني ما رأيت منكم والله لو أن في العرب أحدا غيركم! والله ما لاقى محمد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن٥ لا تخافون قطعه! قال: فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن فإنا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه في حصننا، وقال أبو محجن: أنا كنت أعرف له، ليس منا أحد أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى النبي ﷺ قال له: ما قلت لهم؟

стр. 328

قال: "قلت ادخلوا في الإسلام، والله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا فخذوا لأنفسكم أمانا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم قينقاع والنضير وقريظة وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام فخذلتهم ما استطعت ورسول الله ﷺ ساكت عنه، حتى إذا فرغ من حديثه، قال له رسول الله ﷺ : "كذبت! قلت لهم كذا وكذا للذي قال. قال عيينة: "أستغفر الله! " فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، دعني أقدمه فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" ويقال: أن أبا بكر ﵁ أغلظ له يومئذ وقال: "ويحك يا عيينة! إنما أنت أبدا توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير وقريظة وخيبر، تجلب علينا وتقاتلنا بسيفك ثم أسلمت كما زعمت فتحرض علينا عدونا! " قال: "أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه، لا أعود أبدا"١! وكان استعصاء ثقيف وعدم استسلامهم في ذلك الوقت هو أن الله - جل وعلا - لم يأذن في فتح الطائف حينئذ وأن ثقيفاً ستأتي معلنة إسلامها وولاءها للمسلمين عما قريب بدون مشقة وقتال، ولذا فقد أشار رسول الله ﷺ على الصحابة بترك حصار الطائف ولما رأى في أصحابه الرغبة في مواصلة القتال والتصميم على الفتح، أذن لهم في ذلك وقال: اغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم جراحات شديدة من وقع نبال ثقيف فأعاد رسول الله ﷺ مقالته في ترك الحصار، ففرح الصحابة بذلك وعملوا أن ما رآه رسول الله ﷺ هو الصواب، وسارعوا إلى الرحيل، طالبين من رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف جزاء صنيعهم السيئ ضد المسلمين، فقال ﷺ "اللهم اهد ثقيفا" وقد ذكر ابن كثير الحكمة في تأخير الفتح عامئذ فقال: وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا، لأنه قد تقدم أنه ﵇ لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه وذلك بعد موت عمه أبي طالب، فردوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل

стр. 329

فناداه ملك الجبال، فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم مَنْ يعبده، لا يشرك به شيئاً". فناسب قوله: "بل أستأني أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل"١. إهـ. وفيما يلي الأحاديث الواردة في هذا المقام: ١٦٤- أخرج ابن أبي شيبة فقال: حدثنا عبد الوهاب٢ الثقفي عن عبد الله٣ بن عثمان بن خشيم عن أبي الزبير٤ أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف فجاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفاً مرتين. قال: وجاءته خولة٥ فقالت: إن بنت خزاعى٦ ذات حلي فنفلني حليها إن فتح الله عليك الطائف غدا، قال: إن لم يكن أذن لنا في قتالهم، فقال رجل تراه عمر يا رسول الله ما مقامك على قوم لم يؤذن لك في قتالهم، قال: "فأذن في الناس بالرحيل فنزل الجعرانة فقسم بها غنائم حنين، ثم دخل منها بعمرة ثم انصرف إلى المدينة" ٧. والحديث مرسل.

стр. 330

ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا ولفظه: وأقبلت امرأة يقال لها خولة بنت حكيم وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تحت عثمان بن مظعون فدخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف، قال: "لم يؤذن لنا حتى الآن فيهم، وماأظن أن نفتحها الآن"، فأقبل عمر بن الخطاب ﵁ فلقيها خارجة من عند رسول الله ﷺ فقال: هل ذكر لك رسول الله ﷺ شيئا، قالت: أخبرني أنه لم يؤذن له في قتال الطائف بعد، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله ألا تدعو الله على أهل الطائف وتنهض لعل الله يفتحها فإن أصحابك كثير وقد شق عليهم الحبس ومنعهم معاشهم، فقال رسول الله ﷺ : "لم يؤذن لنا في قتالهم" فلما رأى ذلك عمر قال: أفلا آمر الناس فلا يسرحوا ظهرهم حتى يرتحلوا بالغداة؟ قال: "بلى فانطلق عمر حتى أذن في الناس بالقفول وأمرهم أن لا يسرحوا ظهرهم، فأصبحوا فارتحل النبي ﷺ وأصحابه". ودعا النبي ﷺ حين ركب قائلا: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم" ١. ١٦٥- وأخرجه ابن إسحاق بلاغا فقال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية٢ بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال لها: "وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ " فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ماحديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟

стр. 331

قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل"، فلما استقل الناس نادى سعيد١ بن عبيد بن أسيد بن أبي عمر بن علاج ألا إن الحي مقيم، قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما، فقال له رجل٢ من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصر رسول الله ﷺ ! فقال: "إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها، لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير"٣. ١٦٦- وأخرج ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين٤ بن علي عن زائدة٥ قال: قال عبد الملك٦، قال النبي ﷺ وهو محاصر ثقيفاً ما رأيت الملك منذ نزلت منزلي هذا، قال: "فانطلقت خولة بنت حكيم السلمية فحدثت ذلك عمر بن الخطاب،

стр. 332

فأتى عمر النبي ﷺ فذكر له قولها، فقال: صدقت، فأشار عمر على النبي ﷺ بالرحيل، فارتحل النبي ﷺ " ١ والحديث مرسل ورجاله ثقات. ١٦٧- وأخرج ابن سعد قال: أخبرنا عمرو٢ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٣ أخبرنا الحسن٤ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال: فرمى رجل من فوق سورها فقتل، فأتى عمر فقال: "يا نبي الله ادع على ثقيف، قال: إن الله لم يأذن في ثقيف، قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا، فارتحلوا٥. والحديث مرسل، ورجاله ثقات. وعند ابن إسحاق بلاغا أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: "يا أبا بكر، إني رأيت أني أهديت لي قعبة٦ مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها". فقال أبو بكر: "ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد"، فقال رسول الله ﷺ : "وأنا لا أرى ذلك" ٧. ١٦٨- وروى الواقدي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول الله ﷺ نوفل٨ بن معاوية الديلي، فقال: "يا نوفل ما تقول أو ترى؟ "

стр. 333

فقال نوفل يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيئا". قال أبو هريرة: "ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتحها"١. وعنده أيضا: "قال: قال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وهو على حصن الطائف: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لاقيتم أحدا يحسن قتالكم غيرنا، تقيمون ما أقمتم بشر محبس، ثم تنصرفون لم تدركوا شيئا مما تريدون. نحن قسي وقسا أبونا والله لا نسلم ما حيينا٢ وقد بنينا طائفا حصينا فناداه عمر: "يا ابن حبيب والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج، فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبات عنب، فإن في الماء والتراب ما يعيد ذلك". فقال عمر: "لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، ولن نبرح عن باب جحرك حتى تموت! " قال: يقول أبو بكر: "يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف، فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول الله؟ " فقال: نعم، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: "لم يؤذن لك يا رسول الله في فتحها؟ قال: "لا".قال: أفلا أؤذن في الناس بالرحيل! قال رسول الله ﷺ : "بلى" فأذن عمر بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلمون، يمشي بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف!

стр. 334

لا نبرح حتى يفتح الله علينا؟ والله إنهم لأذل وأقل من لاقينا قد لقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرق الله تلك الجموع! وإنما هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا! وكثر القول بينهم والاختلاف، فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا، فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء، فكلموا عمر فأبى وقال: قد رأينا الحديبية ودخلني في الحديبية من الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول الله ﷺ يومئذ بكلام ليت أني لم أفعل، وأن أهلي ومالي ذهبا ثم كانت الخيرة لنا من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيراً للناس من صلح الحديبية – بلا سيف دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل – من يوم بعث رسول الله ﷺ إلى يوم كتب الكتاب، فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول الله ﷺ ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدا! والأمر أمر الله وهو يوحي إلى نبيه ما يشاء! ١. وهذه الآثار تدل على أن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف، وقد تقدم ما نقله ابن كثير من الحكمة في ذلك٢. ولذا فإن رسول الله ﷺ لما رأى صعوبة الموقف وتأزم الأمور وكثرة الإصابات في أصحابه، أشار إليهم بترك الحصار والرجوع إلى الجعرانة ولكن لما رأى تحمس أصحابه وتصميمهم على الفتح ورغبتهم في ذلك واصل بهم حتى وافقوا في نهاية المطاف وعلموا أن المصلحة فيما رآه رسول الله ﷺ وهذا هو صريح حديث الصحيحين وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري: ١٦٩- حدثنا علي٣ بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله٤ بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف،

стр. 335

فلم ينل منهم شيئا، قال: إنا قافلون إن شاء الله، فثقل١ عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه٢، وقال مرة: نقفل، فقال: اغدوا على القتال، فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فأعجبهم فضحك٣ ﷺ . وقال سفيان مرة: فتبسم. قال: قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله٤. ورواه عن قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار به ولفظه لما كان رسول الله بالطائف قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : لا نبرح أو نفتحها٥، فقال النبي ﷺ : "فاغدوا على القتال، فغدوا

стр. 336

فقاتلوهم قتالا شديدا، وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله ﷺ : "إنا قافلون غدا إن شاء الله، قال فسكتوا١، فضحك رسول الله ﷺ ". ورواه عن عبد الله بن محمد٢ حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار به، ولفظه قال: "حاصر النبي ﷺ أهل الطائف فلم يفتحها، فقال: إنا قافلون إن شاء الله، فقال المسلمون: "نقفل ولم نفتح؟ " قال: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم٣ جراحات، قال النبي ﷺ : "إنا قافلون غدا إن شاء الله، فكأن٤ ذلك أعجبهم، فتبسم رسول الله ﷺ " ٥. ورواه مسلم والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وأبو عوانة والبيهقي كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به٦. وعند الواقدي من حديث أبي هريرة قال: "وأمر رسول الله ﷺ عمر ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ : "فاغدوا على القتال"، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله ﷺ : "إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك، وقال لهم رسول الله ﷺ : قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".

стр. 337

فلما ارتحلوا واستقلوا قال: "قولوا آيبون تائبون لربنا حامدون" ١. وقيل: "يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وآت بهم" ٢. وحديث الدعاء على ثقيف أخرجه الترمذي وأحمد من حديث أبي الزبير، مسندا، وابن أبي شيبة مرسلا. ١٧٠- وهذا سياق الترمذي: حدثنا أبو سلمة٣ يحيى بن خلف أخبرنا عبد الوهاب٤ الثقفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قالوا: "يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: "اللهم أهد ثقيفا" ٥. ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". قال الألباني: "هذا الحديث على شرط مسلم ولكنه من رواية أبي الزبير معنعنا وهو مدلس".

стр. 338

وقد تابعه عبد الرحمن١ بن سابط عند أحمد، ولكنه لم يسمع من جابر، كما قال ابن معين٢. وهذا سياق حديث أحمد المشار إليه قال: حدثنا محمد٣ بن الصباح ثنا إسماعيل٤ بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط وأبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد ثقيفاً". قال عبد الله٥: "وسمعته أنا من محمد بن الصباح، فذكر مثله"٦. وهذه المتابعة لا تجدي شيئا لأن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر فيكون الحديث منقطعا. وأورد الذهبي هذا الحديث في ترجمة إسماعيل بن زكريا ثم قال: تفرد به عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم٧. والحديث رواه ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير مرسلاً٨.

стр. 339

وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير مرسلا أن رسول الله ﷺ دعا حين ركب فقال: "اللهم أهدهم واكفنا مؤنتهم" ١. والخلاصة أن الدعاء لثقيف رواه ابن سعد من مرسل الحسن البصري٢ وساقه مرة أخرى بدون إسناد، ورواه الترمذي وأحمد مسندا من حديث أبي الزبير، ورواه عنه ابن أبي شيبة مرسلاً. وأبو الزبير مدلس وقد عنعن٣. وتابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد، ولكن جزم ابن معين بأن عبد الرحمن لم يسمع من جابر، فيكون الحديث منقطعا. وساقه ابن إسحاق بدون إسناد٤. ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا. وفيه أيضا أبو علاثة٥. فالحديث له ثلاث طرق: طريق أبي الزبير وقد عنعن وهو مدلس. وابن إسحاق ساقه بدون إسناد، وهو من صغار التابعين فيكون الحديث معضلا. وطريق البيهقي، وفيها الإرسال، وراو لم توجد ترجمته. وطريق ابن سعد من مرسل الحسن البصري، ومرسله ضعيف عند العلماء، فالحديث بجميع طرقه ضعيف. وهذه الآثار تدل على رحمة الرسول ﷺ وشفقته، حتى مع ألد أعدائه حيث طلب منه الصحابة أن يدعو على ثقيف. فدعا لهم بالهداية وقد استجاب الله دعاءه وجاءوا مسلمين بعد ذلك بدون عناء أو مشقة.

стр. 340

وقد ذكر ابن إسحاق أن طريق رسول الله ﷺ حين خرج من الطائف كانت على دحنا١ حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، وكان بها سبي هوازن ٢. وعند الواقدي فأخذ على دحنا ثم على قرن المنازل، ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة٣. ١٧١- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله ٤ بن أبي بكر أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد معه حنينا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله ﷺ على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة إذا زحمت ناقتي ناقة رسول الله ﷺ ، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه، قال: فقرع قدمي بالسوط، وقال: "أوجعتني فتأخر عني فانصرفت"، فلما كان الغد إذا رسول الله ﷺ يلتمسني، وقال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله ﷺ بالأمس، قال: فجئته وأنا أتوقع فقال لي: "إنك قد أصبت رجلي بالأمس، فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها، فأعطاني ثمانين نعجة، بالضربة التي ضربني" ٥. والحديث فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه انقطاع فإن عبد الله بن أبي بكر لم أجد في ترجمته أنه روى عن أحد من الصحابة سوى أنس بن مالك. وعند الواقدي وابن سعد نحو هذه القصة٦ وأن صاحبها هو أبو رهم٧ الغفاري، لكن ذكر ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر: "أن أبا رهم الغفاري

стр. 341

استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة عند خروجه إلى غزوة الفتح فلم يزل عليها حتى انصرف رسول الله ﷺ عن الطائف"١. وقد حصلت نحو هذه القصة لأبي رهم ولكن في غزوة تبوك جاء ذلك عند الإمام أحمد في مسنده ولفظه: ١٧٢- قال أبو رهم الغفاري: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك فلما فصل سرى ليلة فسرت قريبا منه وألقي علي النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز فأوخر راحلتي حتى غلبتني عيني نصف الليل فركبت راحلتي راحلته ورجل النبي ﷺ في الغرز فأصابت رجله فلم أستيقظ إلا بقوله حس٢، فرفعت رأسي، فقلت: استغفر لي يا رسول الله" الحديث٣. والحديث ضعيف لأن فيه ابن أخي أبي رهم٤. وعند الواقدي أيضا أن مثل هذا حصل لعبد الله بن أبي حدرد في مسير رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، فقال: وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يقول: كنت مع النبي ﷺ في مسيرة وهو يحادثني، فجعلت ناقتي تلصق بناقته، وكانت ناقتي شهمة ٥ فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعني، فلصقت بناقة النبي ﷺ وأصيبت رجله فقال: "أخ٦! أوجعتني! فرفع رجله من الغرز٧ كأنها جمارة، ودفع رجلي بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينْزل في عذاب".

стр. 342

قال: فلما نزلنا قلت لأصحابي: إني أرعى لكم! ولم يكن ذلك يوم رعيتي، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغيني؟ فقالوا: رسول الله ﷺ جاء يبغيك، فقلت في نفسي: هي والله هي! قلت: من جاء؟ قالوا رجل من الأنصار، قال: فكان أكره إلي وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة، قال: ثم جاء بعد رجل من قريش يبتغيني، قال: فخرجت خائفا حتى واجهت رسول الله ﷺ ، فجعل يبتسم في وجهي وقال: أوجعتك بمحجني البارحة، ثم قال: خذ هذه القطة من الغنم، قال: فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة١. ثم قال الواقدي أيضا: وكان أبو زرعة٢ الجهني يقول: "لما أراد ﷺ أن يركب من قرن راحلته القصواء وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطوى، فركب على الرحل وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف الناقة بالسوط كل ذلك يصيبني، فالتفت إلي فقال: أصابك السوط؟ قلت: نعم بأبي وأمي! قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة٣ من الغنم ناحية من الغنائم فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا! قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السوط أمس، قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس، قال: فتأثلت٤ بها مالاً٥. ١٧٣- وعند الواقدي أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: اعترض لرسول الله ﷺ رجل من أسلم معه غنم، ورسول الله ﷺ على راحلته، فقال: يا رسول الله، هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟ قال: رجل من أسلم، قال: إني لا أقبل هدية مشرك، قال: يا رسول الله إني مؤمن بالله وبرسوله قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب لما لي بعينه مصدقا،

стр. 343

قال: وأقبل بريدة فلحق النبي ﷺ ، فقال: صدق يا رسول الله، هذا من قومي شريف ينزل بالصفاح١، قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع٢ من الصفاح اليوم، ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، قال: فخرج يعدو عراض٣ ناقة رسول الله وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق الغنم معي إلى الجعرانة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تسقها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنما أخرى إن شاء الله. قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا في عطن٤ الإبل، أفأ صلي فيه؟ قال: لا، قال: فتدركني وأنا في مراح٥ الغنم، فأصلي فيه؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها؟

стр. 344

ق ال: نعم، ويتيمم١، قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض، قال: تيمم، قال: فلحق النبي ﷺ بالجعرانة فأعطاه مائة شاة٢. موقف سراقة وكان ممن اعترض رسول الله ﷺ في طريقه إلى الجعرانة: سراقة بن مالك بن جعشم وكان معه كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في أثناء هجرته ﷺ إلى المدينة، توضح ذلك الأحاديث الآتية: ١٧٤- قال الواقدي: وقال سراقة٣ بن جعشم: لقيت رسول الله ﷺ وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتحصلت٤، والناس يمضون أمامه أرسالاً٥، فوقعت في مقنب٦ من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوني٧ بالرماح ويقولون: إليك! إليك! ما أنت؟ وأنكروني، حتى إذا دنوت وعرفت أنه يسمع صوتي أخذت الكتاب الذي كتبه

стр. 345

أبو بكر، فجعلته بين أصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي! فقال رسول الله ﷺ : "يوم وفاء، أدنوه! فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله ﷺ في غرزة كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمت، وسقت إليه الصدقة فما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أني قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، في كل ذات كبد حرى١ أجر" ٢. وذكر ابن إسحاق هذه القصة في سياق حديث الهجرة، وبين أن مجيء سراقة وإسلامه كان في الجعرانة، وأنه بعد ذلك رجع إلى قومه وساق صدقته لرسول الله ﷺ . ١٧٥- وهذا سياقه: قال: حدثني الزهري أن عبد الرحمن٣ بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه٤، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم قال: "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رده عليهم". قال: "فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة٥ ثلاثة مروا آنفا، وأني لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت

стр. 346

إليه بعيني: أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي١ التي استقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتي٢. ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره"٣ قال: وكنت أرجوا لأن أرده٤ على قريش، فآخذ المائة الناقة قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعتهما دخان كالإعصار٥، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه ظاهر، قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم من شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ "

стр. 347

قال: فقال ذلك أبو بكر١، قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، قال: فكتب لي كتابا في عظم، أو في رقعة٢، أو في خزفة٣ ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي٤، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ ، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته، قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون إليك! إليك! ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت يا رسول الله، هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "يوم وفاء وبر، أدنه"، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: "يا رسول الله، الضالة٥ من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: "نعم، في كل ذات كبد حرى أجر". ثم رجعت إلى قومي، فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي٦. والحديث رواه موسى بن عقبة فقال: حدثنا ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه مالكا أخبره أن أخاه سراقة بن جعشم

стр. 348

أخبره "أنه لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده عليهم مائة ناقة" الحديث١. وأخرج الحميدي هذا الحديث مختصرا في قدوم سراقة إلى الجعرانة وسؤاله رسول الله ﷺ ، وهذا سياقه: حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يخبر عن ابن سراقة٢ أو ابن أخي سراقة عن سراقة قال: أتيت رسول الله ﷺ بالجعرانة فلم أدر ما أسأله عنه. فقلت: يا رسول الله إني أملأ حوضي أنتظر ظهري يرد علي فتجيء البهمة٣ فتشرب فهل لي من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : "لك في كل كبد حرى أجر" قال سفيان: "هذا الذي حفظت عن الزهري، واختلط علي من أوله شيء فأخبرني وائل بن داود عن الزهري بعض هذا الكلام لا أخلص ما حفظت من الزهري وما أخبرنيه وائل، قال سراقة: أتيت نبي الله ﷺ وهو بالجعرانة فجعلت لا أمر على مقنب من مقانب الأنصار إلاّ قرعوا رأسي، وقالوا: إليك! إليك! فلما انتهيت إليه، رفعت الكتاب، وقلت: أنا يا رسول الله قال: وقد كان كتب لي أمانا في رقعة، فقال النبي ﷺ : "نعم، اليوم يوم وفاء وبر وصدق" ٤. وقصة تفاصيل هجرة رسول الله ﷺ وتعرض سراقة له أثناء الهجرة ومحاولته القبض على رسول الله ﷺ وطلبه في نهاية الأمر من رسول الله ﷺ كتاب أمن، ثابت في صحيح البخاري من حديث عائشة (دون مجيء سراقة إلى الجعرانة) ٥.

стр. 349

الفصل الثالث: في تقسيم الغنائم المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيئ والنفل ... المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الألفاظ الثلاثة لا فرق بينها في أصل اللغة وأنها تلتقي وتجتمع في مطلق الزيادة والرجوع، وذلك أن الغنيمة في أصل اللغة: زيادة وعطية من الله لهذه الأمة على ما هو أصل الأجر والثواب للمجاهد، أو أنها زيادة لهذه الأمة بعد أن كانت الغنائم محرمة على غيرها من الأمم الماضية". ويشهد لهذا ما رواه جابر بن عبد الله ﵄: ١٧٦- أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" الحديث. وفيه: "وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي" ١.

стр. 350

والفيء: مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع كأنه في الأصل للمسلمين فرجع إليهم، وهو الغنيمة شيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان يسمى غنيمة وفيئا. والنفل: بالتحريك - الغنيمة والهبة والتطوع، وجمعه أنفال، ونفال، والنفل - بالسكون وقد تحرك - معناه الزيادة. وهي زيادة عما فرضه الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ، [سورة الإسراء، الآية: ٧٩] . فسمى سبحانه صلاة التطوع نافلة، لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب لهم من ثواب ما فرض عليهم١. والفرق بين هذه الألفاظ الثلاثة إنما هو في الاصطلاح الشرعي ذلك أن الغنيمة في الاصطلاح هي المال المأخوذ من الكفار بايجاف ٢ الخيل والركاب. قال القرطبي: "واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، [سورة الأنفال، من الآية:٤١] . مال الكفار: إذا ظفر المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا يقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد بهذا اللفظ النوع". ثم قال: "وقد سمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة، وفيئا. فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة، لزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.

стр. 351

والفيء: مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف"١. وقال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن أكثر العلماء: فرقوا بين الفيء والغنيمة. فقالوا: الفيء ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير. وأما الغنيمة: فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية مع قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ، [سورة الحشر، الآية: ٦] . فإن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية. ظاهر في أنه يراد به بيان ما أوجفوا عليه، وما لم يوجفوا عليه كما ترى. ثم قال ﵀: وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ ذكر فيها حكم الفيء. وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه، ثم قال: وقال بعض العلماء، إن الغنيمة والفيء شيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيئا، وهذا قول قتادة ﵀، وهو المعروف في اللغة والعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة٢. ثم قال: ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما وتدل له آية الحشر المتقدمة.

стр. 352

وعلى القول قتادة: فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة: إن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ناسخة لآية ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ وهذا القول الذي ذهب إليه باطل بلا شكّ، ولم يلجئ قتادة إلى هذا القول إلاّ دعواه اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره، لعلم أن آية الأنفال في (الغنيمة) وآية الحشر في (الفيء) ولا إشكال. ووجه بطلان قول قتادة المذكور: أن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدر، بدليل حديث علي ﵁ الثابت في صحيح مسلم١ الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هذه. وإما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين. ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة -رحمه الله تعالى- وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآية، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعا إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم٢. الفيء في الاصطلاح: "هو كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب". أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل استسلم بنو النضير وصارت أموالهم فيئا أفاءه الله على رسوله ﷺ فتصرف فيه كما أمره الله سبحانه فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح العامة التي ذكرها الله في آيات سورة الحشر٣.

стр. 353

وقد تقدم أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة، وأن الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر. ومن العلماء من قال: إن الغنيمة والفيء شيء واحد، فجميع ما وصل إلينا من أموال الكفار على أي وجه كان يسمى فيئا وغنيمة. والمشهور عند العلماء الفرق بينهما كما تقدم١. والنفل في الاصطلاح هو: ما يعطيه الإمام لبعض الجيش دون بعض سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء٢ عن الإسلام والنكاية في العدو٣. ١٧٧- وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً" ٤. وعنه ﵄ "أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش". زاد مسلم: والخمس في ذلك واجب كله٥. قال أبو عبيد: "وفي هذا النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى: فإحداهن: في النفل الذي لا خمس فيه.

стр. 354

والثانية: في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس. والثالثة: في النفل الذي يكون من الخمس نفسه. والرابعة: في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء. فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب، وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه خالصا من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر. وأما الذي يكون من الغنيمة بعد الخمس، فهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس. وأما الثالث فأن تحاز الغنيمة كلها ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه على قدر ما يرى. وأما الذي يكون من جملة الغنيمة، فما يعطي الأدلاء على عورة العدو١ ورعاء الماشية والسوق لها، وذلك أن هذا منفعة لأهل العسكر جميعا. ثم قال: وفي كل ذلك أحاديث واختلاف. ثم أورد الأدلة على كل مسألة من هذه المسائل المتقدمة"٢. وقال الطبري - بعد أن ذكر اختلاف العلماء في المعنى المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ودليل كل - وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سلبه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل، أو ببعض أسبابه، ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيشه، على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين، وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس أنه الفرس والدرع ونحو ذلك ٣.

стр. 355

ويدخل ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس١. لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام. وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر. ثم قال: وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأن النفل في كلام العرب، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه نفلتك كذا وأنفلتك: إذا زدتك فإذا كان معناه ما ذكرنا، فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة إن كان ذلك لبلاء أبلاه، أو لغناء كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إياه، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل، فهو منفل ما زيد من ذلك لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحق، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة. وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل، لأنه وإن كان مغلوبا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمة، فالفصل إذا كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل: أن الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل، أو لم ينفل. والنفل: هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة٢. وبعد أن ذكرنا الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل في الاصطلاح الشرعي يحسن بنا أن نذكر حكم كل من الغنيمة والفيء والنفل تكميلا للغرض المقصود من هذا المبحث. فأقول: الغنائم قسمان: ثابت ومنقول ولكل منهما حكمه الخاص به. فحكم الثابت كالأرض المفتوحة عنوة والعقار راجع إلى الإمام فهو بالخيار بين قسمها بين الغانمين وبين وقفها في مصالح المسلمين، أو قسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله ﷺ الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم
следующие страницы →