وعند أبي داود من مرسل يحيى بن أبي كثير أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف شهرا وهذا سياقه:
١٣٥- عن أبي صالح١ عن أبي إسحاق٢ الفزاري عن الأوزاعي٣ عن يحيى٤ بن أبي كثير قال: "حاصرهم رسول الله ﷺ شهرا، قال الأوزاعي فقلت ليحيى: أبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما يعرف هذا".
قال البيهقي: "كذا قال يحيى أنه لم يبلغه، وزعم غيره أنه بلغه"٥.
والحديث مرسل وهو حسن الإسناد، وهو يدل كسابقه أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف شهرا.
وهذا لا يستقيم مع اتفاق العلماء على أن رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الطائف اعتمر من الجعرانة في ذي القعدة، ومع ما جاء عند البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله ﷺ : "أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت٦ بكم"، وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف" الحديث٧.
إذا علم أن رسول الله ﷺ خرج إلى هوازن في شهر شوال ووصل إلى حنين في اليوم العاشر منه ثم دارت معركة حنين بما فيها من تفاصيل وأعقب ذلك سرية أوطاس ثم بعد ذلك أمر رسول الله ﷺ بالأموال والسبايا فحبست بالجعرانة ثم توجه إلى الطائف، فإذا فرضنا أن غزوة حنين بما فيها سرية أوطاوس دامت عشرة أيام، مع
стр. 282
وصول رسول الله ﷺ إلى حنين في اليوم العاشر من شوال، فيبقى عشرة أيام من شهر شوال، فإذا كان حصار الطائف شهرا فيكون قد أخذ عشرين يوما من ذي القعدة، ويكون قد بقى عشرة أيام من ذي القعدة فلا تكفي لرجوع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة وانتظاره هوازن بضع عشرة ليلة ثم بعد ذلك إحرامه بالعمرة وعوده إلى الجعرانة كل هذا في ذي القعدة ثم خروجه إلى المدينة وقد وصلها لست ليال بقيت من ذي القعدة في قول ابن حزم وابن هشام١.
ومثل هذا ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث السميط عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما.
وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا عبيد الله٢ بن معاذ وحامد٣ بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى. قال ابن معاذ: حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه٤ قال: حدثني السميط عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت. فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة" الحديث وفيه "قال فنادى رسول الله ﷺ "يال٥ المهاجرين! يال المهاجرين" ثم قال: "يال الأنصار! يال الأنصار" قال: قال أنس: هذا الحديث عمية٦.
стр. 283
قال: قلنا: لبيك يا رسول الله! قال: فتقدم رسول الله ﷺ قال: "فأيم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله". قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة. ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل.
ثم ذكر باقي الحديث، كنحو حديث قتادة١، وأبي التياح٢، وهشام٣ بن زيد٤.
١٣٦- وأخرج ابن سعد من مرسل مكحول٥: "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما"٦.
وقد وهم العلماء السميط في هذا الحديث في موضعين:
الأول: قوله: (قد بلغنا ستة آلاف) قال القاضي عياض: هذا وهم من الراوي عن أنس، والصحيح ما جاء في الرواية الأولى: عشرة آلاف ومعه الطلقاء، لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفا: عشرة آلاف شهدوا الفتح، وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم.
стр. 284
الثاني: قوله: "فحاصرنا الطائف أربعين ليلة".
قال ابن كثير بعد إيراده لهذا الحديث عند أحمد: "وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله: أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف، وإنما كانوا اثني عشر ألفا.
وقوله: إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة، وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون١ العشرين ليلة فالله أعلم". ا. هـ ٢.
والحديث في الصحيحين من طريق هشام بن زيد عن أنس بن مالك فقال فيه: "وكان مع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء"٣ ولم يتعرض لحصار الطائف.
وروى سميط عن أنس فقال: "بأنهم كانوا ستة آلاف، وذكر مدة الحصار أربعين ليلة"٤.
وقد وهمه العلماء.
وقد وردت أحاديث في مدة الحصار الطائف وهي:
١٣٨- ما أخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة، وعن عروة بن الزبير وهذا سياق حديث موسى بن عقبة قال: ونزل رسول الله ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم، قال: وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا ولكم، قال: واستأذنه المسلمون في مناهضة الحصن فقال: رسول الله ﷺ : "ما أرى أنّ نفحته وما أذن فيه الآن" ٥.
стр. 285
وحديث موسى بن عقبة معضل، لأنه لم يسمع أحداً من الصحابة سوى أم خالد١ كما حدث هو عن نفسه٢.
وفيه: محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي لم أجد ترجمته.
وفي حديث عروة بن الزبير الإرسال لأن عروة ولد في خلافة عمر ابن الخطاب٣.
وفيه: أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد لم أجد ترجمته.
وأخرج الطبري عن عروة بن الزبير أيضا أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف نصف شهر وهذا سياقه:
حدثنا علي٤ بن نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي٥ قال أخبرنا أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال: "سار رسول الله ﷺ يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن، ولم يخرج إليه في ذلك أحد منهم، وأسلم من حولهم من الناس كلهم، وجاءت رسول الله ﷺ وفودهم. ثم رجع النبي ﷺ ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة، وبها السبي الذي سبى رسول الله ﷺ من حنين من نسائهم وأبنائهم" الحديث"٦.
والحديث مرسل وإسناده حسن.
стр. 286
١٣٨- وأخرج البيهقي من طريق أسلم١ عن أبي عبيدة٢ ﵁ "أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف ونصب عليهم المنجنيق سبعة عشرة يوماً" ٣.
والحديث فيه عبد الله بن عمرو البصري لم أجد ترجمته وقد وصف في سياق السند بأنه كان حافظا.
وأخرج خليفة بن خياط من حديث عبد الرحمن بن عوف أن مدة الحصار كانت سبع عشرة أو تسع عشرة وهذا سياقه:
١٣٩- حدثنا عبيد الله٤ بن موسى عن طلحة٥ بن جبر عن المطلب٦ بن عبد الله عن مصعب٧ بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه٨: "أن رسول الله ﷺ حاصرهم سبع عشرة، أو تسع عشرة فلم يفتحها" ٩.
стр. 287
وأخرج بن أبي شيبة والفسوي والحاكم الجميع من طريق عبيد الله ابن موسى أخبرنا طلحة بن جبر به١.
وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن أبي شيبة٢.
إلاّ أن ابن أبي شيبة وأبا يعلى قالا: فحاصرهم رسول الله ﷺ تسع عشرة أو ثمان عشرة ليلة فلم يفتحها".
وقال الحاكم في روايته: "فحاصرهم ثمانية أو سبعة"٣، والحديث صححه الحاكم.
وتعقبه الذهبي فقال: طلحة ليس بعمدة.
قلت: وفيه أيضاً: المطلب بن عبد الله، كثير التدليس والإرسال وقد عنعن، وفيه مصعب بن عبد الرحمن لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً، وأخرج ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن سنان أن مدة حصار الطائف كانت خمسة وعشرين يوما وهذا سياقه:
١٤٠- حدثنا يزيد٤ بن هارون قال أنا قيس عن أبي حصين٥ عن عبد الله٦ بن سنان "أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف خمسة وعشرين يوما يدعو عليهم في دبر كل صلاة" ٧.
стр. 288
والحديث ضعيف لأن فيه قيس بن الربيع وصف بأنه صدوق سيء الحفظ وقد تغير لما كبر، فأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به١.
وفيه الإرسال والمرسل من قسم الحديث الضعيف.
والحديث فيه "أن رسول الله ﷺ دعا على ثقيف وهو مخالف لما ورد في الآثار من أن الصحابة طلبوا من رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف فقال: اللهم اهد ثقيفاً" كما سيأتي.
وخلاصة القول أن الأحاديث الواردة في مدة حصار الطائف لم تتحد في تعيين المدة كما تقدم بيان ذلك وهذه خلاصتها:
أ- كانت مدة الحصار بضعا وعشرين ليلة وهي رواية ابن إسحاق.
ب- كانت مدة ثلاثين ليلة أو قريباً من ذلك وهي رواية أخرى عن ابن إسحاق ورواية أبي داود في المراسيل.
ج- أن مدة الحصار كانت أربعين يوما وهو حديث أنس عند أحمد ومسلم وقد بينا أن هذا الحديث والذي قبله لا يستقيم مع بقية الأحاديث.
د- أن الحصار دام بضع عشرة ليلة وهي رواية البيهقي عن موسى ابن عقبة وعروة بن الزبير.
هـ أن مدة الحصار كانت نصف شهر وهي رواية الطبري من مرسل عروة بن الزبير أيضا، ورواية الواقدي٢.
وكان الحصار سبعة عشر يوماً وهو حديث أبي عبيدة بن الجراح عند البيهقي.
ز- كانت مدة الحصار سبع عشرة أو ثمان عشرة أو تسع عشرة كما في حديث عبد الرحمن بن عوف عند خليفة بن خياط وغيره.
ح- أن مدة الحصار كانت خمسة وعشرين يوماً كما ورد في حديث عبد الله بن سنان عند ابن أبي شيبة.
стр. 289
والظاهر في هذا أن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة كما رجح ذلك ابن حزم ﵀، وقال: هو الصحيح بلا شك١.
والبضع من الثلاث إلى التسع، فإذا أخذنا بأول إطلاقاته وهو الثلاث فتكون مدة الحصار ثلاث عشرة ليلة بناء على أن رسول الله ﷺ وصل الطائف في عشرين من شهر شوال فيكون الحصار قد أخذ ثلاثة أيام من شهر ذي القعدة، وهو قريب من قول من قال بأن رسول الله ﷺ عاد من الطائف إلى الجعرانة فوصلها في اليوم الخامس من ذي القعدة ٢.
وأقام بها ثلاث عشرة ليلة، ثم اعتمر منها وذهب إلى المدينة فوصلها لست بقين من ذي القعدة، أو في أوّل ذي الحجة.
قال ابن سيد الناس: "والمعروف عند أهل السير أن النبي ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة"٣.
فأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا وأحرم بعمرة ودخل مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته فكأنه كان بائتا بها، ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، قاله ابن هشام، وقيل لثلاث بقين٤.
وعند ابن إسحاق: فقدم المدينة في بقية ذي القعدة، أوفي أول ذي الحجة٥.
وقد نصب رسول الله ﷺ منجنيقا في مدة حصاره لثقيف وقد مر بنا حديث أبي عبيدة في ذلك وهو عند البيهقي، ومرسل مكحول عند ابن سعد وهو بإسناد حسن٦.
стр. 290
وأخرجه أبو داود في مراسيله: عن محمد١ بن بشار عن يحيى٢ بن سعيد عن سفيان٣ عن ثور٤ عن مكحول أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف وإسناده٥ صحيح٦.
ورواه الترمذي معضلا فقال: قال قتيبة٧: ثنا وكيع٨ عن رجل عن ثور٩ بن يزيد أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف.
قال قتيبة: قلت لوكيع: "من هذا الرجل؟ "
قال: "صاحبكم عمر١٠ بن هارون"١١.
قال الزيلعي: "ورواه أبو داود في المراسيل وابن سعد في "الطبقات" عن مكحول عن النبي ﷺ ".
стр. 291
ورواه العقيلي١ في "ضعفائه" مسندا من حديث عبد الله٢ بن خراش عن العوام٣ بن حوشب عن أبي صادق٤ عن علي قال: "نصب رسول الله ﷺ المنجنيق على أهل الطائف" ٥.
١٤١- وأخرج أبو داود وأيضاً من مرسل عكرمة٦ أن النبي ﷺ نصب المجانيق على أهل الطائف٧.
وقال الشافعي: "نصب رسول الله ﷺ على أهل الطائف منجنيقا أو عرادة" ٨٩.
وعند الواقدي وابن سعد: "أن رسول الله ﷺ لما أراد السير إلى الطائف بعث الطفيل١٠ بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم عمرو١١ بن حممة الدوسي يهدمه وأمره
стр. 292
أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحشوالنار في جوفه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبادك ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادك
قال: "وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً فوافوا النبي ﷺ ، بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق" ١.
وعند الواقدي: "أن رسول الله ﷺ شاور أصحابه فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله، أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن المنجنيق طال الثواء٢ فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقاً بيده، فنصبه على حصن الطائف.
ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد٣ بن زمعة ودبابتين.
ويقال: "خالد٤ بن سعيد قدم من جرش بالمنجنيق ودبابتين"٥.
стр. 293
وقال ابن هشام: "حدثني من أثق به، أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق"١.
رمى أهل الطائف ٢.
وهذه الآثار تتقوى بمجموعها وهي نص في أن رسول الله ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف وجرى على هذا أصحاب السير والمغازي.
وتدل هذه الآثار أيضا على جواز مثل هذا الفعل مع الأعداء إذا تحصنوا داخل حصونهم ولم يتمكن المسلمون منهم إلا بهذا، وعلى جواز إصابة أطفالهم ونسائهم ممن لا شأن له في القتال تبعا للمقاتلين إذ لا يمكن التميز بين المقاتلين وغيرهم من نساء وأطفال في مثل هذا الهجوم.
قال الشافعي: "إذا تحصن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحسك أو بما يتحصن به، فلا بأس أن يرموا بالمجانيق والعرادات والنيران والعقارب والحيات وكل ما يكرهونه، وأن يبثقوا عليهم الماء ليغرقوهم أو يوحلوهم فيه، وسواء كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أولم يكونوا؛ لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر ويخربوا عامرهم وكل ما لا روح فيه من أموالهم، فإن قال قائل: ما الحجة فيما وصفت وفيهم الولدان والنساء المنهي عن قتلهم؟ قيل الحجة فيه: أن رسول الله ﷺ نصب على أهل الطائف منجنيقا أو عرادة، ونحن نعلم أن فيهم النساء والولدان، وأن رسول الله ﷺ قطع أموال بنى النضير وحرقها"٣. ثم ساق في ذلك عدة أدلة تدل على جواز ذلك وهي مبسوطة في محلها.
стр. 294
رسم بيان
стр. 295
رسم بيان
стр. 296
المبحث الثاني: ما صدر من التعليمات العسكرية للمسلمين في حصار - الطائف
مر بنا أن المشركين لما انهزموا في موقعة حنين وباءوا بالفشل، انسحبوا إثر ذلك فتوجه بعضهم نحو نخلة وأوطاس، وتوجهت أكثر ثقيف نحو الطائف ومعهم مالك بن عوف النصرى١، فدخلوا مدينة الطائف وكانت مدينة محصنة قوية ذات أسوار وحصون، ولها أبواب تغلق عليها، وأدخلوا فيها من الأقوات ما يكفيهم لسنة واستعدوا استعداداً كاملاً وتهيأوا للقتال، ولما فرغ رسول الله ﷺ من حنين، سار إلى الطائف حتى نزل قريبا من أسوار المدينة وعسكر هناك، فصوب المشركون نبالهم نحو المسلمين كأنها رجل من جراد فأوقعوا بالمسلمين خسائر في الأرواح، فقرر رسول الله ﷺ الانسحاب بعيدا عن مرمى النبال وفكر المسلمون في وسيلة يستطيعون بها التغلب على ثقيف وإجبارهم على الاستسلام، ورأوا أن أحسن وسيلة في ذلك هي نصب المنجنيق٢ عليهم ودك حصونهم بالدبابات، وغير أن أهل الطائف أحبطوا تلك المحاولات التي قام بها المسلمون، إذ حموا قطعا من حديد بالنار وألقوها على الدبابات الخشبية فحرقتها، فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابات، فكان هذا مما زاد في جرأة ثقيف، وامتناعها عن الاستسلام، حتى أن بعضهم كان يقول:
نحن قسي وقسنا أبونا
والله لا نسلم ما حيينا. ... وقد بنينا حائطا حصينا.
وعند ذلك أمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم، فسارع المسلمون إلى ذلك وقطعوا قطعا ذريعا، حتى نادى الثقفيون يا محمد لم تقطع
стр. 297
أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم، فقال رسول الله ﷺ : "فإني أدعها لله وللرحم" ١.
ثم حث المسلمين على الرمي في سبيل الله، ورغبهم في ذلك، فقال ﷺ : "من رمى بسهم في سبيل الله فله به درجة في الجنة" كما ورد ذلك في حديث أبي نجيح٢ السلمي عند أبي داود وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند أحمد:
١٤٢- قال: حدثنا روح٣ قال ثنا هشام٤ بن أبي عبد الله عن قتادة٥ عن سالم٦ بن أبي الجعد عن معدان٧ بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع النبي صن الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بلغ بسهم فله درجة في الجنة" قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر" الحديث ٨.
стр. 298
والحديث صحيح، وقد صرح قتادة بالتحديث عند البيهقي، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو داواد الطيالسي وابن حبان والحاكم والبيهقي كلهم من طريق قتادة به١.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وأبو نجيح هو عمرو بن عبسة السلمي.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، فإن أبا نجيح هذا: هو عمرو٢ بن عبسة السلمي. ووافقه الذهبي.
وأورده ابن كثير عن البيهقي ثم قال: "ورواه أبو داود والترمذي وصححه٣ والنسائي من حديث قتادة به"٤.
وكان من التعليمات العسكرية أن أمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي، أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج جماعة فأعتقهم رسول الله ﷺ ، ودفع كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة وزاد من ألمهم٥.
وكان ذلك من أعظم التدابير العسكرية التي أضعفت من قوة المشركين وفتت في عضدهم ومعنوياتهم وفرقت جمعهم، توضح هذا الأحاديث الآتية:
стр. 299
قال البخاري: حدثنا محمد١ بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا عثمان٢، قال سمعت سعدا٣ - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة٤ وكان تسور٥ حصن الطائف في أناس فجاء إلى النبي ﷺ " الحديث٦.
والحديث أخرجه أحمد من طريق خالد الحذاء وعاصم الأحول، والدارمي من طريق عاصم عن أبي عثمان به.
ولفظ الدارمي: "هذا أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهذا تدلى من حصن الطائف إلى رسول الله ﷺ " الحديث٧.
١٤٤- قال البخاري: وقال هشام وأخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية٨ أو أبي عثمان النهدي قال: "سمعت سعدا أو أبا بكرة عن النبي ﷺ "، قال عاصم:
стр. 300
قلت: "لقد شهد عندك١ رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف"٢.
قال ابن حجر: "هشام هو ابن يوسف الصنعاني، ولم يقع لي موصولا إليه.
وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن عن أبي عثمان وحده، عن أبي بكرة وحده، وبغير شك، وغرض المصنف منه، ما فيه من بيان من أبهم في الرواية الأولى فإن فيها "تسور من حصن الطائف، في أناس" وفي هذا "فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف".
ثم قال: "وفيه رد على من زعم أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره، وهو شيء قاله موسى بن عقبة وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بين القولين، بأن أبا بكرة نزل وحده أولا، ثم نزل الباقون بعده وهو جمع حسن"٣.
قلت: حديث عبد الرزاق المشار إليه هذا سياقه:
стр. 301
قال عبد الرزاق: عن معمر عن عاصم بن سليمان قال: حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي بكرة: "أنه خرج إلى رسول الله ﷺ وهو محاصر أهل الطائف - بثلاثة وعشرين عبدا فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فهم الذين يقال لهم العتقاء" ١.
وعند أبي داود قال عاصم: قلت: يا أبا عثمان لقد شهد عند رجلان أيما رجلين؟ فقال: أما أحدهما فأوّل من رمى بسهم في سبيل الله أو في الإسلام - يعنى سعد بن مالك - والآخر قدم من الطائف في بضعة٢ وعشرين رجلا على أقدامهم"الحديث٣.
وقد جاء عند ابن إسحاق تسمية بعضهم من مرسل عبد الله بن مكرم الثقفي وهذا سياقه:
١٤٥- قال ابن إسحاق حدثني عبد الله ٤ بن مكرم الثقفي قال: "لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبد الحارث بن كلدة، والمنبعث٥ وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله ﷺ
стр. 302
المنبعث ويحنس١ ووردان٢ في رهط من رقيقهم فأسلموا فلماقدم وفد أهل الطائف، فأسلموا، قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك؟ قال: "لا، أولئك عتقاء الله" ورد على ذلك الرجل ولاء عبده، فجعله له" ٣.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق إلا أنه قال: "فلما قدم وفد أهل الطائف على رسول الله ﷺ فأسلموا، قالوا يا رسول الله: رد علينا رقيقنا الذين أتوك فقال: "لا، أولئك عتقاء الله ورد على كلّ رجل ولاء عبده فجعله إليه"٤.
стр. 303
ثم قال: "هذا منقطع"١.
وهكذا قال السهيلي: "بأن رسول الله ﷺ رد ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا، وقال: كل هذا ذكره ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام"٢.
والحديث في سيرة ابن هشام والروض الأنف وليس فيه أن رسول الله ﷺ رد على أهل الطائف ولاء عبيدهم، وهذا نصه:
قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا اتهم عن عبد الله بن مكرم عن رجال من ثقيف، قالوا: لما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد، فقال رسول الله ﷺ : "لا، أولئك عتقاء الله، وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة" ٣.
ثم قال ابن هشام: "وقد سمى ابن إسحاق من نزل من أولئك العبيد، وكذا أورد ابن حجر في ترجمته الحارث بن كلدة"٤.
ما رواه أحمد وغيره من حديث ابن عباس وهذا سياقه عند أحمد:
١٤٦- قال: حدثنا أبو معاوية٥ ثنا حجاج٦ عن الحكم٧ عن مقسم٨ عن
стр. 304
ابن عباس ﵄ قال: "أعتق رسول الله يوم الطائف من خرج من عبيد المشركين" ١. ورواه عن يحيى٢ بن زكريا ثنا حجاج به.
ولفظه: "لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف أعتق من رقيقهم". ورواه عن يزيد بن هارون ثنا الحجاج به.
ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان يعتق من جاءه من البعيد قبل مواليهم إذا أسلموا٣ وقد أعتق يوم الطائف رجلين". رورواه عن عبد القدوس٤ بن بكير بن خنيس ثنا الحجاج به.
ولفظه: "حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فخرج إليه عبدان فأعتقها٥، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه". ورواه عن نصر٦ بن باب عن الحجاج به.
ولفظه: "قال رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إلينا من العبيد فهو حر، فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ٧.
والحديث رواه سعيد٨ بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وخليفة بن خياط
стр. 305
والدارمي وأبو يعلى والطحاوي والطبراني والبيهقي كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن مقسم به١. بألفاظ مختلفة.
ومدار الحديث على الحجاج وهو مدلس، وقد عنعن وبقية رجاله ثقات.
وأروده الهيثمي وقال: "رواه أحمد والطبراني باختصار وفيه الحجاج ابن أرطأة وهو ثقة، ولكنه مدلس"٢.
١٤٧- ما رواه أحمد وابن سعد والطحاوي من حديث عامر الشعبي وهذا سياقه عند أحمد:
قال: حدثنا يحيى٣ بن آدم ثنا مفضل٤ بن مهلهل عن المغيرة٥ عن شباك٦ عن الشعبي٧ عن رجل٨ من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا". الحديث.
стр. 306
وفيه: "وسألناه أن يرد أبا بكرة فأبى وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله".
وكان أبو بكرة خرج إلى رسول الله ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم ١.
ورواه عن علي٢ بن عاصم أخبرنا مغيرة عن شباك عن عامر أخبرني فلان الثقفي قال: "سألنا رسول الله ﷺ عن ثلاث فلم يرخص لنا" الحديث وفيه "سألناه أن يرد إلينا أبا بكرة وكان مملوكا وأسلم قبلنا، فقال: لا، هو طليق الله ثم طليق رسول الله ﷺ ".
ورواه عن الوركاني٣ ثنا أبو الأحوص٤ عن مغيرة بن شباك عن الشعبي عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ .
ثم قال: "نحوه ولم يسق لفظه"٥. والحديث رواه ابن سعد والطحاوي كلاهما من طريق مغيرة عن شباك عن الشعبي به ٦.
غير أن ابن سعد ساقه بسندين أسقط الشعبي في أحدهما.
وأورده الهيثمي وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات ٧.
١٤٨- حديث أبي بكرة ﵁ أنه خرج إلى رسول الله ﷺ وهو محاصر الطائف بثلاثة وعشرين عبدا فأعتقهم رسول الله ﷺ وهم الذين يقال لهم عتقاء".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح"٨.
стр. 307
١٤٩- حديث غيلان بن سلمة الثقفي أن نافعا١ كان عبدا لغيلان ففر إلى رسول الله ﷺ وغيلان مشرك، فأسلم غيلان فرد رسول الله ﷺ عليه ولاءه".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات"٢.
١٥٠- ما واه أبو داود من مرسل عبد ربه٣ بن الحكم ولفظه: "أن النبي ﷺ لما حاصر أهل الطائف خرج إليه أرقاء من أرقائهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فلما أسلم مواليهم بعد ذلك رد رسول الله ﷺ الولاء - يعني إليهم" ٤.
١٥١- حديث ابن عباس ﵄ من طريق أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عنه قال: "لما نزل النبي ﷺ الطائف أمر مناديا فنادى "أيما عبد خرج فهو حر". فخرج إليه عبدان فأعتقهما" ٥.
قال الهيثمي: رواه الطبراني: "وفيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة وهو متروك"٦.
١٥٢- حديث أبي أمامة٧ ﵁ قال: "تدلى عبد من حصن الطائف فجاءه مولاه، فقال يا رسول الله رد علي غلامي، فقال: إن العبد إذا أسلم قبل مولاه لم يرد إليه، وإذا أسلم المولى ثم أسلم العبد دفع إليه" ٨.
стр. 308
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه عمر١ بن موسى بن وجيه وهو متروك".
وهذه الأحاديث تدل على أن العبد إذا نزل في حال الحصار وأسلم ولحق بالمسلمين قبل سيده صار حرا، وهل يصير حراً حكماً شرعياً، أو ذلك راجع إلى اشتراط الإمام له، فيه خلاف بين العلماء:
قال ابن قيم الجوزية ﵀: "ومنها٢ أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين، صار حراً، ثم أورد حديث سعيد بن منصور المتقدم"٣.
١٥٣- ثم قال: وروى سعيد بن منصور أيضا قال: "قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج سيده بعده لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد، رد على سيده.
ثم أورد حديث الشعبي المتقدم٤، ثم قال: قال ابن المنذر: "وهذا قول كل من يحفظ من أهل العلم"٥.
وأورد ابن كثير: حديث الحجاج بن أرطأة ثم قال: "تفرد به أحمد٦ ومداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، لكن ذهب الإمام أحمد إلى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الإسلام، عتق حكماً شرعياً مطلقاً عاماً، وقال آخرون: إنما كان هذا شرطا لا حكماً عاماً، ولو صح الحديث٧ لكان التشريع العام أظهر، كما في قوله ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه٨" ٩.
стр. 309
قلت: هذا الحديث مداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف. وضعفه آت من قبل تدليسه وقد عنعن١.
قال الذهبي: "وأكثر ما نقم على الحجاج التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم".
وقال أيضاً: "كان حجاج يقول: أهلكني حب الشرف"٢. إهـ.
ومثله يتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد، وقد جاء عند عبد الرزاق بإسناد صحيح ما يؤيد هذا الحديث في مسألة عتق عبيد المشركين، والحديث أيضاً عند البخاري وأبي داود ولا تعرض فيه لإسلام أو عدمه وإنما فيه مجرد نزول العبيد إلى رسول الله ﷺ ٣.
وقد وردت أحاديث أخرى بأسانيد فيها الصحيح وغيره وهي دالة على ما دل عليه حديث الحجاج بن أرطأة، وقد تقدم سياق ذلك.
وهذه الأحاديث نص في كون العبد إذا أسلم ولحق بالمسلمين قبل سيده صار حرا، ويرى الإمام أحمد ذلك حكما شرعيا بينما يراه الشافعي شرطا حيث قال: وإذا استأمن العبد من المشركين على أن يكون مسلما ويعتق فذلك للإمام، أمن رسول الله ﷺ في حصار ثقيف من نزل إليه من عبيد فأسلموا فشرط لهم أنهم أحرار فنزل إليه خمسة عشر عبدا من عبيد ثقيف فأعتقهم ثم جاء سادتهم بعدهم مسلمين، فسألوا رسول الله ﷺ أن يردهم إليهم فقال: "هم أحرار لا سبيل عليهم، ولم يردهم" ٤.
قلت: يؤيد القائلين بأن هذا حكما لا شرطا ما رواه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وهذا سياقه عند أبي داود:
стр. 310
١٥٤- قال: حدثنا عبد العزيز١ بن يحيى الحراني، قال حدثني محمد٢ - يعني ابن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبان٣ بن صالح بن منصور٤ بن المعتمر عن ربعي٥ بن حراش عن علي بن أبي طالب قال: "خرج عبدان٦ إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم فغضب رسول الله ﷺ وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردهم، وقال: "هم عتقاء الله " ٧.
والحديث فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
ورواه الترمذي من غير طريق ابن إسحاق لكن فيه سفيان٨ بن وكيع ولفظه عن ربعي بن حراش قال أخبرنا علي بن أبي طالب بالرحبة٩ قال: لما كان يوم
стр. 311
الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل١ بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله: خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا٢ فارددهم إلينا فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ : يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم رقابكم بالسيف على الدين، وقد امتحن الله قلوبهم٣ على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول الله؟
فقال له أبو بكر: "من هو يا رسول الله، وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها، قال: ثم التفت٤ إلينا علي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي٥.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن يحيى الحراني ثنا محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به. مثل لفظ أبي داود٦.
стр. 312
قال صاحب عون المعبود: "وإنما غضب رسول الله ﷺ لأنهم عاضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين، وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هرباً من الرق، لا رغبة في الإسلام وكان حكم الشرع فيهم، أنهم صاروا بخروجهم من ديار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام لا يجوز ردهم إليهم، فكان معاونتهم لأوليائهم تعاوناً على العدوان١.
١٥٥- وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي الزبير٢ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين٣، ثم لم يبايع أحدا بعد، حتى يسأله: "أعبد هو؟ " ٤. واللفظ لمسلم.
قال الشافعي ﵀: "ولو كان الإسلام يعتقه لم يشتر منه حرا، ولكنه أسلم غير خارج من بلاد منصوب عليها الحرب"٥.
وخلاصة ما تضمنه الرويات السابقة أمور:
الأول: أن من التدابير العسكرية الناجحة التي استخدمها المسلمون بتوجيه رسول الله ﷺ لهم:
الأمر بقطع أعناب ثقيف ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم وهزا لمعنوياتهم وكان في ذلك نكاية بالغة بهم، حتى طالبوا الرسول ﷺ أن يدعها لله وللرحم، فلما بلغته مناشدتهم له بذلك، تركها، ولكن بعد أن أثر بدون شك في نفوس القوم وأضعف عزائمهم.
стр. 313
الثاني: أن الرسول ﷺ حث المسلمين يومئذ على الرمي فقال: "من رمى بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة"، فكان في ذلك حافز قوي للمسلمين على التسابق في الرمي للفوز بدرجات عظيمة في الجنة حتى قال أحدهم: بلغت يومئذ ستة عشر سهما، وكانت تلك السهام الكثيرة، تنهال على ثقيف كالوابل الغزير فزلزل ذلك كفار ثقيف زلزالا شديدا وحصرهم في حصنهم وشل قدرتهم الدفاعية، حتى تركهم رسول الله ﷺ في آخر الأمر، لا لعجز عن مناجزتهم، ولكن رأى أن ثقيفا مآلها الإسلام أو الاستسلام فقد أحيطت بالمسلمين من كل مكان فلماذا يتعرض جيش المسلمين لخسائر كبيرة في حصار مدينة حصينة مآلها إلى السقوط دون أية ضحايا، طال الوقت أم قصر؟
وهل بوسع الطائف أن تقاوم طويلا وحدها بعد أن دخلت مكة في الإسلام ودانت المناطق من حولها للمسلمين؟
وكيف تصرف إنتاجها الزراعي وكيف تقوم بتجاراتها وكل مواصلاتها مقطوعة؟ وقبل ذلك كله فقد جاء في بعض الآثار أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لم يأذن لي في فتح الطائف الآن، وأنه ﷺ لما قال له أحد الصحابة: "ادع الله على ثقيف، فقال: الله اهد ثقيفا وائت بهم، فقد علم ﷺ أن ثقيفا ستفيق من غفلتها وتستيقظ من سباتها وستأتي بنفسها تعلن ولاءها لرسول الله ﷺ والانضمام تحت رايته وهذا الذي حصل بالفعل كما سياتي ذلك في مبحث إيفاد ثقيف.
الثالث: ذلك النداء الموجه إلى العبيد الذين يعيشون تحت سيطرة سادات ثقيف "أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر"١ فما أن بلغهم هذا النداء الإسلامي حتى تسابقوا إلى المسلمين واحدا بعد آخر طلبا للحرية ورغبة في الخلاص من ظلم جبابرة الجاهلية فكانت مكافأتهم على هذه التضحية من رسول الله ﷺ أن أعتقهم وخلصهم من رق الجاهلية وأغلالها، وأسلموا وحسن إسلامهم وحسن إسلامهم وكان في ذلك إضعاف لشوكة ثقيف وخلخلة لصفوفهم من داخلها، وكان عدد العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف ولحقوا بالمسلمين ثلاثة وعشرين عبدا٢.
стр. 314
المبحث الثالث: عدد القتلى من الفريقين في غزوة الطائف
كان الجيش الإسلامي قد عسكر قريبا من حصن الطائف فأخذت ثقيف تقذف المسلمين بالنبال مما أدى إلى حدوث خسائر في صفوف المسلمين، فاضطر المسلمون إلى الانسحاب بعيدا عن مرمى النبال، ضرب المسلمون حصارهم الشديد على أهل الطائف فترة من الزمن ١، غير أن هذا الحصار لم يفت في عضد ثقيف حتى تستسلم، ذلك أن ثقيفاً قد استعدت قبل ذلك وأدخلت داخل حصنها ما يكفيها من الأقوات لمدة سنة، ولما طال مقام المسلمين في هذا الحصار حاولوا الهجوم على حصن الطائف ودك أسوار المدينة، فدخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة خشبية مغشاة بالجلود وزحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت ثقيف على تلك الدبابة سكك الحديد محماة بالنار، فأحرقتها فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابة، فقتلوا رجالا من المسلمين ممن كتب الله لهم الشهادة في سبيله.
وفيما يلي الآثار الواردة في ذلك:
١٥٦- روى النسائي أخبرنا إسحاق٢ بن إبراهيم قال: أنبأنا وكيع قال: حدثنا سعيد٣ بن السائب عن رجل يقال له: عبيد الله٤ بن معية قال: "أصيب
стр. 315
رجلان من المسلمين يوم الطائف فحملا إلى رسول الله ﷺ فأمر أن يدفنا حيث أصيبا، وكان ابن معية ولد على عهد رسول الله ﷺ ١.
ورواه ابن سعد فقال: أخبرنا وكيع بن الجراح وحميد٢ بن عبد الرحمن الرواسي عن سعيد بن السائب الطائفي قال: سمعت شيخنا من بني سواءة أحد بني عامر بن صعصعة يقال له: عبيد الله بن معية.
قال وكيع في حديثه: "وكان ولد على عهد النبي ﷺ أو قريبا من ذلك، وقال حميد: وكان قد أدرك الجاهلية، قال: قتل رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ عند باب بني سالم٣ من الطّائف يوم الطّائف، فحملا إلى رسول الله ﷺ ، فبلغه ذلك فبعث أن يدفنا حيث أصيبا أو حيث لقيا، فدفنا فيما بين مقتلهما وبين رسول الله ﷺ ، فقبرا حيث لقيا" ٤.
ورواه ابن أبي شيبة فقال: حدثنا وكيع عن سعيد بن السائب به"٥.
والحديث فيه عبيد الله بن معية وقد ذكره ابن سكن وابن منده في الصحابة، وقال ابن عبد البر: "يقال: إنه شهد الطائف، ثم أورد له هذا الحديث وعلى هذا فيكون الحديث متصلا".
لكن ابن حجر: "ذكر التقريب بأن عبيد الله من الثانية وأن حديثه مرسل فالله أعلم"٦.
стр. 316
ما رواه ابن سعد: أخبرنا عمرو١ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٢ أخبرنا الحسن٣ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال فرمى رجل٤ من فوق سورها فقتل" ٥ والحديث إسناده حسن وهو مرسل.
ما رواه البيهقي عن عروة بن الزبير في حصار الطائف، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، وقاتلته ثقيف بالنبل والحجارة، وهم في حصن الطائف وكثرت القتلى في المسلمين، وفي ثقيف" الحديث٦.
والحديث مرسل، وفيه محمد٧ بن عمرو بن خالد أبو علاثة.
ما أخرجه ابن إسحاق قال: "حدثني عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ لما سار إلى الطائف نزل قريبا من حصن الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حصن طائف، فكانت النبل تنالهم" الحديث وفيه أيضا: " حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديدة محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا" ٨.
وقد ورد تسميتهم عند ابن إسحاق فقال:
стр. 317
١٥٧- وهذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ يوم الطائف: من قريش، ثم من بني أمية بن عبد شمس: سعيد١ بن سعيد بن العاص بن أمية وعرفطة٢بن جناب، حليف لهم، من الأسد٣بن الغوث.
ومن بني تيم بن مرة: عبد الله٤ بن أبي بكر الصديق، رمى بسهم، فمات منه بالمدينة، بعد وفاة النبي ﷺ .
ومن بني مخزوم: عبد الله٥ بن أبي أمية بن المغيرة، من رمية رميها يومئذ.
стр. 318
ومن بني عدي بن كعب: عبد الله١بن عامر بن ربيعة حليف لهم.
ومن بنى سهم بن عمرو: السائب٢ بن الحارث بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله بن الحارث.
ومن بني سعد بن ليث: حجيلة٣ بن عبد الله.
واستشهد من الأنصار: من بني سلمة: ثابت٤ بن الْجَذَع.
ومن بني مازن بن النجار: الحرث٥ بن سهل بن صعصعة.
стр. 319
ومن بني ساعدة: المنذر١ بن عبد الله.
ومن الأوس: رُقَيم٢ بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية.
فجميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا:
سبعة٣ من قريش، وأربعة٤ من الأنصار، ورجل٥ من بنيليث٦ هكذا ساقه ابن إسحاق بدون إسناد.
١٥٨- وممن أصيب في هذه الغزوة أبو سفيان بن حرب فقد فقئت عينه، وذلك فيما رواه ابن الزبير بن بكار عن سعيد٧ بن عبيد الثقفي قال: "رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصبت عينه، فأتى النبي ﷺ فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: "إن شئت دعوت الله فردت عليك وإن شئت فالجنة، فقال: الجنة" ٨.
стр. 320
وأخرجه ابن عساكر من طريق سعيد بن عبيد ربه.
ولفظه: "قال رأيت أبا سفيان بن حرب يوم الطائف قاعدا في حائط أبي يعلى يأكل فرميته فأصبت عينه، فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله هذه عيني أصيبت في سبيل الله" الحديث ١.
وأورده السيوطي فقال: أخرج الزبير بن بكار وابن عساكر من طرق عن سعيد بن عبيد الثقفي، ثم ساق هذا الحديث٢.
قال الزرقاني: "وفي هذا قوة إيمان أبي سفيان وثبات يقينه بعدما كان من المؤلفة"٣.
وقد جاء عند ابن مندة خلاف هذا، وذلك أنه جعل أبا سفيان بن حرب هو الذي رمى سعيد بن عبيد ففقأ عينه.
قال ابن حجر: "روى ابن مندة من طريق إسماعيل بن طريح حدثني أبي عن جدي أن أبا سفيان رمى سعيد بن عبيد جده يوم الطائف بسهم فأصاب عينه فأتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إن هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: إن شئت دعوت الله فرد عليك عينك، وإن شئت فعين في الجنة، قال: عين في الجنة".
ثم قال ابن مندة: "وهذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قال ابن حجر: "قلت: فيه لفظة منكرة، فإن أبا سفيان في حصار الطائف كان مسلما فكيف يرمي سعيدا إن كان سعيدا مسلما، وأظن الصواب: أن أبا سفيان رماه سعيد".
ويؤيد ذلك ما أخرجه الزبير بن بكار من هذا الوجه فقال عن سعيد بن عبيد قال: رأيت أبا سفيان يوم الطائف قاعدا في حائط يأكل فرميته فأصبت عينه، فذكر الحديث.