ثالثاً: صلة هوازن وثقيف بقريش:
إن صلة هوازن وثقيف بأهل مكة المكرمة صلة عريقة, تتمثل فيما يأتي:
١- الصلة النسبية:
إذ أن كلاً من هوازن وقريش يلتقون في مضر. وهو الجد السادس لهوازن, والسابع لقريش على قول.
وذلك أن هوازن: هو: هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر.
وقريش: هو: فهر١ بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
هذا على القول بأن "فهراً" هو قريش.
وأمّا على قول من ذهب إلى أن قرشاً هو "النضر" فيكون مضر هو الجد الخامس لقريش٢.
стр. 39
وعلى كل حال سواء أكان قريش هو "فهراً" أم "النضر". فإن الذي يهمنا هو أن هوازن قبيلة عدنانية تلتقي مع قريش في مضر, ممّا يتوضح١ به قوة الصلة النسبية بين هوازن وقريش التي تفرعت منها قبائل مكة المكرمة, وهذه الصلة لها قيمتها لدى القوم لأنها إحدى مفاخرهم، التي كانوا يفتخرون بها.
٢ – المصاهرة:
كان كثير من رؤساء مكة ووجهائهم متزوجين من قبائل هوازن, وكان بعض رجال هوازن متزوجين أيضا عند المكيين، مما يؤكد قوة الصلة والترابط بين هوازن وأهل مكة، فهي صلة قوية في النسب والمصاهرة وتبادل المصالح المشتركة بين الفريقين.
وممن صاهر هوازن من المكيين:
أ – رسول الله ﷺ ، فقد تزوج – من بني عبد الله بن هلال - ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية.
ب– وكان العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، متزوجا بأختها لبابة الكبرى بنت الحارث وهي أم ولديه عبد الله والفضل ﵃.
?- وكان الوليد بن المغيرة آخذا أختها الثانية لبابة الصغرى بنت الحارث، وهي أم خالد بن الوليد ﵁.
د– وكان صخر بن حرب آخذا عمتها صفية بنت حزن، وهي أم أبي سفيان بن حرب والد أم المؤمنين أم حبيبة.
?- وكان أبوجهل متزوجا عند بني عبد مناف بن هلال، وهي أم جميل بنت مجالد بن عبد مناف بن هلال، وهي أم عكرمة بن أبي جهل ﵁ -٢.
стр. 40
وممن تزوج عند المكيين من فروع هوازن:
أ- عروة بن مسعود الثقفي، فقد تزوج بزينب بنت أبي سفيان بن حرب، وهي أخت أم المؤمنين أم حبيبة.
ب- وكانت أمه من قريش كذلك، فقد كان أبوه مسعود بن متعب١ الثقفي متزوجا بسبيعة٢ بنت عبد شمس بن عبد مناف.
?- وكان عبد الله بن عثمان الثقفي متزوجا بأم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب.
٤- وفي صحيح البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: "كانت أم الحكم بنت أبي سفيان تحت عياض بن غنم٣ الفهري، فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي"٤.
هذه نبذة يسيرة تبين قوة الترابط بين قبائل هوازن وقبائل مكة المكرمة، ولقد قويت هذه الرابطة حتى كان بعض رجال هوازن له الكلمة المسموعة لدى قريش، فقد كان الأخنس بن شريق الثقفي حليفا لبني زهرة، وقد أشار عليهم بعدم حضور معركة بدر الكبرى فأطاعوه، فكان في ذلك سلامة لأرواحهم وحمد على ذلك.
وموقف عروة بن مسعود الثقفي في صلح الحديبية يشهد بما كان لقبائل هوازن من المكانة عند القرشيين، فقد ذكر البخاري ﵀ موقف عروة بن مسعود هذا في قصة صلح الحديبية فقال:
٥- قام عروة بن مسعود فقال: "أي قوم، ألستم بوالد٥؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني
стр. 41
استنفرت أهل عكاظ فلما بلَّحوا١علي جئتكم بأهلي وولدي، ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة٢ رشد اقبلوها" الحديث٣.
فكان عروة أحد المفاوضين مع قريش في هذا الصلح.
تلك مكانة قبائل هوازن لدى المكيين الذين كانوا محل عناية واحترام عند سائر قبائل العرب بحكم أنهم سكان بيت الله الحرام وحجابه وأهل سقايته، فكانت هذه المزية إحدى أسباب احترام قريش وتقديرها من قبائل العرب الأخرى.
٣- تبادل المصالح المشتركة:
لقد كانت الصلات قوية بين أهل مكة وأهل الطائف، تجمع بينهم روابط قوية من المصالح المشتركة، فالأسواق العربية الكبرى٤ كانت تقوم في المنطقة الواقعة بين مكة والطائف في ديار هوازن فيستفيد منها الجميع، كما كانت الطائف تسد النقص الذي تعاني منه مكة المكرمة، وهو افتقارها إلى الزراعة مع شدة حرارة جوها في فصل الصيف، وكانت الطائف خصبة التربة تنمو فيها الفواكه والزروع المختلفة، إلى جانب جوها اللطيف في فصل الصيف لقيامها على قمة جبل غزوان٥، وتحف بها وديان كثيرة تسيل فيها المياه عند سقوط الأمطار، وحولها عيون وآبار كثيرة٦.
لذلك كانت الطائف مصيف أهل مكة المكرمة.
стр. 42
وكان للأغنياء من أهل مكة بها بساتين وزروع، فكان لعتبة وشيبة ابني ربيعة١ بستان في الطائف، وهو الذي لجأ إليه رسول الله ﷺ بعد أن خرج من الطائف طريدا عندما ذهب يطلب نجدتهم بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة بنت خويلد ﵂ -٢.
وكان للعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ مال بالطائف، كرم كان يحمل زبيبه إلى مكة فينبذ فيسقى به الحجاج وكان ذلك دأبه في الجاهلية والإسلام، ثم كان عبد الله بن عباس يفعل مثل ذلك، ثم كان عليّ بن عبد الله بن عباس يفعل مثل ذلك٣.
وكان لأبي سفيان بن حرب مال بالطائف أيضا يسمى "ذا الهرم"٤ وكان لعمرو بن العاص مال بالطائف يسمى "الوهط"٥.
قال ياقوت: "وهو كرم كان على ألف ألف خشبة شرى كل خشبة بدرهم، وكان أكداس الزبيب في وسط البستان كأنها حرار سود، ثم صار هذا البستان لابنه عبد الله بن عمرو بن العاص بعد وفاة عمرو بن العاص ﵃. وكان أهل مكة يستهلكون كثيرا من أعناب الطائف ورمانها ويجلبون منها الزبيب والأدم"٦.
كما كان الثقفيون يشاركون في قوافل مكة التجارية، وكان كثير من رجالهم حلفاء للقرشيين، وقد بلغ بعضهم مبلغ السيادة في البطون القرشية، كالأخنس بن شريق حليف بين زهرة الذي كان مسموع الكلمة فيهم مطاعا.
стр. 43
وقد أشارت بعض الآيات القرآنية إلى ما بين مكة والطائف من ترابط، وأنهم كانوا يماثلون أهل مكة قوة وجاها١، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٣١] ٢.
هذه لمحة موجزة عن مدى الصلة والترابط الذي كان بين مكة ورجال هوازن وثقيف، وهي تتمثل في النسب والمصاهرة والمصالح المشتركة. وأحسب أن هذه اللمسات تعطي صورة واضحة عن الصلات القوية والروابط المتينة بين القبيلتين الكبيرتين: قريش وهوازن.
стр. 44
رسم توضيحي
стр. 45
رسم توضيحي
стр. 46
رسم توضيحي
стр. 47
رسم توضيحي
стр. 48
رابعاً: موقف هوازن وثقيف من ظهور الإسلام ودعوته:
يمكن أن يتحدد هذا الموقف في الأمور الآتية:
أ – رفض دعوة التوحيد، ويرجع ذلك إلى تغلغل رواسب الوثنية في نفوس القوم وحبهم للأوثان واعتزازهم بتقاليدهم وعاداتهم الجاهلية بوجه عام.
وقد واجهوا دعوة الرسول ﷺ بالعداء والكراهية الشديدة.
ب – كان لرفض قريش الإسلام أثر بالغ في نكول كثير من القبائل العربية الأخرى عن الإسلام لما وقر في نفوس العرب جميعا من تعظيم هذا الحي من قريش؛ لأنهم سدنة البيت الحرام وحجاب الكعبة وأهل الحرم، وهم قوم الرسول ﷺ ، فلما حاربوا دعوته ورفضوا ما جاء به، رفض غيرهم دعوته وقالوا: "القوم أدرى بصاحبهم"، وكانت قريش نفسها تقول ذلك منفرة من دعوة الرسول ﷺ : "نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقا لتبعناه:، فحين شاهدت قبائل هوازن وثقيف ذلك الموقف العدائي من أهل مكة، وهم قوم الرسول ﷺ الأقربون، رفضوا دعوته وقالوا: "أترون أنّ رجلاً يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه".
وسوف أورد الآثار الدالة على ذلك منها:
٦- ما رواه الإمام أحمد بإسناد حسن من طريق عبد الرحمن١ ابن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه٢، أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على
стр. 49
قوس – أو عصا – حين أتاهم يبتغي عندهم النصر قال: فسمعته يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ، [سورة الطارق، الآية: ١] ، حتى ختمها.
قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: "نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لتبعناه"١٢.
والحديث رواه البخاري في تاريخه، والطبراني في معجمه، كلاهما من طريق عبد الرحمن بن خالد، عن أبيه به٣.
قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وعبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد٤، وبقية رجاله ثقات٥.
٧- ما رواه البخاري من طريق أيوب٦، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة قال٧: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟
قال: فلقيته فسألته فقال: كنا بماء ممر٨ الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل٩؟
стр. 50
فيقولون: "يزعم أن الله أرسله، أوحي إليه، أو أوحى الله بكذا١، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يغرى٢ في صدري، وكانت العرب تلوم٣ بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر٤ أبي٥ قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقاً -"٦ الحديث.
والحديث رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد٧.
وأخرجه الحاكم ثم قال: قد روى البخاري هذا الحديث عن سليمان بن حرب مختصرا فأخرجته بطوله ووافقه الذهبي٨.
لقد كانت هوازن وثقيف من جملة القبائل العربية التي تنتظر بإسلامها قبائل مكة المكرمة وقد وقفت إلى جانب قريش تحارب الإسلام وتناصبه العداء.
стр. 51
٨- فقد ورد في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كُلال١، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق٢ إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين٣، فقال النبيصلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ٤.
стр. 52
ولقد كان رسول الله ﷺ يغشى الناس في أسواقهم ومنتدياتهم، يعرض عليهم دعوته ويطلب من ينصره حتى يبلغ رسالة ربه فلم يجد أذنا واعية، وما يأتي أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه١.
٣ – بعد فتح مكة ودخول أهلها في الإسلام أوجست قبائل هوازن خيفة من الإسلام وأهله ولم يدعهم ذلك إلى التفكير في الدخول فيه أو مهادنته، بل فخر القوم بجموعهم المتكاثرة وبأسهم الشديد وشجاعتهم الباسلة، فأخذوا يعدون عدتهم ويحشدون قواهم لمهاجمة المسلمين، وبلغ الرسول ﷺ خبرهم وما يبيتون من كيد ووقيعة بالمسلمين فبادرهم بالهجوم قبل أن يهاجموه وكانت وقعة حنين الشهيرة كما سيأتي تفاصيلها.
خامساً: موقف هوازن من الصراع بين المسلمين وقريش:
لم تشر المصادر التي بين أيدينا إلى أن هوازن اشتركت مع قريش في معاركها التي خاضتها ضد المسلمين، لا في بدر الكبرى ولا في غيرها من الغزوات، كما أن هوازن أيضا لم تساند قريشا في فتح مكة عندما داهمهم الجيش الإسلامي المسلح، رغم اتحادهم في المبدإ والغاية وهو عداوة الإسلام وأهله، ولعل السبب في ذلك يعود إلى:
أ– ما انتشر وذاع في ربوع هوازن من أن خروج رسول الله ﷺ من المدينة كان قاصدا هوازن أولا.
يؤيد هذا ما ساقه الطبري في هذا الصدد، فقال: وكان من أمر رسول الله ﷺ وأمر المسلمين هوازن:
٩ - ما حدثنا علي٢بن نصر بن علي الجهضمي، وعبد الوارث٣ ابن عبد الصمد بن عبد الوارث.
стр. 53
قال علي: حدثنا عبد الصمد.
وقال عبد الوارث: حدثنا أبي١ قال: حدثنا أبان٢ العطار، قال: حدثنا هشام٣ بن عروة، عن عروة٤، قال: أقام النبي ﷺ بمكة عام الفتح نصف شهر، لم يزد على ذلك، حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بحنين، وحنين واد إلى جنب ذي المجاز – وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي ﷺ ، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ من المدينة، وهم يظنون أنما يريدهم حيث خرج من المدينة. الحديث٥
١٠- وعن عليّ٦ ﵁ قال: "لما أراد رسول الله ﷺ مكة أرسل إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة وفيهم حاطب٧ بن أبي بلتعة وفشا في الناس أنه يريد حنينا. قال: فكتب حاطب إلى أهل مكة أن رسول الله ﷺ يريدكم. الحديث.
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه الحارث الأعور٨،وهو ضعيف.
стр. 54
والحديث في الصحيح١ بغير هذا السياق٢.
والحديث الأول مرسل.
والثاني فيه الحارث الأعور.
وهكذا ذكر الواقدي أن هوازن بعثت جاسوسا لها يرصد وجهة رسول الله ﷺ ، ويعلم لهم خبره، وأنه إن كان يريد قريشا فسيسلك الطريق، وإن كان يريدنا أولا فسيسلك بطن وادي سَرِف٣ حتى يخرج إلينا، وهذا يدل على أن هوازن كانت مهددة بالخطر في عقر دارها، وأنها كانت تتوقع أن النبي ﷺ سيبدأ بهم قبل قريش، ولذا فقد وقفت داخل حدودها متخوفة من هجوم المسلمين.
وكون هوازن لم تساند قريشا في معاركها ضد المسلمين، لا يمنع ذلك من وجود بعض أفراد من هوازن وقفوا إلى جانب قريش ضد المسلمين، وخاصة من ثقيف، كما حصل من الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة فإنه كان ممّن خرج مع قريش إلى غزوة بدر الكبرى، وأشار إلى حلفائه من بني زهرة بعدم حضور بدر وقال لهم: إنكم خرجتم لنجدة عيركم، وقد سلمت فلا حاجة لكم بحرب المسلمين، فأطاعه بنو زهرة ولم يحضر بدرا زهري فكان في ذلك سلامة لأرواحهم٤.
وكما حصل أيضا من عروة بن مسعود الثقفي في صلح الحديبية، فقد جاء بأهله وولده ومن أطاعه من قومه مساندة لقريش، وكان أحد المبعوثين إلى رسول الله ﷺ
стр. 55
من قبل قريش للتفاوض معه، وأشار إلى قريش بقبول ما عرضه عليهم رسول الله ﷺ فقال لهم: "إن هذا عرض عليكم خطة رشد اقبلوها" ١.
ب– تحركات المسلمين العسكرية قبل غزوة حنين:
إن المراد بهذا التحرك هو ذكر الأحداث العسكرية والتحركات الإسلامية التي كانت توطئة لهذه الغزوة.
وبالنظر إلى الروايات التي وردت في هذا الصدد، ظهر أن هذه التحركات الإسلامية كانت ترمي إلى نشر الإسلام بالدعوة إليه، ثم القضاء على كل من يقف في وجه الدعوة الإسلامية.
وكان أبرز أعمال هذه السرايا٢ ملاحقة فلول الوثنية حول مكة وهدم ما تبقى من أصنام تُعبد من دون الله، وكان ذلك تمهيداً عسكرياً وتطهيراً للأرض من رجس الوثنية حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ولقد انهارت الزعامة الوثنية على أيدي المسلمين بفتح مكة، ولم تبق في الجزيرة العربية قوة يحسب لها حساب عند المسلمين بعد أن فتح الله عليهم مكة سوى قبائل هوازن، وهي قبائل كثيرة ممتدة في رقعة واسعة من الأرض، وكانت ذات شوكة ومنعة، فصرف المسلمون نظرهم إليها بعد فتح مكة مباشرة، وفيما يلي بيان التفاصيل وفقا للروايات التاريخية في ذلك.
стр. 56
أوّلاً: سرية خالد بن الوليد لهدم العزى:
كانت هذه السرية مكونة من ثلاثين فارسا بقيادة خالد بن الوليد، بعثهم رسول الله ﷺ – بعد فتح مكة لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة – لهدم العزى أعظم صنم عند قريش ومن دان بدينها من كنانة وبني شيبان من بني سليم١.
فقد ذكر ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت بنخلة٢، وكانت بيتا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها وحجابها من بني شيبان٣ من بني سليم٤ حلفاء بني هاشم٥، فلما سمع صاحبها السلمي بمسير خالد إليها، علق عليها سيفه وأسند٦ في الجبل الذي هي فيه، وهو يقول:
على خالد ألقي القناع وشمري ... أيا عزى شدي شدة لا شوى٧ لها
فبوئي بإثم عاجل أو تنصري ... يا عزى إن لم تقتلي المرء خالدا
فلما انتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ -٨.
стр. 57
١٢- وأخرج النسائي في السنن الكبرى فقال، أخبرنا عليّ١ ابن المنذر أخبرنا ابن فضيل٢: حدثناالوليد٣ بن جميع، عن أبيالطفيل٤ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة٥، وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ
стр. 58
فأخبره فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئا": فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة وهم حَجَبَتُهَا أمعنوا١ في الجبل وهم يقولون:
يا عزى، يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسا بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "تلك العزى" ٢.
والحديث نسبه السيوطي للنسائي وابن مردويه٣.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه علي٤ بن المنذر وهو ضعيف٥.
ورواه أبو يعلى فقال: حدثنا أبو كريب٦، ثنا محمد بن الفضل به٧.
ورواه البيهقي أيضاً من طريق أبي كريب عن محمد بن الفضيل به٨.
стр. 59
١٣- ما رواه بن أبي شيبة في التاريخ قال: حدثنا علي بن مسهر١، حدثنا الأجلح٢ عن عبد الله٣ بن أبي هذيل قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى فجعل يضربها بسيفه، ويقول:
يا عزى كفرناك لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك٤
والحديث الثاني من طريق أبي الطفيل ﵁ وهو من صغار الصحابة فإن كل من ترجم له قال بأنه ولد عام أحد٥.
وبعث خالد بن الوليد إلى العزى كان أواخر السنة الثامنة من الهجرة، فيكون سن أبي الطفيل عندئذ خمس سنوات، لأن أحد كانت في السنة الثالثة، وهو وقت يصح السماع فيه٦.
١٤- وقد ورد عند أبي يعلى: عن أبي الطفيل أن النبي ﷺ كان بالجعرانة فقسم لحما وأنا يومئذ غلام٧، فأقبلت امرأة بدوية، فلما دنت من النبي ﷺ بسط لها رداءه،
стр. 60
فجلست عليه، فسألت من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته١.
فلو صح هذا الحديث لكان صريح في السماع أبي الطفيل من رسول الله ﷺ ؛ لأن قصة الجعرانة، وقصة هدم العزى كانتا في وقت واحد، لأن هدم العزى كان قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه مسلم - إلى غزوة حنين، وقصة الجعرانة كانت في وقت تقسيم الغنائم التي غنمها رسول الله- ﷺ -من غزوة حنين، ولكن الحديث لم يصح لأن فيه جعفر بن يحيى بن ثوبان، وعمارة بن ثوبان، وكلاهما مجهول الحال٢.
ولذا فقد جزم ابن السكن٣ برؤية أبي الطفيل لرسول الله ﷺ دون سماعه منه، فقال: جاءت عنه روايات ثابتة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم٤، وأما سماعه منه ﷺ فلم يثبت٥.
وعلى هذا فيكون أبو الطفيل لم يسمع حديث خالد بن الوليد لهدم العزى من رسول الله- ﷺ ، وعليه فيكون الحديث من مراسيل الصحابة وهو مقبول على المعتمد سواء أكان الصحابي الذي أرسل الحديث صغيرا أم كبيرا لم يشهد الحادثة لتأخر إسلامه.
قال النووي: في آخر كلامه على الحديث المرسل: "هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسله فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح"٦.
قال السيوطي: "قوله أما مرسله" أي مرسل الصحابي وذلك كإخباره عن شيء
стр. 61
فعله النبي ﷺ أو نحوه ممّا يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، (فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح) الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى١، لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول، ورواياتهم عن غير الصحابة نادرة، وإذا رووها بينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات"٢. إ?
والحديث بهذا يكون حسنا لغيره، وهو نص في أن الذي تولى هدم العزى هو خالد بن الوليد ﵁.
وقد ذكره ابن إسحاق معضلا، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن أبي الهذيل مرسلا٣، وأطبق على ذلك علماء المغازي والتفسير.
وأما وجود العزى فقد ثبت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ، [سورة النجم، الآية: ١٩] .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
١٥- "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلاَّ الله". الحديث..لفظ البخاري٤.
هذه إحدى السرايا التي بعثها الرسول ﷺ لضرب معاقل الوثنية وهدم ما تبقى من أعلامها، لأن هدف الإسلام الأول، هو تثبيت عقيدة التوحيد في نفوس الناس، وبيان أن هذه الأوثان والأصنام لا يصح أن تعبد من دون الله، وعبادتها ضرب من
стр. 62
السفه والجهل والخروج عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومن ثمّ عني الرسول ﷺ بهذا الأمر غاية العناية، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهيَّاج١ الأسدي، قال:
١٦- قال لي عليّ بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلاّ سويته" ٢.
ثالثاً: هدم مناة:
ومن الأصنام التي كانت خارج الحرم "مناة"، وهي أقدم صنم وأعظمه عند العرب، فقد كان لهذا الصنم من المكانة والإجلال في نفوسهم ما جعلهم يتسمون به، وكانوا يقربون له القرابين ويطوفون به.
قال ابن الكلبي: كان الذي وضع الأصنام في بلاد العرب عمرو ابن لحي٣، فكان أقدمها كلها مناة٤، وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل٥ بقديد، بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعا تعظمه، وتذبح حوله، وكانت الأوس
стр. 63
والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المنطقة يعظمونه ويذبحون له، ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج.
وكانت الأوس والخزرج ومن يأخذ بإخذهم١ من عرب أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوا مناة فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، ولا يرون لحجهم تماما إلا بذلك.
ومناة هذه هي التي ذكرها الله فقال: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ، [سورة النجم، الآية: ٢٠] . وكانت لهذيل وخزاعة، وكانت قريش وجميع العرب تعظمه٢ ا.?.
هكذا ذكر ابن الكلبي عن تعظيم العرب لمناة ومكانته في نفوسهم.
١٧- وقد ورد عند البخاري وغيره من حديث عروة، عن عائشة ﵂ قال: قلت لعائشة زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ، [سورة البقرة، الآية: ١٥٨] ، فلا أرى٣ على أحد شيئا ألا يطوف بهما، فقالت عائشة: "كلا، لو كانت كما تقول٤ كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين
стр. 64
الصفا والمروة، فلمّا جاء الإسلام، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ١.
وفي لفظ عند البخاري من طريق الزهري عن عروة، قالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية٢ التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.
قالت عائشة ﵂: وقد سن٣ رسول الله- ﷺ -الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
ثم أخبرت٤ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس – إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة – كانوا يطوفون بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وأنّ الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوّف بالصفا والمروة؟
стр. 65
فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، قال أبو بكر: "فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون، ثم تحرجوا ان يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا حتى١ ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت"٢.
وهو عند مسلم أيضا ولفظه: قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأعجبه ذلك، وقال: إن هذا لعلم، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية.
وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ . قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء٣.
وعند البخاري أيضا قال: قال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة – ومناة صنم بين مكة والمدينة – قالوا: يا نبي الله: كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة٤.
هكذا علقه البخاري عن معمر، ووصله أحمد ولفظه: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالت: كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة قالوا: يا نبي الله: إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة فهل علينا من حرج أن نطوف بهما، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٥.
стр. 66
١٨- وورد من حديث عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الصفا والمروة؟
فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ .. إلى قوله.. ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ لفظ البخاري١.
ولفظ مسلم: عن أنس قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى نزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٢.
وعند مسلم أيضا: قال عروة: قلت لعائشة: ما أرى علي جناح أن لا أتطوف بين الصفا والمروة. قالت: لم؟ قلت: لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. فقالت: لو كان كما تقول لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وإنما أنزل هذا في أناس من الأنصار، كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج، ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري: ما أتم الله٣ حج من لم يطف بين الصفا والمروة٤.
وفي لفظ: "قلت لعائشة زوج النبي ﷺ : ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا، وما أبالي ألا أطوف بينهما، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي. طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون فكانت سُنة وإنما كان من أهلَّ لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله عزوجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"٥.
стр. 67
وفي لفظ عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم، من أحرم لمناة١ لم يطف بين الصفا والمروة، وأنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ .
إن حديث عائشة ﵂ برواياته المتعددة يعطينا صورة عن حالة العرب قبل الإسلام، وكيف تمكن الشيطان منهم فزيّن لهم عبادة غير الله من الأصنام والأحجار والأشجار، ويصور لنا مدى حبهم واحترامهم وإجلالهم لهذه الآلهة المزعومة حتى أنهم كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وأشدهم في ذلك تعظيما لمناة الأوس والخزرج، فلما جاء الله بالهدى والنور ودخلوا في دين الله الحق، سألوا رسول الله ﷺ عن حكم طوافهم بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ كما ورد ذلك في حديث عائشة وأنس بن مالك.
هذه نبذة يسيرة عن موقف العرب من الأصنام وما كان لها في نفوسهم من المكانة، وخاصة "مناة" التي كان يعبدها جل العرب، ولذا فإن رسول الله- ﷺ -عندما دخل مكة فاتحاً وجّه عنايته البالغة إلى تحطيم هذه الأصنام الموجودة داخل الحرم وخارجه، حتى يعبد الله وحده ويكفر بما سواه من الأنداد الفاسدة والعقائد الضالة المنحرفة.
стр. 68
أما الحديث عمن تولى هدم هذا الصنم "مناة" فقد اختلف في ذلك على النحو التالي:
أ- فعند ابن الكلبي أن الذي تولى هدمها هو علي بن أبي طالب ﵁، وكان ذلك سنة ثمان للهجرة، عندما خرج الرسول ﷺ من المدينة قاصدا فتح مكة، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس ليال بعث عليا إليها فهدمها وأخذ ما كان لها، فأقبل به إلى النبي ﷺ ، فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث١ بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما لها، أحدهما يسمى (مِخْذَماً) والآخر (رسوبا) ٢ فوهبهما النبي ﷺ لعيّ ﵁، فيقال: إن ذا الفقار٣ سيف عليّ ﵁ أحدهما٤.
ونسب هذا الفعل إلى علي بن أبي طالب ابن هشام وابن كثير بصيغة التمريض٥.
ب- وعند الواقدي وابن سعد أن الذي تولى هدمها هو سعد٦ بن زيد الأشهلي. وهذا نص كلام ابن سعد قال: "ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى "مناة"
стр. 69
في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي، إلى مناة، وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلي، يهدمها فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة! قال: أنت وذاك! فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك! ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه، ولم يجدوا في خزانتها شيئا، وانصرف راجعا إلى رسول الله ﷺ ، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان١.
هكذا ذكر ابن سعد بدون إسناد.
?- وقيل أن الذي بعث لهدمها هو أبو سفيان بن حرب٢.
هذه هي أقوال العلماء فيمن بعثه رسول الله ﷺ لهدم مناة وهذه الروايات مختلفة في تعيين الصحابي الذي هدم "مناة" كما أنها اختلفت أيضا في زمن الهدم، فيظهر من بعضها أنه حصل هدم "مناة" قبل الفتح، وهذا ما ذكره ابن الكلبي، وذكر الواقدي وابن سعد أن ذلك كان بعد الفتح، وهو خلاف لا أثر له؛ لأن الغاية التي تحققت هي هدم "مناة" هذا الصنم الذي يحتل مكانة خاصة في نفوس العرب، وتصرف له العبادة، من دون الله، فهو إذاً واحد من الآلهة المزعومة التي يقف عابدوها في وجه الدعوة الإسلامية، بل هو أعتى صنم عند القوم، من أجل ذلك أمر الرسول ﷺ بهدمه، فبعث له من يقوم بهذه المهمة، وحين أراد تنفيذ هدمه اعترضه السادن قائلا: ماذا تريد؟ فقال الصحابي الجليل: أريد هدم مناة، فقال السادن: أنت وذاك، ثم قال بثقة غريبة: "مناة دونك بعض غضباتك" وهو يعتقد بأن إلهه سوف
стр. 70
يدافع عن نفسه ويبطش بمن أراده بسوء، ممَّا يدل على تمكن هذه العقيدة في نفوس العرب، فتقدم الصحابي الجليل فهدمه، فسقط في أيدي القوم واتضح لهم ما كانوا عليه من باطل.
وصدق الله إذ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ، [سورة الأنبياء، الآية: ١٨] .
ثالثاً: سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة:
كانت هذه السرية مكونة من ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وغيرهم من قبائل العرب، وكانت عقب فتح مكة في شهر شوال سنة ثمان للهجرة، قبل الخروج إلى غزوة حنين.
قال ابن حجر: وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شهر شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي١.
١٩- قال ابن اسحاق: حدثني حكيم٢ بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر٣ محمد بن علي قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب:
стр. 71
سُليم١بن منصور، بن مُدِلج٢ بن مرة، فوطئوا بني جَذِيْمة٣ ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا ...
فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فاكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ ، رفع يديه على السماء، ثم قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد" ٤.
والحديث أخرجه خليفة بن خياط من طريق ابن إسحاق مختصرا، والطبري وابن كثير بتمامه٥.
والحديث معضل لأنه من رواية محمد بن علي، عن رسول الله ﷺ وهو لم يدرك ذلك، لأن ولادته كانت ما بين سنة أربعين إلى سنة ست وخمسين٦. وبالتالي يكون الحديث ضعيفا.
стр. 72
٢٠- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق قال حدثني عبد الله١ بن أبي سلمة قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف-فيما بلغني-كلام٢ في ذلك، فقال له٣: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام، فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت، قد قتلت قاتل أبي. ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شيء، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "مهلاً يا خالد، دع عنك صاحبي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته" ٤. والحديث مرسل.
وهو يدل على ما وقع من خالد بن الوليد مع بني جذيمة، إنما هو انتقام وثأر لعمه الفاكه بن المغيرة، وهذا لا يليق بخالد بن الوليد وبصحابة رسول الله ﷺ عامة، ولا ينبغي أن يظن بهم أنه يصدر منهم مثل هذا، والحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، والصحيح في ذلك ما جاء في حديث ابن عمر عند البخاري والنسائي وأحمد وعبد بن حميد، وهذا سياقه عند البخاري:
стр. 73
٢١- قال حدثني محمود١، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، -ح٢- وحدثني نعيم٣، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي - صلى الله خالد - بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا٤ صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر٥، ودفع إلى كل رجل منا أسيره٦، حتى إذا كان يوم٧ أمر خالد أن يقتل كل
стр. 74
رجل منا أسيره، فقلت١: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه٢، فرفع النبي ﷺ يديه، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين" ٣٤.
والحديث رواه أحمد، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر به٥.
ورواه النسائي من طريق هشام٦ بن يوسف، وعبد الرزاق، ومن طريق عبد الله بن المبارك ثلاثهم عن معمر به٧.
والحديث صريح في أن خالدا قتل بني جذيمة لعدم تصريهم بالإسلام، واقتصارهم على قولهم "صبأنا" فلم يقبل ذلك خالد منهم ولم يعتبره عاصما لدمائهم، وهذا يرد ما جاء في الروايات المتقدمة من أن خالدا قتلهم ثأرا بعمه الفاكه بن المغيرة.
ولذا فقد أورد ابن كثير الأحاديث التي ساقها ابن إسحاق، التي ظاهرها أن ما وقع من خالد بن الوليد مع بني جذيمة كان بدافع الانتقام والأخذ بثأر عمه، ثم عقب بقوله "وهذه مرسلات ومنقطعات".
ثم أورد حديث ابن عمر بإسناد أحمد بن حنبل، ثم قال: ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه٨.
стр. 75
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية١،
قال: والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة ...
٢٢- وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد٢ ابن عبد الملك، حدثنا زهير٣، حدثنا حميد٤، عن أنس٥، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: "دعوا لي أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أُحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم" ٦.
ثم قال ابن كثير: ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة، الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك٧.
فهذا الصنيع من ابن كثير - رحمه الله تعالى - يدل على أنه لم يرتض ما قاله