سُليم١بن منصور، بن مُدِلج٢ بن مرة، فوطئوا بني جَذِيْمة٣ ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا ...
فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك، فاكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ ، رفع يديه على السماء، ثم قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد" ٤.
والحديث أخرجه خليفة بن خياط من طريق ابن إسحاق مختصرا، والطبري وابن كثير بتمامه٥.
والحديث معضل لأنه من رواية محمد بن علي، عن رسول الله ﷺ وهو لم يدرك ذلك، لأن ولادته كانت ما بين سنة أربعين إلى سنة ست وخمسين٦. وبالتالي يكون الحديث ضعيفا.
стр. 72
٢٠- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق قال حدثني عبد الله١ بن أبي سلمة قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف-فيما بلغني-كلام٢ في ذلك، فقال له٣: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام، فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت، قد قتلت قاتل أبي. ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شيء، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "مهلاً يا خالد، دع عنك صاحبي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته" ٤. والحديث مرسل.
وهو يدل على ما وقع من خالد بن الوليد مع بني جذيمة، إنما هو انتقام وثأر لعمه الفاكه بن المغيرة، وهذا لا يليق بخالد بن الوليد وبصحابة رسول الله ﷺ عامة، ولا ينبغي أن يظن بهم أنه يصدر منهم مثل هذا، والحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، والصحيح في ذلك ما جاء في حديث ابن عمر عند البخاري والنسائي وأحمد وعبد بن حميد، وهذا سياقه عند البخاري:
стр. 73
٢١- قال حدثني محمود١، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، -ح٢- وحدثني نعيم٣، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي - صلى الله خالد - بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا٤ صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر٥، ودفع إلى كل رجل منا أسيره٦، حتى إذا كان يوم٧ أمر خالد أن يقتل كل
стр. 74
رجل منا أسيره، فقلت١: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه٢، فرفع النبي ﷺ يديه، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين" ٣٤.
والحديث رواه أحمد، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر به٥.
ورواه النسائي من طريق هشام٦ بن يوسف، وعبد الرزاق، ومن طريق عبد الله بن المبارك ثلاثهم عن معمر به٧.
والحديث صريح في أن خالدا قتل بني جذيمة لعدم تصريهم بالإسلام، واقتصارهم على قولهم "صبأنا" فلم يقبل ذلك خالد منهم ولم يعتبره عاصما لدمائهم، وهذا يرد ما جاء في الروايات المتقدمة من أن خالدا قتلهم ثأرا بعمه الفاكه بن المغيرة.
ولذا فقد أورد ابن كثير الأحاديث التي ساقها ابن إسحاق، التي ظاهرها أن ما وقع من خالد بن الوليد مع بني جذيمة كان بدافع الانتقام والأخذ بثأر عمه، ثم عقب بقوله "وهذه مرسلات ومنقطعات".
ثم أورد حديث ابن عمر بإسناد أحمد بن حنبل، ثم قال: ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه٨.
стр. 75
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية١،
قال: والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة ...
٢٢- وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد٢ ابن عبد الملك، حدثنا زهير٣، حدثنا حميد٤، عن أنس٥، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: "دعوا لي أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أُحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم" ٦.
ثم قال ابن كثير: ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة، الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك٧.
فهذا الصنيع من ابن كثير - رحمه الله تعالى - يدل على أنه لم يرتض ما قاله
стр. 76
ابن إسحاق وموافقوه من أن سبب الخصومة بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف هو قتل خالد لبني جذيمة ثأرا بعمه الفاكه١.
والحق أن الاختلاف والمشاجرة بين عبد الرحمن وخالد، كان بسبب قول بني جذيمة "صبأنا صبأنا".
ففهم منها عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر أن مراد القوم بهذه الكلمة الدخول في الإسلام.
وحملها خالد على أن القوم يتنقصون الإسلام ويحتقرونه وأنه لا بدّ من تصريهم بكلمة "أسلمنا".
وهذا هو الذي يتعين المصير إليه إجلالا لصحابة رسول الله ﷺ عن الوقوع في مثل هذا.
وفيما يلي ننقل شيء ممّا قاله العلماء حول موقف خالد بن الوليد ﵁ مع بني جذيمة، ليتجلى الموقف أكثر، ويتضح أن ما فعله خالد كان بهدف نصرة الإسلام والمسلمين:
عذر خالد بن الوليد:
إن الذي فعله خالد بن الوليد ﵁ مع بني جذيمة كان عن تأويل واجتهاد إذ لم يتيقن أن القوم أسلموا بقولهم "صبأنا"، ومعلوم أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.
وهذا ما حصل من خالد ﵁، فإنه اجتهد في ذلك ولكنه أخطأ، ولذا فإن رسول الله ﷺ لم يؤاخذه على ما صنع، وإن كان تبرأ من فعله وغضب ﷺ لتسرعه وعدم تثبته.
قال بن كثير- بعد أن ساق المشاجرة التي أوردها ابن إسحاق بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف٢:
стр. 77
والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله، وإن كان أخطأ في أمر، واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم "صبأنا صبأنا" ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضا؛ ومع هذا لم يعزله رسول الله ﷺ ، بل استمر به أمرا، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك، وودى١ ما كان جناه خطأ في دم أو مال ... ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك٢ ابن نويرة أيام الردة وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فإن في سيفه رهقا٣، فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين٤.
وقال ابن حجر: قوله: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" يعني من قتله الذين قالوا: "صبأنا" قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول، فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومنم تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من
стр. 78
المذكورين، ثم قال: وقال الخطابي١: الحكمة في تبرئه ﷺ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك، لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، لينْزَجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله.
وقال أيضا: إنما أنكر رسول الله ﷺ على خالد حيث لم يتثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا. ا.? كلام الخطابي٢.
وقال العامري: إنما أنكر النبي ﷺ على خالد حيث لم يتثبت في أمرهم، ثم عذره في إسقاط القصاص، لأن هذا ليس تصريحا في قبولهم الدين٣.
وقال القسطلاني: إنما نقم على خالد استعجاله في شأنهم، وترك التثبت في أمرهم إلى أن سيرى المراد من قولهم صبأنا٤، ولم يرى عليه قودا لأنه تأول أنه كان مأمورا بقتالهم إلى أن يسلموا٥.
وقد تبين ممّا سبق من أقوال العلماء أن هذه المسألة بين خالد قائد السرية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر مسألة اجتهادية أخطأ فيها خالد حينما تسرع في قتل القائلين "صبأنا"، ورأى عبد الرحمن وابن عمر أن مراد القوم بهذه الكلمة الإسلام.
стр. 79
ولم يفهم ذلك خالد، ولذلك وقع النزاع، وبما أن خالدا هو أمير السرية فقد أنفذ القتل فيهم، إذ فهم أن القوم يسخرون من الإسلام بقولهم "صبأنا" لأن قريشا كانت تنبز الذي يدخل في الإسلام بأنه صابئ، تعييرا له، وكان هذا مشهورا وقد وقع لخالد نفسه حين أسلم، فقال له عكرمة بن أبي جهل صبأت يا خالد، قال بل أسلمت، وكذلك وقع مثله لثمامة بن أثال، وعمر بن الخطاب١ وغيرهم من الصحابة، فعذر خالد في إسراعه بقتل أولئك القوم قائم، وهو أنه لم يفهم منهم إلا رفض الإسلام، لأنهم لم يصرحوا به، ولكنه لم يستفسرهم عن مرادهم ولم يأخذ برأي عبد الرحمن بن عوف وابن عمر فكان ذلك خطأ منه تبرأ من صنيعه فيه الرسول ﷺ ، وودى أولئك القتلى وأقر خالدا على إمرته، لأنه مجتهد ولم يكن يقصد إلا نصرة الإسلام بما فعل٢.
стр. 80
الباب الأول: في الحديث عن غزوة حنين
الفصل الأول: في مقدمات الغزوة
المبحث الأول: سبب الغزوة
...
المبحث الأول: سبب الغزوة
بعد فتح مكة والقضاء على أعظم قوة للشرك في الجزيرة العربية لم يبق أمام المسلمين إلا قبائل هوازن وثقيف المتاخمة لمكة المكرمة، وقد كان رسول الله ﷺ مصمما على مطاردة فلول الوثنية والإجهاز على معاقل الشرك في جزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وقد ترامت أنباء فتح مكة في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة في ديار هوازن وثقيف القريبة من مكة، وما أن سمعت قبائل هوازن بهذا الفتح الإسلامي الكبير حتى تداعت فيما بينها تتدارس هذا الحدث الجلل وترصد تحركاته نحوها، فكانت النتيجة أنها عزمت أن تهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، فأعدت عدتها وحشدت قواها المادية والبشرية، وقد جاء التصريح بحقيقة ما كانوا يبيتون للمسلمين من كيد في الروايات الآتية:
٢٣- ما رواه الحاكم قال: حدثنا أبوالعباس١محمد بن يعقوب، ثنا أحمد٢ بن
стр. 81
عبد الجبار، ثنا يونس١ بن بكير، عن ابن٢ إسحاق قال: حدثني عاصم٣ بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن٤ بن جابر، عن أبيه جابر ابن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسا من بني عمرو٥ بن عامر بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ وسار مع الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث عبد الله٦ بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يوماً أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟
فقال عمر: كذب ابن أبي الحدرد، فقال ابن أبي الحدرد: إنّ كذبتني فربما كذبت من هو خير مني، فقال عمر يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله –"، ثم بعث رسول الله ﷺ
стр. 82
إلى صفوان بن أمية فسأله أدرعا مائة وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله سائراً.
ثم قال الحاكم: صحيح١ الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي٢.
والحديث من هذه الطريق أورده البيهقي في السنن الكبرى مختصرا، وأورده في الدلائل مطولا٣.
وأورد ابن إسحاق القصة بدون إسناد كما قال ابن كثير٤.
وكان هذا هو السبب الرئيسي لخروج رسول الله ﷺ إلى حنين لغزو هذه القبائل المحتشدة قبل أن يداهموا المسلمين في مكة المكرمة، ولقد سارع الرسول ﷺ في رسم - الخطة اللازمة لملاقاة هذا العدو، بعد دراسة حال العدو العسكرية، ومعرفة عدته المادية.
стр. 83
المبحث الثاني: الاستعداد للمعركة
إن الاستعداد والتأهب لملاقاة العدو والأخذ بالأسباب المادية أمر لازم، وسبب من أسباب النصر، وهو لا ينافي التوكل، إذ إن المسلم يؤمن إيمانا جازما بأن النصر من عند الله ، وهو في نفس الوقت يؤمن بأنه مأمور بالأخذ بالأسباب، وأخذ الحيطة، والتدابير اللازمة ضد عدوه، وقد أمر الله بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .١
ومن هذا المنطلق فقد روى الترمذي من حديث الزبير بن العوام.
٢٤- قال: كان على النبى ﷺ درعان يوم أحد، فنهض إلى الصخرة٢ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي ﷺ حتى استوى على الصخرة فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة". ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن إسحاق.
وفي الباب عن صفوان بن أمية، والسائب بن يزيد٣.
وأعاد الحديث في كتاب المناقب بسنده ومتنه وقال: حسن صحيح غريب٤.
قلت: الحديث عنعنه ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه قد صرح بالتحديث عند الحاكم، ومن طريقه رواه البيهقي، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي٥.
стр. 84
٢٥- وحديث السائب١ بن يزيد أخرجه أبو داود عن يزيد٢ أن خصيفة عن السائب، عن رجل٣ قد سماه، أن رسول الله ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين، أو لبس درعين٤. وأخرجه الترمذي في الشمائل٥.
والحديث سكت عنه المنذري٦، وفيه إبهام وهو قوله عن رجل.
وأخرجه ابن ماجه: فقال: عن السائب بن يزيد إن شاء الله تعالى: أن النبي ﷺ يوم أحد خذ درعين، كأنه ظاهر بينهما٧. وهو عند أحمد أيضا فحدث به يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، مرة بالاستثناء، ومرة بدون استثناء٨.
قال المباركفوري في أثناء شرحه للحديث: قوله: كان على النبي ﷺ درعان "أي مبالغة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ، [سورة النساء، من الآية:٧١] .وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال، من الآية:٦٠] . فإنها تشمل الدرع، وإن فسرها النبي ﷺ بأقوى أفرادها حيث قال: ألا إن القوة الرمي، ثم قال: قال القاري٩: وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة"١٠.
стр. 85
ومن هنا فإن الرسول ﷺ لما أراد الخروج إلى حنين لملاقاة جموع هوازن أرسل إلى صفوان بن أمية يطلب منه دروعا ليلقى فيها عدوه، كما تقدم ذلك من حديث جابر بن عبد الله١.
وقد جاء أيضا من حديث صفوان بن أمية نفسه عند أبي داود وغيره وهذا سياقه عند أبي داود:
٢٦- قال: حدثنا الحسن٢ بن محمَّد، وسلمة٣ بن شبيب، قالا: أخبرنا يزيد٤ بن هارون، أخبرنا شريك٥، عن عبد العزيز٦ بن رفيع، عن أمية٧ ابن صفوان بن أمية، عن أبيه٨: أن رسول الله ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: "لا، بل عارية مضمونة".
قال أبو داود: هذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا٩.
стр. 86
والحديث أخرجه النسائي، وأحمد، والدارقطني، والحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي، الجميع من طريق يزيد بن هارون، عن شريك بن عبد الله، عن عبد العزيز بن رفيع به١.
ثم قال الحاكم: وله شاهد من حديث عبد الله بن عباس:
٢٧- أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسنانا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله: "أعارية مؤداة"؟
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٢. وسكت عنه الذهبي.
والحديث فيه شريك بن عبد الله القاضي، وقد وصف بأنه صدوق يخطئ كثيرا، وقد خالفه:
١- جرير٣ بن عبد الحميد بن قرط، فرواه عن عبد العزيز بن رفيع بلفظ:"عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله ﷺ قال: يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال: عارية أم غصبا؟ " قال: "لا، بل عارية"، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين٤ درعا" ٥.
стр. 87
٢- أبو الأحوص١، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء٢، عن ناس من آل صفوان بن أمية نحوه٣.
٣- ورواه قيس٤ بن الربيع، عن عبد العزيز بن الرفيع، عن ابن أبي مليكة٥، عن امية بن صفوان عن أبيه٦.
فأدخل (ابن أبي مليكة) بين عبد العزيز وأمية بن صفوان.
قال الألباني والحديث مضطرب الإسناد، لكن له شاهدان:
الأول: عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله ﷺ بعث إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعا مائة درع وما يصلحها". الحديث٧.
الثاني: من رواية جعفر٨ بن محمد، عن أبيه٩: أن صفوان بن أمية أعار رسول الله ﷺ سلاحا هي ثمانون درعا، فقال له: أعارية مضمونة أم غصبا؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل عارية مضمونة".
أخرجه البيهقي١٠ وقال: وبعض هذه الأخبار، وإن كان مرسلا، فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول.
стр. 88
ثم قال الألباني: وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث١.
قلت:
٢٨- وروى البيهقي من مرسل الزهري أن رسول الله ﷺ أرسل إلى صفوان بن أمية في أداة ذكرت له عنده فسأله إياها فقال صفوان: أين الأمان، أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت أن تمسك أداتك فامسكها وإن أعرتنيها فهي ضامنة علي حتى نؤديه إليك". والحديث مطول في قصة حرب حنين٢.
وجاء في هذا المعنى ما رواه ابن ماجه، وأحمد، والنسائي، والبخاري في التاريخ من حديث عبد الله بن أبي ربيعة، وهذا سياقه عند ابن ماجه:
٢٩- قال: حدثنا أبو بكر٣ بن أبي شيبة، ثنا وكيع٤، ثنا إسماعيل٥ بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه٦ عن جده٧: أن النبي ﷺ استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين أو أربعين ألفا٨، فلما قدم قضاها إياه٩، ثم قال
стр. 89
له النبي ﷺ : "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد" ١٢.
والحديث أورده النسائي من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل بن إبراهيم ولم يذكر فيه (حين غزا حنينا) .
والحديث فيه:
أ - إسماعيل بن إبراهيم وقد وصفه ابن حجر بقوله: (مقبول) .
و (المقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله٣.
وإسماعيل قد وثقه أبو داود، وابن حبان، وعلى خذا فيكون ثقة ولعل ابن حجر نظر على قول أبي حاتم فيه (شيخ)
ب - إبراهيم بن عبد الرحمن (قد وصفه ابن حجر أيضا بقوله "مقبول" وفي تهذيب التهذيب ذكر بأن ابن حبان وثقه، وابن قطان الفاسي قال فيه: "لا يعرف"، وإبراهيم قد أخرج له البخاري في الصحيح، ولذا فقد مال ابن حجر في هدي الساري٥ إلى رد قول ابن قطان، فقال: روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان، وله في الصحيح حديث واحد في كتاب الأطعمة في دعائه ﷺ في تمر جابر بن عبد الله بالبركة٦.
وقد كان الشيخ أبو الحسن٧ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في
стр. 90
الصحيح: هذا اجتاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
قال أبو الفتح١ القشيري في مختصره: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.
وقد ردَّ ابن حجر أيضا بنحو هذا٢.
وابن قطان الفاسي قد قال عن الجماعة لا يعرفون مع أنهم معروفون عند غيره، وقد ردَّ الذهبي في صنيعه هذا، وذكر أمثلة لذلك٣.
?- الانقطاع:
فقد قال البخاري: إبراهيم لا أدري سمع من أبيه أم لا.
وقال ابن عبد البر: يقولون لم يرو عن عبد الله بن أبي ربيعة غير إبراهيم – يعني ابن ابنه -٤.
والذي ظهر لي ان الحديث فيه انقطاع بين "إبراهيم بن عبد الرحمن" وبين جده "عبد الله بن ربيعة" وأنّ "عبد الرحمن" والد إبراهيم ليس من رجال السند، إذ لو كان من رجال السند لوجدت ترجمته في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" ولم أجد ترجمته أيضا في التاريخ الكبير للبخاري، ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
كما أنني لم أجد في ترجمة "عبد الله بن أبي ربيعة" أن ابنه عبد الرحمن ممّن روى عنه.
ولا في ترجمة "إبراهيم" أنه روى عن أبيه "عبد الرحمن".
стр. 91
وبهذا يكون الراوي عن "عبد الله بن أبي ربيعة" هو "إبراهيم بن ابنه"، وهو لم يدرك جده، وذلك أن عبد الله بن أبي ربيعة مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وأن أم إبراهيم١ تزوجت بأبيه "عبد الرحمن" بعد يوم الجمل، فتكون ولادة إبراهيم بعد وفاة جده بمدة، فيكون الحديث منقطعا.
وهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أنه يجب على المسلم أن يأخذ حذره، وأن يتأهب لملاقاة عدوه ويؤيدها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . [سورة الأنفال، من الآية: ٦٠] .
وقد ذكر بن عبد البر أن رسول الله ﷺ استقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، وأن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم أعان رسول الله ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح فقال له رسول الله ﷺ : "كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين" ٢.
стр. 92
الفصل الثاني: في المسير إلى حنين
المبحث الأول: تاريخ الغزوة
...
المبحث الأول: تاريخ غزوة حنين:
تاريخ وقت هذه الغزوة مرتبط بوقت فتح مكة المكرمة، ذلك أن غزوة حنين ناشئة عنه ومتممة له، ومن هنا أطلقت بعض الروايات الخروج إلى حنين في شهر رمضان، والمعروف أن هذا إنما كان في غزوة الفتح.
ولما كانت غزوة حنين من تتمة هذا الفتح العظيم الذي أيد الله به عباده المؤمنين، وأن هذا النصر بصورته الكاملة لم يتحقق إلا بعد الانتهاء من غزوة حنين.
جاء إطلاق الخروج شاملا لهما كما جاء كثير مما تم في غزوة حنين من قسم الغنائم وغيره مذكور في فتح مكة، من ذلك:
стр. 93
٣٠- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: "لما كان١ يوم فتح مكة قسم رسول الله ﷺ غنائم بين قريش". الحديث٢.
٣١- وما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: خرج النبي ﷺ في رمضان إلى حنين٣ والناس مختلفون، فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته - أو على راحته - ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصوام: أفطرو ا٤.
ومن خلال هذا الاتصال بين الغزوتين فإن تاريخ غزوة حنين يتوقف على معرفة فتح مكة ومدة الإقامة فيها بعد الفتح، لأن المؤرخين عولوا على هذا التاريخ في هذه الغزوة، على أنه قد اختلفت الروايات في فتح مكة ومدة الإقامة فيها بعد الفتح،
стр. 94
وسأعرض أقوال العلماء في ذلك ووجهة كل منهم، ثم أحاول الترجيح بعد ذلك ما وجدت إليه سبيلا.
والأقوال التي يمكن الاعتماد عليها في تاريخ غزوة حنين، قولان١:
الأول: أن غزوة حنين كانت في اليوم الخامس من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة. روي ذلك عن ابن مسعود٢، وإلى هذا ذهب عروة ابن الزبير وابن إسحاق وأحمد وابن جرير الطبري٣.
٣٢- ودليل هذا القول ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ابن شهاب٤ الزهري، عن عبيد٥ الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة".
قال ابن اسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان٦. والحديث مرسل لأن عبيد الله لم يدرك رسول الله ﷺ .
وقد وصله أبو داود، وابن ماجة من طريق محمد٧ بن سلمة، عن ابن
стр. 95
إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما١.
ثم قال أبو داود: روى هذا الحديث عبدة٢ بن سليمان، وأحمد٣ بن خالد الوهبي، وسلمة٤ بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه ابن عباس.
والحديث اختلف فيه على ابن إسحاق كما ترى.
فرواه عنه محمد بن سلمة موصولا. وخالفه عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، وابن إدريس٥ فأرسلوه. قال البيهقي: وهو الصحيح٦.
قلت: ومحمد بن سلمة٧ ثقة إمام مفت، وقد تفرد بزيادة الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة. وهو مذهب الجمهور من الفقهاء، وأصحاب الحديث٨.
وقال ابن حجر: وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك٩ بن مالك، عن عبيد الله كذلك١٠.
стр. 96
ورواية النسائي المشار إليها هي:
٣٣- أخبرنا عبد الرحمن١ بن الأسود البصري، قال: حدثنا محمد٢ بن ربيعة، عن عبد الحميد٣ بن جعفر، عن يزيد٤ بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين" ٥.
وقال البيهقي: "رواه عراك بن مالك عن النبي ﷺ مرسلا٦. وتعقبه ابن التركماني٧ بقوله: قلت: أخرجه النسائي عن عراك مسندا ثم ساق رواية النسائي هذه"٨.
وبهذا تكون رواية "أقام بمكة بعد الفتح خمسة عشر" صحيحة.
القول الثاني: أن غزوة حنين كانت يوم السبت لست ليال خلون من شهر شوال، ووصل إلى حنين مساء الثلاثاء لعشر ليال خلون من الشهر المذكور. وبهذا قال الواقدي.
ودليله: أن رسول الله ﷺ فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، وأقام
стр. 97
بمكة خمس عشرة، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شهر شوال، وانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال١.
وتابعه ابن سعد٢.
هذه هي أقوال العلماء في هذا الباب، والذي يظهر لي ما يأتي:
أ- أن رسول الله ﷺ خرج إلى حنين في شهر شوال من السنة الثامن للهجرة، بغض النظر عن كونه خرج في خامس شوال أوسادسه.
ب- يترجح أن رسول الله ﷺ إليهما في سادس شهر شوال، لأنه يمكن الجمع بينه وبين القول بأن الخروج إلى حنين كان في الخامس شوال.
قال الزرقاني - بعد إن ذكر هذين القولين - وهذا الخلاف: إما أنه للاختلاف في هلال الشهر، أو أن من قال لست ليال عدّ ليلة الخروج، ومن قال لخمس لم يعدها، لأنه خرج في صبيحتها فكأنه خرج فيها.
وجمع بعضهم بأن رسول الله ﷺ بدأ بالخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، ووصل إليها في عاشره٣.
إذا أخذنا برواية ابن عباس ﵄ التي أخرجها أحمد وأبو داود بإسنادين أحدهما صحيح "أن رسول الله ﷺ أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة" ٤.
مع ذكره النووي وابن حجر: من أن المشهور في كتب المغازي أن رسول الله ﷺ خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة خلت منه٥.
كان خروج النبي ﷺ إلى غزوة حنين في اليوم السادس من شهر شوال.
стр. 98
وقد وردت روايات أخر في مدة إقامة رسول الله ﷺ في مكة بعد الفتح، منها ثماني عشرة، وتسع عشرة، ورجح البيهقي وابن حجر رواية "تسع عشرة" لأنها أكثر ما وردت بها الروايات الصحيحة، وهي ثابتة في صحيح البخاري١، ولا منافاة بينها وبين سائر الروايات كما جمع بينها البيهقي نفسه فقال: من روى تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن قال ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال سبع عشرة لم يعدهما.
قال ابن حجر: وتحمل رواية "خمسة عشرة" على أن الراوي ظن أن الأصل رواية "سبع عشرة" فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة٢.
وإذا أمكن الجمع بين الروايات تعين المصير إليه، لأن العمل بجميع الروايات أولى من تر ك بعضها، والخلاف في كون الخروج إلى حنين في اليوم الخامس أو السادس، ليس من الخلاف الشديد، بل القولان متقاربان كما هو ظاهر. والله أعلم.
стр. 99
المبحث الثاني: في تعيين الأمير على مكة:
كان رسول الله ﷺ إذا أراد الخروج إلى غزوة أو غيرها عين أميرا يقوم مقامه مدة غيابه يعلم الناس دينهم ويتفقد أحوالهم ويحل مشكلاتهم، وكانت طاعة الأمير واجبة بطاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ .
لما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة-﵁:
٣٤- أن رسول الله ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع١ أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني "٢.
стр. 100
فحين عزم الرسول ﷺ على الخروج إلى حنين، استخلف عتاب بن أسيد على من بقي من أهل مكة يرعى مصالحهم ويقضي حوائجهم. وقد جاءت في ذلك الآثار الآتية:
٣٥- ما رواه الطبري قال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة١، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: "ثم خرج رسول الله ﷺ ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، واستعمل رسول الله ﷺ عتاب٢ بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس على مكة أميرا على من غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن" ٣.
والحديث فيه ثلاث علل:
أ- ضعف ابن حميد٤.
ب- عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.
стр. 101
جـ الإرسال١.
٣٦- ما رواه خليفة ابن خياط قال: حدثني علي٢ بن محمد، عن حماد٣ بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد٤ بن المسيب قال: افتتح رسول الله ﷺ مكة سنة ثمان من مهاجره في شهر رمضان فأقام خمسة عشر يوما، ثم شخص٥، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد٦.
والحديث فيه علتان:
أ- ضعف علي بن زيد بن جدعان٧.
ب- الإرسال.
٣٧- ما رواه البخاري في "التاريخ" والحاكم في "المستدرك" عن حرمي٨ بن
стр. 102
حفص العتكي، ثنا خالد١ بن أبي عثمان، عن أيوب بن عبد الله بن يسار، عن عمرو٢ بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول:"والله ما أصبت في عملي هذا ممّا ولاني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان" ٣.
ورواه أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن أبي عثمان الأموي به٤.
والحديث فيه: أيوب بن عبد الله بن يسار، سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم٥.
وقال ابن حجر: إسناده حسن٦.
٣٨- ما رواه الحاكم من طريق مصعب٧ بن عبد الله الزبيري قال: استعمل رسول الله ﷺ عتاباً على مكة، ومات رسول الله ﷺ وعتاب عامله على مكة، وتوفي عتاب بن أسيد بمكة في جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة٨.
والحديث معضل٩.
стр. 103
وفي حديث أبي محذورة في قصة تعليمه الأذان، فقلت: يا رسول الله مرني باتأذين بمكة، فقال: "قد أمرتك به"، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ " ١.
وحسّنَ الألباني القدر الوارد من الحديث في تولية عتاب بن أسيد على مكة ثم ذكر شواهد لذلك٢.
والخلاصة: أن هذه الآثار الواردة فيمن استخلفه رسول الله ﷺ على مكة عند الخروج إلى حنين على فرض أن كل أثر منها لا يخلو من مقال، لكنها تدل بمجموعها على أن لهذه القصة أصلاً.
والمعروف من هدي المصطفى ﷺ أنه كان إذا أراد الخروج إلى غزوة من الغزوات استخلف من يقوم مقامه حتى يرجع، والذي عليه إمام أهل المغازي والسير (ابن إسحاق) أن الذي استخلفه رسول الله ﷺ على مكة هو عتاب بن أسيد.
وتابعه في هذا جمهور العلماء من أهل السير والمغازي وغيرهم٣.
وذهب بعض العلماء إلى أن عتابا كان أميرا على مكة، وكان معاذ بن جبل معلما لأهلها٤.
ومسألة تولية عتاب بن أسيد أميرا على مكة متفق عليها تاريخيا فيؤخذ فيها بالروايات التاريخية وإن لم تنطبق عليها قواعد نقدة الحديث لأنه لا مناص لنا من الخذ بذلك، لأننا أمام أمرين:
إما رد هذه المريّات لضعف أسانيدها.
وإما الأخذ بها.
стр. 104
والأخذ بها هو الأولى في مثل هذه الحوادث التاريخية التي لا تتعلق بالعقائد والأحكام الشرعية، على أن مجموع الروايات يقوي بعضها بعضا، ولذلك حسّن الحديث ابن حجر لما له من الشواهد.
وحسّن الألباني القدر المتعلق بتولية عتاب أميراً بالشواهد المقوية لذلك.
وأما ما عدا ذلك من قصة توليته وما حدث فيها فهو الذي يحسن الأخذ به من الناحية التاريخية وإن لم يقو سنده من الناحية الحديثية، وقد جرى العلماء منذ القديم على هذا المسلك. والله أعلم.
стр. 105
المبحث الثالث: عدد الجيش الإسلامي في هذه الغزوة:
الجيش الذي خرج إلى غزوة حنين مكون من:
أ- الجيش الإسلامي الذي فتح مكة المكرمة.
ب- الذين انضافوا إليهم من مسلمة الفتح.
وعدد الجيش الذي فتح مكة عشرة آلاف مقاتل، وهو نص حديث ابن عباس عند البخاري، وهذا سياقه
٣٩- قال: حدثني محمود١، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف ٢، وذلك على رأس ثمان سنين
стр. 106
ونصف١ من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون". الحديث٢.
وعند ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مطولا فيه: "ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل مر الظهران٣ في عشرة آلاف من المسلمين". الحديث٤.
ومن طريق ابن إسحاق: أخرجه أحمد مختصرا، والطبري، والطحاوي والحاكم بطوله، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي٥.
وأورده الهيثمي مختصرا وقال: في الصحيح طرف منه في الصيام، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. ثم أورده مطولا وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح٦.
والحديث دليل واضح على أن الذين خرجوا مع الرسول ﷺ لفتح مكة المكرمة، كانوا عشرة آلاف مقاتل. وقد خرجوا إلى غزوة حنين مع من انضم إليهم من الطلقاء٧.
٤٠- فقد ورد عند البخاري ومسلم من طريق معاذ٨ بن معاذ، عن
стр. 107
ابن عون١، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان٢ وغيرهم بنعمهم٣ وذراريهم، ومع النبي ﷺ عشرة آلاف٤ ومن الطلقاء٥ ... الحديث٦.
والحديث يدل على أن الجيش الخارج إلى حنين عشرة آلاف من غير الطلقاء، وقد جاء عند ابن إسحاق أن الطلقاء كانوا ألفين من أهل مكة. ساق ذلك بدون إسناد٧.
وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: "ثم خرج رسول الله ﷺ ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف منن أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا"٨.
стр. 108
٤١- وأخرج الطبري أيضا بسنده عن السدي، وابن زيد١ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ٢ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] .
قالا: "كانوا اثني عشر ألفا"٣.
وكلا الإسنادين مقطوع٤.
٤٢- ورواه أيضا عن عروة بن الزبير، وعن قتادة٥.
٤٣- وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم الحديث٦.
٤٤- وساق بسنده أيضا عن الحاكم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أبو بكر
стр. 109
القاضي١ قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: أنا أحمد بن عبد الجبار، قال: نا يونس بن بكير عن أبي جعفر عيسى الرازي، عن الربيع أن رجلا قال يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . قال الربيع: وكانوا اثني عشر ألفا، منهم ألفان من أهل مكة٢.
والحديث فيه:
أ- يونس بن بكير "صدوق يخطئ"٣
ب- أبو جعفر الرازي التميمي عيسى بن أبي عيسى "صدوق سيئ الحفظ"٤.
ج- الربيع بن أنس البكري "صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع".
قال ابن حبان: والناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر الرازي عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطرابا كثيرا٥
د- الإرسال، فإن الربيع لم يدرك هذه الوقعة.
٥٤- وروى ابن سعد قال: أخبرنا الضحاك٦ بن مخلد الشيباني، أبو عاصم النبيل، قال: أخبرنا عبد الله٧ بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي، أخبرني
стр. 110
عبد الله١ بن عياض، عن أبيه٢ أن رسول الله ﷺ أتى هوازن في اثني عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، فأخذ رسول الله ﷺ ترابا من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا ٣
والحديث رواه الطبراني من طريق زيد٤ بن الحريش، والعباس٥ ابن عبد العظيم العنبري، قالا: ثنا أبو عاصم به٦.
ورواه الحاكم من طريق أبي قلابة٧، ثنا أبو عاصم به٨.
ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي٩.