مسعود الثقفي، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ كما يتحدث قومه - إنهم قاتلوك، وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة١ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: "يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم٢.
-وكان فيهم كذلك محببا مطاعا - فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه، لمنتزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية٣ له، وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجلا منهم، يقال له أوس بن عوف٤، أخو بني سالم بن مالك.
وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم، من بني عتاب بن مالك، يقال له وهب بن جابر٥".
فقيل لعروة: "ما ترى في دمك؟ " قال: "كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم٦ فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه:
стр. 457
"إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين١ في قومه" ٢.
هكذا ساقه ذلك ابن إسحاق بدون سند، وذكر أن عروة بن مسعود أدرك رسول الله ﷺ قبل أن يدخل المدينة.
قال ابن كثير: "هكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة بن مسعود ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق". وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد". والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق٣.
وذكره ابن حجر والزرقاني عن موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود عن عروة بن الزبير٤.
وأورده الهيثمي في المجمع فقال:
٢١٥- وعن عروة بن الزبير قال: "لما أنشأ الناس الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على رسول الله ﷺ فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ : "إني أخاف أن يقتلوك"، قال: "لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه مسلماً فرجع عشاءا فجاء ثقيف يحيونه، فدعاهم إلى الإسلام، فاتهموه وأغضبوه وأسمعوه٥، فقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : "مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه". ثم قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وروى عن الزهري نحوه، وكلاهما مرسل وإسنادهما حسن"٦.
стр. 458
وذكر ابن سعد أن عروة قدم المدينة على رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة تسع من الهجرة، فأسلم فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، ونزل على أبي بكر الصديق، فلم يدعه المغيرة بن شعبة حتى حوله إليه١".
وقال الواقدي: "وهو الأثبت"٢.
وروى الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ قال:
٢١٦- حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبيدة بن فضيل بن عياض ثنا عبد الله٣ بن معاذ الصنعاني عن معمر٤ عن عثمان٥ الجزري عن مقسم٦ عن ابن عباس قال: "بعث رسول الله ﷺ عروة بن مسعود إلى الطائف، فرماه رجل بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ : " ما أشبه هذا بصاحب ياسين" ٧".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه أبو عبيدة٨ بن الفضيل وهو ضعيف"٩. وقد تداول هذه القصة أصحاب المغازي والسير في كتبهم".
ثم إن ثقيفا أقامت بعد قتل عروة بن مسعود أشهرا ثم تشاوروا فيما بينهم على نبذ الخلافات التي كانت بينهم، وعلى أن يتحدوا جميعا على أمر يأمنون فيه على
стр. 459
أنفسهم وأموالهم وذلك بأن يبعثوا وفدا إلى رسول الله ﷺ للتفاوض معه على الدخول في الإسلام، وذلك أنهم تيقنوا أن لا طاقة لهم بحرب القبائل من حولهم وقد أسلمت وبايعت، وأخذ أمر الإسلام يعلو يوما بعد يوم، وأن دولة الأصنام قد أخذت طريقها في الأفول".
قال ابن إسحاق: "ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا".
٢١٧- حدثني يعقوب١ بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: "أن عمرو٢ بن أمية أخا بني علاج، كان مهاجرا لعبد بن عمرو (لشيء كان بينهم) ٣ - وكان عمرو بن أمية من أدهى العرب - فمشى إلى عبد ياليل ابن عمرو، حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك: "اخرج إلي، قال: "فقال عبد ياليل للرسول ويك! أعمرو أرسلك إلي؟ "
قال: "نعم، وها هو واقفا في دارك٤، فقال: "إن هذا لشيء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، فخرج إليه، فلما رآه رحب به فقال له عمرو: "إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه كان من أمر هذا الرجل٥ ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها٦، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم".
стр. 460
فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينهما، وقال بعضهم لبعض: "أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب١، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا، كما أرسلوا عروة٢ فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وكان سن عروة٣ بن مسعود، وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: "لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل: "الحكم٤ بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل٥ بن غيلان بن سلمة ابن معتب٦".
ومن بني مالك: "عثمان٧ بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان، أخا بني يسار، وأوس٨ بن عوف، أخا بني سالم بن عوف ونمير٩ بن خرشة بن ربيعة١٠ أخا بني الحارث فخرج بهم عبد ياليل١١ وهو ناب١٢ القوم وصاحب أمرهم١٣، ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة ابن مسعود، لكي يشغل كل رجل منهم
стр. 461
إذا رجعوا إلى الطائف رهطه، فلما دنوا إلى المدينة، ونزلوا قناة١، ألفوا بها المغيرة بن شعبة، يرعى في نوبته ركاب رسول الله ﷺ ، - وكانت رعيتها نوبا على أصحابه ﷺ فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيّين، وضبر٢ يشتد يبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ ، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، بأن يشرط لهم رسول الله ﷺ شروطا ويكتتبوا من رسول الله ﷺ كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: "أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدثه٣، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ ، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية٤، ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده٥، كما يزعمون".
стр. 462
فكان خالد بن سعيد بن العاص، هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم، وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات١ لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحد بعد مقدمهم، فأبى أن يدعها شيء مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلموا بتركها من سفائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : "أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه٢، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا
стр. 463
صلاة فيه، فقالوا: "يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت دناءة١".
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم، أمر عليهم عثمان٢ بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن٣، فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله، إني قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن"٤".
والحديث رواه الطبري من هذا الطريق٥".
وقال الألباني: "ضعيف ذكره ابن هشام عن ابن إسحاق معضلا، والجملة الأخيرة وصلها أبو داود وأحمد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص مرفوعا نحوها،
стр. 464
ورجاله ثقات، لكن الحسن وهو البصري مدلس وقد عنعنه١".
قلت: "الحديث المشار إليه عند أبي داود وأحمد وهو أيضا عن أبي داود الطيالسي والطبراني وهذا سياقه عند أبي داود:
٢١٨- حدثنا أحمد٢ بن علي بن سويد - يعني ابن منجوف - اخبرنا أبو داود٣ عن حماد بن سلمة عن حميد٤ عن الحسن٥ عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد٦ ليكون أرق لقلوبهم٧، فاشترطوا عليه أن لا يحشروا٨ ولا يعشروا وألا يجبوا، فقال رسول الله ﷺ : "لكم أن تحشروا ولا
стр. 465
تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع"١.
والحديث رواه أحمد وأبو داود الطيالسي والطبراني الجميع من طريق حماد بن سلمة به٢".
والحديث من رواية الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص، قال المنذري: "وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص٣". وكذا قال ابن حجر".
وجزم علي بن المديني بسماع الحسن من عثمان بن أبي العاص٤".
وما ذكره ابن إسحاق وغيره في شأن وفد ثقيف قد جاء أكثره مفرقا في أحاديث كثيرة فيها الصحيح والحسن والضعيف وهي:
ما رواه مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله وهذا سياقه عند مسلم:
٢١٩- حدثنا يحيى بن يحيى٥ وإسماعيل بن سالم قالا: "أخبرنا هشيم عن أبي بشر عن سفيان عن جابر بن عبد الله أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: "إن أرضنا أرض باردة، فكيف بالغسل؟ فقال: "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا". قال ابن سالم في روايته: "حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر.
стр. 466
وقال: "إن وفد ثقيف، قالوا: "يا رسول الله"١".
قال النووي: "قوله قال ابن سالم في روايته حدثنا هشيم قال حدثنا٢ أبو بشر هذا فيه فائدة عظيمة من دقائق هذا العلم ولطائفه، وهي مصرحة بغزارة علم مسلم رحمه الله تعالى، ودقة نظره، وهي أن هشيما - رحمه الله تعالى - مدلس، وقد قال في الرواية المتقدمة، عن أبي بشر".
والمدلس إذ قال "عن" لا يحتج به إلا إذا أثبت سماعه ذلك الحديث من ذلك الشخص، الذي عنعن عنه، فبين مسلم أنه ثبت سماعه من جهة أخرى".
وهي رواية ابن سالم فإنه قال فيها: "أخبرنا أبو بشر٣". اهـ".
والحديث رواه أبو داود الطيالسي قال: "حدثنا هشيم عن أبي بشر به، ولفظه "أن أهل الطائف قالوا يا رسول الله إن أرضنا أرض باردة، فما يجزئنا من غسل الجنابة؟
فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا" ٤.
رواه الإمام أحمد من طريق أبي زبير عن جابر، فقال: "حدثنا موسى٥ ثنا ابن لهيعة٦ عن ابن الزبير٧ قال سألت جابر عن الغسل، قال: "أتت ثقيف النبي ﷺ فقالت: "إن أرضنا باردة، فكيف تأمرنا بالغسل؟
فقال النبي ﷺ : " أما أنا فأصب على رأسي ثلاث مرات ولم يقل غير ذلك "٨.
وأورده الهيثمي عن أنس بن مالك ثم قال: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح٩". بلفظ: "أن وفد ثقيف قالوا: يا رسول الله إن أرضنا أرض باردة فما يكفينا من غسل الجنابة؟ قال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا".
стр. 467
وأخرج أحمد أيضا من طريق أخرى فقال: "حدثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل بن مهلهل عن مغيرة عن شباك عن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا، فقلنا: "إن أرضنا باردة فسألناه أن يرخص لنا في الطهور فلم يرخص لنا وسألناه أن يرخص لنا في الدباء١ فلم يرخص لنا فيه، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة فأبى وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله" الحديث٢".
قال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله ثقات"٣.
ما رواه أبو داود وأحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵄ وهذا سياقه عند أبي داود قال:
٢٢٠- حدثنا الحسن٤ بن الصباح أخبرنا إسماعيل٥ يعني بن عبد الكريم - حدثني إبراهيم٦ - يعني بن عقيل بن منبه- عن أبيه٧ عن وهب٨ قال: "سألت
стр. 468
جابر عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: "اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولاجهاد، وأنه سمع النبي ﷺ يقول: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" ١. والحديث حسن لذاته".
ورواه أحمد قال ثنا حسن٢ ثنا ابن لهيعة٣ ثنا أبو الزبير قال: "سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت". الحديث٤".
ما رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وغيرهم من حديث أوس بن حذيفة وهذا سياقه عند أحمد قال: "
٢٢١- حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد الله٥ بن عبد الرحمن الطائفي عن عثمان٦ بن عبد الله بن أوس٧ الثقفي عن جده أوس بن حذيفة قال: "كنت في الوفد
стр. 469
الذين أتو النبي ﷺ أسلموا من ثقيف١، من بني مالك أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة٢ انصرف إلينا، ولا نبرح٣ حتى يحدثنا ويشتكي قريشا ويشتكي أهل مكة ثم يقول: "لا سواء٤ كنا بمكة مستذلين ومستضعفين فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب علينا ولنا٥ فمكث عنا ليلة لم يأتينا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء٦، قال: "قلنا ما أمكثك عنا يا رسول الله؟
стр. 470
قال: "طرأ١ علي حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه". قال فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ ، حين أصبحنا، قال: "قلنا كيف تحزبون القرآن؟ ٢".
قالوا: "نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة وحزب مفصل٣ من قاف حتى يختم"٤.
والحديث رواه أبو داود وابن ماجه وأبو داود الطيالسي والطبراني وأبو نعيم كلهم من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي به٥.
ورواه ابن سعد عن الضحاك بن مخلد والفضل بن دكين وعبد الملك٦ بن
стр. 471
عمرو أبي عامر، ومحمد١ بن عبد الله الأسدي، قالوا: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الثقفي، قال: "حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس".
قال الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله وأبو عامر عن جده أوس ابن حذيفة٢".
وقال الضحاك بن مخلد عن عمه٣ عمرو بن أوس عن أبيه، الحديث٤".
والحديث مدراه على عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن شيخه عثمان بن عبد الله، وقد قال ابن حجر: "عن عبد الله بن عبد الرحمن "صدوق يخطئ ويهم"٥".
وقال عن عثمان بن عبد الله "مقبول"٦".
ولكن عبد الله بن عبد الرحمن قد وثقه ابن حبان والعجلي، وابن المديني فيما حكى ابن خلفون٧٨".
وعثمان بن عبد الله: "وثقه ابن حبان أيضا، وقال الذهبي: "محله الصدق٩".
وعلى كل حال فإن قسم الحديث الأول وهو ما يتعلق بوفود ثقيف، ثابت في الأحاديث المتقدمة والأحاديث المتقدمة والأحاديث الآتية وهي:
стр. 472
حديث أوس أيضا عند أحمد والنسائي وابن ماجه وغيرهم وهذا سياق أحمد:
٢٢٢- ثنا محمد١ بن جعفر قال ثنا شعبة عن النعمان٢ بن سالم قال: "سمعت أوسا٣ يقول: "أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف فكنا٤ في قبة فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ فجاء رجل فساره٥ فقال: "اذهب٦ فاقتله".
ثم قال: "أليس٧ يشهد أن لا إله إلا الله، قال: "بلى، ولكنه يقولها تعوذا٨ فقال: "رده، ثم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها٩ حرمت علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها".
стр. 473
فقلت لشعبة: "أليس في الحديث ثم قال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال شعبة: "أظنها معها١ وما أدري٢".
والحديث صحيح وقد رواه النسائي وأبو داود الطيالسي والدارمي كلهم عن طريق شعبة عن النعمان بن سالم به٣".
ورواه أبو نعيم من طريق سماك بن حرب عن النعمان بن سالم به٤".
والحديث في هذه الطرق من رواية النعمان بن سالم قال: "سمعت أوسا بدون واسطة".
ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد الجميع من طريق حاتم بن أبي صغيرة قال: "حدثني النعمان بن سالم أن عمرو بن أوس أخبره عن أبيه٥ أوس، فوسط بين النعمان وأوس (عمرو بن أوس) وحاتم ثقة٦.
فيخرج على أن النعمان بن سالم حمل هذا الحديث عن عمرو بن أوس عن أبيه أوس.
ثم لقي أوسا بعد ذلك فحمله عنه مباشرة، فكان بعد ذلك تارة يروي الحديث عن أوس بواسطة ابنه عمرو بن أوس، وتارة يرويه عن أوس مباشرة، ولا مانع من هذا، خاصة أنّ عمرو بن أوس من شيوخ النعمان بن سالم أيضا٧".
ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث أوس الثقفي قال:
стр. 474
٢٢٣- حدثنا قيس١ عن عمير٢ بن عبد الله بن عبد الملك٣ بن المغيرة الطائفي عن أوس الثقفي قال: "قدمنا على النبي ﷺ في وفد ثقيف فأقمنا عنده نصف شهر، فرأيته ينفتل عن يمينه وعن يساره"٤".
ورواه الطحاوي من طريق قيس بن الربيع به فقال: "عن أوس بن أوس، أو أوس بن أويس، قال: "أقمت عند رسول الله ﷺ نصف شهر فرأيته يصلي ويسلم عن يمينه وعن شماله٥".
قال ابن حجر: "وعندي أن أوسا هذا هو أوس بن أبي أوس الثقفي المتقدم ذكره في القسم الماضي، وهم في اسم أبيه قيس بن الربيع، وقد رواه شعبة عن النعمان بن سالم سمعت رجلا جده أوس بن أبي أوس، قال: "كان جدي يصلي فيأمرني أن أناوله نعليه ويقول رأيت رسول الله يصلي في نعليه٦".
ما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد والطبراني من حديث الشريد بن سويد وهذا سياقه عند مسلم قال:
٢٢٤- حدثني يحيى٧ بن يحيى أخبرنا هشيم - ح - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك٨ بن عبد الله، وهشيم بن
стр. 475
بشير عن يعلى١ عن عطاء عن عمرو٢ بن الشريد، عن أبيه قال: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم٣، فأرسل إليه النبي ﷺ "إنا قد با يعناك فارجع"٤.
والحديث رواه النسائي وابن ماجه وأحمد كلهم من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء به٥".
стр. 476
ورواه أحمد أيضا والطبراني كلاهما من طريق شريك بن عبد الله عن يعلى ابن عطاء به١".
والحديث مداره على هشيم وشريك وهما مدلسان وقد عنعناه٢".
ما رواه الطبراني من حديث عثمان ابن أبي العاص وهذا سياقه:
٢٢٥- حدثنا يحيى٣ بن أيوب العلاف المصري، ثنا سعيد٤ بن أبي مريم ثنا محمد٥ بن جعفر عن سهيل٦ بن أبي صالح عن حكيم٧ ابن حكيم بن عباد بن حنيف عن عثمان بن أبي العاص قال: "قدمت في وفد ثقيف حين وفدوا على رسول الله ﷺ فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ ، فقالوا: "من يمسك لنا رواحلنا، وكل القوم أحب الدخول على النبي ﷺ وكره التخلف عنه، قال عثمان: "وكنت أصغر القوم، فقلت: "إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم، قالوا: "فذلك لك، فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: "انطلق بنا، قلت: "أين؟ فقالوا: "إلى أهلك فقلت ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه وقد أعطيتموني من العهد ما قد علمتم، قالوا: "فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئا إلا سألناه عنه، فدخلت فقلت يا رسول الله: "ادعوا الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال: "ماذا قلت؟ ".
стр. 477
فأعدت عليه القول، فقال: "لقد سألتني شيئا ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم١ وعلى من تقدم من قومك وأم الناس بأضعفهم" ٢.
فخرجت حتى قدمت عليه مرة أخرى، فقلت يا رسول الله اشتكيت بعدك، فقال: "ضع يدك اليمنى على المكان الذي تشتكي وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مرات" ٣ ففعلت فشفاني الله عز وجل٤".
стр. 478
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير حكيم ابن حكيم بن عباد فقد وثق١".
حديث عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عند النسائي وأبي داود الطيالسي وهذا سياقه عند النسائي: "
٢٢٦- أخبرنا هناد٢ بن السري قال: "حدثنا أبو بكر٣ بن عياش عن يحيى٤ بن هانئ عن أبي حذيفة٥ عن عبد الملك٦ بن محمد بن بشير بن عبد الرحمن٧ بن علقمة الثقفي، قال: "قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ ومعهم هدية،
стр. 479
فقال: "أهدية أم صدقة؟ ١ فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله ﷺ وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله ".
قالوا: "لا، بل هدية، فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسائلونه٢ حتى صلى الظهر مع العصر٣".
والحديث رواه أبو داود الطيالسي عن أبي بكر بن عياش قال حدثنا يحيى بن هانئ به٤".
قال ابن حجر: "ورواه أيضا إسحاق بن راهويه ويحيى٥ الحِمَّاني في مسنديهما من طريق أبي حذيفة عن عبد الملك٦ بن محمد بن بشير عن عبد الرحمن بن علقمة قال: "قدم وفد ثقيف على النبي ﷺ ". الحديث.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من هذا الوجه.
وذكره البخاري من طريق أبي حذيفة المذكور٧".اهـ.
стр. 480
والحديث ضعيف؛ لما يأتي:
أ- جهالة أبي حذيفة وشيخه عبد الملك بن محمد".
ب- في سماع عبد الملك بن محمد من عبد الرحمن بن علقمة نظر، فقد قال البخاري: "عبد الملك بن محمّد بن بشير عن عبد الرحمن ابن علقمة عن النبي ﷺ ، حديثه في الكوفيين، ولم يتبين سماع بعضهم من بعض"١".
ج- الاختلاف في صحبة عبد الرحمن بن علقمة، وإذا لم تثبت صحبته فيكون الحديث منقطعا".
قال المزي: "حديث قدوم وفد ثقيف على النبي ﷺ ، رواه النسائي في العُمْرَى عن هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ ابن عروة عن أبي حذيفة عن عبد الملك بن محمد بن بشير، عن عبد الرحمن بن علقمة به".
رواه جماعة عن أبي بكر بن عياش هكذا، ولم يسموا "أبا حذيفة" ورواه أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن يزيد أبي خالد الأسدي، عن عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم٢".
ما رواه ابن ماجه من حديث عطية بن سفيان وهذا سياقه:
٢٢٧- حدثنا محمد٣ بن يحيى ثنا أحمد٤ بن خالد الوهبي، ثنا محمد بن إسحاق عن عيسى بن عبد الله بن مالك، عن عطية٥ بن سفيان بن عبد الله بن
стр. 481
ربيعة، قال: "ثنا وفدنا الذين قدموا على رسول الله ﷺ ، بإسلام ثقيف، قال: "وقدموا عليه في رمضان، فضرب عليهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا ما بقي عليهم من الشهر"١".
في الزوائد: "في إسناد محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن عيسى بن عبد الله، قال ابن المديني: "وتفرد بالرواية عنه". وقال: "عيسى ابن عبد لله مجهول٢".
قلت: "في سيرة ابن هشام والروض الأنف نحو هذا الحديث وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث وهذا سياقه:
حدثني عيسى٣ بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة عن بعض وفدهم قال: "كان بلال يأتينا - حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله ﷺ ما بقي من رمضان - بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله ﷺ فيأتينا وإنا لنقول: "إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: "قد تركت رسول الله ﷺ يتسحر، لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا٤ وإنا لنقول: "ما نرى الشمس كلها ذهبت بعد٥، فيقول: "ما جئتكم حتى أكل رسول الله
стр. 482
- ﷺ ١ ثم يضع يده في الجفنة فيلتقم منها"٢".
قال ابن حجر: "اختلف في هذا الحديث على ابن إسحاق اختلافا كثيرا فقال يونس بن بكير في زيادات المغازي، حدثني إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري حدثني عبد الكريم حدثني علقمة بن سفيان، قال: "كنت في الوفد من ثقيف فضربت لنا قبة فكان بلال يأتينا بفطرنا من عند رسول الله ﷺ ". الحديث، وكذا أخرجه البغوي والطبراني من طريق يونس بن بكير٣".
وقال الطبراني: "تفرد به إسماعيل، وليس كما قال، فقد رواه البزار من رواية الضحاك بن عثمان عن عبد الكريم فقال: "عن علقمة بن سهيل الثقفي، وقال: "لا نعلم له غيره٤".
ورواه ابن إسحاق، فقال ابن عبد البر: "اضطربوا فيه". ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "قلت: "ورواه زياد البكائي عن ابن إسحاق عن عيسى عن عبد الله عن علقمة بن سفيان".
ورواه إبراهيم بن مختار عن ابن إسحاق عن عيسى عن سفيان٥ ابن عطية فقلبه".
وقال أحمد بن خالد الذهبي عن ابن إسحاق عن عيسى عن عطية حدثنا وفدنا، أخرجه ابن ماجه، ورواية أحمد بن خالد أشبه بالصواب، فإن عطية بن سفيان تابعي معروف، ولم أقف في شيء من طرقه على تسمية والد سفيان.
стр. 483
وقد نسبه ابن مندة وغيره فقالوا: "علقمة بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، وهذا هو نسب عطية التابعي: "ثم قال ابن حجر قلت: "قول الضحاك بن عثمان: "علقمة بن سهيل، أولى من قول إسماعيل: "علقمة بن سفيان، فإن علقمة في رواية ابن إسحاق محرف من عطية، بخلاف رواية عبد الكريم١". إهـ".
والحاصل أن ابن حجر رجح رواية أحمد بن خالد الذهبي وهي رواية ابن ماجه وفيها عيسى بن عبد الله مقبول".
والحديث أورده الهيثمي ثم قال: "رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، إلا أنه قال: "علقمة بن سفيان عن عبد الكريم عن علقمة، ولم أجد من اسمه عبد الكريم، وقد سمع من صحابي وبقية رجاله ثقات٢".
وهذه والأحاديث المتعلقة بقدوم وفد ثقيف وموقفهم من الإسلام، فيها الصحيح والحسن والضعيف كما مر ذلك مفصلا، وقد بقي علينا مما يتعلق بثقيف "هدم اللات" وكتاب رسول الله ﷺ لهم فيما يتعلق بيد "وج" وعضاهه، وفيما يأتي بيان ذلك:
стр. 484
(هدم اللات)
قال ابن إسحاق: "فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم١، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: "ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بما له بذي الهدم٢، فلما دخل المغيرة بن شعبة، علاها يضربها بالمعول٣، وقام قومه دونه - بنو متعب - خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا٤ يبكين عليها ويقلن:
стр. 485
لتبكين دفاع ... أسلمها الرضاع١
لم يحسنوا المصاع
قال ابن إسحاق: "ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس: "وآهالك آهالك٢ فلما هدمها المغيرة، وأخذ مالها وحليها٣ أرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموعة ومالها من الذهب والجزع٤، وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله ﷺ قبل وفد ثقيف، حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شيء أبدا فأسلما، فقال لهما رسول الله ﷺ توليا ما شئتما؟ فقالا: "نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : "وخالكما أبا سفيان بن حرب"، فقالا: "وخالنا أبا سفيان بن حرب".
فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله ﷺ أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسول الله ﷺ أبو مليح بن عروة أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية٥، فقال له رسول الله ﷺ : "نعم، فقال له قارب بن الأسود: "وعن الأسود يا رسول الله، فاقضه - وعروة والأسود أخوان لأب وأم - فقال رسول الله ﷺ : "إن الأسود مات مشركا، فقال قارب لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله، لكن تصل
стр. 486
مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، إنما الدين علي، وإنما أن الذي أطلب به، فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية، فلما جمع المغيرة مالها، قال لأبي سفيان إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقضي عن عروة والأسود دينهما فقضى عنهما"١".
стр. 487
(كتاب الرسول ﷺ لثقيف) .
قال ابن إسحاق: "وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم:
٢٢٨- بسم الله الرحمن الرحيم: "من محمد النبي، رسول الله، إلى المؤمنين: "عن عضاه١ وج وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي محمد، وإن هذا أمر النبي محمّد ﷺ ، وكتب خالد بن سعيد: "بأمر الرسول محمّد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ﷺ " ٢".
هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد".
وقد جاء في "وج" أيضا حديث عروة بن الزبير عن أبيه عند أبي داود وأحمد والحميدي والبيهقي وهذا سياقه عند أبي داود:
стр. 488
٢٢٩- حدثنا حامد١ بن يحيى أخبرنا عبد الله٢ بن الحارث عن محمد٣ بن عبد الله بن إنسان الطائفي عن أبيه٤ عن عروة بن الزبير عن الزبير قال: "لما أقبلنا٥ مع رسول الله ﷺ من لية٦ حتى إذا كنا عند السدرة٧ وقف رسول الله ﷺ في طرق قرن٨ الأسود حذوها٩، فاستقبل نخبا١٠ ببصره١١ مرة واديه١٢، ووقف حتى اتقف١٣ الناس كلهم، ثم قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرم الله،
стр. 489
وذلك قبل١ نزوله الطائف وحصاره لثقيف"٢".
والحديث أخرجه أحمد والحميدي كلاهما عن عبد الله بن الحارث ابن عبد الملك حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي عن أبيه به٣".
وأخرجه البيهقي من طريق الحميدي٤".
والحديث فيه علتان:
الأولى: "محمد بن عبد الله بن إنسان وأبوه عبد الله بن إنسان، فقد ساق البخاري هذا الحديث في ترجمة محمد بن إنسان، ثن قال: "ولم يتابع عليه".
وقال في ترجمة والده "عبد الله بن إنسان عن عروة بن الزبير عن أبيه"، روى عنه ابنه محمد "لم يصح حديثه"٥".
وقال أبو حاتم: "محمد بن عبد الله بن إنسان ليس بالقوي، وفي حديثه نظر ولم يذكر في عبد الله جرحا ولا تعديلا٦".
وقد لينهما ابن حجر كما تقدم٧.
الثانية: "الانقطاع بين عروة وأبيه، فقد قال ابن قيم الجوزية: "في سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه"٨.
وقال الدارقطني: "لا يصح سماعه من أبيه"٩.
стр. 490
وهي علة قادحة تمنع صحة الحديث بمفردها، كيف وقد انضم إليها ضعف محمد بن إنسان وأبيه".
والخلاصة: "أنه ورد في "وج" حديثان:
الأول: "ما ذكره ابن إسحاق وهو بدون إسناد".
الثاني: "حديث عروة عن أبيه، وقد سمعت ما فيه".
ومن هنا اختلف العلماء في "وج" هل هو حرم أم لا، فذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس بحرم، وأن الحديث الوارد فيه ضعيف لا تقوم بمثله حجة، تفرد به عبد الله بن إنسان وهو ضعيف ولا متابع له".
قال الخطابي: "ولست أعلم لتحريمه وجها إلا أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله "وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، ثم عاد الأمر إلى الإباحة كسائر بلاد الحل، ومعلوم أن عسكر رسول الله ﷺ إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا أهلها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق، فدل ذلك على أنها حل مباح، وليس يحضرني في هذا وجه غير ما ذكرته"١.اهـ
قال في عون المعبود: "وفي ثبوت هذا القول أي كون تحريم "وج" قبل نزول الطائف نظر، لأن محمد بن إسحاق ذكر أن رسول الله ﷺ كتب لثقيف كتابا وفيه "تحريم صيد وج وعضاهه وكان ذلك بعد وقعة الطائف وبعد إسلام أهلها"٢". اهـ".
وقد صحح الشافعي حديث الباب وعمل بمقتضاه".
فقد أورد الذهبي الحديث في ترجمة عبد الله بن إنسان، ثم قال: "صحح الشافعي حديثه واعتمده٣".
قلت: "وصححه الساعاتي٤".
стр. 491
وقال ابن حجر: "سكت عليه أبو داود، وحسنه المنذري١".
وسكت عليه عبد الحق٢، فتعقبه ابن القطان٣ بما نقل عن البخاري أنه لم يصح وكذا قال الأزدي٤". اهـ٥".
وقال ابن تيمية - في أثناء كلامه عن الحرم المكي والمدني: "وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره، إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرما كما يسمي الجهال، فيقولون: "حرم المقدس، حرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه حرم مكة".
وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: "إلا في "وج" وهو واد بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم"٦".
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن جماهير العلماء على إباحة صيد "وج" وقطع شجره".
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "أكره صيد وج، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم، واختلفوا فيه على قول بحرمته، هل فيه جزاء كحرم المدينة، أو لا شيء فيه؟ ولكن يؤدب قاتله، وعليه أكثر الشافعية، ثم قال: "وحجة من قال بحرمة صيد "وج" ما رواه أبو داود".
وأحمد والبخاري في التاريخ، عن الزبير بن العوام ﵁".
"أن النبي ﷺ قال: "صيد وج محرم" الحديث.
стр. 492
ثم ذكر ما قاله البخاري والذهبي وابن حجر في هذا الحديث، ثم قال: "فإذا عرفت هذا ظهر لك أن حجة الجمهور في إباحة صيد وج، وشجره كون الحديث لم يثبت، والأصل براءة الذمة١".
وبهذا يكون صيد وج وشجره حلالا، لعدم نهوض الدليل الدال على المنع من ذلك".
وخير ما نختم به هذا المبحث أن نذكر بعضا من الأحكام الفقهية التي ذكرها العلامة ابن قيم الجوزية فقال:
وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم، ثم قدم مسلما، لم يتعرض له الإمام، ولا لما أخذه من المال ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرض النبي ﷺ لما أخذ المغيرة من أموال الثقفيّين، ولا ضمن أتلفه عليهم، وقال "أما الإسلام فأقبل، أما المال فلست منه في شيء٢، ومنها جواز إنزال المشرك في المسجد٣، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه، وتمكينه من سماع القرآن، ومشاهدة أهل الإسلام وعبادتهم".
ومنها: "حسن سياسة الوفد، وتلطفهم حتى تمكنوا من إبلاغ ثقيف ما قدموا به فتصوروا لهم بصورة المنكر لما يكرهونه الموافق لهم فيما يهوونه حتى ركنوا إليهم واطمانوا فلما علموا أنه ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاؤوهم ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقروا به، ولا أذعنوا، وهذا من أحسن الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتي إلا مع ألباء الناس وعقلائهم".
ومنها: "أن المستحق لإمرة القوم وإمامتهم أفضلهم وأعلمهم بكتاب الله وأفقههم في دينه".
стр. 493
ومنها: "هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيتا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله، وانفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير١، وهكذا حال المشاهد المبينة على القبور التي تعبد من دون الله، ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام، ويجب هدمها، ولا يصح وقفها، ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام، ويستعين بها على مصالح المسلمين، وكذلك ما فيها من الآلات، والمتاع والنذور التي تساق إليها".
يضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام، للإمام أخذها كلها وصرفها في مصالح المسلمين، كما أخذ النبي ﷺ أموال بيوت هذه الطواغيت، وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد، سواء من النذور لها، والتبرك بها، والتمسح بها، وتقبيلها واستلامها، هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه".
ومنها: "استحباب اتخاذ المساجد مكان بيوت الطواغيت، فيعبد الله وحده، لا يشرك به شيء في الأمكنة التي كان يشرك به فيها٢ وهكذا الواجب في مثل هذه المشاهد أن تهدم، وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون وإلا أقطعها الإمام هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم".
ومنها: "أن العبد إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتفل عن يساره، ولم يضره ذلك، ولا يقطع صلاته٣، بل هذا من تمامها وكمالها٤".
стр. 494
الباب الثالث: في بيان أبرز الأحكام المستنبطة من غزوة حنين
عقدت هذا الباب لبيان بعض الأحكام الفقهية التي تضمنتها هذه الغزوة وأحكامها كثيرة متشعبة".
وبما أن بحثي خاص بالناحية الحديثية والتاريخية، فقد رأيت أن أجتزئ بذكر الأحكام البارزة مع الإيجاز في تناولها، ولا شك أن بيان تواريخ التشريعات يخدم الناحية الفقهية والأصولية، كما يخدم الناحية التاريخية، فالتاريخ لهذه التشريعات يعرف الناسخ والمنسوخ عند التعارض، كما تتبين الظروف والملابسات التي أحاطت بالتشريع مما يفيد في معرفة علل الأحكام".
стр. 495
الحكم الأول: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء
لقد كان وطء السبايا بملك اليمين معلوما لدى الصحابة ﵃ لكثرة حروبهم وأخذ الأسرى من المشركين، وإنما التبس عليهم الأمر في غزوة حنين حيث أن المسبيات ذوات أزواج في قومهن وبعضهم معروف لدى الصحابة - رضوان الله عليهم -، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنَزلت الآية من سورة النساء بإباحة ذلك".
وهذا هو ما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم وغيره". وهذا سياقه عند مسلم:
٢٣٠- حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري حدثنا يزيد ابن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن صالح١ أبي الخليل عن أبي علقمة٢ الهاشمي عن أبي سعيد الخدرس أن رسول الله ﷺ ، يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس٣ فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم٤ وأصابوا لهم سبايا٥ فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا٦ من غشيانهن من أجل أزواجهن