← Сира

Сира · id 1308

مرويات غزوة حنين وحصار الطائف

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (751 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٢٦٤- وروى الحسن١ عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ٢. ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف فكان مضمونا كالغاصب، والمأخوذ على وجه السوم٣". وقال علاء الدين المرداوي: "قال الحارثي٤: "نص الإمام أحمد ﵀ على ضمان العارية، وإن لم يتعد فيها كثير متكرر جداً من جماعات، وقف على رواية اثنين وعشرين رجلاً وذكرها ٥". وذهب مالك وأبو حنيفة والحسن البصري والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري الأوزاعي وابن شبرمة٦ إلى أن العرية أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي". ٢٦٥- لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ليس

стр. 597

على المستعير غير المغل١ ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان"٢. ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة". ٢٦٦- قالوا: وقول النبي ﷺ "العارية مؤداة"٣ يدل على أنها أمانة، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، [سورة النساء، من الآية: ٥٨] ٤. وأجيب عن حديث عمرو بن شعيب بأنه ضعيف، وأن الصحيح أنه من قول شريح القاضي. وحديث "العارية مؤداة" صحيح إلا أنه قد ورد في حديث جابر ابن عبد الله وابن عباس وصفون بن أمية "بل عارية مضمونة" ٥. وأما الآية فإنها عامة للعارية وغيرها، وحديث التضمين خاص، والخاص مقدم على العام". وأيضا فإن العارية تخالف الوديعة، لأن الوديعة الذي يستفيد منها هو المودع، والعارية ييستفيد منها المستعير، فإذا تلفت وجب ضمانها٦". والذي يبدو في هذه المٍسألة هو قول بضمان العارية حفظا لأموال الناس من الضياع، والتساهل في حفظها، لأن الأصل أن من أخذ شيئا من أموال الناس وجب عليه رده بعينه أو بقيمته إذا تلف إلا ما خصه الدليل من ذلك".

стр. 598

الحكم الحادي عشر: قضاء الرسول في شأن محلم بن جثامة كان من شأن محلم بن جثامة الليثي أنه خرج مع أصحاب رسول الله ﷺ في سرية مكونة من ثمانية نفر إلى بطن إضم وكان قائد السرية أبو قتادة بن ربعي١، فلما وصلوا إلى بطن إضم٢ مر بهم عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسكوا عن قتله وعدا عليه محلم ابن جثامة فقتله لإحن كانت بينهم في الجاهلية، وأخذ ما معه". ولما كانت غزوة حنين اختصم في شأنهما عيينة بن حصين والأقرع بن حابس فعيينة يطالب بدم عامر بن الأضبط، والأقرع يدافع عن محلم بن جثامة وارتفعت الأصوات أمام رسول الله ﷺ فقضا فيه رسول الله ﷺ بالدية٣". يوضح هذا ما رواه أبو داود وغيره وهذا سياق أبي داود قال: ٢٦٧- حدثنا موسى٤ بن إسماعيل أخبرنا حماد٥ قال: "أخبرنا محمد٦ - يعني ابن إسحاق - فحدثني محمد٧ بن جعفر بن الزبير قال سمعت زياد٨ بن ضميرة الضمري.

стр. 599

ح- وأخبرنا وهب١ بن بيان وأحمد٢ بن سعيد الهمداني قالا أخبرنا ابن وهب٣ أخبرني عبد الرحمن٤ بن أبي الزناد عن عبد الرحمن٥ ابن الحارث عن محمد بن جعفر أنه سمع زياد بن ضميرة السلمي". وهذا حديث وهب وهو أتم يحدث عروة بن الزبير عن أبيه٦ قال موسى: "وجده٧ وكانا شهدا مع رسول الله ﷺ حنينا٨ ثم رجعنا إلى حديث وهب " أن

стр. 600

محلم١ بن جثامة الليثي قتل رجلاً٢ من أشجع في الإسلام وذلك أول غير٣ قضى به٤ رسول الله ﷺ فتكلم عيينة٥ في قتل الأشجعي؛ لأنه٦ من غطفان، وتكلم الأقرع بن حابس دون محلم؛ لأنه٧ من خندف، فارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط٨، فقال رسول الله ﷺ : "يا عيينة ألا تقبل الغير، فقال عيينة: "لا والله حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي"٩.

стр. 601

قال: "ثم ارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله: "يا عيينة ألا تقبل الغير؟ فقال: "عيينة مثل ذلك أيضاً". إلى أن قام١ رجل من بني ليث يقال له مكيتل٢ عليه شكة٣ وفي يده٤ درقة فقال: "يا رسول الله إني لم أجد٥ لما فعل هذا في غرة٦ الإسلام مثلاً إلاّ غنماً٧ وردت فرمي أولها فنفر آخرها، أسنناليوم٨ وغير غدا، فقال رسول الله ﷺ : "خمسون في فورنا٩

стр. 602

هذا، وخمسون إذا رجعنا إلى المدينة١، وذلك٢ في بعض أسفاره". ومحلم رجل طويل آدم٣ وهو في طرف الناس، فلم يزالوا٤ حتى تخلص فجلس بين يدي رسول الله ﷺ وعيناه تدمعان، فقال: "يا رسول الله إني قد فعلت الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر الله لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام٥، اللهم لا تغفر لمحلم بصوت عال٦". زاد أبو سلمة ٧: "فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ردائه".

стр. 603

قال ابن إسحاق: فزعم قومه أن رسول الله ﷺ استغفر له بعد ذلك". قال أبو داود: "قال النضر١ بن شميل: "الغير الدية٢". والحديث رواه أحمد من طريق ابن إسحاق "حدثني محمد بن جعفر قال: "سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عروة بن الزبير عن أبيه ضمرة وعن جده"٣". وروى بعضه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر به إلا أنه قال: "عن زيد٤ بن ضمرة حدثني أبي وعمي٥". قال ابن كثير: "والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضمرة عن أبيه وعن جده". وهكذا رواه ابو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد ابن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه٦".إهـ. والحديث في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: "سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه وجده٧". وكذا رواه عن ابن إسحاق البلاذري٨". وكذا رواه الطبراني من طريق ابن الزناد حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السلمي يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه٩".

стр. 604

وقد أشار ابن حجر إلى هذا في ترجمة زياد كما تقدم١". وأورده الزرقاني عن ابن إسحاق فقال عن عروة عن أبيه عن جده٢". وقد صوب ابن كثير رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة أنه حدث عروة بن الزبير عن أبيه وعن جده وهي رواية أحمد وأبي داود". والحديث فيه "زياد بن سعد بن ضميرة" وصفه ابن حجر في التقريب بقوله "مقبول". وقال الذهبي: "فيه جهالة". وقد قال ابن حجر عن هذا الحديث: "بأنه بإسناد حسن"٣". ولعل ذلك لما له من الشواهد الآتية: ٢٦٨- ما رواه ابن إسحاق ومن طريقه رواه أحمد وابن شبة والطبري والبلاذري والسياق لابن إسحاق قال: "حدثني يزيد٤ بن عبد الله ابن قسيط عن القعقاع٥ بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد، قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة٦ الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن

стр. 605

قيس، فخرجنا١ حتى كنا ببطن إضم٢، مر بنا عامر٣ بن الأضبط الأشجعي علىقعود٤ له، ومعه متيع٥ له، ووطب من لبن٦، قال: "فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره، وأخذ متيعه". قال: "فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ٧ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٨ إلى آخر الآية [سورة النساء الآية: ٩٤] .

стр. 606

قال ابن هشام: "قرأ أبو عمرو١ بن العلاء: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن أُلْقِيَ إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ ٢ لهذاالحديث٣". والحديث رواه أحمد والبلاذري كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق به٤". إلا أن البلاذري قال: "عن أبي القعقاع بن عبد الملك بن أبي حدرد عن أبيه". ورواه ابن شبة من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق به٥". ورواه الطبري في تفسيره وتاريخه من طريق سلمة بن الفضل الأبرش عن ابن إسحاق به". إلا أنه قال في التاريخ: "عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي".

стр. 607

وقال بعضهم: "عن ابن القعاع عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد١". والحديث أورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات٢". ٢٦٩- ما رواه الطبري حدثنا ابن وكيع٣ قال: "ثنا جرير٤ عن محمد بن إسحاق عن نافع٥ أن ابن عمر٦ قال: "بعث النبي ﷺ محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة٧ في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: "يا رسول الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: "لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل٨ ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال له النبي ﷺ : "لا غفر الله لك" فقام وهو يتلقى دموعه برديه، فما مضت سابعة حتى مات ودفنوه فلفظته٩ الأرض فجاء إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم".

стр. 608

ثم طرحوه بين صدفي١ جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، [سورة النساء، من الآية: "٩٤] . الآية٢". والحديث فيه سفيان بن وكيع وقد قال عنه ابن حجر بأنه "نصح فلم يقبل فسقط حديثه". وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. ٢٧٠- ما رواه الطبراني حدثنا أبو يزيد٣ القراطيسي ثنا سعيد٤ ابن أبي مريم ثنا ابن أبي الزناد حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن الحسن٥ بن أبي الحسن قال: "لما مات٦ دفنه قومه فلفظته الأرض ثلاث مرات فألقوه بين ضواحي٧ جبل وربوا عليه بالحجارة فأكلته السباع". قال ابن أبي الزناد: "بلغني أن رسول الله ﷺ لما أخبر أن الأرض لفظته قال: "أما إنّ الأرض تقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الدم عنده" ٨. ورواه الواقدي فقال: "حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن

стр. 609

الحارث عن الحسن البصري قال: "لما مات محلم بن جثامة دفنه قومه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض فطرحوه بين صخرتين فأكلته السباع١". وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني وإسناده منقطع٢". والحديث رواه ابن إسحاق فقال: "حدثني من لا أتهم عن الحسن البصري قال: "قال رسول الله ﷺ حين جلس بين يديه: "أمنته بالله ثم قتلته! ثم قال له المقالة التي قال، قال: "والله مامكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض –والذي نفس الحسن بيده- الأرض، ثم عادوا له، فلفظته الأرض ثم عادوا فلفظته، فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين٣ فسطحوه٤ بينهما، ثم رضموا٥ عليه الحجارة حتى واروه". قال: "فبلغ رسول الله ﷺ شأنه، فقال: "والله إن الأرض لتطابق٦ على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم٧ مابينكم بما أراكم منه" ٨. والحديث مرسل، والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند جماهير المحدثين وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول٩". والأحاديث بمجموعها تدل على أن هذه القصة حصلت لمحلم بن جثامة الليثي في قتله عامر بن الأضبط الأشجعي بعد أن ظهر منه ما يدل على أنه مسلم وأنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، [سورة النساء، من الآية: ٩٤] . الآية".

стр. 610

وأن رسول الله ﷺ دعا على محلم فمات فدفن فألقته الأرض على ظهرها، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه". وقد أورد ابن عبد البر هذه الأحاديث في ترجمة محلم بن جثامة، ثم قال: "وقد قيل إن هذا ليس محلم بن جثامة، فإن محلم بن جثامة نزل حمص بآخره ومات بها في إمارة ابن الزبير١". والاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جدا. قيل نزلت في المقداد، وقيل نزلت في أسامة بن زيد، وقيل نزلت في محلم بن جثامة. وقال ابن عباس نزلت في سرية ولم يسم أحدا، وقيل نزلت في غالب الليثي وقيل نزلت في رجل من بني ليث يقال له فليت كان على سرية وقيل نزلت في أبي الدرداء، وهذا اضطراب شديد جداً، ومعلوم أن قتله كان خطأ لا عمدا لأن قاتله لم يصدقه في قوله". والله أعلم٢. وذكر ابن حجر بعضا ممن قيل إن الآية نزلت بسببه، ومنهم محلم بن جثامة ثم قال: "ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معا٣". وقال الزرقاني: "يحتمل تعدد القصة وتكرير نزول الآية ٤". وقال القرطبي: "واختلف في تعين القاتل والمقتول في هذه النازلة فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط". فدعا ﵇ على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقلبه الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله، فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب".

стр. 611

وقال ﵇: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه". وقال الحسن: "أم إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا". ثم ذكر بيقة الأقوال فيمن قيل إن الآية نزلت بسببه أيضا ثم قال: "ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه، ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع١".إهـ". وقال أحمد مصطفى المراغي: "ولا مانع من تعدد الوقائع قبل نزول الآية وأن النبي ﷺ كان يقرؤها على أصحاب كل واقعة فيرون أنهم سبب نزولها٢". وقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن القاتل في سرية إضم هو محلم بن جثامة وأن المقتول هو عامر بن الأضبط وأنه نزل بسبب ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، الآية". وأن عيينة بن حصن والأقرع بن حابس اختصما في شأنهما أمام رسول الله ﷺ في غزوة حنين ٣". ويستفاد من هذه القصة عظم شأن دماء المسلمين وأن الأصل فيمن أظهر الإسلام أنه مسلم يحرم دمه وماله، وأن قاتله بعد إظهاره إسلامه ارتكب كبيرة عظيمة". ويؤخذ من الأحاديث درء الحدود بالشبهات حيث حكم الرسول الله ﷺ بالدية ولم يقتل القاتل". وفي لفظ الأرض له بعد دفنه الزجر والتهديد والعظة ما يجعل دماء المسلمين من أعظم المحرمات التي لا يجوز التساهل فيها كما قال ﷺ "ولكن الله أراد أن يعظكم ويريكم عظم الدم عنده".

стр. 612

الحكم الثاني عشر: في بيان نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم جاء في هذا الحكم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام". ولما رجع رسول الله ﷺ من غزوة الطائف ونزل الجعرانة وقسم بها غنائم هوزان، سأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن نذره في الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك". وقد ورد هذا الحديث من مسند عمر بن الخطاب، ومن مسند ابنه عبد الله بن عمر أيضا". أما وروده من مسند عمر بن الخطاب فأخرجه:٢٧١ أ- البخاري من رواية إسماعيل١ بن عبد الله عن أخيه٢ عن سليمان٣ عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية٤ أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" فاعتكف٥ ليلة٦".

стр. 613

ب - ورواه أحمد وأبو داود والترمذي الجميع من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "يا رسول الله إني كنت نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، قال: "أوف بنذرك"١ لفظ الترمذي". وقال الترمذي: "حسن صحيح". ج- ورواه النسائي وابن ماجه كلاهما عن إسحاق٢ بن موسى الخطمي ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب٣ عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه كان عليه نذر ليلة في الجاهلية يعتكفها فسأل النبي ﷺ "فأمره أن يعتكف" لفظ ابن ماجه٤". د- ورواه ابن ماجه والدارمي والطحاوي كلهم من طريق حفص٥ بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر ابن الخطاب قال: "نذرت نذراً في الجاهلية، فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت، فأمرني أن أُوفي بنذري" ٦ لفظ ابن ماجه.

стр. 614

ولفظ الدارمي "عن عمر قال قلت: "يا رسول الله إني نذرت نذرا في الجاهلية، ثم جاء الإسلام، قال: "أوف بنذرك". ولفظ الطحاوي: "عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أراه١ عن عمر ﵁، قال: "قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية نذرا، وقد جاء الله بالإسلام، فقال: "أوف بنذرك". وأما ورود الحديث من مسند عبد الله بن عمر فأخرجه البخاري: "حدثنا مسدد٢ حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄: "أن عمر سأل النبي ﷺ قال: "كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "أوف بنذرك". ورواه عن محمد بن مقاتل أبي الحسن، أخبرنا عبد الله٣ أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أَنَّ عمر، قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال:"أوف بنذرك". ثُمَّ قال البخاري - أيضاً -: "حدّثنا أبو النعمان٤ حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال٥:يا رسول الله٦".

стр. 615

ح- وحدثني محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر، عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: "لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره بوفائه". وقال بعضهم: حماد١ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبيصلى الله عليه وسلم". ورواه أيضا عن عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة٢ عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁ نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام - قال: "أراه٣ قال ليلة - فقال له رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك" ٤. ورواه مسلم عن محمد بن أبي بكر المقدمي ومحمد بن المثنى وزهير ابن حرب واللفظ لزهير" حدثنا يحيى "وهو ابن سعيد القطان" عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر أن عمر قال: " يا رسول الله ﷺ إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "فأوف بنذرك". ورواه من طريق أبي أسامة. ومن طريق عبد الوهاب الثقفي. ومن طريق حفص بن غياث. ومن طريق شعبة كلهم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. وقال حفص من بينهم عن عمر بهذا الحديث. أما أبو أسامة والثقفي ففي حديثهما اعتكاف ليلة. وأما في حديث شعبة فقال: "جعل عليه يوما يعتكفه". وليس في حديث حفص ذكر يوم ولا ليلة.

стр. 616

ورواه من طريق حماد١ بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال: "لم يعتمر منها٢, قال: وكان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية٣". ورواه الدارقطني من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فقال:"أوف بنذرك" هذا إسناد صحيح. ورواه من طريق محمد بن فليح بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فلما كان الإسلام سأل عنه رسول الله ﷺ فقال له:"أوف بنذرك فاعتكف عمر ليلة".إسناد ثابت٤. ورواه النسائي والحميدي وابن خزيمة كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: " كان على عمر نذر في اعتكاف ليلة في المسجد الحرام فسأل رسول الله ﷺ في ذلك فأمره أن يعتكف" ٥. وهذه الأحاديث الماضية جاء فيها أن عمر بن الخطاب ﵁ "اعتكف ليلة". وقد جاء أيضا في الأحاديث الآتية أنه اعتكف يوما "وهو: أ- ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن

стр. 617

الخطاب ﵁ قال: "يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية, فأمره أن يفي به١". ب- ما رواه مسلم والطحاوي والبيهقي كلهم من طريق جريج ابن حازم أن أيوب حدثه أن نافعا حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمر ابن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف, فقال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام ,فكيف ترى؟ قال "اذهب فاعتكف يوما" الحديث٢. لفظ مسلم. ج- ورواه أحمد ومسلم كلاهما من طريق معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:لما قفل النبي ﷺ من حنين سأل عمر عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف يوم, فأمره به ٣ لفظ أحمد". د- ورواه مسلم أيضا من طريق حجاج بن المنهال حدثنا حماد عن أيوب ومن طريق عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر بهذا الحديث٤ في النذر وفي حديثهما جميعا: اعتكاف يوم٥. هـ- ورواه أحمد ومسلم والنسائي كلهم من طريق شعبة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن عمر كان قد جعل عليه يوماً يعتكفه في الجاهلية فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فأمره أن يعتكف" لفظ أحمد٦.

стр. 618

وجاء بدون تقييد بيوم ولا ليلة: ١- عند أحمد من طريق حماد بن سلمة. والبخاري١ من طريق معمر كلاهما عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ بالجعرانة فقال: "إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام"٢ لفظ أحمد. ٢- ورواه مسلم من طريق حفص بن غياث٣، والبيقهي من طريق سفيان٤ كليهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄: قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁ نذرت أن أعتكف في المسجد الحرام فلما أسلمت سألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "أوف بنذرك" ٥ لفظ البيهقي. وقد جاء أيضاً في الحديث عن عمر قال: "نذرت نذرا في الجاهلية فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت، فأمرني أن أوفي بنذري" بدون ذكر اعتكاف وقد تقدم٦". وقد تبيّن مما تقدم أن الحديث ورد بلفظ "اعتكاف ليلة" وبلفظ "اعتكاف يوم"، وقد أجاب العلماء عن هذا بجوابين: الأوّل: "الجمع بين الحديثين وهو ما أجاب به ابن خزيمة وغيره، فإنه بعد أن ساق الحديث الوارد فيه "لفظ ليلة". قال: وقال بعض الرواة: "في خبر نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "إني نذرت أن أعتكف يوماً، فإن ثبتت هذه اللفظة، فهذا من الجنس الذي أعلمت أن العرب

стр. 619

قد تقول يوما١ بليلته، وتقول ليلة تريد بيومها، وقد ثبتت الحجة في كتاب الله في هذا٢". إهـ. وقال ابن حجر: "وقد جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأن عمر نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها ومن أطلق يوماً أراد بليلته٣". إهـ. وأجاب النووي عن ذكر (اليوم) باحتمال أن عمر سأل النبي ﷺ عن اعتكاف ليلة، وسأله عن اعتكاف يوم، فأمره بالوفاء بما نذر، فحصل منه صحة اعتكاف الليل وحده٤". الثاني: "الترجيح: "وهو ما أجاب به البيهقي وغيره، فقد ساق البيهقي الحديث من طريق عبدان أنبأ عبد الله بن المبارك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام". ثم قال: "رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن مقاتل عن عبد الله ابن المبارك". وكذلك رواه سليمان بن بلال ويحيى بن سعيد القطان وأبو أسامة وعبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله، قالوا فيه: "ليلة". وكذلك قاله حماد٥ بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر٦. وقال جرير بن حازم ومعمر عن أيوب "يوم" بدل "ليلة" وكذلك رواه شعبة عن عبيد الله.

стр. 620

ورواية الجماعة عن عبيد الله أولى، وحماد بن زيد أعرف بأيوب من غيره١".إهـ. وقال ابن حجر: "ورواية من روى "يوما" "شاذة" وقد وقع في رواية سليمان بن بلال "فاعتكف ليلة"٢ فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حد معين٣". ويؤخذ من قصة عمر بن الخطاب مسألتان: الأولى: "إذا نذر الكافر ثم أسلم هل يجب عليه الوفاء بما نذر، أو أن ذلك من باب الاستحباب". الثانية: " هل الصيام شرط لصحة الاعتكاف أو أن الاعتكاف يصح بدون صوم". خلاف بين العلماء في ذلك". المسألة الأولى: قال النووي: "اختلف العلماء في صحة نذر الكافر، فقال مالك وأبو حنفية وسائر الكوفيين وجمهور أصحابنا: "لا يصح". وقال المغيرة٤ المخزومي وأبو ثور والبخاري وابن جرير وبعض أصحابنا: يصح وحجتهم ظاهر حديث عمر". وأجاب الأولون عنه بأنه محمول على الاستحباب، أي يستحب لك أن تفعل الآن مثل ذلك الذي نذرته في الجاهلية٥". وساق الطحاوي حديث عمر الوارد فيه "أوف بنذرك" ثم قال: "قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أوجب على نفسه في حال شركه، من اعتكاف أو صدقة

стр. 621

أو شيء مما يوجبه المسلمون لله، ثم أسلم - أن ذلك واجب عليه واحتجوا في ذلك بهذه الآثار". وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: "لا يجب عليه من ذلك شيء واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله ﷺ ، ثم ساق حديث عائشة عن رسول الله ﷺ : ٢٧٢- "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ١. ٢٧٣- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "إنما النذر ما ابتغى به وجه الله". ثم قال: "قالوا: "فلما كانت النذور إنما تجب إذا كانت مما يتقرب به إلى الله تعالى، ولا تجب إذا كانت معاصي الله وكان الكافر إذا قال: "لله عليّ صيام"، أو قال: "لله عليّ اعتكاف" فهو لو فعل ذلك، لم يكن به متقربا إلى الله وهو في وقت ما أوجبه، إنما قصد به إلى ربه الذي يعبده من دون الله وذلك معصية". فدخل ذلك في قول رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية". وقد يجوز أيضا أن يكون قول رسول الله ﷺ لعمر "ف بنذرك" ليس من طريق أن ذلك كان واجبا عليه ولكن أنه قد كان سمح في حال ما نذره أن يفعله، فهو في معصية الله ، فأمره النبي ﷺ أن يفعله الآن، على أنه طاعة لله ". فكان ما أمره به، خلاف ما إذا كان أوجبه هو على نفسه". وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى -٢".إهـ. وقال البغوي عند شرحه لحديث عمر: "في هذا الحديث دليل على أن من نذر في حال كفره بما يجوز نذره في الإسلام، صحّ نذره ويجب عليه الوفاء به بعد الإسلام"٣. وقال الصنعاني: "دل الحديث على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به إذا أسلم وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة من الشافعية لهذا الحديث.

стр. 622

وذهب الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر، قال الطحاوي: "لا يصح منه التقرب بالعبادة، قال: "ولكنه يحتمل أن النبي ﷺ فهم من عمر أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به لأن فعله طاعة، وليس هو ما كان نذر به في الجاهلية". وذهب بعض المالكية إلى أنه ﷺ إنما أمر به استحبابا، وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها. ثم عقب الصنعاني على هذا بقوله: "ولا يخفى أن القول الأوّل١ أوفق بالحديث والتأويل تعسف٢". وقال الشوكاني: "وفي حديث عمر دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي". وعند الجمهور لا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر حجة عليهم". وقد أجابوا عنه بأن النبي ﷺ لما عرف أن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له به لأن الاعتكاف طاعة". ثم قال: "ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب، وأجاب بعضهم بأنه ﷺ أمره بالوفاء استحبابا لا وجوبا". ثم قال: "ويرد بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد٣". وقال ابن حزم: "مسألة ومن نذر في حال كفره طاعة لله ثم أسلم لزمه الوفاء به" ... ٢٧٤- ثم ساق حديث حكيم بن حزم أنه قال: "أي رسول الله أرأيت أمورا كنت اتحنث٤ بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : "أسلمت على ما أسلفت من خير" ٥.

стр. 623

ثم ساق حديث عمر بن الخطاب من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "نذرت نذرا في الجاهلية ثم أسلمت فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أوفى بنذري". ثم قال: "فهذا حكم لا يسع أحدا الخروج عنه١".إهـ. وأما المسالة الثانية؛ فإن حديث عمر الصحيح ليس فيه ذكر للصوم وإنما فيه أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، والليل ليس محلا للصوم، نعم ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أن عمر بن الخطاب نذر اعتكاف يوم، ولكنه ليس فيه ذكر الصوم، وقد روى الأمر بالصوم في حديث عمر ولكنه ضعيف". قال ابن حجر: "وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحا لكن إسنادها ضعيف". وقد زاد فيها: "أن النبي ﷺ قال له: "اعتكف وصم" أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل٢ وهو ضعيف". وذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار، ورواية من روى "يوماً" شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال "فاَعْتَكَف ليلة" فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين٣. قلت: "الحديث المشار إليه عند أبي داود والنسائي أخرجه أيضا أبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق عبد الله ابن بديل عن عمرو بن دينار". ٢٧٥- عن ابن عمر أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة، فسأل النبي ﷺ فقال: "اعتكف وصم" لفظ أبي داود٤".

стр. 624

قال الدارقطني: "تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث سمعت أبا بكر النيسابوري١ يقول: "هذا حديث منكر، لأنّ الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه، منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد ابن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم، وابن بديل ضعيف الحديث". ٢٧٦- ثم ساق الدارقطني أيضاً حديثاً آخر من طريق سعيد٢ ابن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنّ عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه، قال: "أوف بنذرك"، ثم قال: "وهذا إسناد حسن تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير عن عبيد الله٣". وقال البيهقي: "ذكر نذر الصوم مع الاعتكاف غريب تفرد به سعيد بن بشير عن عبيد الله٤". وأرود ابن حجر قول البيهقي هذا ثم قال: "وقال عبد الحق٥: "تفرد به سعيد بن بشير وهو مختلف فيه". وضعف ابن الجوزي٦ في "التحقيق" هذا الحديث من أجله٧". ٢٧٧- وروى الحاكم من حديث عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" ٨. ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولفقهاء الكوفة في ضد هذا

стр. 625

حديثان أذكرهما وإن كانا لا يقاومان هذا الخبر في عدالة الرواة ثم ساق الحديث الأول من طريق عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف يوما فسأل النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "اعتكف وصم". ٢٧٨- وساق الحديث الثاني من طريق سويد١ بن عبد العزيز ثنا سفيان٢ بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" ثم قال: "لم يحتج الشيخان بسفيان بن حسين وعبد الله٣ بن بديل". وسكت عنه الذهبي٤". وقال الدارقطني: "تفرد بهذا الحديث سويد عن سفيان بن حسين٥". وقال البيهقي: "وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز وسويد بن عبد العزيز الدمشقي ضعيف بمرة لا يقبل منه ما تفرد به". ثم ساق بسنده من طريق عطاء عن عائشة ﵂ موقوفا عليها- قالت: "من اعتكف فعليه الصيام"٦. وروى أبو داود من طريق عبد الرحمن٧ بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع". قال أبو داود: "غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه، قالت: السنة". قال أبو داود: "جعله قول عائشة٨".

стр. 626

وقال الدارقطني: "يقال: "إن قوله: "وأن السنة للمعتكف إلى آخره"، ليس من قول النبي ﷺ ، وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم١". ورواه البيهقي من طريق عقيل عن ابن شهاب، وفي آخره قال: "قال الشيخ قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة وأن من أدرجه في الحديث وهم فيه، فقد رواه سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن عروة قال: "المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضا ولا يجيب دعوة، ولا اعتكاف إلا بصيام ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع٢". وقال الشوكاني: "من ادعى أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف فالدليل عليه لأنه أثبت شرطا متنازعا فيه". والوقوف في موقف المنع، والقيام في مقام عدم التسليم يكفي من لم يقل بالشرطية ولم يصح في اشتراطه شيء عن رسول الله ﷺ ، وما قيل إنه مرفوع لم يصح". وما كان موقوفا على بعض الصحابة فلا حجة فيه، فإن تبرع من لم يقل بالشرطية بالدليل فله أن يقول: ٢٧٩- صح عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما "أنه اعتكف في غير رمضان"٣". وثبت في الصحيحين وغيرهما "أن عمر بن الخطاب قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال ﷺ : "أوف بنذرك"، ولم

стр. 627

يرو من وجه صحيح يصح العمل به أنه ﷺ صام أيام اعتكافه في شوال ولا صحّ أنه أمر عمر بالصوم. وأما ما أخرجه أبو داود عن عائشة أنها قالت: "السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع". فقد أخرجه في الموطأ١ والنسائي٢ وليست فيه: "قالت: "السنة" وجزم الدارقطني بأن القدر المرفوع من حديث عائشة قولها: "لا يخرج"٣ وما عداه ممن دونها". وكذلك قال البيهقي كما ذكره ابن كثير في الإرشاد٤". وأما ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وقال: "صحيح على شرط مسلم: "أنه لا اعتكاف إلا بصوم" فقد صحح الدارقطني والبيهقي وابن حجر أنه موقوف على ابن عباس، وأيضا فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وصححه أنه ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام" ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه على ابن عباس، فتعارضت الرواية عن ابن عباس كما ترى ولاحجة في قوله٥". وقال في نيل الأوطار: "وقد استدل بعض القائلين٦ بأن الصوم شرط في الاعتكاف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة، من الآية: "١٨٧] .

стр. 628

قال: "فذكر الاعتكاف عقب الصوم". وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما، وإلاّ لزم ألا صوم إلا باعتكاف ولا قائل به١". وقال ابن حزم: "مسألة: "وليس الصوم من شروط الاعتكاف، لكن إن شاء المعتكف صام وإن شاء لم يصم". ثم ساق الأدلة على ذلك وعلى أنه ليس على المعتكف صيام إلا أن يوجبه على نفسه". ورد على القائلين بوجوب الصيام على المعتكف٢". إذا علم هذا فقد نقل النووي أن القائلين بصحة الاعتكاف بدون صوم هم الشافعي والحسن البصري وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد". وقال ابن المنذر: "وهو مروي عن علي وابن مسعود". وقال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وأحمد في رواية عنهما: "لا يصح إلا بصوم، وهو قول أكثر العلماء٣". وأقول قد تشعبت أقوال العلماء في اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف أو عدم اشتراطه، وكذلك في حكم الكافر إذا أسلم وقد ألزم نفسه بطاعة لله في حال كفره فهل يجب عليه الوفاء بما التزم أوّلاً". اختلفت أنظار العلماء في ذلك وتباينت آراؤهم، وكل قد أدلى بحجته ووجهة نظره، وأقوالهم وأدلتهم مبسوطة في كتب الفروع، وقد لخصت ما قاله العلماء في ذلك وتبين لي من خلال سوق النصوص أن الظاهر في هذا هو جواز الاعتكاف بدون صوم وأن الصوم ليس شرطا لصحة الاعتكاف، كما ظهر لي كذلك كما ظهر لي كذلك وجوب الوفاء بما التزم

стр. 629

به الكافر في حال كفره من طاعة، وهذا هو الذي تؤيّده النصوص وحديث عمر بن الخطاب صريح في هذا١". ومما ينبغي التنبيه عليه قوله ﷺ لحكيم بن حزام "أسلمت على ما أسلفت من خير". فهذا من محاسن دين الإسلام، وإن الرسول ﷺ بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وقد قال ﷺ : ٢٨٠- "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" ٢. والإسلام لا يهدم الفضائل السابقة عليه وإنما يشجعها وينميها، ومن هنا قال ﷺ لعمر بن الخطاب: "أوف بنذرك". ومن قال بأن هذا النذر من عمر نذر معصية فقد أبعد النجعة لأن الرسول ﷺ يستحيل أن يأمر بالوفاء بنذر معصية، وهو القائل "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه" ٣. ومن قال من العلماء بأن الوفاء من الكافر بنذره بعد إسلامه مستحب لا واجب، فهذا قريب، لكنه خلاف ظاهر النص كما سبق. والله أعلم.

стр. 630

الحكم الثالث عشر: استحقاق القاتل سلب القتيل السلب: "بالتحريك هو ما على القتيل ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها١". وقد ورد في هذا الحكم الأحاديث الآتية: أ- حديث أبي قتادة عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري: قال: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن يحيى٢ بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: "خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منا ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر فقلت: "ما بال الناس؟ قال: "أمر الله ، ثم رجعوا٣، وجلس النبي ﷺ فقال: "من قتل قتيلا

стр. 631

له عليه بينة فله سلبه١، فقلت: "من يشهد لي؟ ثم جلست فقال النبي ﷺ مثله". قال: "ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت فقلت: "من يشهد لي، ثم جلست، قال ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ فأخبرته٢، فقال رجل: "صدق، وسلبه عندي، فأرضه مني، فقال أبو بكر: "لا ها الله٣ إذا لا يعمد إلى أسد

стр. 632

من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه، فقال النبي ﷺ : "صدق فأعطه، فأعطانيه١، فابتعت٢ به مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام٣". وهذا الحديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وهشيم بن بشير والليث بن سعد". ووقع في حديث الليث وحده، فقال أبو بكر: "كلا لا يعطه أصبيغ٤ من قريش ويدع أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فقام رسول الله فأداه إلى،

стр. 633

فاشترت منه خرافا، فكان أوّل مال تأثلته في الإسلام١". ب- حديث أنس بن مالك عند أبي داود الطيالسي وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند أبي داود الطيالسي: قال: "حماد بن سلمة عن إسحاق٢ بن عبد الله بن أنس قال: "جاءت هوزان يوم حنين تكثر على رسول الله ﷺ بالنساء والصبيان والإبل والغنم فانهزم المسلمون يومئذ فجعل يقول: "يا معشر المهاجرين والأنصار إني عبد الله ورسوله، يا معشر المسلمين إليّ أنا عبد الله ورسوله، فهزم المشركون من غير أن يطعن برمح أو يرمي بسهم، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل مسلما فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم". قال أبو قتادة: "إني حملت على رجل فضربته على حبل العاتق فأجهضت عنه وعليه درع فانظر من أخذها فقال رجل: "أنا أخذتها يا رسول الله، فأعطينيها وأرضه منها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو يسكت، فقال عمر٣: "لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده، ثم يعطيكها فقال رسول الله ﷺ : "صدق عمر" ٤. قال: "ورأى أبو طلحة مع أم سليم خنجرا فقال: "ما تصنعين بهذا؟ قالت: "أريد إن دنا أحد من المشركين أن أبعج بطنه، فذكر ذلك أبو طلحة

стр. 634

لرسول الله ﷺ فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: " يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن". قالت: "يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك" ١. جـ حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند مسلم قال: حدثنا زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة، حدّثني أبي سلمة بن الأكوع، قال: "غزونا٢ مع رسول الله ﷺ هوزان، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقاً٣ من حقبة فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج٤ يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء". قال سلمة: "وخرجت٥، أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت

стр. 635

عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل١ فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت٢ سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه٣، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: "ابن الأكوع، قال: "له سلبه ٤ أجمع" ٥. والحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود وأبو عوانة والطبراني والبيهقي الجميع من طريق عكرمة بن عمار به ٦". ٢٨١- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند البخاري وأبي داود وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري قال: "حدثنا أبو نعيم٧ حدثنا أبو العميس٨ عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "أتى النبي ﷺ عين من المشركين٩ - وهو في سفر -
следующие страницы →