له عليه بينة فله سلبه١، فقلت: "من يشهد لي؟ ثم جلست فقال النبي ﷺ مثله".
قال: "ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت فقلت: "من يشهد لي، ثم جلست، قال ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ فأخبرته٢، فقال رجل: "صدق، وسلبه عندي، فأرضه مني، فقال أبو بكر: "لا ها الله٣ إذا لا يعمد إلى أسد
стр. 632
من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه، فقال النبي ﷺ : "صدق فأعطه، فأعطانيه١، فابتعت٢ به مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام٣".
وهذا الحديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وهشيم بن بشير والليث بن سعد".
ووقع في حديث الليث وحده، فقال أبو بكر: "كلا لا يعطه أصبيغ٤ من قريش ويدع أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فقام رسول الله فأداه إلى،
стр. 633
فاشترت منه خرافا، فكان أوّل مال تأثلته في الإسلام١".
ب- حديث أنس بن مالك عند أبي داود الطيالسي وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند أبي داود الطيالسي:
قال: "حماد بن سلمة عن إسحاق٢ بن عبد الله بن أنس قال: "جاءت هوزان يوم حنين تكثر على رسول الله ﷺ بالنساء والصبيان والإبل والغنم فانهزم المسلمون يومئذ فجعل يقول: "يا معشر المهاجرين والأنصار إني عبد الله ورسوله، يا معشر المسلمين إليّ أنا عبد الله ورسوله، فهزم المشركون من غير أن يطعن برمح أو يرمي بسهم، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل مسلما فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم". قال أبو قتادة: "إني حملت على رجل فضربته على حبل العاتق فأجهضت عنه وعليه درع فانظر من أخذها فقال رجل: "أنا أخذتها يا رسول الله، فأعطينيها وأرضه منها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو يسكت، فقال عمر٣: "لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده، ثم يعطيكها فقال رسول الله ﷺ : "صدق عمر" ٤.
قال: "ورأى أبو طلحة مع أم سليم خنجرا فقال: "ما تصنعين بهذا؟ قالت: "أريد إن دنا أحد من المشركين أن أبعج بطنه، فذكر ذلك أبو طلحة
стр. 634
لرسول الله ﷺ فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: " يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن".
قالت: "يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك" ١.
جـ حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند مسلم قال:
حدثنا زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة، حدّثني أبي سلمة بن الأكوع، قال: "غزونا٢ مع رسول الله ﷺ هوزان، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقاً٣ من حقبة فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج٤ يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء".
قال سلمة: "وخرجت٥، أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت
стр. 635
عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل١ فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت٢ سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه٣، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: "ابن الأكوع، قال: "له سلبه ٤ أجمع" ٥.
والحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود وأبو عوانة والطبراني والبيهقي الجميع من طريق عكرمة بن عمار به ٦".
٢٨١- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند البخاري وأبي داود وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري قال: "حدثنا أبو نعيم٧ حدثنا أبو العميس٨ عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "أتى النبي ﷺ عين من المشركين٩ - وهو في سفر -
стр. 636
فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل١ فقال النبي ﷺ "اطلبوه واقتلوه٢، فقتلته، فنفله٣ سلبه" ٤.
والحديث رواه أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني حدثنا أو نعيم قال حدثنا أبو العميس به٥".
ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان أبو الحسين الجزري عن جعفر بن عون عن أبي العميس٦".
стр. 637
ورواه أحمد وأبو عوانة كلاهما من طريق جعفر بن عون قال حدثنا أبو عميس به١".
ورواه أبو عوانة والطحاوي والطبراني والبيهقي كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا أبو العميس به٢".
هـ- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند ابن ماجة وأحمد وهذا سياقه عند ابن ماجة قال: حدثنا علي٣ بن محمد ثنا وكيع ثنا أبو العميس وعكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "بارزت رجلا فقتلته فنفلني رسول الله ﷺ سلبه" ٤.
وفي الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله ثقات٥".
ورواه أحمد عن وكيع ثنا أبو عميس به٦".
وهذه الأحاديث تدل بظاهرها على أن من قتل كافرا له عليه بينة استحق سلبه, سواء أكان ذلك السلب قليلا أم كثيرا , وسواء أذن الإمام أو لم يأذن, كما تدل على أن السلب من أصل الغنيمة وعلى أنه لا يخمس, هذا هو الظاهر من هذه النصوص٧".
وقد اختلف العلماء من هذا الحكم في مسائل أقتصر على أهمها:
الأولى: "هل القاتل يستحق سلب القتيل سواء أذن أمير الجيش أم لم يأذن وبهذا قال جمهور العلماء.
стр. 638
قال النووي: "عند شرحه لحديث أبي قتادة:
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث, فقال الشافعي والأوزاعي والليث والثوري١ وأبو ثور وأحمد وإسحاق وابن جرير وغيرهم: "يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك قالوا وهذه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على أحد٢".
وبوب البخاري بقوله: "باب من لم يخمس الأسلاب, ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس, وحكم الإمام فيه".
ثم ساق تحت هذا الباب حديث أبي قتادة وفيه "فقال رسول الله ﷺ من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه"٣".
قال ابن حجر: "وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور, وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك, وهو ظاهر حديث أبي قتادة".
وقالوا: "إنه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن الحكم الشرعي٤".اهـ
وساق أبو عبيد حديث أبي قتادة ثم قال: "قال أبو عبيد: فقد تبين لنا أن النبي ﷺ حكم لأبي قتادة بالسلب ,من غير أن يكون نفله إياه قبل ذلك, ألا ترى أن رسول الله ﷺ إنما قال: "قال بعد قتل أبي قتادة صاحبه, فهذا عندنا بين واضح: أن السلب مقضي به للقاتل بسنة ماضية من رسول الله ﷺ , جعله له الإمام قبل ذلك أم لم يجعله له٥".اهـ.
стр. 639
وقال الخرقي: "ومن قتل منا أحداً منهم مقبلاً١ على القتال فله سلبه غير مخموس، قال ذلك الإمام أو لم يقل".
قال ابن قدامة: "في هذه المسألة فصول ستة:
أحدها: "أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافا، والأصل فيه قول النبي ﷺ "من قتل كافرا فله سلبه".
ثم أورد حديث أبي قتادة، حديث أنس بن مالك٢، أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "من قتل قتيلا فله سلبه" قال: "فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فاخذ أسلابهم".
وقال أيضاً الفصل السادس: "أن القاتل يستحق السلب قال ذلك الإمام أو لم يقل، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور٣".
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "واحتج من قال: "باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا بعموم الأدلة لأن النبي ﷺ ، صرح بان من قتل قتيلا فله سلبه، ولم يخصص بشيء، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول٤".
وقال الصنعاني: "عند شرحه لحديث عوف بن مالك الأشجعي أن النبي ﷺ "قضى بالسلب للقاتل" ٥.
стр. 640
قال: "فيه دليل على أن السلب الذي يؤخذ من العدو الكافر يستحقه قاتله سواء قال الإمام قبل القتال: "من قتل قتيلا فله سلبه أو لا، وسواء كان القاتل مقبلا أو منهزما، وسواء كان ممن يستحق السهم في المغنم أو لا١، إذ قوله "قضى بالسلب للقاتل" حكم مطلق غير مقيد بشيء من الأشياء".
قال الشافعي: "وقد حفظ هذا الحكم عن رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة:
منها يوم بدر، فإنه ﷺ حكم بسلب أبي جهل٢ لمعاذ بن الجموح لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل وكذا في قتل حاطب بن أبي بلتعة لرجل يوم أحد أعطاه سلبه ٣".
والأحاديث في هذا الحكم كثيرة:
وقوله ﷺ في يوم حنين "من قتل قتيلا فله سلبه" بعد القتال لا ينافي هذا بل هو مقرر للحكم السابق، فإن هذا كان معلوما عند الصحابة من قبل حنين، ولذا قال عبد الله بن جحش٤: "اللهم ارزقني رجلا شديدا إلى قوله: "أقتله وآخذ سلبه"٥.إهـ.
وقال أبو حنيفة ومالك ومَن تابعهما لا يستحق القاتل سلب القتيل بمجرد القتل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه".
стр. 641
إلا أنه عند مالك يكون قول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه بعد انقضاء الحرب لأنه جعل السلب من جملة الأنفال".
ويكره للإمام أن يقول ذلك قبل انقضاء القتال لأنه يؤدي ذلك إلى صرف نيات المجاهدين لقتال الدنيا، ويجوز بعد القدرة على العدو لأنه لا محذور فيه عندئذ ١".
واستدل الحنفية والمالكية بأدلة منها:
- حديث أبي قتادة الوارد فيه "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" ٢ قالوا: "وقد دفع رسول الله ﷺ السلب لأبي قتادة، وغير بينة ولا يمين ولو كان يستحق السلب بمجرد القتل لطولب بالبينة على أنه قتله".
٢٨٢- حديث عبد الرحمن بن عوف المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر، فإن فيه ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ ".
فقال كل واحد منها: "أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: "لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" ٣.
قالوا: "فتصريحه ﷺ في هذا الحديث المتفق عليه، بأن كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب، إلا بقول الإمام: "أنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن العفراء وجه، مع النبي ﷺ صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما بالسوية لاشتراكهما في قتله".
- حديث عوف بن مالك الأشجعي عند أحمد ومسلم وأبي داود وهذا سياقه عند مسلم:
стр. 642
٢٨٣- عن عوف بن مالك قال: "قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال لخالد "ما منعك أن تعطيه سلبه؟ ". قال: "استكثرته يا رسول الله! قال: "ادفعه إليه" فمر خالد بن بعوف فجر بردائه١ ثم قال: "هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب٢، فقال: "لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أمرائي" الحديث.
وفي رواية عند مسلم أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي٣ من اليمن وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه غير أنه قال في الحديث: "قال عوف: "فقلت: "يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى، ولكني استكثرته٤".
قالوا: "فقول النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لا تعطه يا خالد" دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه منه النبي ﷺ ".
٢٨٤- ما واه ابن أبي شيبة قال: "حدثنا أبو الأحوص٥ عن الأسود٦ بن قيس عن شبر٧ بن علقمة قال: "بارزت رجلا يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه
стр. 643
فأتيت به سعداً فخطب سعد أصحابه ثم قال: "هذا سلب شبر بن علقمة فهو خير من أثنى عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه" قالوا: "فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي ﷺ ، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم ولأخذه القاتل دون أمرهم".
٢٨٥- ما ذكره مالك في الموطأ قال: "لم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه" إلا يوم حنين١.
هذا أهم ما استدل به المالكية والحنفية على ما ذهبوا إليه من أن القاتل لا يستحق سلب قتيله إلا إذا قال الإمام قبل القتال من قتل قتيلا فله سلبه٢.
ورد القائلون - باستحقاق السلب للقاتل مطلقا- على هذه الأدلة بما يأتي:
أ- حديث أبي قتادة، أجاب عنه ابن قدامة بقوله: "وأما أبو قتادة؛ فإن خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولأن السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم٣".
وأجاب القرطبي عنه بقوله: "سمعت شيخنا عبد العظيم المنذري يقول: "إنما أعطى النبي ﷺ أبا قتادة سلب قتيله بشهادة الأسود٤ بن خزاعى وعبد الله٥ بن أنيس، وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال ويطرد الحكم٦".إهـ.
стр. 644
ب- حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل".
قال الزيلعي: "أجاب عنه البيهقي في "المعرفة" بقوله: "وهذا حجة لهم فيه، فإن غنيمة بدر كانت للنبي ﷺ بنص الكتاب يعطي منها من يشاء، وقد قسم لجماعة لم يشهدوا، ثم نزلت الآية في الغنيمة بعد بدر، وقضى ﵇ بالسلب للقاتل، واستقر الأمر على ذلك، ويجوز أن يكون أحدهما أثخنه، والثاني جرحه بعد، فقضى بسلبه للأوّل١".إهـ".
وأجاب ابن حزم بقوله: "قال: "أبو محمد: "ولا حجة لهم في هذا كله، وأين يوم بدر من يوم حنين وبينهما أعوام؟ وما نزل حكم الغنائم إلا بعد يوم بدر فكيف يكون السلب للقاتل٢".
وقال ابن حجر: "أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن في سياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن".
قال المهلب٣: "نظره ﷺ في السيفين واستلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار العمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولا هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك وإنما قال: "كلاكما قتله" وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر".
وقال الإسماعيلي ٤: "أقول إن الأنصاريين ضرباه فأثخناه٥ وبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ، وقد دل قوله: "كلاكما قتله" على أن كلا منهما وصل إلى قطع الحشوة٦ إبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت
стр. 645
لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في االقتل، إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه١".
جـ وأما حديث عوف بن مالك الأشجعي في قصته مع خالد بن الوليد، فأجاب الخطابي عنه بقوله: "إنما منع ﵇ خالدا في الثانية أن يرد على عوف سلبه زجرا لعوف، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، لأن خالدا كان مجتهدا في صنعه، لما رأى فيه من المصلحة، فأمضى ﵇ اجتهاده، واليسير من الضرر يحتمل الكثير من النفع، قال: "ويشبه أن يكون النبي ﷺ قد عوض المددى من الخمس الذي هو له وترضى خالدا بالنصح له والتسليم الحكم له في السلب ٢".
وأجاب عنه ابن حزم بقوله:
قال أبو محمد: "لا حجة لهم في هذا، بل هو حجة عليهم لوجوه:
أوّلها: "أن فيه نصا جليا أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل وهذا قولنا".
وثانيها: "أنه ﵇ أمر خالدا بالرد عليه".
وثالثها: "أن في نصه أن النبي ﷺ إنما أمره بأن لا يرد عليه، لأنه علم أن القاتل صاحب السلب أعطاه بطيب نفس ولم يطلب خالدا به، وأن عوفاً يتكلم فيما لا حق له فيه وهذا هو نص الخبر".
ورابعها: "أنه لو كان كما يوهمون لما كان لهم فيه حجة، لأن يوم حنين الذي قال فيه ﵇ "من قتل كافرا فله سلبه" كان بعد يوم مؤتة٣ بلا خلاف". ويوم حنين كان بعد فتح مكة" ... فيوم حنين حكمه ناسخ لما تقدم لو كان خلافه٤".
د- وأما حديث شبر بن علقمة وقول سعد بن أبي وقاص إنا قد نفلناه إياه فأجاب عنه ابن قدامة بقوله: "أما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله ﷺ وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه٥".
стр. 646
هـ- وأما قول مالك: "بم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين".
فأجاب عنه ابن حجر بقوله: "وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي ﷺ في مواطن:
منها: "يوم بدر, كما في قصة أبي جهل".
ومنها: "حديث حاطب بن أبي بلتعة في قتله رجلا يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه".
ومنها: "حديث عوف بن مالك في قصة قتل المددي رجلا من العدو".
ومنها: "قصة عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص في دعائهما يوم أحد وقول سعد: "اللهم ارزقني رجلا شديدا أقتله وآخذ سلبه, وغير ذلك من المواطن التي ورد فيها لفظ السلب قبل غزوة حنين".
وأجاب ابن حجر أيضا بقوله: فإن أراد مالك أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود، لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكا إنما نفى البلاغ, وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة: "إن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل" وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق١.اهـ.
وقال بن حزم: "وقال بعضهم: "لم يقل ذلك٢ رسول الله ﷺ إلاّ يوم حنين".
قال أبو محمد: "فكان هذا عجبا, نعم, فهبك أنه لم يقله ﵇ قط إلا مرة يومئذ، أو قاله قبل وبعد, أترى أنهم يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به مرة أو يرونه باطلا حتى يكرر القضاء به؟..".
فلا فرق بين ما قاله مرة, أو ألف ألف مرة, كله دين وكله حق, كله حكم الله تعالى, وكله لا يحل لأحد خلافه"٣.
المسألة الثانية: "من مسائل هذا الحكم: تخميس السلب, وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: "
القول الأول: "أن السلب لا يخمس قلَّ أم كثر".
стр. 647
قال ابن قدامة: "روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص, وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير١".اهـ.
وقال النووي: "واختلفوا في تخميس السلب, وللشافعي فيه قولان:
الصحيح منها عند أصحابه, لا يخمس وهو ظاهر الأحاديث وبه قال: أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون٢".اهـ".
وقال أبو عبيد: "وفي النفل٣ الذي ينفله الإمام سنن أربع, لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى".
فإحداهن: "في النفل الذي لا خمس فيه".
والثانية: "في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس".
والثالثة: "في النفل الذي يكون من الخمس نفسه".
والرابعة: "في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء".
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب, وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه مسلما من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر٤".
وقال ابن حزم: "وكل من قتل قتيلا من المشركين فله سلبه قال ذلك الإمام أو لم يقله, كيف ما قتله صبراً, أو في القتال, ولا يخمس السلب قلّ أو كثر"٥.
وقال ابن قيم الجوزية: حكم النبي ﷺ بالسلب كله للقاتل ولم يخمسه، ولم يحعله من الخمس, بل من أصل الغنيمة, وهذا حكمه وقضاؤه"٦".اهـ.
وأدلة هذا القول الأحاديث المتقدمة مثل حديث أبي قتادة: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه".
وحديث سلمة بن الأكوع في قتله طليعة المشركين, وقول الرسول ﷺ من قتل الرجل فقالوا: "سلمة بن الأكوع, فقال ﷺ : "له سلبه أجمع".
стр. 648
وحديث أنس بن مالك "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخد أسلابهم"١ ".
وساق القرطبي في تفسيره حديث عوف بن مالك الذي رواه مسلم, ثم قال: "وأخرجه أبو بكر٢ البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم, وزاد بيانا أن عوف بن مالك, قال: "إن رسول الله ﷺ لم يكن يخمس السلب"٣.
وروى الإمام أحمد فقال: "حدثنا أبو المغيرة٤ قال ثنا صفوان٥ بن عمرو قال: "حدثني عبد الرحمن٦ بن جبير بن نفير عن أبيه٧ عن عوف ابن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن النبي ﷺ لم يخمس السلب".
ورواه من هذه الطريق أيضا مطولا".
ورواه أيضا عن الوليد بن مسلم قال حدثني صفوان بن عمرو به مطولا أيضا ٨".
وأخرجه أبو داود من طريق أحمد الأخيرة".
стр. 649
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي ١".
وأخرجه أبو داود أيضا مختصرا من طريق إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف ن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب" ٢.
ورواه ابن الجارود من طريق أبي المغيرة قال ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد ﵄ أن النبي ﷺ لم يخمس السلب" ٣.
رواه الطحاوي من طريق الوليد بن مسلم قال: "ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "قلت لخالد بن الوليد يوم مؤتة ألم تعلم أن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب؟ قال: "بلى" ٤.
ورواه البيهقي أيضا من طريق الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو به٥".
ولمسلم من طريق الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو به بلفظ "قال عوف: "فقلت: "يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى، ولكني استكثرته" ٦.
والحديث صحيح وهو نص في أن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب".
القول الثاني: "أن السلب يخمس مطلقاً".
قال ابن قدامة: "وهو قول ابن عباس والأوزاعي ومكحول٧".
ونسبه النووي أيضا لمالك وقال: "وهو قول ضعيف للشافعي".
стр. 650
ثم قال: "وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي١ أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه وإلا فلا٢".
واستدل من قال بأن السلب يخمس بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال، من الآية:٤١] .ولم يستثن شيئا".
ورد الجمهور على هذا الدليل بقوله ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه" وبغير ذلك من الأحاديث القاضية بأن السلب للقاتل، وهي مخصصة لعموم الآية ٣".
القول الثالث: "أن السلب إن كان كثيرا خمس، وإلا فلا".
وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ وإسحاق بن راهويه ودليل هذا القول هو ما رواه سعيد بن منصور في "سننه".
٢٨٦- عن ابن سيرين٤ أن البراء بن مالك٥ بارز مرزبان٦ الزارة٧
стр. 651
بالبحرين، فطعنه فدق صلبه، وأخذسواريه١ وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى أبا طلحة في داره، فقال: "إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أوّل سلب خمس في الإسلام، سلب البراء، وبلغ ثلاثين ألفا"٢.
والحديث نسبه ابن حزم أيضاً لابن أبي شيبة قال: "حدثنا عبد الرحيم٣ بن سليمان عن هشام٤ بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك قال: "كان السلب لا يخمس وكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن مالك، وكان قتل مرزبان الزارة وقطع منطقته وسواريه، فلما قدمن المدينة صلى عمر الصبح، ثم أتانا فقال: "السلام عليكم أثم أبو طلحة؟ فقالوا: "نعم، فخرج إليه فقال عمر: "إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء مال وغني خامسه، فدعا المقومين فقوموا ثلاثين ألفا، فأخذ منها ستة آلاف٥".
والحديث أخرجه الطحاوي من طريق سفيان عن أيوب عن ابن سيرين عن أنس بن مالك به٦".
ورواه البيهقي من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك به".
ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك به٧".
стр. 652
ورد هذا الحديث ابن قدامة بقوله: "ولنا ما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب".
وعموم الأخبار التي ذكرناها، وخبر عمر بن الخطاب حجة لنا فإنه قال: "إنا كنا لا نخمس، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام، يعني أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا واتباع ذلك أولى".
قال الجوزجاني١: "لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول ﷺ شيء إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
ثم قال ابن قدامة: "وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية".
وإذا ثبت هذا: "فإن السلب من أصل الغنيمة، وقال مالك: "هو من خمس الخمس".
ولنا: "أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه أنه احتسب به من الخمس، ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الفارس والراجل ٣".إهـ.
وقال ابن قيم الجوزية: "قوله ﷺ "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" دليل على أن له سلبه كله غير مخمس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلا: "له سلبه أجمع".
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
стр. 653
والثاني: "أنه يخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة".
والثالث: "أن الإمام إن استكثره خمسه، وإن استقله لم يخمسه وهو قول إسحاق وفعله عمر بن الخطاب".
ثم أورد حديث ابن سيرين في قصة تخميس عمر بن الخطاب سلب البراء بن مالك".
ثم قال: "والأوّل: "أصح، فإن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب وقال: "هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده، وما رآه عمر اجتهاد منه أداه إليه رأيه، ثم قال: "والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة فإن النبي ﷺ قضى به للقاتل، ولم ينظر في قيمته، وقدره، واعتبار خروجه من خمس الخمس١".إهـ.
المسألة الثالثة: من مسائل هذا الحكم ما هو سلب؟
قال ابن قدامة: "السلب هو ما كان القتيل لابسا له من ثياب وعمامة وقلنسوة٢ ومنطقة٣ ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورةوران٤ وخف بما في ذلك من حلية ونحو ذلك؛ لأن المفهوم من السلب اللباس، وكذلك السلاح من السيف والرمح والسكين ونحوه؛ لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة لأنه يستعين بها فهي كالسلاح وأبلغ منه، ولذلك استحق بها زيادة السهمان بخلاف السلاح، فأما المال الذي معه في كمراته وخريطته فليس بسلب؛ لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به الحرب، وكذلك رحله وأثاثه وما ليست يده عليه من ماله ليس من سلبه، وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي".
стр. 654
إلا أن الشافعي قال: "ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهيمان١ الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته".
ثم قال ابن قدامة أيضا: "وإذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتجفيفها٢ وحلية إن كانت عليها وجميع آلاتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب".
وإنما يكون السلب إذا كان راكبا عليها، وإن كانت في منزله أو مع غيره أو منفلتة لم يكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب، وهكذا قول الأوزاعي".
وإن كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: "من السلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها فأشبهت سيفه أو رمحه في يده".
والثانية: "ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي٣ واختيار الخلال٤؛ لأنه ليس براكب عليها فأشبه ما لو كانت مع غلامه٥".
وقال برهان الدين المرغيناني: "والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، وكذا ما كان على مركبه من السرج والآلة، وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبته أو على وسطه، وما عدا ذلك فليس بسلب٦".
وقال الدسوقي: "والسلب هو ما اعتيد وجوده مع المقتول حال الحرب كدابته المركوبة له أو الممسوكة بيده أو يد غلامه للقتال وسرجه ودرعه وسلاحه ومنطقته
стр. 655
وما فيها من حلي وثيابه التي عليه". لا سوار وصليب وعين ذهب أو فضة ودابة غير مركوبة ولا ممسوكة للقتال بل جنيب أمامه بيد غلامه للافتخار فلا يكون للقتال لأنها من غير المعتاد، وله المعتاد١".
وقال ابن حزم: "والسلب: "فرس المقتول وسرجه، ولجامه، وكل ما عليه من لباس، وحلية، ومهاميز٢، وكل ما معه من سلاح، وكل ما معه من مال في نطاقه أو في يده، أو كيفما كان معه٣".
وبعد عرض مذاهب العلماء فيما هو المراد بالسلب، فإن الظاهر في هذا هو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى، لأن الأحاديث الواردة في ذلك عامة ولم تخصص شيئا دون شيء، ففي حديث أبي قتادة "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه".
وفي حديث سلمة بن الأكوع "من قتل الرجل قالوا: "سلمة بن الأكوع، فقال رسول الله ﷺ "له سلبه أجمع".
وفي لفظ: "فنفلني رسول الله ﷺ سلبه".
وفي حديث أنس بن مالك: "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخذ أسلابهم".
وهذه النصوص عامة كما ترى".
وفي حديث البراء بن مالك: "أنه بارز مرزبان الزارة بالبحرين، فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه" الحديث".
وفيه أن عمر بن الخطاب خمسه وكان قد بلغ ثلاثين ألفا دفع بقيته إلى البراء٤".
وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي في قصته قتل المددي لرجل من الروم
стр. 656
وكان الرومي على فرس له عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يفري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعقرب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب".
قال عوف فأتيته فقلت: "يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟
قال: "بلى، ولكنني استكثرته" الحديث١.
المسألة الرابعة: من مسائل هذا الحكم من هو المقتول الذي يستحق قاتله أخذ سلبه.
قال ابن قدامة: "الفصل الرابع: "أنه إنما يستحق السلب بشروط:
أحدها: "أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا أو ضعيف مهينا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لأنه يجوز قتله، ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك".
الثاني: "أن يكون المقتول فيه منفعة غير مثخن بالجراح، فإن كان مثخن بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه..".وإن قطع يدي رجل ورجليه وقتله آخر فالسلب للقاطع دون القاتل لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره".
الثالث: "أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول ٢".
وقال القرطبي: "قال أبو العباس٣ بن سريج من أصحاب الشافعي ليس الحديث "من قتل قتيلا فله سلبه" على عمومه لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم".
стр. 657
وكذلك من ذفف على جريح، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه١.إهـ.
وقال الأمين الشنقيطي: "ولا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذي يجوز قتالهم، فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا، أو ضعيفا مهينا، أو مثخنا بالجراح لم تبقى فيه منفعة، فليس له سلبه".
ثم قال: "ولا خلاف بين العلماء: "في أن من قتل صبيا أو امرأة أو شيخا فانيا لا يستحق سلبهم، إلا قولاً ضَعِيفاً جدا يروى عن أبي ثور، وابن المنذر، في استحقاق سلب المرأة، ثم قال: "والدليل على أن من قتل مثخن بالجراح لا يستحق سلبه، أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر وحز رأسه٢، وقد قضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئا ثم قال: "وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن مسعود "أن رسول الله ﷺ نفله سيف أبي جهل يوم بدر" ٣؛ لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة ولم يسمع منه".
وكذلك المقدم للقتل صبرا لا يستحق قاتله سلبه، لأن النبي ﷺ أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرا يوم بدر، ولم يعطي من قتلهما شيئا من سلبهما".
واختلفوا فيمن أسر أسيرا: "هل يستحق سلبه إلحاقا للأسر بالقتل أو لا؟
والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل فيجب استصحاب عموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ، [سورة الأنفال، من الآية: ٤١] ، الآية.
حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النبي ﷺ والمسلمون، أسارى بدر، وقتل بعضهم صبرا كما ذكرنا، ولم يعطي أحد من الذين أسروهم شيئا من أسلابهم، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة.
стр. 658
أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي المسلمين: "فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه، لأنه حينئذ ممن يجوز قتله، فيدخل في عموم "من قتل قتيلا فله سلبه" الحديث، وبهذا جزم غير واحد". والعلم عند الله تعالى ١ إهـ.
وأقول: "اختلف العلماء في مسائل هذا الحكم كعادتهم في كثير من المسائل الفقهية والناظر في مسائل هذا الحكم بالذات يجد أن مسائله متداخلة غير متميز بعضها عن بعض، حتى يكاد الطالب يقف أمامها واجما لا يستطيع أن يخرج بنتيجة مرضية لتشابكها وتداخلها.
وقد حاولت إبراز بعض هذه الجوانب وترتيبها ترتيبا متناسبا وذلك بجعل كل مسألة على حدى مع ذكر القائلين بها والمخالفين لها ثم إيراد دليل كل قول مع مناقشة الأدلة، حتى تكون مسائل هذا الحكم قريبة التناول سهلة المأخذ.
وقد ظهر لي من خلال ذلك أن الظاهر في هذا القول باستحقاق القاتل سلب قتيله، سواء قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك، وأن السلب هو كل ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح وحلية ودابة وغير ذلك، وأن هذا السلب للقاتل قل أو كثر بدون تخميس، وأنه من أصل الغنيمة".
وسواء أكان القتل مبارزة أم غير مبارزة، مقبلا أو مدبرا بشرط أن يقيم بنية على أنه قتله أو أثخنه بالجراح حتى جعله في حكم المقتول".
وهذا هو الذي تؤيده الأدلة الواردة في هذا الحكم". والله أعلم".
стр. 659
الحكم الرابع عشر: في بيان تحريم الغلول في الغنيمة
الغلول: "هو اعتداء بعض أفراد الجيش على أموال الغنيمة قبل قسمها وهو من كبائر الذنوب، ولا يقدم عليه إلا ضعيف الإيمان ضعيف النفس يحمله جشعه وسوء طبعه على هذه الخيانة العظيمة لإخوانه المجاهدين معه في سبيل الله ولعظيم خطر الغلول جاءت النصوص في الكتاب والسنة تحذر من الوقوع فيه وتبين أنه ذنب عظيم وجريمة أخلاقية فظيعة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٦١] .
قال الشوكاني: "قوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ أي يأت به حاملا له على ظهره كما صح عن النبي ﷺ فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل المحشر، وهي مجيئه يوم القيامة بما غله حاملا له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب عليه".
وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ ، [سورة البقرة، من الآية: ٢٨١] ، أي تعطى جزاء ما كسبت وافيا من خير وشر، وهذه الآية تعم كل من كسب خيراً أو شراً، ويدخل تحتها الغال دخولاً أوليا لكون السياق فيه١".إهـ".
٢٨٧- وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ ذات
стр. 660
يوم فذكر الغلول١ فعظمه وعظم أمره٢ ثم قال: "لا ألفين٣ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رغاء٤، يقول: "يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئاً٥ قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس له حمحمة٦، فيقول يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته شاة لها ثغاء٧، يقول: "يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته نفس لها صياح٨، فيقول يا رسول الله! أغثني، فأقول: "لا أملك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع٩ تخفق١٠، فيقول: "يا رسول الله! أغثني، فأقول: "لا أملك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة
стр. 661
على رقبته صامت١، فيقول: "يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئا قد أبلغتك" ٢".
٢٨٨- وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "كان على ثقل٣ النبي ﷺ رجل يقال له كركرة٤، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "هو في النار"٥. فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها ٦ ".
والأحاديث الوردة في النهي عن الغلول وعقوبة فاعله كثيرة جداً، وحسبنا في ذلك أن نقتصر على الأحاديث الواردة في غزوتنا هذه، وهي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الحديث طويل وفيه: "
ولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب، واتبعه الناس يقولون: "يا رسول الله أقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم حتى ألجئوه إلى شجرة فاختطفت رداءه، فقال: "أدو علي ردائي أيها الناس، فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذاباً ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة٧ من سنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها، ثم قال:
стр. 662
"أيها الناس, والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة١ إلا الخمس٢, والخمس مردود عليكم, فأدوا الخياط٣ والمخيط, فإن الغلول يكون على أهله عاراً٤ وناراً وشناراً يوم القيامة, قال: "فجاء رجل من الأنصار بكبة٥ من خيوط شعر, فقال: "يا رسول الله, أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة٦ بعير لي دبر٧, فقال أما نصيْبِي ٨ منها فلك ,
стр. 663
قال: أما إذا بلغت١ هذا فلا حاجة لي بها ثم طرحها من يده"٢.
حديث عبادة بن الصامت ﵁, وقد ورد من أربع طرق:
أ- من طريق يعلى بن شداد عن عبادة عند ابن ماجة والفسوي وهذا سياقه عند ابن ماجة قال: "
٢٨٩- حدّثنا عليّ٣ بن مُحمّد ثناأبو أسامة٤ عن أبي سنان عيسى بن سنان عن يعلى٥ بن شداد, عن عبادة بن الصامت قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ يوم حنين, إلى جنب بعير من المقاسم, ثم تناول شيئا من البعير, فأخذ منه قردة٦ - يعني وبرة - فجعل بين أصبعيه ثم قال: "يا أيها الناس إن هذا من غنائمكم، أدوا الخيط والمخيط, فما فوق ذلك, فما دون ذلك, فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة وشنار ونار "٧.
والحديث من زوائد ابن ماجة.
стр. 664
قال البوصيري: "في إسناده عيسى١ بن سنان، اختلف فيه كلام ابن معين قال: "لين لحديث وليس بالقوي، وقيل: "ضعيف، وقيل: "لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات".إهـ.
ولكن الحديث له طرق أخرى عن عبادة يتقوى بها وهي:
ب- طريق أبي أمامة الباهلي عن عبادة عند أحمد وغيره وهذا سياق أحمد قال: "حدثنا معاوية٢ بن عمرو ثنا أبو إسحاق٣ - يعني الفزاري - عن عبد الرحمن٤ ابن الحارث بن عياش عن سليمان٥ بن موسى عن مكحول٦ عن أبي سلام٧ عن أبي أمامة٨ الباهلي، عن عبادة ابن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة".
стр. 665
وفي لفظ عن عبادة قال: "أخذ النبي ﷺ وبرة من جنب بعير فقال: "أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم".
وجاء بهذا الإسناد في قصة بدر١.
وفيه: "قال عبادة: "وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعاً وكلَّ الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم". هكذا روى الإمام أحمد هذا الحديث عن عبادة مفرقا٢.
وكذا روى بعضه الدارمي مفرقا أيضاً٣.
وروى البيهقي منه هذا الجزء الأخير٤.
ورواه ابن حبان في صحيحه مجموعاً في سياق واحد، مشتملا على قصة بدر.
وفيه "وكان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادئين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث".
وقال: "أخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وبرة من جنب بعير ثم قال: "يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا
стр. 666
الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم، قال: "وكان رسول الله ﷺ يكره الأنفال ويقول: "ليرد قوي١ المؤمنين على ضعيفهم" ٢.
ورواه الطحاوي والحاكم كلاهما من طريق عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى الأشدق به، دون قصة بدر٣".
ورواه النسائي والبيهقي كلاهما من طريق عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى به قوله: "أخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وبرة من جنب بعير فقال: "يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" ٤".
جـ طريق ابن أبي مريم عن أبي سلام عن المقدام بن معد يكرب الكندي عند أحمد وهذا سياق الحديث:
стр. 667
حدثنا أبو اليمان١ وإسحاق٢ بن عيسى قالا ثنا إسماعيل٣ بن عياش عن أبي بكر٤ بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلام, قال إسحاق٥: "- الأعرج - عن المقدام٦ بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء٧ والحارث٨ بن معاوية الكندي فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ ,فقال أبو الدرداء لعبادة: "يا عبادة كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس فقال عبادة: قال إسحاق في حديثه: "إن رسول الله ﷺ , صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم, فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملته٩ فقال: إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم, إلا الخمس, والخمس مردود عليكم, فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة" ١٠ الحديث.
قال الألباني في إرواء الغليل: "هذا إسناد جيد في المتابعات أبو سلام الأعرج هو ممطور الحبشي الدمشقي وهو ثقة من رجال مسلم, وابن أبي مريم ضعيف
стр. 668
لاختلاطه, لكن تابعه أبو يزيد غيلان, أخرجه الدولابي في "الكنى"١ ثم قال: وأبو يزيد مقبول كما في "التقريب"٢ وساق سند الدولابي٣ في سلسلة الأحاديث الصحيحة, ثم قال: "وقع في إسناده في الأصل: "بياض بين كعب ومعد, ولعل الصواب: "المقدام بن معديكرب فقد أورد الحديث الحافظ في الإصابة وقال: "قال أبو نعيم: "رواه أبو سلام عن المقدام الكندي فقال: "الحارث بن معاوية الكندي".
والمقدام الكندي هو ابن معد يكرب وهو صحابي مشهور".
ثم ذكر الخلاف في صحبة الحارث وأشار إلى ترجيح ابن حجر بأنه مخضرم".
ثم قال: "وغيلان هو ابن أنس قال في "التقريب" مقبول"٤".
وبقية الرجال ثقات غير منصور الخولاني, فلم أجد له ترجمة٥".اهـ".
قلت: "وهذا الحديث المشارإليه عند الدولابي أَخْرَجَهُ أيضاً الفسوي ومن طريقه أخرجه البيهقي وهذا سياقه عند الفسوي قال: حدثني منصور عن أبي يزيد غيلان مولى كنانة عن أبي سلام الحبشي عن المقدام بن معد كرب عن الحارث بن معاوية قال: حدثنا عبادة بن الصامت وعنده أبو الدرداء أن نبي الله ﷺ صلى إلى بعير من المقاسم, فلما فرغ من صلاته أخذ منه قردة بين أصبعيه- وهي وبرة- فقال: "ألا إن هذا من غنائمكم وليس لي منه إلا الخمس والخمس مردود عليكم, فأدوا الخيط والمخيط وأصغر من ذلك وأكبر فإن الغلول عار على أهله في الدنيا والآخرة" الحديث٦.
د- طريق ربيعة بن ناجد عن عبادة عند عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وهذا سياقه:
стр. 669
حدثني عبد الله ١ بن سالم الكوفي المفلوج، كان ثقة ثنا عبيدة ٢ ابن الأسود عن القاسم٣ بن الوليد عن أبي صادق٤ عن ربيعة٥ بن ناجد عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، فيقول: "مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم منه، وإياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة أدو الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله تعالى القريب والبعيد " الحديث٦.
والخلاصة أن الحديث ورد من أربع طرق:
الأولى: "طريق يعلى بن شداد عند ابن ماجة والفسوي، وفيها (عيسى بن سنان) وهو ضعيف كما تقدم٧".
الثانية: "طريق أبي أمامة الباهلي عن عبادة عند أحمد وغيره وقد حسنها الزرقاني٨".
وقال الألباني عن هذا الحديث في صحيح الجامع: "صحيح" وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، قال: "إسناده حسن رجاله كلهم ثقات، وفي عبد الرحمن بن الحارث وشيخه سليمان بن موسى الأشدق، كلام لا ينزل حديثهما عن رتبة الحسن، لا سيما وقد جاء الحديث من طرق".
وفي إرواء الغليل، قال: "الحديث سكت عليه الحاكم والذهبي، وإسناده
стр. 670
حسن عندي وفي عبد الرحمن وسليمان كلام لا ينزل به حديثهما عن المرتبة التي ذكرنا"١.
قلت: "وقد روى الحاكم هذا الحديث في موضع آخر بهذا الإسناد مقتصرا فيه على ما حصل من الصحابة من الاختلاف في غنائم بدر، ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٢". ووافقه الذهبي".
الثالثة: "طريق ابن أبي مريم عند أحمد، وفيها (ابن أبي مريم) وهو ضعيف".
وقد تابعه غيلان بن أنس الكلبي أبو يزيد عند الدولابي والفسوي والبيهقي (وغيلان) قال عنه ابن حجر في التقريب "مقبول"٣".
وفي الإسناد أيضا منصور الخولاني ولم أجد ترجمته".
الرابعة: "طريق ربيعة بن ماجد عند عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وإسناده حسن".
وخلاصة القول أن النهي عن الغلول في غزوة حنين ورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن٤".
ومن حديث عبادة بن الصامت وإسناده حسن على أقل تقدير".
وهذه الأحاديث تدل على تحريم الغلول وعلى عقوبة من يتعاطى ذلك، وأنه من الكبائر التي توبق صاحبها وتعرضه للمقت يوم القيامة".
قال النووي: "أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر وأجمعوا على أن على الغال رد ما غل، فإن تفرق الجيش وتعذر إيصال حق كل واحد إليه، ففه خلاف بين العلماء، قال الشافعي وطائفة: "يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضائعة.