أن الطاعون من وخز الجن" (١). يشير إلى حديث أبي موسى: "الطاعون وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة" (٢).
ومن ذلك تأويله للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. وجاء فيه: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" يقول فيه ولا شك أن الجراثيم تلك تجري في خلايا جسم الإنسان وفي دمه، حيث تنقل الأمراض، وحيث تسري في البدن، مع أن المراد به في الحديث وسوسة الشيطان في صدر بني آدم ولكن لفظه عام.
ومن تأويلاتهم المرفوضة في أمر الجن ما زعموه في أمر رؤيتهم وحملهم، أنها من قبل التخييل والوهم، وأولوا من أجلها الأحاديث الصحيحة" (٣).
قلت: تم الكلام عن منهج المدرسة الإصلاحية في التفسير، نقلناه عن كتاب "العصرانيون" بتصرف.
أما عن موقف هذه المدرسة من السنة النبوية فننقل هنا ما يتعلق بالشيخ محمّد رشيد رضا فقد قال -أي صاحب الكتاب- في أحاديث الآحاد التي ردّها الإصلاحيون، لأنها تفيد ظنًّا، ولا مجال للظن في أمور العقائد:
"وأكد هذا المنهج السيد محمّد رشيد رضا بقوله: "أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمنًا .. لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد .. ".
أما عن تأثر الإصلاحيين بالمستشرقين في إثارة الشبه حول السنة، فقد قال صاحب كتاب "العصرانيون":
"وقد تأثر الإصلاحيون بشبه المستشرقين، وآراء المعتزلة، وكانوا جسرًا يسير فوقه العصرانيون في إثارة الشبه نفسها حول السنة النبوية".
ثم قال: "وقد شككوا في بعض ما في الصحيحين:
قال الشيخ محمّد رشيد رضا: "ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى، لا يسهل على أحد إثباتها، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامات الوضع، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه .. فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه .. فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض نلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم، قد يكون بعضها صوابًا، وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعنًا في دين الإسلام".
وإذا كانت دعوة السيد رشيد رضا مغلفة، فقد جاء من أنكر كثيرًا مما في الصحيحين من أتباع هذه المدرسة، كأحمد أمين، ومحمود أبي رية.
ولرد هذه الضلالة ننقل بعض أقوال العلماء .. قال الإمام النووي ﵀: "اتفق العلماء
стр. 2557
رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة".
وقال ابن تيمية ﵀: "فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن".
وقال الدهلوي ﵀: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون من أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين".
أما عن التشكيك في تدوين الحديث النبوي، فقد قال:
"زعم هؤلاء جريًا وراء ترهات المستشرقين أن الحديث لم يكتب في عهد الرسول ﷺ مما يدعو إلى التلاعب والفساد، ما قد حصل. ولذا طرأ على السنة من التبديل والزيادة، كما طرأ على أهل الكتاب لعدم كتابتها في عهده، وعدم حصر الصحابة لها في كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظها لهم جيدًا في صدورهم.
قال الشيخ محمّد أبو زهو: "فهذه الدعوى من الشيخ - يقصد محمّد رشيد رضا - عفا الله عنه، لا أساس لها، بل تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول ﷺ الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في كافة الأزمان من عهد النبي إلى اليوم".
وعن تقسيمهم السنة إلى عملية وغير عملية فيقول:
"لا يلتزم الإصلاحيون إلا بالسنّة العملية دون القولية.
قال الشيخ محمّد رشيد رضا: "إن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملًا وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية" وقال: "فالعمدة في الدين هو القرآن، وسنة الرسول المتواترة، وهي السنة العملية كصفة الصلاة، والمناسك مثلًا، وبعض الأحاديث القولية التي أخذ بها جمهور السلف، وما عدا هذا من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الرواية، أو غير قطعية الدلالة فهي محل اجتهاد".
ثم يرد على قول محمّد رشيد رضا فيقول: "هذا وإن السنة تشمل أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته.
"وهذا الذي عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا، كما تطلق على الأحاديث المتواترة والآحاد، والقول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه" أ. هـ.
• المفسرون بين التأويل والإثبات:
"الشيخ محمّد رشيد رضا من المدرسة التي تزعمت الإصلاح وهو أحد رجالاتها الذين كان لهم الباع الطويل في خدمة منهجها، وقد ذكره أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح.
وإن كان بعض الناس يرى أن أصحاب هذه المدرسة كان لهم اتصال بالتنظيم الماسوني، فالله أعلم. هل هي دعاية من المغرضين ومن الحاقدين أو هي شيء اقتضته الضرورة أو هي شيء سابق لم يستطع التخلص منه، كل هذه الأسئلة ترد،
стр. 2558
والله أعلم بالجواب إن كانت الدعوى صحيحة.
والذي يهمنا من شخصية الشيخ محمّد رشيد رضا هو ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، أما ما وقع فيه من انحرافات في العقيدة عمومًا تبعًا لشيخه في ذلك، كإنكار نزول المسيح، وخروج الدجال، ومعجزات الرسول ﷺ غير القرآن والجن، وقتال الملائكة يوم بدر فهذا شيء مسجل في كتاب "المنار".
فالشيخ رشيد رضا اتصل بمحمد عبده، واقتنع بشخصيته ودعوته وجعله مثالًا يقتدى به وجعل فكره منبعًا لثقافته، لكنه استطاع التخلص مما كان عليه شيخه من العقيدة الأشعرية، فنراه كثيرًا ما يرد عليه، وللشيخ محمّد عبده رسالة سماها بالتوحيد من قرأها عرف عقيدته وتأثره بالعقيدة الأشعرية واقتناعه بها، وأظهر ذلك في تفسير آيات الصفات كما يرى ذلك فيما أثبتناه في هذا البحث المبارك.
أما الشيخ رشيد رضا فقد أظهر مذهبًا سلفيًّا جيدًا فيما جمعه في تفسير المنار وقد أثبت في معظم الصفات مذهب السلف الصالح ودافع عنه وإن كان يقع في التأويل في بعض الصفات كتأويل صفة الإتيان والمجيء وكما وقع له الخلط في صفة اليد، فهو يعتبر من الذين غلبت عليهم الصبغة السلفية، ومدحه للإمام القاسمي: يدل على إعجابه بالمذهب السلفي الذي نصره الإمام القاسمي.
صفة الرحمة:
قال في تفسير البسملة:
ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة (وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معًا بالمطابقة، وعلى الذات وحدها أو الصفة بالتضمن، ولكل منها لوازم تدل عليها بالالتزام كدلالة الرحمن على الإحسان والإنعام ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام، ودلالة الرب على البعث والجزاء لأن الرب الكامل لا يترك مربوبيه سدى. ومن عرف الأسماء الحسنى والصفات العليا عرف أن اسم الجلالة الأعظم (الله) يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية فدلّ هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال وتنزهه عن جميع النقائص وسبحان الله والحمد لله والله أكبر). (١)
تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولًا ومحصلة أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق والرازق، وقال بعضهم: يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فتكون صفة مستقلة، وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح.
والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافًا للمعتزلة فإن معاني هذه الصفات كلها عسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على
стр. 2559
الله تعالى: إذ العلم بحسب مدلوله اللغوي، هو سورة المعلومات في الذهن التي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر وهي بهذا المعنى محال على الله تعالى فإن علمه تعالى قديم يقدمه غير عرض منتزع من صور المعلومات وكذلك يقال في سمعه تعالى وبصره، وقد عدّوهما من صفات المعاني القائمة بنفسه والرحمة مثلها في هذا.
فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات خلقه الثابتة عقلًا ونقلًا بقوله : ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾.
فنقول: إن لله علمًا حقيقيًّا هو وصف له ولكنه لا يشبه علمنا وإن له سمعًا حقيقيًّا هو وصف له لا يشبه سمعنا وإن له رحمة هي صفة لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال النفس وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين النقل والعقل، وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من مجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية، كما قالوا في الرحمة والغضب وأمثالها دون العلم والسمع والبصر وأمثالها فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها فإما أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتار أن واضع اللغة وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم شبهها بها من باب التجوز. (١)
صفة الاستهزاء:
قال عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
أصل الاستهزاء الإستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعلمه مع اعتقاد قبحه غير مبال به ولا معتنى بعلمه ولا بعمله حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه ويلزمه استرسال المستهزئ في عمله القبيح.
فمعنى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته وتبطأ عنهم نقمته ثم سقطوا من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون. إلى أن قال: وأشهر الأقوال أن معناه يجازيهم بالعقاب على استهزائهم أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾.
وقيل: إن استهزاءه تعالى بهم إجراؤه أحكام المسلمين عليهم في الدنيا كما مرّ في خداعه لهم (٢).
стр. 2560
التعليق:
والصواب إثبات صفة المكر والاستهزاء والخداع لله تعالى على ما يليق به على جهة العدل، فهو تعالى أفعاله كلها عدل ولا يشتق له من هذه الصفات إسم فلا يقال: مستهزئ وماكر، ومخادع، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
صفه الاستواء:
ذهب الشيخ رشيد رضا في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ مذهب السلف الصالح في صفة الاستواء فقال ما لفظه:
لم يشتبه أحد من الصحابة في معنى استواء الرب تعالى على العرش على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق إذ كانوا يفهمون أن استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السماوات والأرض له، وانفراده هو بتدبيره وأن الإيمان بذلك لا يتوقف على معرفة كنه ذلك التدبير وصفته، وكيف يكون بل لا يتوقف على وجود عرش، ولكن ورد في الكتاب والسنة أن لله عرشًا خلقه قبل خلق السماوات والأرض وأن له حملة من الملائكة فهو كما تدل اللغة مركز تدبير العالم كله، قال تعالى في سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ولكن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالنقل والعقل كانت مانعة لكل منهم أن يتوهم أن في التعبير بالاستواء على العرش شبهة تشيه الخالق بالمخلوق كيف وأن بعض القرائن الضعيفة لفظية أو معنوية تمنع في لغتهم حمل اللفظ على معناه البشري فكيف إذا كان لا يعقل. فكيف والاستواء على الشيء مستعمل في البشر استعمالًا مجازيًا وكنائيًا كما تقدم والقاعدة التي كانوا عليها في كل ما أسنده الرب تعالى إلى نفسه من الصفات والأفعال التي وردت اللغة في استعمالها في الخلق أن يؤمنوا بما تدل عليه من معنى الكمال والتصوف مع التنزيه عن تشبيه الرب بخلقه فيقولون أنه اتصف بالرحمة والمحبة واستوى على عرشه بالمعنى الذي يليق به لا بمعنى الانفعال الحادث الذي نجده للحب والرحمة في أنفسنا ولا ما نعهده من الاستواء والتدبير هي ملوكنا وحسبنا أن نستفيد من وصفه بهاتين الصفتين أثرهما في خلقه وأن نطلب رحمته ونعمل ما يكسبنا محبته وما يترتب عليهما من مثوبته وإحسانه ونستفيد من الاستواء على عرشه كون الملك والتدبير له وحده فلا نعبد غيره ولذلك قرنه في آخر آية يونس بقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وفي سورة ألم السجدة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، وهذا يؤيد ما صدرنا به تفسير الآية من أنها كأمثالها تقرر وحدانية الربوبية على أنها حجة لوحدانية الألوهية وإبطال عبادة غيره تعالى معه بمعنى ما كانوا يدعون من الشفاعة.
صفة الكلام:
وقد اختار الشيخ رضا مذهب السلف الصالح في إثبات الكلام لله تعالى وألقى اللوم على الذين اشتغلوا بالكلام وتركوا النصوص الصريحة وذكر
стр. 2561
بعض أساطين النظار الذين تراجعوا عن الاشتغال بالكلام مثل: الإمام أبي محمّد عبد الله الجوني والد إمام الحرمين. فقد نقل في بحثه في الكلام رسالة هذا الرجل العظيم الذي اعترف بما كان عليه سابقًا من حيرة وتساؤلات نفسية كانت تطرحها الفطرة عليه ولا يجد لها جوابًا لأن المشايخ الذين كان يثق بعلمهم ويعظمهم في نفسه كانوا على مذهب أهل الكلام والمذهب الأشعري الذي هو فرع منه ولكن الله هداه وفتح قلبه على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية، ولم يكتف الاقتناع بنفسه بل ألف في ذلك رسالة سماها: نصيحة المسلمين قرر فيها مذهب السلف في مسائل الصفات ومنها الكلام بحرف وصوت وأحرج الأشاعرة في إثباتهم لبعض الصفات وتركهم للبعض، فقد ذكر الشيخ رشيد رضا بحثًا طويلًا في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فذكر بعض المخترعات العلمية التي يتحير الإنسان في وجودها، وأثبت بها أن الله ﵎ أقوى وأتدر من أن يتكلم كيف يشاء ومتى شاء زيادة على النصوص المعتمدة في الباب".
ثم قال في صفه المجيء والإتيان:
"قال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
الاستفهام في الآية بمعنى النفي وينظرون بمعنى ينتظرون وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً﴾.
وإتيان الله تعالى فسره الجلال وآخرون بإتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.
أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها، وأقر الأستاذ الإمام الجلال على ذلك وبين في الدرس أن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازًا وأوضحه أتم الإيضاح فهو على حد ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ومن المفسرين من قال أن الإسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب وعده آخرون من المتشابهات فقالوا: إن الله تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر، بل إتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعًا للسلف وأما تأويل الإتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدًا عن الفهم وقد يقال أنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كلما يسند إلى الله تعالى في المتشابهات التي لا تفهم بحال ولا تفسر ولو بإجمال فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان الله ها هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب أو إتيانه بما وعد به.
إننا نفوض إليه تعالى كيفية ذلك وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض مع العلم بأن الله تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق، ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا
стр. 2562
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. مع الآيات الكثيرة الناطقة إلى أن قال: وذكر الأستاذ الإمام في تفسير الآية وجه آخر يعد بيانًا للقول بأن الإتيان مسند إلى الله تعالى على أنه هو الذي يأتي على ظاهر مذهب السلف لا عذابه ولا يومه الموعود وهو من الآيات الكبرى وأسرار المعارف العليا. إلى أن قال: وإما أن يكون هذا الإتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارًا أننا لا نبحث عن حقيقتها، فكون معرفة الله تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى الله وما يدرينا أن في ذلك الغمام آيات بينات وحججًا باهرات، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل لأن المقام مقام تمثيل ظهور سلطان الله تعالى وعظمته واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور المعرفة ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر هو أبين لكمال العظمة وأظهر ولذلك قال في سورة الفجر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وفي سورة النبأ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾.
والمراد بهذا المعنى الذي قرره الأستاذ الإمام تقريب هذا المذهب من الأفهام ولا يعني أن هذا بيان لكيفية الإتيان في الغمام، ثم ختم البحث بقوله: هذا وأنت ترى أن الوجه الأول في تفسير الآية، هو المتبادر والمنطق على الآيات الأخرى في نذر القيامة وفي كل منهما عبرة وهداية للمؤمنين، وأما المرتابون الممارون فلا يزيدهم الكلام على الآخرة إلا ظلمًا ورجسًا إلى رجسهم لأنهم محجوبون في حسهم حتى عن أنفسمهم ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١).
التعليق:
الشيخ الإمام محمّد عبده في صفة الإتيان والمجيء الذي يظهر أن الإثبات عنده والتأويل مستويا الطرفين، وإن كنت أرى أن التأويل عنده أرجح لأنه حكى مذهب المتأولة وقرره وحكى مذهب السلف ووجهه على قليل من التخليط بين مذهب السلف ومذهب المفوضة وأما تلميذه الشيخ محمّد رشيد رضا فقد مال في هذه الصفة إلى مذهب أهل التأويل والله المستعان".
ثم قال في صفة اليد:
"أما صاحب المنار فقد ذهب في صفة اليد في آية المائدة: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، مذهب المؤولة وألقى اللوم على ابن جرير الطبري الذي أثبت صفة اليد لله تعالى واتهمه بالتعصب واتهم غيره من أنصار مذهب السلف، وظهر بأنه لا يفرق بين مذهب السلف ومذهب المفوضة واختلط عليه الأمر كما اختلط على غيره في تشبيه مذهب المفوضة بمذهب السلف، والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا. فالسلف يثبتون وينزهون والمفوضة يقرأون ويجهلون وهذه بعض عبارته في كتابه، قال:
"ثم ردّ عليهم تعالى في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشَاءُ﴾ أي بل صاحب
стр. 2563
الجود الكامل والعطاء الشامل عبر عن ذلك ببسط اليدين لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه وصفوه بغاية البخل والإمساك فأبطل قولهم وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء ولا غرو فكل ما يتقلب فيه العالم كله من الخير والنعيم هو سجل من ذلك الجود والكرم والنكتة في قوله: ﴿كَيفَ يَشَاءُ﴾ بيان أن تقتير الرزق على بعض العباد الجاري على وفق الحكمة وسنن الله تعالى في الإجتماع لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق.
والعجب من الإمام الجليل أبي جعفر بن جرير الطبري كف صور استعمال نفظ اليد هنا أحسن تصوير ثم خفيت عنه نكتة تثنيته فجعلها حجة المفوضة على أهل التأويل ونحن معه في إثبات الصفات ننعي على المؤولين النفاة ولا يمنعنا ذلك أن نفهم نكتة تثنية اليد من استعمال لفظها المفرد، قال ابن جرير بعد تفسير غل اليد بالإمساك: وحسب العطاء عن الاتساع ما نصه ثم نقل كلام ابن جرير الذي نقلناه عنه في صفة اليد ثم قال: نعم إن التثنية ليست بمعنى الجمع واليد واليدين لم يقصد بلفظهما النعمة ولا القوة ولا الملك وإنما الاستعمال في الموضعين من الكناية، ونكتة التثنية إفادة سعة العطاء ومنتهى الجود والكرم وليس في هذا القول المروي عن ابن عباس تأويل ولا نفي لما أثبته الباري لنفسه من صفة اليد واليدين والأيدي في آيات أخرى، وما سبب ذهول ابن جرير عن نكتة التثنية إلا توجهه إلى الرد على أهل الجدل في المذهب الذي كانوا قد انتحلوه في تأويل الصفات ومتى وجه الإنسان همه إلى شيء يكون له منه حجاب ما عن غيره. وتقرير الحقيقة لذاتها غير الرد على من يعدون من خصومها ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾ ولهذا غلط كثير من أنصار مذهب السلف في مسائل خالفوا فيها المذهب من حيث يريدون تأييده وهذه آفة من آفات عصبية المذاهب لا تنفك عنها. (١)
التعليق:
وهذا الذي ذكره صاحب المنار وألقى فيه اللوم على ابن جرير في انتصاره لمذهب السلف وعبّر عنه بالمفوضة واتهمه بالتعصب هو وغيره قد قرره غير واحد من فحول العلماء وهذا إمام المعقول والمنقول شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر هذا في غير موضع من كتبه ويجعل التثنية في اليد من أعظم الحجج في إثبات صفة اليد لله تعالى، وهذا تلميذه الإمام اللغوي: ابن قيم الجوزية يقرر هذا في كتبه وخصوصًا في كتابه "الصواعق المرسلة" كما نقلناه عنه في مناقشة القرطبي. وغير هؤلاء ممن ألّف في مذهب السلف يذكر هذه الآية مستدلًا بها على إثبات صفة اليد كالإمام ابن خزيمة والإمام البخاري والإمام اللالكائي وغيرهم ممن ذكرنا كثرة.
أما اتهامه لأنصار مذهب السلف بأنهم يتعصبون لهذا المذهب حتى يؤدي بهم إلى نصر ما هو ضد المذهب فهذه دعوى ليس عليها
стр. 2564
برهان والمعروف عند أئمة السلف والسلفيين هو الاستدلال بالنصوص والوقوف عندها وفقهم الله وأكثر من سوادهم وردّ كيد من يريدهم بسوء في نحره".
ثم قال في إثبات الرؤية:
"قال عند قوله تعالى من سورة الأعراف: ﴿قَال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
لقد ذكر الشيخ ها هنا رحمة الله عليه مباحث متعددة في صفة الرؤية ثم قال: الكلمة الجامعة الخاتمة في مسألة الرؤية:
خلاصة الخلاصة أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق وأنها أعلى وأكمل النعيم الروحاني الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة والرضوان وأنها أحق ما يصدق عليه قوله تعالى في كتابه الجيد: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وقوله في الحديث القدسي الذي رواه عنه رسول الله ﷺ : "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، وأن هذا وذاك مما يدل على مذهب السلف الذي عبر عنه بعضهم بأوجز عبارة اتفق عليها جميعهم وهي أنها رؤية بلا كيف ويؤيد ذلك اضطراب جميع أصناف العلماء في النصوص الواردة في نفيها وإثباتها سواء منهم أهل اللغة وأساطين البيان ونظار الفلسفة وعلم الكلام ورواة الأحاديث والآثار ومرتادو الصوفية وأولو الكشف والإلهام فلم تتفق طائفة من هؤلاء على قول فصل قطعي تضع به بقية الطوائف بدليلها اللغوي أو الأصولي أو العقلي أو فهم النص النقلي أو تسليم إلهامها الكشفي ولكن من نظر في جميع ما قالوا نظرة استقلال وإنصاف يجزم بأن ما كان عليه عامة السلف من إثبات كل ما صح به النقل والتفويض تأويله الذي يكون عليه في الآخرة إلى الله هو الحق الذي يطمئن به القلب ويؤيده العلم والعقل وهو الأسلم والأحكم والأعلم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (١).
• التفسير والمفسرون -وقد تكلم عن منهجه في التفسير-: "وأما منهجه فيه فهو عين ما نهجه الأستاذ الإمام، فلا تقيد بأقوال المفسرين، ولا تحكم للعقيدة في نص القرآن، ولا خوض في إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات باسلوب رائع، وكشف عن المعاني بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله في خليقته.
ولكنا نجد الشيخ رشيد ﵀ يحيد عن هذا المنهج بعض الشيء وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويحدثنا هو بذلك فيقول:
(وإنني لما استقللت بالعلم بعد وفاته، خالفت منهجه -رحمه الله تعالى- بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها،
стр. 2565
أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس (١) " أ. هـ.
ثم قال عن تذرعه بالمجاز والتشبيه: "كذلك نجد صاحب المنار يصرف بعض ألفاظ القرآن عن ظواهرها ويعدل بها إلى ناحية المجاز أو التشبيه، وذلك فيما يبدو مستبعدًا ومستغربًا لو أجرى على حقيقته، وهذا المسلك الذي جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه، ومسلك الزمخشري وغيره من المعتزلة، الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلًا للفرار من الحقائق التي يصرح بها القرآن، ولا تعجز عنها قدرة الله، وإن بعدت عن منال البشر.
فمثلًا نجد صاحب المنار عندما نعرض لقوله تعالى في الآية (٤٧) من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ... الآية﴾، نراه يستظهر أن المعنى المراد هنا هو (آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها في كيد الإسلام، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذي جاء به الأنبياء، وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والمعرفة والقوة، فهذا ما نفسرها به، على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين .. ثم سرد بعض أقوال المفسرين في هذه الآية، ثم بيّن أن ما اختاره هو رأي شيخه الذي مال إليه في دروسه (٢) ".
ثم تكلم عن رأيه في السحر فقال: "ثم إن صاحب المنار لا يرى السحر إلا ضربًا من التمويه والخداع، وليس له حقيقة كما يقول أهل السنة، وهو يوافق بهذا القول شيخه وقول المعتزلة من قبله: ولهذا نراه عندما فسّر قوله تعالى في الآية (٧) من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نجده يقول: (والآية تدل على أن السحر خداع باطل، وتخييل يرى ما لا حقيقة له في صورة الحقائق .. ) (٣).
وهذا ولم يستطع الشيخ رشيد أن يرد حديث البخاري في سحر رسول الله ﷺ كما فعل شيخه، ولكنه تأول الحديث على أنه كان من قبيل العقد عن النساء، وبين أن عذر من طعن في الحديث هو أن هشامًا راوي الحديث عن أبيه عن عائشة مطعون فيه من كثير من أئمة الجرح والتعديل" أ. هـ.
قلت: وأخيرًا فلا يفوتنا أن الرجل قد دافع عن
стр. 2566
الإسلام والقرآن، وكشف عما أحاط بهما من شكوك ومشاكل، وقد استعمل في ذلك لسانه وقلمه، وضمنه مجلته وتفسيره، وتلك مزية للرجل يحمد عليها، ولا ننسى ماله من أفكار جريئة ومتطرفة.
وفاته: سنة (١٣٥٤ هـ) أربع وخمسين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: مجلة "المنار"، و"تفسير القرآن الكريم" لم يكمله، و"ذكرى المولد النبوي" وغيرها.
٣٤٦٥ - النحوي *
النحوي، اللغوي: محمّد رضا بن أحمد بن حسن الحلي، المعروف بالنحوي.
من مشايخه: السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي، والسيد صادق الفحام، وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• أعيان الشيعة: "كان نحويًّا لغويًّا واقفًا على أسرار العربية ودقائقها.
قال بعضهم في ترجمته: كان أديبًا أريبًا عالمًا عاملًا برًا تقيًا رضيًا مرضيًا، وله في القصائد الفرائد جمة" أ. هـ.
• الأعلام: "أديب، من أهل الحلة في العراق" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٢٢٦ هـ) ست وعشرين ومائتين وألف.
من مصنفاته: له "ديوان"، و"مجموعة التخاميس".
٣٤٦٦ - العُرفي *
النحوي، المفسر محمّد سعيد بن أحمد العَرُفي.
ولد: سنة (١٣١٤ هـ) أربع عشرة وثلاثمائة وألف.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "كاتب من العلماء له اشتغال بالأدب والتفسير والتاريخ. وكان خطيبًا يجيد التركية ويلم بالفارسية والهندية، حارب البدع والطرق الصوفية. وقاوم الاحتلال الفرنسي" أ. هـ.
• أعلام الأدب والفن: "كان شوكة دامية في عيون المستعمرين فقد أذكى الروح الوطنية في نفوس الشعب وقاوم البدع والخرافات والأضاليل والأوهام الدينية التي كانت تفتك بالمجتمع دون أي راع أو واعظ مرشد.
كان متين المعرفة بالنحو وتاريخ الفرق الإسلامية والتفسير وملمًا بمبادئ العلوم الحديثة من رياضيات وكيمياء وحكمة وفلك وله اطلاع على الحقوق وقد مارس المحاماة عمليًّا في بعض أدوار حياته.
كان فصيح الأسلوب سهل التعبير .. ، خطيبًا مفوهًا، قهر المشايخ الحشويين، وغلب الصوفيين بغزارة اطلاعه على منابعهم، فوقف في وجه تيّارهم وحيدًا يناظرهم، ومن أبرز سجاياه الإباء
стр. 2567
والشمم والتواضع، .. لا يمادي ولا يداري، محبًا للخير، مخلصًا في خدمة الصالح العام فضرب المثل في جرأته في عصر سيطر فيه الإرهاب وخنقت الحريات" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٧٥ هـ) خمس وسبعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: له كتب كثيرة منها: "تفسير القرآن" و"مبادئ الفقه الإسلامي"، و"موجز سيرة خالد بن الوليد".
٣٤٦٧ - الأعظمي *
النحوي، اللغوي: محمّد سعيد بن عبد الرحمن المبصر الأعظمي.
ولد: سنة (١٣٠١ هـ) إحدى وثلاثمائة وألف.
من مشايخه: الشيخ سعيد النقشبندي، وأخوه الشيخ عبد الوهاب النائب وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ علماء بغداد: "درس في كلية الشريعة قواعد اللغة العربية والنحو والصرف والبلاغة نصف قرن" أ. هـ.
من مصنفاته: من مؤلفاته القيمة "قواعد اللغة العربية".
٣٤٦٨ - الأسطواني *
النحوي، اللغوي: محمّد سعيد بن علي بن أحمد الأسطواني الحنفي.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "قاضي حنفي دمشقي، تولى قضاء بغداد .. " أ. هـ.
• منتخبات التواريخ: "مدحه العلامة محمّد أمين بن عابدين صاحب الحاشية بقصيدة غراء .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٢٣٠ هـ) ثلاثين ومائتين وألف.
من مصنفاته: "لب الألباب بشرح نبذة الأعراب" في النحو.
٣٤٦٩ - المدرّس *
النحوي، اللغوي: محمّد سعيد بن محمّد أمين بن محمّد صالح المدرِّس الحنفي.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "فاضل من أعيان بغداد، حنفي" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٢٧٣ هـ)، وقيل: (١٢٧٠) ثلاث وسبعين، وقيل: سبعين ومائتين وألف.
من مصنفاته: شرح على "شرح القوشجي" وشرح على "شرح عصام" في الوضع و"النكت الظريفة على قصيدة مدح الإمام أبي حنيفة لعبد الباقي العمري.
стр. 2568
٣٤٧٠ - محمّد سليم الجندي *
النحوي، اللغوي: محمّد سليم بن محمّد تقي الدين ابن مفتي المعرة محمّد سليم الجندي العباسي.
ولد: سنة (١٢٩٨ هـ) ثمان وتسعين ومائتين وألف.
من مشايخه: محمّد شكري الأسطواني، والشيخ عطا الكسم وغيرهما.
من تلامذته: الأستاذ صلاح الدين المنجد وغيره.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ علماء دمشق "كان شديد الخشية لله مواظبًا على الفرائض والواجبات الدينية، شديد الغيرة على مصلحة الإسلام والعرب وكل وطن إسلامي" أ. هـ.
• أعلام الأدب والفن: "وهو من مؤسسي الرابطة القلمية، وأنعمت عليه الحكومة السورية بوسام الاستحقاق السوري تقديرًا لعلمه وفضله .. ويمثل في سجاياه الفاضلة صورة حية من صور السلف الصالح يحب معاشرة العلماء والأدباء ساحر في أفانين أحاديثه وظرائف نوادره .. " أ. هـ.
• قلت: ومن مقدمة كتاب "تاريخ معرة النعمان": (ومن أبرز صفات المؤلف -أي الجندي- أنه شديد التمسك بدينه وقوميته مما جعله أحيانًا يقسو على بعض الجماعات أو الأفراد، فينعتهم بنعوت غير مستحبة، وهي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتمحيص .. أضف إلى ذلك حبه العظيم لبلده المعرة وأعلامها الأفذاذ وعلى رأسهم أبو العلاء .. " أ. هـ.
• الأعلام: "شاعر مدرس عالم بالأدب، له اشتغال بالتاريخ .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٧٥ هـ) خمس وسبعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "مرفد العلم ومرشد المتعلم" في النحو، و"الجامع في أخبار أبي العلاء المعري وآثاره" و"تاريخ المعرة".
٣٤٧١ - المصري *
المفسر: محمّد شاكر بن محمّد بن علي شاكر الفيومي المصري الحمصي.
ولد: سنة (١٢٩٢ هـ) اثنتين وتسعين ومائتين وألف.
من مشايخه: الشيخ عبد الغني السعيدي، والشيخ عبد الساتر الأباسي.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ علماء دمشق: "لازم شيخ الطريقة النقشبندية محمّد سليم خلف سنين عدة فأحبه وقربه، وكان كاتبه الوحيد لكل ما يحتاج إليه السالكون، وقرأ عليه علم التصوف وغيره، كما كتب بعهده بعض الرسائل المتعلقة بالطريقة النقشبندية.
стр. 2569
علامة، صوفي، نقشيندي، شاعر، خطيب" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٧١ هـ) إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "القول المنصف على قول ابن الفارض" و"الفتوحات الربانية في الوقائع البشرية"، وتفسير الجزء (٣٠) من القرآن الكريم، و"الإفصاح المبين عن سر جزم (وأكنْ) في قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ".
٣٤٧٢ - الأحسائي *
النحوي، اللغوي: محمّد صالح بن إبراهيم بن حسن الأحسائي الحنفي.
من مشايخه: الشيخ إبراهيم الأحسائي، ومفتي بغداد الشيخ مبلج وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• خلاصة الأثر: "نزيل بغداد، كان من العلماء المحققين" أ. هـ.
• الأعلام: "أديب نحوي .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٠٧٢ هـ)، وقيل: (١٠٨٣ هـ) اثنتين وسبعين، وقيل: ثلاث وثمانين وألف.
من مصنفاته: "حاشية على البهجة الرضية" وشرح "ألفية السيوطي" في النحو.
٣٤٧٣ - العَيسوي *
النحوي، اللغوي: محمّد الصالح بن سليمان بن محمّد بن محمّد بن أبي القاسم الطالب الرحموني العيسوي الزواوي.
ولد: في حدود سنة (١١٥٢ هـ) اثنتين وخمسين ومائة وألف.
من تلامذته: ولده أحمد الطيب بن محمّد الصالح وغيره.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "نحو، له علم بالأدب من أهل امشدالة بالمغرب .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٢٤٢ هـ) اثنتين وأربعين ومائتين وألف.
من مصنفاته: "ميزان اللباب في قواعد الباء والإعراب" و"الدليل على الآجرومية" و "رياض السعود في ما لله من العجائب والحدود" و"شرح البردة" للبوصيري.
٣٤٧٤ - البُرغاني *
المفسر: محمّد صالح بن محمّد بن إسماعيل البرغاني القزويني.
ولد: سنة (١١٧١ هـ) إحدى وسبعين ومائة وألف.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "مفسر من فقهاء الإمامية ولد في برغان (من قرى طهران) .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٢٨١ هـ) إحدى وثمانين ومائتين وألف.
стр. 2570
من مصنفاته: "تفسير القرآن" يعرف بتفسير البرغاني، و"مخزن البكاء" في فاجعة كربلاء و"غنيمة المعاد في شرح الإرشاد" في الفقه.
٣٤٧٥ - صديق حسن خان *
اللغوي، المفسر محمّد صديق (١) خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، الهندي، أبو الطيب.
ولد: سنة (١٢٤٨ هـ) ثمان وأربعين ومائتين وألف.
من مشايخه: أحمد بن حسن العرشي، وأحمد ولي الله الدهلوي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• حلية البشر: "فاضل، حظه من المعرفة وافر، له نثر ونظم ... " أ. هـ.
• الأعلام: "من رجال النهضة الإسلامية المجددين، ولد ونشأ في قنوج (بالهند) ... وتزوج من ملكة بهوبال، ولقب بنواب علي الجاه أمر الملك بهادر" أ. هـ.
• قلت ذكر صاحب كتاب "السيد صديق حسن القنوجي آراؤه الاعتقادية وموقفه من عقيدة السلف": إن صديق حسن خان سلفي العقيدة في الأسماء والصفات إلا إنه مال في بعض المسائل إلى القول بقول الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح وإنكار القول بتكليف ما لا يطاق فقال ما نصه ص (٤٠): "أما عقيدة القنوجي فقد تبين في خلال كتبه أنه سلفي العقيدة إلا أنه في بعض المسائل مال إلى الأشاعرة اعتقادًا منه أنه مذهب السلف، كالقول بإنكار التحسين والتقبيح العقليين، والاقتصاد على كونهما شرعيين فقط وإنكار القول بتكليف ما لا يطاق دون نظر إلى ما لعلماء السلف من تفصيل".
ثم تكلم صاحب الكتاب عن عقيدته مفصلة في بعض الصفات، وقال في صفة القدرة:
"أثبت صفة القدرة لله تعالى بإيراد عدة آيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
والقدرة صفة أزلية له، يقول: "قادر بقدرته التي هي صفته الأزلية السرمدية تؤثر في المقدورات عند تعلقها بها".
ثم يقول: "إن ما ذهب إليه القنوجي ﵀ من إثبات القدرة لله تعالى، وأن الأشياء كلها تحت قدرته ومشيئته، هو نفس ما ذهب إليه السلف".
وفي صفة الإرادة (ص: ٢٥٤ م-٢٥٥): "أثبتها القنوجي مستدلًا بالآيات البينات، وبين أنها نوعان: إرادة كونية وإرادة شرعية، يقول: "وهي
стр. 2571
في كتاب الله تعالى نوعان:
إرادة قدرية كونية خلقية وهي المشيئة الشاملة بجميع الموجودات، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
وإرادة دينية أمرية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) وأمثال ذلك.
والإرادة صفة لله تعالى قديمة أزلية وليست بحادثة، كم زعمت المعتزلة والكرامية، فالقنوجي يرد عليهم مبينًا أن هذا القول يؤدي إلى أنه محل للحوادث، يقول: "مريد بإرادته القديمة، وفي القدم تعلقت بأحداث الحوادث في أوقاتها اللايقة بها على وفق سبق العلم الأزلي، إذ لو كانت حادثة لصار محلًا للحوداث (٢)(٣).
كما ناقشهم في ادعائهم -بأن الكافر هو الذي أراد الكفر لا دخل لإرادة الله سبحانه فيه- قائلًا: ما من حركة أو سكون إلا وهو كائن من إرادة الله تعالى، حتى الكفر فقد أرداه كونًا وقدرًا، وإن لم يرض به بل يبغضه.
يقول: "مريد لجميع الكائنات مدير للحادثات، فلا يجري في الملك والملكوت صغير أو كبير، قليل أو كثير، خير أو شر، نفع أو ضر، حلو أو مر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان إلا بإرادته ووفق حكمته وطبق تقديره وحسب قضائه في خليقته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن إرادته لفتة بصر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ المعيد الفعال لما يريد كما يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لما حكم في العبيد ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته، حتى لو اجتمع جميع الكائنات على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها مرة دون إرادته ومشيئته لما قدروا على ذلك، بل ولا أرادوا خلاف ما هنالك، كما قال ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فهو سبحانه لم يزل موصوفًا بإرادته مريدًا في الأزل، وجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت فيها كما أرادها من غير تقدم ولا تأخر وتبدل وتغير" (٤).
ثم اختتم الكلام قائلًا بأن "الإرادة والمشيئة شيء واحد في حقه تعالى".
نرى فيما سبق من كلامه في صفة الإرادة وتنويعها إلى نوعين، أنه ذهب مذهب السلف".
وفي صفتي السمع والبصر يقول: (ص: ٢٥٧): "ومن صفات الأزلية القديمة التي أثبتها القنوجي صفتا السمع والبصر، فهو يسمع المسموعات ويبصر المبصرات بسمعه وبصره القديم، خلافًا لمن أولهما بالعلم.
стр. 2572
يقول: "سميع للأصوات والحروف والكلمات بسمعه القديم الذي هو نعت له بالأزل، بصير بالأشكال والألوان بإبصاره القديم الذي هو صفته الأزلية، فلا يحدث له سمع بحدوث مسموع ولا بصر بحدوث مبصر، فهو السميع البصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى غاية السر، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق في النظر، لا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، ولا يشذ عن سمعه صوت، بل يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فالسمع صفة تتعلق بالمسموعات والبصر صفة تتعلق بالمبصرات، فيدرك بهما إدراكًا تامًّا لا على سبيل التخييل والتوهم (١) ".
ثم يعقب صاحب الكتاب على ما تقدم فيقول: (ص ٢٥٨): "نلاحظ من كلام القنوجي في صفتي السمع والبصر لله تعالى، أنه تناول في رده على المخالفين قضية مهمة، وهي أن السمع والبصر صفتان متميزتان عن صفة العلم، وانتقاؤهما عن الله إثبات ضدهما وهو الصمم والعمى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا".
وفي الصفحة (٢٥٩) يقول ذاكرًا رأيه في بقية الصفات -علمًا أنه قد أفرد الكلام عن صفة الكلام والاستواء واليد ومسألة الرؤية: - "يتضح لنا من موقفه في الصفات التي ذكرنا وقيل ذلك موقفه من التأويل- أنه يذهب مذهب السلف، من إجراء الصفات على ظاهرها دون تشبيه أو تأويل أو تعطيل، كما وصف تعالى نفسه في كتابه، ووصفه رسوله ﷺ وأنها صفات كمال لا يجوز نفيها.
ولم يكن في هذه الصفات فقط موافقًا للسلف، بل في بقية الصفات كذلك.
يقول: "ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين، والكف، والإصبع، والضحك، والتعجب، والحب ... إلى غير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة.
فكل هذه الصفات، تساق مساقًا واحدًا، ويجب الإيمان بها على أنها صفات حقيقية، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يمثل، ولا يعطل، ولا يرد، ولا يجحد، ولا يؤل بتأويل يخالف ظاهره" (٢)
وهذا تبيين لمذهب السلف.
يقول ابن تيمية ﵀: "إن أولى الناس بالحق أتبعهم له (الرسول ﷺ ) وأعظمهم له موافقة - وهم سلف الأمة وأئمتها - الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات، فإن الحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والكلام، صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها، فإن من اتصف بهذه الصفات فهو أكمل ممن لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها، والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجمادات" (٣).
стр. 2573
وإذا كان القنوجي قد اختصر القول في إثبات هذه الصفات فإنه قد أفاض في إثبات صفات الكلام والاستواء واليد وإثبات الرؤية، الأمر الذي يجعلنا أن نفرد كل صفة من هذه الصفات بمبحث خاص".
وفي مبحث صفة الكلام قال (ص ٢٦١): "ذهب القنوجي إلى أن الله تعالى متكلم حقيقة بصوت مسموع، وأن كلامه تحت مشيئته وقدرته، والكلام صفة من صفاته تعالى القديمة القائمة بذاته المقدسة، وتحدث بمشيئته وقدرته آحادها، بمعنى أن جنس كلامه قديم، وأفراده حادثة. يقول: "ومن مذهب أهل الحق، ومما اتفق عليه أهل التوحيد والصدق، أن الله لم يزل متكلمًا بكلام مسموع مفهوم مكتوب" (١).
هذا وقد بيّن القنوجي رأيه في صفات الكلام لله وذلك ضمن تفسيره لكثير من الآيات القرآنية التي وضّح فيها مذهبه في إثبات صفة الكلام، كما أثبثها الله ورسوله، أذكر بعضها:
قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾.
يقول القنوجي: ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ بوجه من الوجوه ﴿إلا وَحْيًا﴾ بأن يوحي إليه .. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كما كلّم موسى، يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى" (٢).
فالشاهد فيها أن الله تعالى متكلم حقيقة، وتكليمه لرسله من ثلاثة طرق: إما أن يكون وحيًا، أو أن يكون بكلام مسموع بدون واسطة من وراء حجاب، كما كلّم موسى ﵇، أو أن يرسل ملكًا بتبليغ كلام الله".
وفي الكلام عن موقفه من الكلام النفسي قال (ص ٢٧٠): "وأما منهج المؤولين الذين نفوا أن يكون الله متكلمًا بحرف وصوت، وظنوا أنه حادث في ذاته، فقالوا بمنعه، فتعين عندهم أن كلامه نفسي.
وبناءً على هذا أن الكلام الذي نتلوه ليس كلام الله الحقيقي، لأنه حروف وأصوات، بل هو عبارة عن كلامه القديم، فهذا المنهج الذي نهجوه خلاف ما ثبت من الكتاب والسنة والإجماع، يقول:
"وأما الكلام النفسي الذي ذكر في كتب الأشاعرة وغيرهم فلا استشمام لرائحته في الكتاب والسنة" وقال أيضًا: "فمن قال إنه كلام ملك أو كلام بشر فمسكنه سقر، ولا يعلم طريق تكلمه إلا هو، وكيفيته موكولة إليه تعالى" (٣).
وما نسب إلى الحنابلة بأن غلاف القرآن وجلده قديمان، فهذه كلمة تخرج من أفواههم.
كما يقول القنوجي:
"وظلمت الحنفية ومن قال بقولهم: الحنابلة ومن
стр. 2574
تبعهم في القول بتبديعهم وتضليلهم ولم يقل أحد من الحنابلة المعتبرة المعول عليهم بكون الغلاف والجلد قديمان والظاهر أن أمثال هذه الخرافات مدسوسة عليهم وهم بريئون منها" (١).
وفي مسألة خلق القرآن يقول (ص ٢٧١): "يذهب القنوجي في القرآن مذهب السلف، ويرى أنه كلام الله غير مخلوق، وقد وضح ذلك قائلًا:
والقرآن كلام الله ، ووحيه وتنزيله .. أنزله على سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، وهو سور وآيات وأصوات وحروف وكلمات له أول وآخر، - إلى أن قال وأجمع أئمة السلف المقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق (٢).
هذا وقد فسر القنوجي بعض الآيات القرآنية بما يؤيد مذهب السلف في إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وخالف الجهمية والمعتزلة فيما ذهبوا إليه، ومن بين هذه الآيات قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
"إخبار منه سبحانه لعباده بأنهما له، الخلق والمخلوق، والأمر كلامه، واستخرج من هذا المعنى أن كلام الله ليس بمخلوق، لأنه فرق بين الخلق والأمر، ومن جعل الأمر الذي هو كلامه من جملة ما خلق فقد كفر". (٣)
وفي صفحة (٢٧٤) يقول معقبًا على كلام القنوجي في مسألة الكلام فيقول:
"من خلال ما تقدم نلاحظ ما يلي:
إن القنوجي يثبت لله صفة الكلام، كما وصف سبحانه نفسه بها ورسوله الأمين ﷺ ، لأنها صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وكل كمال يليق بذاته أولى به، وعدم الكلام صفة نقص، وكل نقص فالله أولى بالتنزيه عنه، فهو لم يزل متكلمًا إذا شاء، متى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يسمع، وكلم موسى ﵇ وخاطبه مشافهة بغير واسطة، وسيكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان.
لا شك أن ما ذهب إليه القنوجى في إثبات صفة الكلام لله تعالى، هو تأييد وامتداد لما ذهب إليه السلف ﵏ من إثبات هذه الصفة لله تعالى كما تليق بجلاله".
وبعد أن ذكر كلام القنوجي في مسألة الاستواء يستخلص من كلامه ما يلي (ص ٣٠١): "من خلال ما تقدم من آراء القنوجى في الاستواء والفوقية على العرش نلاحظ ما يلي:
١ - أنه يثبت صراحة لله استواء حقيقيًّا لائقًا بذاته تعالى، وهو بمعنى العلو والارتفاع وهو قول أهل السنة (٤)، وقد فسّره السلف بأربع تفسيرات كما ذكره ابن القيم:
"فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك ... ارتفع الذي ما فيه من نكران
стр. 2575
وكذلك قد صعد الذي رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن" (١)
٢ - يثبت أنه استوى على العرش بذاته المقدسة، كما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق أن رحمتي سبقت غضبي، وهو عنده فوق العرش" (٢) والأحاديث الدالة على إثبات صفة الاستواء وعلو الله كثيرة جدًّا.
أما الذين يتكلمون بالمتشابه ويخدعون جهال الناس بقولهم: إن الإستواء بمعنى الاستيلاء، وأن الله ليس في جهة العلو، وليس بمستوٍ على عرشه، وليس بمتحيز، ولا كذا ولا كذا".
وفي المبحث الخاص بصفة اليد يقول (ص: ٣٠٧):
"أثبت القنوجي ﵀ صفة اليد لله تعالى حقيقة على ما يليق بجلاله، مستمدًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين، وأن يد الله تعالى توصف باليمين، كما أن له كفًّا وأصابع على الحقيقة من غير تشبيه ولا تكييف ولا تأويل".
ثم ذكر أن اليد في كتاب الله تعالى ذكرت مفردة ومثنى ومجموعًا، يقول:
"فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردة كقوله ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾، وقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
ومثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ومجموعًا: كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾.
أما السنة المطهرة التي تثبت لله سبحانه اليدين واليمين والكف والأصابع فهي كثيرة كما ذكرها القنوجي (٣).
خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهومًا في كلامها ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في لسان أهل البيان أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله : ﴿بِيَدَيَّ﴾ النعمة .. فلو كان معنى قوله بيدى نعمتي لكان لا فضيلة لآدم ﵇ عليّ إبليس في ذلك". (٤)
وفي مبحث مسألة الرؤية يقول (ص ٣١٥): "إن مسألة رؤية الله تعالى من أهم مسائل العقيدة وأجلّها، حيث يأمل كل مؤمن أن يكون ممن أنعم الله عليه بهذه النعمة، وهي أكبر نعم الله ينعم بها يوم القيامة.
ذهب القنوجي إلى إثبات رؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم يوم القيامة، وذلك لصحة الأخبار المتواترة من الكتاب والسنة، وأن هذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة".
ثم في صفحة (٣٢٣) يذكر ملخص ما ذهب
стр. 2576
إليه القنوجي في مسألة الرؤية: "من خلال ما تقدم من الحديث عن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، نلاحظ أن القنوجي اعتمد في إثبات الرؤية على الأدلة السمعية وهي عقلية أيضًا من الكتاب والسنة، ثم استشهد بأقوال السلف.
وكذلك بيّن خطأ تفسير المعتزلة في استدلالهم بالآيات القرآنية على نفي الرؤية، وبين أنها لا تحقق الهدف الذي أرادوا الوصول إليه من نفي الرؤية، بل اعتبرها دليلًا قاطعًا على إثباتها.
هذا المنهج الذي سلكه القنوجي قد سبق إليه علماء السلف، وطائفة كبيرة من علماء الأشاعرة.
يقول الإمام أحمد ﵀: "لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم .. فقالوا: إن معنى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنها تنتظر الثواب من ربها، فقلنا: أنها مع ما تنتظر الثواب هي ترى ربها، فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قول الله جل ثناؤه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وقد كان النبي ﷺ يعرف معنى قول الله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار﴾ وقال: "إنكم سترون ربكم".
وقال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل لن أرى، فأيهما أولى؟ أن تتبع النبي ﷺ حين قال: سترون ربكم، أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم، والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم" (١) ".
• قلت: انتهى الكلام عن عقيدته في الأسماء والصفات وبعد هذا نريد أن نورد شبهة أثارها محقق كتاب "الدرر المضية، شرح الدرر البهية" محمّد عبد السلام القباني، متهمًا القنوجي بسرقة هذا الكتاب من الشوكاني وغيره كما .. قال:
"كنا نظن أن شرح الروضة الندية لصديق حسن القنوجي يغني عنه، ولكن بإطلاعنا عليه ومقابلته بشرح المؤلف الذي بأيدينا اكتشفنا أمرًا عظيمًا ما كان يصح أن يكون بين المؤلفين، ذلك أنا وجدنا الروضة الندية هي شرح المؤلف بلفظه تمامًا مضافًا إليه زيادات من كتاب (حجة الله البالغة) ومن كلام ابن القيم، ومنقوصًا منه ذكر مذاهب أهل البيت، ووجدنا مواضع محررة في نسختنا خيرًا منها في الروضة، ويظهر أن النسخة التي وقعت لصاحب الروضة وأخذها في كتابه كانت محرفة وناقصة ووجدناه قد وضع المتن مفرقًا في الشرح، فأثارت عندنا هذه المقابلة دهشة عظيمة من تصرف المؤلفين وإغارة بعضهم على ثمرات قرائح بعض. وتذكرنا ما كنا نسمعه من بعض أشياخنا، أنه كان للقنوجي لمكانه من الملك والثروة جماعة من العلماء يؤلفون له ويختارون له نفائس الكتب يدخلون عليها نوعًا من التصرف ثم ينسبونها إليه، وكانوا يصنعون له ذلك في كتب الشوكاني لأنه كان قريب عهد وكانت مؤلفاته نادرة المثال ولم تكد تنتشر، ومع كون الطباعة العربية كانت حديثة العهد بمصر والهند، وكانت غالية الكلف، فإن القنوجي لطول يده بالثروة كان كلما أتمّ كتابًا طبعه بمصر أو بالهند فيقضي بذلك على علم المؤلف الأول؛ ولا يتبين ذلك إلا لمن ظفر بأصل من تلك الأصول
стр. 2577
المنتحلة وقابلها بما هو للقنوجي، كما فعل ذلك في هذا الشرع؛ ويقال أنه صنع كذلك في رسالة الاشتقاق وغيرها. والله أعلم بحقيقة ما قيل.
ولا يشفع في ذلك ما قاله في خطبة الروضة، أنه استوعب فيه لفظ شرح المؤلف ومعناه، وأضاف إليه ذكر مذاهب الفقهاء، ثم زاد عليه أشياء من حاشية شفاء الأوام للمؤلف ومن غيرها، فإن كل ذلك لا يبرر له أن ينسب لنفسه هذا الشرح لمجرد إضافة هذه الزيادات الضئيلة لا غير، والتي كانت أولى أن تكون تعليقًا عليه بالهامش، وكان أولى به ثم أولى أن يطبع شرح المؤلف لصاحبه ويطبع بهامشه هذه النقول التي زادها، وإذا كانت مثل هذه الزيادة مما يبيح انتحال المؤلفات لما انتسب كتاب إلى صاحبه؛ ومن العجيب أنك تقرأ كتاب الروضة الندية من أوله إلى آخره فلا تكاد تعثر بنسبة تدليل أو تحقيق من هذه التحقيقات العالية إلى الشوكاني مع أنها بلفظها ونصها للشوكاني، ومن ثمرات قريحته، أسهر فيها ليله وأكد فكره، ولقد كان أهل الحديث أخص الناس بالحرص على عزو كل قول لصاحبه، والبعد عن الإبهام والتدليس".
انتهى ما ذكره المحقق في مقدمته للكتاب المذكور.
فنقول وبالله التوفيق:
١ - أما قوله: "وتذكرنا ما كنا نسمعه من بعض أشياخنا أنه كان للقنوجي لمكانه في الملك والثروة جماعة من العلماء يؤلفون له ويختارون له نفائس الكتب يدخلون عليه نوعًا من التصرف ثم ينسبونها إليه، وكانوا يصنعون له ذلك في كتب الشوكاني لأنه كان قريب عهد".
فلا دليل عليه، إذ لو كان الأمر كذلك لاشتهر بين طلبة العلم، أضف إلى ذلك أن الحكم بمجرد الظن، وبمجرد أن الكلام قد قيل بدون تمحيص، لا يغني من الحق شيئًا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾.
٢ - أما قوله بعد ذلك: "كما فعل ذلك في هذا الشرح، ويقال إنه صنع كذلك في رسالة الاشتقاق وغيرها" فيدخل أيضًا ضمن ما ذكرناه سابقًا بدليل قوله بعد الكلام السابق مباشرة: "والله أعلم بحقيقة ما قيل" ..
٣ - أما قوله: "ولا يشفع في ذلك ما قاله في خطبة الروضة" وما بعدها. فمع أن المحقق له وجه حق في اعتراضه ولكن لا ينبغي أن يتحامل بهذه الطريقة. فغاية ما يقال أنه قد أخطأ بفعله هذا وكان ينبغي له أن يميز بين المتن وبين تعليقاته، لكن أن يقال إنه سرق الكتاب ونسبه لنفسه من دون أن يشير إلى ذلك، فهذا قول مردود وغير مقبول.
ومن المعروف عن صديق حسن خان أنه كان يدافع عن التوحيد. وينشره بين الناس، ويبدو أن هذا الأمر قد أغاظ أهل الشرك والقبور، فبدأوا بدافع الحقد بإشاعة الأقاويل والأكاذيب هنا وهناك. وربما يكون ما سمعه المحقق من هذا القبيل.
ثم نقول: قال عبد الله بن صالح العبيد في مقدمة تحقيقه لكتاب "الدرر البهية" (١) للشوكاني
стр. 2578
ما نصه: "وبعد عقود قليلة من وفاة المصنف - أي الشوكاني - قام العلامة الأثري صديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧ هـ) بانتساخ شرح المصنف (الدراري) فنقله بحذافيره، وزاد عليه أشياء قليلة حسنة من بعض كتب المصنف وغيره وسماه: (الروضة الندية شرح الدرر البهية) وانتصر له في عامة المسائل، ولم يخالفه إلا في أشياء نادرة لعله لا يتجاوز عدّها أصابع اليد الواحدة" أ. هـ. قول المحقق.
وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه سابقًا، مع أننا قد طابقنا بعض المواضع بين كتابي "الدرر البهية" و"الروضة الندية" فوجدناها كما قال المحقق عبد الله بن صالح.
وفي كتاب "كتب حذر منها العلماء" (١) قال مؤلفه: (وقد اتهم غير واحد من أفاضل العلماء بسرقة المصنفات زورًا وبهتانًا مثل صديق حسن خان، فقد اتهمه نصراني في كتاب له مطبوع بعنوان "اكتفاء القنوع بما هو مطبوع" بأنه كان عاقيًا وتزوج بملكة بهوبال فعندما اعتزّ بالمال، جمع إليه العلماء، وأرسل يبتاع الكتب بخط اليد وكلَّف العلماء بوضع المؤلفات ثم نسبها لنفسه" إلى آخر هذا الهراء فتآليفه كما يقول الغماري في (فهرس الفهارس) - نفسُه فيها متحد وهي له) أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٠٧ هـ) سبع وثلاثمائة وألف، وقيل: (١٣٠٠ هـ) ثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "أبجد العلوم" و"فتح البيان في مقاصد القرآن" في التفسير و"التاج المكلل"، و "الروضة الندية شرح الدرر البهية" وغير ذلك.
٣٤٧٦ - الكُردي *
المفسر: محمّد طاهر بن عبد القادر الكردي.
ولد: سنة (١٣٢١ هـ) إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
كلام العلماء فيه:
• نشر الرياحين: "كان الرجل مؤلفًا مكثرًا. شخصيته متعددة الجوانب وعمل خطاطًا بالمعارف العامة في مكة المكرمة، وكان مظهر الشيخ طاهر متزمتًا متوقرًا، ولكنه إذا خلا بأصحابه تحوَّل إلى شخص آخر كثير الدُّعابة والمرح .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٤٠٠ هـ) أربعمائة وألف.
من مصنفاته: "التفسير المكي" في أربعة مجلدات، و"تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه" وغيرها.
٣٤٧٧ - ابن عاشور *
المفسر محمّد الطاهر بن محمّد بن محمّد الطاهر بن محمّد الشاذلي، ويعرف بابن عاشور.
ولدة سنة (١٢٩٦ هـ) ست وتسين ومائتين وألف.
стр. 2579
من مشايخه: الأستاذ الشيخ محمّد صالح الرضوي، والشيخ محمّد النجار، والشيخ محمّد العزيز بن محمّد الحبيب بن محمّد الطيب جده لأمه وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• معجم المؤلفين: "رئيس المفتين المالكين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس" أ. هـ.
• قلت: قال المغراوي في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات" عن صاحب الترجمة:
"من أكابر علماء تونس وله ابن كان على منواله، توفي ﵀ قبل عشر سنوات، أما الأب فكان آنذاك ما يزال على قيد الحياة فلا أدري الآن هل هو على قيد الحياة أم توفي؟ فإن كان الأخير، فغفر الله له ولجميع المسلمين.
فصاحب التفسير على طريقة أهل بلده تقليد المذهب المالكي، والتبحر في فروعه دون معرفة الدليل من الكتاب والسُّنة حتى يميز الحق من الباطل فالكلُّ عند المقلِّدة حق، خطأه، وصوابه، لا هم بالأئمة اقتدوا ولا للدليل اتبعوا ولهذا يقول الإمام ابن عبد البر كما في الجامع:
لا فرق بين مقلد وبهيمة ... تنقاد بين جنادل ودعاتر (١١٥/ ٢).
وقد حاول الشيخ أن يكثر في تفسيره من التحليلات اللغرية والبلاغية بأسلوب واسع.
وأما عقيدة الأسماء والصفات: فهو أشعري متطرف وقد صرح بذلك في بعض الصفات، يكثر من التحليلات والتعليلات ويظهر بعض الإعتراضات التي لا تزيد المذهب الأشعري إلا تقعرًا، ينظر إلى طاغوت التأويل الذي اتخذه الأشاعرة عمدة في صفات الله بأنه سيف مسلول على الملاحدة مع أن الذي يعرف حقيقته لا يزمع عنده جناح بعوضة، وإذا ذكر عقيدة السلف يذكرها بخلط وضعف وإنها عقيدة المساكين السذج والمطبوع ناقص ولكن فيه كفاية لمعرفة عقيدة الرجل.
صفه الرحمة:
قال عند قوله تعالى من سورة الفاتحة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ واسم الرحمة موضوع في اللغة العربية لرقة الخاطر وانعطافه نحو حي بحيث تحمل من اتصف بها على الرِّفق بالمرحوم والإحسان إليه ودفع الضر عنه وإعانته على المشاق فهي من الكيفيات النفسانية لأنها انفعال ولتلك الكيفية اندفاع يحمل صاحبها على أفعال وجودية بقدر استطاعته وعلى قدر قوة انفعاله فأصل الرحمة من مقولة الانفعال وآثارها من مقولة الفعل فإذا وصف موصوف بالرحمة كان معناه حصول الانفعال المذكور في نفسه وإذا أخبر عنه بأنه رحم غيره فهذه على معنى صدر عنه أثر من آثار الرحمة إذ لا تكون تعدية فعل رحم إلى المرحوم إلا على هذا المعنى فليس لماهية الرحمة جزئيات وجودية ولكنها جزئيات من أثرها فوصف الله تعالى بصفات الرحمة في اللغات ناشئ على مقدار عقائد أهلها فيما يجوز عليه ويستحيل، وكان أكثر الأمر مجسمة ثم يجيء في لسان الشرائع تعبيرًا عن المعاني العالية بأقصى ما تسمح به اللغات مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض
стр. 2580
المخلوقات بالدليل العام على التنزيه وهو مضمون قول القرآن: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ فأهل الإيمان إذا سمعوا أو أطلقوا وصفي "الرحمن الرحيم" لا يفهمون منه حصول ذلك الانفعال الملحوظ في حقيقة الرحمة في متعارف اللغة العربية لسطوع أدلة تنزيه الله تعالى عن الأعراض بل أنه يراد بهذا الوصف في جانب الله تعالى إثبات الغرض الأسمى من حقيقة الرحمة وهو صدور آثار الرحمة من الرفق واللطف والإحسان والإعانة لأن ما عدا ذلك من القيود الملحوظة في مسمى الرحمة في متعارف الناس لا أهمية له لولا أنه لا يمكن بدونه حصول آثاره فيهم، ألا ترى أن المرء قد يرحم أحدًا، ولا يملك له نفعًا لعجز أو نحوه. وقد أشار إلى ما قلناه أبو حامد الغزالي في المقصد الأسنى بقوله: "الذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها، فإن كان قادرًا على قضائها لم يسم رحيمًا إذ لو تمت الإرادة لوفى بها وإن كان عاجزًا فقد يسمى رحيمًا باعتبار ما اعتوره من الرحمة والرقة ولكنه ناقص وبهذا تعلم أن إطلاق نحو هذا الوصف على الله تعالى ليس من المتشابه لتبادر المعنى المراد منه لكثرة استعماله وتحقق تنزه الله عن لوازم المعنى المقصود في الوضع مما لا يليق بجلال الله تعالى كما نطلق العليم على الله مع التيقن بتجرد علمه عن الحاجة إلى النظر والاستدلال وسبق الجهل وكما نطلق الحي عليه تعالى مع اليقين بتجرد حياته عن العادة والتكون ونطلق القدرة مع اليقين بتجرد قدرته عن المعالجة والاستعانة. فوصفه تعالى بالرحمن الرحيم من المنقولات الشرعية فقد أثبت القرآن رحمة الله في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ﴾ فهي منقولة من لسان الشرع إلى إرادة الله إيصال الإحسان إلى مخلوقاته في الحياة الدنيا وغالب الأسماء الحسنى من هذا القبيل. وأما المتشابه فهو ما كانت دلالته على المعنى المنزه عنه أقوى وأشد وسيأتي في سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والذي ذهب إليه صاحب الكشاف وكثير من المحققين أن الرحمن صفة مشبهة كغضبان وبذلك مثله في الكشاف. (١)
صفه الغضب:
قال عند قوله تعالى من سورة الفاتحة: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ والغضب المتعلِق بالمغضوب عليهم هو غضب الله وحقيقة الغضب المعروف في الناس أنه كيفية تعرض للنفس يتبعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام فالكيفية لطلب الانتقام. وطلب الانتقام سبب لحصول الانتقام والذي يظهر لي أن إرادة الانتقام ليست من لوازم ماهية الغضب بحيث لا تنفك عنه ولكنها قد تكون من آثاره وأن الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما لا يلائمها فتترتب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله، ويلازمه الإعراض عنه المغضوب عليه ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان، وبالأذى وقد يفضي ذلك إلى طلب الانتقام منه فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار
стр. 2581
أسبابه. فلعل الذين جعلوا إرادة الانتقام لازمة للغضب بنوا على القوانين العربية وإذا كانت حقيقة الغضب يستحيل إتصاف الله تعالى بها وإسنادها إليه على الحقيقة للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية فقد وجب على المؤمن صرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي وطريقة أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة هي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو من قبيل التمثيلية.
وكان السلف في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني يمسكون عن تأويل هذه المتشابهات لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي هي مراد الشرع من الناس فلما نشأ النظر في العلم وطلب معرفة حقائق الأشياء وحدث قول الناس في معاني الدين بما لا يلائم الحق لم يجد أهل العلم بدا من توسيع أساليب الصحيح لإفهام وتمييز المسلم وكبت الملحد فقام الدين بصنيعهم على قواعده المخلص له عن ماكره وجاحده وكل فيما صنعوا على هدى وبعد البيان لا يرجع إلى الإجمالي أبدا وما تأولوه إلا بما هو معروف في لسان العرب مفهوم لأهله.
فغضب الله تعالى على العموم يرجع إلى معاملته الحائدين عن هديه العاصين لأوامره ويترتب عليه الانتقام وهو مراتب أقصاها عقاب المشركين والمنافقين بالخلود في الدرك الأسفل من النار ودون الغضب الكراهية، فقد ورد في الحديث: "ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" (١).
ويقابلها الرضى والحبة وكل ذلك غير المشيئة والإرادة بمعنى التقدير والتكوين ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وتفصيل هذه الجملة في علم الكلام (٢).
صفة الاستهزاء:
قال عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وفعل يستهزئ المسند إلى الله ليس مستعملا في حقيقته لأن المراد هنا أنه يفعل به في الدنيا ما يسمى بالاستهزاء بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ولم يقع إستهزاء حقيقي في الدنيا فهو إما تمثيل لمعاملة الله إياهم في مقابلة إستهزائهم بالمؤمنين بما يشبه فعل المستهزئ بهم وذلك بالإملاء لهم حتى يظنوا أنهم سلموا من المؤاخذة على إستهزائهم فيظنوا أن الله راض عنهم أو أن أصنامهم نفعوهم حتى إذا نزل بهم عذاب الدنيا من القتل والفضح علموا خلاف ما توهموا فكان ذلك كهيئة الاستهزاء بهم. والمضارع في قوله: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ لزمن الحال. ولا يحمل على اتصاف الله بالاستهزاء حقيقة عند الأشاعرة لأنه لم يقع من الناس معنى الاستهزاء في الدنيا ويحسن هذا التمثيل ما فيه من المشاكلة. ويجوز أن يكون يستهزئ بهم حقيقة يوم القيامة بأن يأمر بالاستهزاء بهم في الموقف وهو نوع من
стр. 2582
العقاب فيكون المضارع في يستهزئ للإستقبال وإلى هذا المعنى نحا ابن عباس والحسن في نقل ابن عطية ويجوز أن يكون مرادًا به جزاء استهزائهم من العذاب أو نحوه من الإذلال والتحقير، والمعنى يذلهم وعبر عنه بالاستهزاء مجازًا ومشاكلة أو مرادًا به مآل الاستهزاء من رجوع الوبال عليهم. وهذا كله وإن جاز فقد عيّنه هنا جمهور العلماء من المفسرين كما نقل ابن عطية والقرطبي وعينه الفخر الرازي والبيضاوي وعينه المعتزلة أيضًا لأن الاستهزاء لا يليق إسناده إلى الله حقيقة لأنه فعل قبيح ينزه الله تعالى عنه كما في الكشاف وهو مبني على التعارف بين الناس. (١)
صفة الحياء:
قال عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
والاستحياء والحياء واحد فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأجر واستجاب وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يفعل.
والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفًا لله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى الله والتعلل لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعلل غير مسلم (٢).
صفة الوجه:
وقال عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (وجه الله) بمعنى الذات وهو حقيقة لغوية تقول لوجه زيد أي ذاته كما تقدم عند قوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وهو هنا كناية عن عمله فحيث أمرهم باستقابل بيت المقدس فرضاه منوط بالامتثال لذلك وهو أيضًا كناية رمزية عن رضاه بهجرة المؤمنين في سبيل الدين لبلاد الحبشة ثم للمدينة ويؤيد كون الوجه بهذا المعنى قوله في التذييل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فقوله واسع تذييل لمدلول (ولله المشرق والمغرب) والمراد سعة ملكه أو سعة تيسيره والمقصود عظمة الله وأنه لا جهة له وإنما الجهات التي يقصد منها رضي الله تفضل غيرها وهو عليم بمن يتوجه لقصد مرضاته وقد فسّرت هذه الآية بأنها المراد بها القبلة في الصلاة (٣).
صفة الإتيان:
وقال عند قوله تعالى من سورة البقرة ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان إلى الله تعالى من هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره إتصاف الله تعالى به ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالًا في مكان بعد أن لم يكن فيه حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم الجسم والله منزه عنه
стр. 2583
تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي فإن كان الكلام خبرًا أو تهكمًا فلا حاجة للتأويل لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلّة وإن كان الكلام وعيدًا من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول والى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون.
الوجه الأول: ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث. فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوه منها:
الوجه الثاني: أقول ما يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعًا لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، أو بأنه مجاز عن تعلق القدرة التنجيزية بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعًا للفريقين أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي قلت: وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصله فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال الله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾.
وقال: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ وليس قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ بمناف لهذا المعنى لأن ظهور أمر الله وحدوث تعلّق قدرته يكون محفوفًا بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان في (ظلل من الغمام) قريبًا.
الوجه الثالث: إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي: وإنما يأتيهم عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه في (ظلل من الغمام) زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين.
الوجه الرابع: يأتيهم كلام الله الدال على الأمر وكون ذلك لكلام مسموعًا من قبل ظلل من الغمام تحفه الملائكة.
الوجه الخامس: أن هناك مضافًا مقدّرًا أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين الحق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره من القرآن أو يأتي أمر ربك وقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين أن يكون مجازًا في ظهور الأمر.
الوجه السادس: حذف مضاف تقديره آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو دلائل صدق رسله ويبعده قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ إلّا أن يرجع إلى الوجه الخامس أو الوجه الثالث.
الوجه السابع: أن هناك مفعولًا محذوف دلَّ عليه قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه.
والأحسن: تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعدًا ووعيدًا.
وقد ذكرت في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ
стр. 2584
مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ في سورة آل عمران ما يتحصل منه أن ما يجري على اسمه تعالى من الصفات والأحكام وما يسند إليه من الأفعال في الكتاب والسُّنة أربعة أقسام:
قسم اتَّصفَ الله به على الحقيقة كالوجود، والحياة لكن بما يخالف المتعارف فينا.
قسم اتصف الله بلازم مدلوله، وشاع ذلك حتى صار المتبادر من المعنى المناسب دون الملزومات مثل الرحمة والغضب والرضا والهبة.
وقسم هو متشابه وتأويله ظاهر.
وقسم متشابه شديد التشابه. (١)
تفسير الكرسي:
قال عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية والكرسي شيء يجلس عليه متركب في أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصًا واحدًا في جلوسه فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعًا فهو العرش. وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيز فتعين أن يكون مرادا به غير حقيقته.
والجمهور قالوا: إن الكرسي مخلوق عظيم ويضاف إلى الله تعالى لعظمته فقيل: هو العرش وهو قول الحسن. وهذا هو الظاهر لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية وتكرر ذكر العرش ولم يرد ذكرهما مقترنين فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وقيل: الكرسي غير العرش فقال ابن زيد هو دون العرش، وروي في ذلك عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (ما الكرسيُّ في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من أرض) وهو حديث لم يصح.
وقال أبو موسى الأشعري، والسدي والضحاك الكرسي موضع القدمين من العرش أي لأن الجالس على عرش يكون مرتفعًا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربع. روي هذا عن ابن عباس وقيل: الكرسي مثل لعلم الله روي عن ابن عباس كأن العالم يجلس على كرسي ليعلم الناس، وقيل: مثل لملك الله تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق، وقيل غير ذلك. (٢)
صفة المحبة:
قال عند قوله تعالى من سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ والمحبة انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء من صفة ذاتية أو إحسان، أو اعتقاد أنه يحب المستحسن يجر إليه الخير، فإذا حصل ذلك الانفعال عقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه فيكون المنفعل محبًا ويكون المشعور بمحاسنه محبوبًا وتعد الصفات التي أوجبت هذا الانفعال جمالًا عند المحب فإذا قوي هذا الانفعال صار تهيجًا نفسانيًا فسمي
стр. 2585
عشقًا للذات وافتتانًا بغيرها.
وقد اختلف المتقدمون في أن المحبة والجمال هل يقصران على المحسوسات فالذين قصروها على المحسوسات لم يثبتوا غير المحبة المادية (وقال بهذا القول سقراط والطبائعيون).
والذين لم يقصروهما عليها أثبتوا المحبة الرمزية أعني المتعلقة بالأكوان غير المحسوسة كمحبة العبد لله تعالى هذا هو الحق، وقال به من المتقدمين أفلاطون، ومن المسلمين الغزالي وفخر الدين.
وأما إطلاق المحبة في قوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فهو مجاز لا محالة أريد به لازم الهبة وهو الرضا وسوق المنفعة، نحو ذلك من تجليات لله تعالى يعلمها سبحانه، وهما المعبر عنها بقوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فإن ذلك دليل الحبة وفي القرآن: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ (١) " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٩٣ هـ) ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "التحرير والتنوير" في تفسير القرآن، و"مقاصد الشريعة الإسلامية"، وغيرها.
٣٤٧٨ - الرَّيَّاحي *
النحوي: محمّد الطيب بن الشيخ إبراهيم بن عبد القادر الرياحي الطرابلسي التستوري.
ولد: سنة (١٢٢٦ هـ) ست وعشرين ومائتين وألف.
من مشايخه: الشيخ أحمد بن حسين القمار الكافي، والشيخ محمّد بيرم الثالث، وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• عنوان الأريب: "كان تقيًّا زكي النفس عالي الهمة ومن شعره في مدح أحمد التجاني:
ملاذي وأستاذي ومن باتباعه ... أجر على هام الكواكب أذيالي
إمام الهدى غوث العوالم كلها ... مبيد العدى مبري الضنى عند إعضال
همامًا سقاه الله من فيض سره ... كؤوسًا بها مزج بود وإجلال
وعلاه حتى نال بالقرب رتبة ... حوى فضلها مجد المقدم والتالي
وفاته: سنة (١٢٦٦ هـ) ست وستين ومائتين وألف.
من مصنفاته: حواشي على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، تدل على رسوخ قدمه وإتقاد ذكائه، وغير ذلك.
٣٤٧٩ - المكّي *
النحوي، اللغوي: محمّد الطيب بن محمّد صالح بن محمّد عبد الله العلوي المكي ثم الهندي.
من مشايخه: إرشاد حسين، وعبد الحق خير أبادي وغيرهما.
стр. 2586
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "عالم بالعربية والمنطق، اشتهر في الهند بلقب "عرب صاحب"" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٣٤ هـ) أربع وثلاثين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "المالكية في اللغة العربية الدارجة بمكة المكرمة" و"الأحاجي الحامدية" و"النفحة الأجملية في الصلات الفعلية" في اللغة .. وكيره ذلك.
٣٤٨٠ - الختم الميرغني *
المفسر محمّد عثمان بن محمّد أبي بكر بن عبد الله الميرغني المحجوب الحنفي الحسيني.
ولد: سنة (١٢٠٨ هـ) ثمان ومائتين وألف.
من مشايخه: عمه السيد ياسين، والسيد أحمد بن إدريس وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معجم المطبوعات لسركيس: "نشأ مجبولًا على اكتساب الفضائل وتاقت نفسه إلى أن يقف على حققة طرق الصوفية فأخذ عن شيخه السيد أحمد بن إدريس وعن بعض المشايخ طرق النقشبندية والقادرية والشاذلية والجنيدة والميرغنية وهي طريقة جده السيد عبد الله الميرغني فنشرها في الأقطار الحجازية ثم جاء إلى صعيد مصر .. ثم توجه إلى السودان فأكرمه أهلها وأخذوا الطريق عليه" أ. هـ.
جامع كرامات الأولياء: "أخذ الطريقة عن * سيدي أحمد بن إدريس ثم صار إمامًا مستقلًا في الطريق وصار له أتباع كثيرون وهو من أكابر الأولياء وأفراد الأصفياء وله كرامات كثير من يقظة وتلقيه عنه بلا أجلها اجتماعه بالنبي ﷺ واسطة وله عدة كتب نافعة في الصلاة على النبي ﷺ منها كتاب فتح الرسول ومفتاح بابه للدخول ﷺ الذي أكمل تأليفه في الروضة النبوية سنة (١٢٣٢) فما قاله فيه ألفت ثلاث صلوات غير هذه ثم أردت هذا الجمع فدخلت الحجرة فأذن وأمد بسر ﷺ ووقفتُ بين يدي المصطفى ﷺ بالمقصود وفي فبدأ الخطبة وتركتها بائتة تحت الستر ليلة وسألت منه ومن الزهراء والصاحبين قبولها وقبول الناس لها فجاد وأفاد أن بها يحصل سر الفتح والقرب منه في الدارين وأنبأ بما لا تسعه عقول السامعين وجمعتها في الروضة بين أ. هـ. وقال في أثناء صلاته المسماة باب ﷺ يديه ما ﷺ الفيض والمدد من حضرة الرسول السند نصه نكتة لطيفة وجوهرة شريفة أحب أن أذكر فيها سر الطرق وزبدتها وأقربها إلى الله وأشرفها وقد أشرت إلى معنى ذلك في هذه الصلاة وسببه أني لما كنت ليلة الأحد دخلت آخر الليل إلى وقال لي في الحجرة الفاخرة بين يدي الحبيب ﷺ تلك الليلة أنت محبوبي أنت مطلوبي أنت مرغوبي فيا له من وافر حظ ونصيب وأشار أن في اتباعي ما ينوف على الألف يكونون من أكابر المقربين وليس بيني وبينهم واسطة من المريدين ثم
стр. 2587
قال اعلم أنه لا بد من شيخ عارف فإذا أدركته فذلك المطلوب فعند ذلك اصرف أوقاتك كلها في الذكر ومجاهدة النفس والاشتغال بالله تعالى وترك ما سواه لتأنس به" أ. هـ.
• قلت: قال محمّد العبيد ويوسف الترابي في مقدمتهما لكتاب "تاج التفاسير" للمترجم له صفحة (و): "فقد والديه صغيرًا فانتقلت كفالته إلى عمه السيد يس الذي اهتم بتربيته وتعليمه، فحفظ القرآن دون البلوغ، ولما كبر اتجه إلى العلوم العقلية والنقلية فحذقها، ثم تاقت نفسه إلى حياة التصوف والتنسك .. فأخذ ينتقل من شيخ إلى شيخ، ومن طريقة إلى أخرى حتى انتهت به العناية إلى شيخه السيد أحمد بن إدريس الفاسي الذي اتخذ من مكة مقرًا لدعوت، وكان مجددًا وصاحب مدرسة في التصوف فأخذ عنه الطريق ثم استقل عنه وأنشأ طريقته الختمية التي يعدها خلاصة خمس طرق (النقشبندية - القادرية - الشاذلية - الجنيدية - الميرغينية) .. والأخيرة طريقة جده السيد عبد الله الميرغني".
ثم قالا في صفحة (و): "تميزت مدرسة السيد أحمد بن إدريس بالإيجابية والاهتمام بالفكر ونشر الإسلام وإيفاد الدعاة إلى مناحي الأرض وبخاصة إلى أفريقية الوسطى والشرقية كالسودان والحبشة والصومال، ولهذا كانت للأستاذ الختم رحلاته إلى هذه الأقطار لنشر الدين الإسلامي، فقد سافر ﵁ بإشارة من أستاذه إلى مصر والحبشة والأرتيريا وفي جبال الأرتيريا وسهولها حيث توجد إلى جانب القبائل العربية التي استقبلت دعوته إلى الله أكرم استقبال وأخذت عنه طريقته وتمسكت بها حتى الآن. كانت لوجد قبائل بدائية وثنية دعاها إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة فاستجابت لدعوة الحق واستضاءت بنور الإسلام، وقد بلغ عدد الذين أسلموا على يديه في أشهر معدودات عشرات الآلاف من الرجال والنساء تركهم بعد مغادرته للأرتيريا أمانة في يد خلفائه العلماء وهم اليوم من أكثر قبائل أفريقيا حفظًا للقرآن وطلبًا للعلم وتمسكًا بالطريقة الختمية، وأقام مدة في صعيد مصر في بلدة الزيتية يدعو إلى التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، وإلى اقتفاء آثار السلف الصالح وما أثر عنه من مراقبة الحق ومجاهدة النفس.
رحلات الإمام الختم إلى السودان:
ثم سافر الأستاذ الختم ﵁ إلى السودان سالكًا طريق النيل حتى بلغ دنقلة، ومنها اتجه إلى كردفان حتى وصل الأبيض حاضرة كردفان حيث أسس فيها مسجدًا وتتلمذ فيه وأخذ عنه العهد أكابر علمائها وأهل الصلاح فيها. ومنها سافر إلى مدينة بارا الواقعة في نفس الإقليم وفيها تزوج إحدى سليلات بيوت العلم والجاه التي ولدت في نفس المدينة ابنة الولي الكامل السيد محمّد الحسن الميرغني, منها اتجه إلى سنار حيث أقام فيها مدة قصيرة، ثم واصل سيره إلى المتمة وشندى حيث أسس بها مسجدًا، والدامر وأقام في الأخيرة قليلًا، ثم سار إلى الشرق حيث انتهى به المطاف إلى جبال التاكة، فاستقر بالقرب منها وأنشأ قرية السنية التي تعرف الآن باسم "الختمية" وأسس بها مسجدًا. وطوال هذه الرحلة التي شملت أغلب بلاد السودان كان الإمام الختم يدعو إلى الله وينشر الدين الإسلامي
стр. 2588
ويلقن تلاميذه أوراد طريقته، والناس يهرعون إليه من أقاصي البلاد ودانبها للتبرك به والأخذ عنه حتى انخرط في سلك الطريقة الختمية في وقت قصير عدد لا يحصى من أهل السودان ومن جميع أقاليمه وبيئاته.
كما قام الإمام (الختم) برحلة أخرى لشرقي السودان. فزار مدينة سواكن وأسس بها ثلاثة مساجد ومدرسة لتعليم المرأة وهي الأولى من نوعها في تاريخ السودان.
وقد حدثت للأستاذ خلال هذه الرحلات بعض الحوادث التي أكرمه الله بالقول الفصل فيها فزاد تعلق الناس به وانخراطهم في طريقته حتى غدت وليس في السودان طريقة تضاهيها سعة نفوذ، وعدد مريدين، وكان لها أثر ملموس في تاريخ السودان الفكري ودور بارز في تاريخه السياسي والاجتماعي.
وقد كان من بين عوامل انتشار الطريقة الختمية في السودان في عهد مؤسسها الأستاذ الختم أن كبار خلفائه الذين أخذوا عهدها على يديه كانوا من علماء المدن وفقهاء القرى الذين تولسوا الفتوى، وعنوا بتعليم الفقه والشريعة الإسلامية، وفي مساجدهم العامرة ومعاهدهم المشهورة وكانت هذه الزوايا والمساجد وما جمعت من أبناء الطريقة الختمية والطرق الصوفية هي القلعة التي احتمت بها دعوة التحرر من الحكم الأجنبي، والاتجاه نحو الإسلام والعروبة حتى اليوم" أ. هـ.
• تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي: "وممن ادعى أنه خاتم الأولياء محمد بن عثمان الميرغني السوداني حيث سمى نفسه بالختم. وجعل هذا الاسم علمًا على طريقته الصوفية فسماها الختمية" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٢٦٨ هـ) ثمان وستين ومائتين وألف.
من مصنفاته: "تاج التفاسير لكلام الملك الكبير"، و"مجموع الغرائب" و"الأنوار المتراكمة" وغير ذلك.
٣٤٨١ - المنير *
النحوي، المفسر: محمّد عارف (١) بن أحمد بن سعيد المنيِّر الشافعي.
ولد: سنة (١٢٦٤ هـ) أربع وستين ومائتين وألف.
من مشايخه: قرأ العلوم العربية على والده، وعمه الشيخ محمّد وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ علماء دمشق: "تولى تدريس كتاب الشفا للقاضي عياض في الجامع الأموي، ولازم المدرسة الأخنائية لإقراء الطلبة والتأليف.
ووقف في آخر عمره لرد شبه الفرق الضالة" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٤٢ هـ) اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: متن في النحو، تعليقات على تفسير محمّد بن مرتضى من غلاة الشيعة
стр. 2589
الإمامية، رسالة في الرد على غلام أحمد القادياني، رسالة جمعت الأقوال التي قيلت في تفسير الشجرة التي نها الله عن الأكل منها في الجنة.
٣٤٨٢ - البارنباري *
اللغوي: محمّد عبد الوهاب بن محمّد البارنباري (١) الشافعي، ناصر الدين.
ولد: قبيل سنة (٧٧٠ هـ) بيسير، سبعين وسبعمائة.
من تلامذته: تقي الدين بن وكيل السلطان وغيره.
كلام العلماء فيه:
• إنباء الغمر: "اشتغل ومهر في الفقه والعربية والحساب والعروض وغير ذلك، وتصدر بالجامع الأزهر احتسابًا، وكان من خيار الناس" أ. هـ.
• الوجيز: "انتفع به الأكابر، وأفتى وخطب مع الخير والتقنُّع" أ. هـ.
• الضوء: "كان من خبار الناس له مدد وجلد، وناب عن حفيد الولي العراقي في مشيخة الجمالي الجديدة تصوفًا وتدريسًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٨٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وثمانمائة، وقد ناف عن السبعين.
٣٤٨٣ - فالح الظاهري *
اللغوي: محمّد فالح بن محمّد بن عبد الله بن فالح المهندي الظاهرى، أبو النجاح، وأبو اليسر.
ولد: سنة (١٢٥٨ هـ) ثمان وخمسين ومائتين وألف.
من مشايخه: الشيخ السنوسي، وأبو موسى عمران الياصلي الحسني وغيرهما.
من تلامذته: الكتاني وغيره.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "عالم بالحديث واللغة، من أهل المدينة المنورة وبها وفاته" أ. هـ.
• معجم المؤلفين: "محدث، حافظ، فقيه، أصولي، لغوي، صوفي، شارك في عدة علوم" أ. هـ.
• فهرس الفهارس: "هو محدث المدينة المنورة ومسندها وبقية ذوي الإسناد العالي فيها المتبحر في علوم الأدب واللغة والتصوف المعتقد في طريقة أهله، العارف بفقه الحديث وفنه، الداعي إلى السنة والأثر قولًا وعملًا واعتقادًا .. ولبس الخرقة عن الشيخ العارف السنوسي" أ. هـ.
• قلت: قال صاحب الترجمة في كتابه (حسن الوفا لأخوان الصفا): اعلم أن المعتبر في الأسانيد الحديثية العلو وفي الأسانيد الصوفية النزول
стр. 2590
فالأول ليقل الخطأ والثاني لتعم البرك بكثرة الرجال كذا ذكره جماعة والله الموفق".
وقال: "الولي المقرب سيدي العربي بن أحمد في الجواهر القرطاس: أنه لا أسرع بالمواهب اللدنية والفتوحات الربانية من ذكر الاسم (الله) مصورًا أحرفه الأربعة تصويرًا خياليًا بين عينيه، ويستمر هكذا مصورًا ذاكرًا إلى أن ينقطع النفس الأول وهكذا في النفس الثاني وهلم جرًا (ولبسهما) ابن حرزهم أيضًا من ابن العربي من الغزالي من أبي المعالي .. الخ، (المسلسل بالمصافحة): صافحني شيخنا الأستاذ الحافظ وقال من صافحني أو صافح من صافحني إلى يوم القيامة دخل الجنة .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٢٨ هـ) ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف بالمدينة المنورة.
من مصنفاته: "أنجح الساعي في الجمع بين صفتي السامع والواعي" في الفقه، و"صحائف العامل بالشرع الكامل"، و"حسن الوفا لإخوان الصفا".
٣٤٨٤ - عبد الباقي *
المفسر: محمّد فؤاد بن عبد الباقي بن صلح بن محمد.
ولد: سنة (١٢٩٩ هـ) تسع وتسعين ومائتين وألف.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "عالم بتنسيق الأحاديث النبوية ووضع الفهارس لها ولآيات القرآن الكريم. كان صائم الدهر، قوي العزيمة" أ. هـ.
• قلت: من خلال العودة إلى تعليقه على صحيح مسلم نجده يكثر من النقل عن القاضي عياض والمازري والنووي وخصوصًا في مسائل الأسماء والصفات ومن المعروف أن الثلاثة يؤولون الصفات على مذهب الأشاعرة فمثلًا:
في تعليقه على الحديث رقم (١٧١) كتاب الإيمان: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) معناها الإعراض عنهم.
وأما الحديث (٣٠٢) كتاب الإيمان: (فيكشف عن ساق): ضبط يكشف بفتح الياء وضمها. وهما صحيحان. وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا بالشدة. أي يكشف عن شدة وأمر مهول.
وأما الحديث (١٦٨) باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها):
(ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا) قال الإمام النووي: هذا حديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: أحدهما، وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى. وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد. ولا يتكلم في تأويلها. مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات
стр. 2591
من السلف، أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما تأويل مالك بن أنس ﵁ وغيره، معناه تنزل رحمته وأمره أو ملائكته. كما يقال: فعل السلطان كذا، إذا فعله أتباعه بامره. والثاني أنه على الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف.
وأما الحديث (١٧ - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء - كتاب القدر):
(بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من أحاديث الصفات. وفيها القولان السابقان قريبًا: أحدهما الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى. بل يؤمن بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد. قال الله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ والثاني يتأول بحسب ما يليق بها. فعلى هذا المراد المجاز. كما يقال. فلان في قبضتي وفي كفي. لا يراد به أنه حالٌ في كفه بل المراد تحت قدرتي. ويقال: فلان تحت إصبعي أقلبه كيف شئت. فمعنى الحديث أنه متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء. لا يمتنع عليه منها شيء ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه. فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثل بالمعاني الحسية تأكيدًا له في نفوسهم.
وأما الحديث [١٣ - باب (٢) - كتاب القدر].
(بيده) في اليد، هنا، المذهبان السابقان في كتاب الإيمان، ومواضع في أحاديث الصفات. أحدهما الإيمان بها. ولا يتعرض لتأويلها مع أن ظاهرها غير مراد، والثاني تأويلها على القدرة".
وفاته: سنة (١٣٨٨ هـ) ثمان وثمانين وثلاثمائة وألف، بالقاهرة بعد أن كفّ بصره في آخر عمره.
من مصنفاته: "تيسير المنفعة بكتابي مفتاح كنوز السنة" و"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" و"معجم غريب القرآن"، وأشرف على تصحيح "محاسن التأويل" للسيد جمال الدين القاسمي وغير ذلك.
٣٤٨٥ - الكواكبي *
المفسر محمّد مسعود بن أحمد بهائي بن محمّد مسعود الكواكبي أبوسعود.
ولد: سنة (١٢٨١) إحدى وثمانين ومائتين وألف.
من مشايخه: والده وغيره.
كلام العلماء فيه:
• أعلام دمشق: "عالم أديب من حلب. نشأ وتعلم على شيوخ عصره وتقلب في مناصب القضاء واختير عضوًا بالجمع العلمي بدمشق" أ. هـ.
• أعلام الأدب والفن: "كان ﵀ نبراسًا يقتدى به في الوطنية، وهو أحد أركان النهضة العربية الوطنية الذي كان له الفضل بتوحيد سوريا بعد تفريقها إلى دول .. وكان محبًا للنفع والخير، متحليًا بالتقوى والصلاح" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٤٨ هـ) ثمان وأربعين وثلاثمائة وألف.
стр. 2592
من مصنفاته: "تفسير القرآن"، و"المولد المسعودي"، وله شعر.
٣٤٨٦ - الأحمدي *
المقرئ: محمّد المنير بن الحسن بن محمّد بن أحمد السمنودي الشافعي الأحمدي ثم الخلوتي المصري، الشهير بالمنير.
ولد: سنة (١٠٩٩ هـ) تسع وتسعين وألف.
من مشيخه: الشمس محمّد السجيني، وأبو الصفا الشنواني وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• سلك الدرر: "الشيخ الإمام المحدث المقرئ الصوفي العارف بالله" أ. هـ.
• عجائب الآثار: "أخذ الطريقة ببلده على سيدي علي زنفل الأحمدي، ولما ورد مصر اجتمع بالسيد مصطفى البكري فلقنه طريقة الخلوتية، وانضوى إلى الشيخ شمس الدين محمّد الحفني، فقصر نظره عليه واستقام به عهده فأحياه ونور قلبه واستفاض منه، فلم يكن ينتسب في التصوف إلا إليه. وحصل جملة من الفنون الغريبة كالزايرجة والأوفاق على عدة من الرجال، وكان ينزل وفق المائة في المائة وهو المعروف بالمئيني، ويتنافس الأمراء والملوك لأخذه منه، وأحدث فيه طرقًا غريبة غير ما ذكره أهل الفن، وقد أقرأ القرآن مدة وانتفع به الطلبة، وقرأ الحديث. وكان سنده عاليًا فتنبه بعض الطلبة في الأواخر. فأكثروا الأخذ عنه. وكان صعبًا في الإجازة لا يجيز أحدًا إلا إذا قرأ عليه الكتاب الذي يطلب الإجازة فيه بتمامه. ولا يرى الإجازة المطلقة ولا المراسلة، حتى أن جماعة من أهالي البلاد البعيدة أرسلوا يطلبون منه الإجازة فلم يرض بذلك، وهذه الطريقة في مثل هذه الأزمان عسرة جدًّا. وفي أواخره انتهى إليه الشأن، وأشير إليه بالبنان وذهبت شهرته في الآفاق، وأتته الهدايا من الروم والشام والعراق، وكف بصره وانقطع إلى الذكر والتدريس في منزله بالقرب من قنطرة لموسكي داخل العطفة بويقة الصاحب، ولازم الصوم نحو ستين عامًا، ووفدت عليه الناس من كل جهة، وعمر حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، وأجاز وخلف وربما كتب الإجازات نظمًا على هيئة إجازات الصوفية لتلامذتهم في الطريق، ولم يزل يبدي ويعيد ويعقد حلق الذكر ويفيد، إلى أن وافاه الأجل المحتوم في هذه السنة، وجهز وكفن وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل، وأعيد إلى الزاوية الملاصقة لمنزله وكثر عليه الأسف" أ. هـ.
وفاته: سنة (١١٩٩ هـ) تسع وتسعين ومائة وألف.
من مصنفاته: "شرح الطيبة" وهو من أجلِّ تآليفه، و"شرح الدرة" و"منظومة في طريقة ورش" وشرحها، ورسالة في رواية حفص، وله في التصوف "تحفة السالكين" و"الآداب السنية لمريد سلوك طريق السادة الخلوتية".
стр. 2593
٣٤٨٧ - المهدي متْجَنُوش *
المقرئ: محمّد المهدي بن عبد السلام بن المعطي متجنوش، أبو عيسى الرباطي.
ولد: (١٢٧٨ هـ) ثمان وسبعين ومائتين والف.
من مشايخه: شيخ الجماعة بالرباط أبو إسحاق إبراهيم التادلي الشهير وغيره.
من تلامذته: عبد الحفيظ الفاسي وغيره.
كلام العلماء فيه:
• معجم الشيوخ: "كان ﵀ عالمًا مشاركًا في كثير من الفنون متضلعًا في علم القراءات مطلعًا على وجوهها وأحكامها عارفًا بتطبيقاتها على الآيات والنطق بها ماهرًا في علم الفرائض والتنجيم والتعديل قلّ نظيره في كل ذلك مائلًا إلى التصوف متباعدًا عن خلطة الناس عارفًا بأحوالهم ودسائسهم رفيع الهمة أبيّ النفس مع إقلال وضعف حال، كثير العبادة والتلاوة حلو المفاكهة حاد النادرة كلامه حكم وأمثال ومواعظ واستدلال .. " أ. هـ.
• الأعلام: "عالم بالحساب والقراءات، أندلسي الأصل، مولده ووفاته في رباط الفتح" أ. هـ.
• معجم المؤلفين: "مقرئ فلكي، حاسب، أديب، صوفي، واعظ فرضي" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٤٤ هـ) أربع وأربعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "رعاية الأداء في كيفية الجمع بين السبعة القراء" و"التحفة في مخارج الحروف" في التجويد.
٣٤٨٨ - القزويني *
النحوي، اللغوي: محمّد مهدي بن علي أصغر بن محمّد بن يوسف القزويني الشيعي.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "أديب نحوي إمامي .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١١٥٠ هـ) خمسين ومائة وألف.
من مصنفاته: "الانتقاد في شرح الجمل" نحو، و"عناء الأريب في فهم معنى اللبيب"، و"عين الحياة في الأدعية".
٣٤٨٩ - المهدي الوزّاني *
النحوي: محمّد المهدي بن محمّد بن محمّد بن خضر بن قاسم العمراني الوزّاني الفاسي، أبو عيسى.
ولد: سنة (١٢٦٦ هـ) ست وستين ومائتين وألف.
من مشايخه: والده، ومحمد التطواني، ومحمد الغنضور وغيرهم.
من تلامذته: عبد الحفيظ الفاسي، ومحمد الصادق النيفر.
стр. 2594
كلام العلماء فيه:
• معجم الشيوخ: "كان المترجم ﵀ من أشهر علماء فاس والمغرب وأئمة الفقه به مشاركًا في كثير من الفنون متضلعًا في الفقهيات عارفًا بالنوازل الوقتية وأحكام المعاملات مرجوعًا إليه فيها من سائر أقطار المغرب، وألّف فيها المؤلفات العظيمة .. وكان متواضعًا كريم النفس حسن الأخلاق، جميل المعاشرة حلو المفاكهة.
وله تأليف في الرد على محمّد عبده في مسألة منع التوصل إلى الله بالأولياء والأنبياء، وموافقته في إباحة ذبيحة الكتابي التي أفتى بها الجد أبو السعود عبد القادر وحررها الإمام أبو بكر بن العربي التي أجمع المفسرون على أنها المراد من قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية" أ. هـ.
• الأعلام: "مفتي فاس وفقيهها في عصره. من المالكية" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٤٢ هـ) إثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "حاشية على شرح المكودي للألفية" في النحو وغير ذلك.
٣٤٩٠ - هادي الطهراني *
النحوي، المفسر محمّد هادي بن محمّد أمين الطهراني، نزيل النجف.
ولد: سنة (١٢٥٣ هـ) ثلاث وخمسين ومائتين وألف.
من مشايخه: المرتضى الأنصاري وعبد الحسين الطهراني وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• أحسن الوديعة: "كان ﵀ عالمًا نحريرًا وفاضلًا خبيرًا وفقيهًا ومحققًا وجيهًا، صاحب تحقيقات أنيقة، وتدقيقات رشيقة تولد في طهران وبها نشأ منشأ نجيبًا وتخرج في العلوم العقلية والمعارف الإلهية على علمائها الأعيان وحكمانها الأركان .. ونقل أنه كان كثير الطعن والتشنيع في مجلس درسه على العلماء والمجتهدين في مقام رد كلماتهم، ولذا نقل بل قد اشتهر أن معاصره العلامة الرشتي .. حكم بكفره بحيث نقل لنا من أثق بنقله واعتمد على قوله أن شيخنا الهادي صاحب العنوان ورد في تأبين بعض علماء النجف فلما سقوه القهوة حسب ما هو العادة في المأتم والتعازي صاح من وسط المجلس بعض المغرضين بمحضر الشيخ العلامة الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي ﵀ وبملأ من الناس: اغسلوا فنجان القهوة الذي شرب منه الشيخ هادي، وكان شيخنا العلامة المحقق الشيخ محمّد حسين الكاظمي ﵀ حاضرًا في المجلس فلما سمع تلك الصيحة النفسانية المنبعثة من الوساوس الشيطانية، والدسائس الشخصية حركته الغيرة الإيمانية فأمر بإتيان كوز من الماء ليشرب فقدمه لشيخنا الهادي ﵀ وقال اشرب منه حتى أشرب سؤرك ففعل ذلك فتعجب الحاضرون .. فوثقوا بصاحب العنوان .. وتركوا الحركات القبيحة والكلمات البذيئة الموجبة لفساد عقائد العوام .. وبالجملة لم نجد ولم نر في مؤلفاته ما يوجب ذلك، بل يعبر عن
стр. 2595
علمائنا في كتبه بحسن التعبير .. " أ. هـ.
• الأعلام: "فقيه إمامي. ولد ونشأ بطهران وانتقل إلى أصفهان ثم استقر في النجف إلى أن توفي"أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٢١ هـ) إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "تفسير آية النور" ومنظومة في النحر.
٣٤٩١ - السُّغدي *
المفسر: محمود بن أحمد بن الفرج بن عبد العزيز، أبو المحامد السمرقندي السغدي الساغرجي.
ولد: سنة (٤٨٠ هـ) ثمانين وأربعمائة.
من مشايخه: أبو معين مكحول بن محمد النسفي، ومحمد بن أبي بكر العتابي وغيرهما.
من تلامذته: أبو سعد عبد الكريم بن محمّد السمعاني وغيره.
كلام العلماء فيه:
• الأنساب: "صار شيخ الإسلام بسمرقند، وكان فاضلًا مفتيًا مصيبًا، عارفًا بالمتفق والمختلف، كثير العبادة .. كان بيني وبينه أُنس شديد وألفة ومودة لا إلى غاية" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "قال ابن السمعاني: إمام فاضل بارع، مبرز في أنواع الفضل والتفسير والحديث والأصول والخلاف والوعظ، مع اجتماع هذه الفضائل هو حسن السيرة، سليم الباطن، كثير الخير والعبادة، تارك لما لا يعنيه" أ. هـ.
وفاته: في حدود سنة (٥٥٥ هـ) خمس وخمسين وخمسمائة.
٣٤٩٢ - ابن الصابوني *
المقرئ: محمود بن أحمد بن علي المحمودي الجعفري (١)، أبو الفتح بن الصابوني نسبة إلى جد أمه شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني.
ولد: تقريبًا سنة (٥٠٠ هـ) خمسمائة.
من مشايخه: ابن العز القلانسي، وهبة الله بن الحصين وغيرهما.
من تلامذته: ابنه علم الدين، والحافظ بن المفضل وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• السير: "المقرئ الصوفي .. وكان له زاوية ببغداد" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "الصوفي .. من ساكني الجعفرية، كان من أجلاء الشيوخ".
وقال: "كتب الشيخ الزاهد عمر الملا الموصلي كتابًا إلى ابن الصابوني هذا يطلب منه الدعاء" أ. هـ.