← Тараджим

Тараджим · id 130964

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 054 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

المكنون" أ. هـ. * بغية الوعاة: "قال ابن الكرماني في ذيل المسالك: الإمام العلامة الزاهد الأوحد الكبير، بقية السلف. كان إمامًا في علوم، لا سيما علم المعاني والبيان شيخ الحنفية في عصره، أقبل آخر عمره على الحديث ولم يشتغل بغيره، وله اختيارات تخالف المذهب لأجل الحديث، وكان صالحًا ديّنًا زاهدًا، لا يقبل شيئًا ولا وظيفة ولا يمكن أولاده من ذلك، وله وجاهة وحرمة عند السلاطين والقضاة والنواب، ويقصدونه ويعظّمونه، ولا يلتفت إليهم بل يوبخهم بالقول والفعل، ويخاطبهم بأسوأ خطاب يُكتب إلى النواب: إلى فلان المكاس أو الظالم، أو نحو ذلك من العبارات الشّنيعة، وهم يمتثلون أمره ولا يخالفونه. وكان الشيخ تقي الدين السبكي يبالغ في تعظيمه، ويقول: لا أعلم اليوم مثه في الدين والعلم، وكان يعاني الفروسية وآلات القتال، ولا يخرج من بيته لجماعة ولا لجمعة وغزا وبنى بُرجًا على الساحل" أ. هـ. * الوجيز: "ممن كان السبكي يبالغ في تعظيمه مع حظ من العبادة وزهد، وشدة بأس على الحكام، وعدم مهابته أحدًا في الله، ومحاسنه كثيرة، جاز السبعين" أ. هـ. * الشذرات: "كان يبالغ في تعظيم نفسه في العلم حتى قال مرة: أنا أعلم من النووي وهو أزهد مني" أ. هـ. * قلت: ذكره صا حب كتاب "الماتريدية" ضمن أشهر علماء الماتريدية وطبقاتهم ومؤلفاتهم الكلامية أ. هـ. وفاته: سنة (٧٨٨ هـ) ثمان وثمانين وسبعمائة. من مصنفاته: "درر البحار" نظم فيه فقه الأربعة على أسلوب غريب، وشارح "مجمع البحرين" و "شرح عمدة العقائد" لحافظ الدين النسفي. ٣٤٤٣ - ابن زمرك * النحوي، اللغوي، المقرئ: محمّد بن يوسف بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن يوسف الصرنجي، أبو عبد الله بن زمرك. ولد: (٧٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين وسبعمائة. من مشايخه: أبو عبد الله الفخار وأبو البركات ابن الحاج وغيرهما. كلام العلماء فيه: * الإحاطة: "كان من صدور الطلبة والنجباء شعلة في الذكاء يساعده ظاهرًا ثاقب الذهن جيد الفهم، فاشتهر فضله ثم تصدى للوعظ فاستظهر بفنون العربية والتفسير والبيان والتصوف .. مصاحبًا للصوفية، آخذًا نفسه بارتياض ومجاهدة" أ. هـ. وفاته: سنة (٧٩٥ هـ) خمس وتسعين وسبعمائة. ٣٤٤٤ - المقدسي الدمشقي * المقرئ: محمّد بن يوسف بن إبراهيم بن عبد المجيد المقدسي ثم الدمشقي.

стр. 2522

ولد: سنة (٧٣٤ هـ) أربع وثلاثين وسبعمائة. من مشايخه: زينب بنت الخباز، وقيل: زينب ابنة ابن الخباز وغيرها. من تلامذته: ابن حجر وغيره. كلام العلماء فيه: * إنباء الغمر: "كان مؤذنًا بالجامع الأموي جهوري الصوت بالأذان مع كبر سنه" أ. هـ. وفاته: سنة (٨٠٦ هـ)، وقيل: (٨٠٧ هـ) ست، وقيل: سبع وثمانمائة. ٣٤٤٥ - السَّنُوسِي * المفسر، المقرئ: محمّد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي الحسني من جهة الأم، أبو عبد الله. ولد: سنة (٨٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وثمانمائة. من مشايخه: أبو إسحاق إبراهيم التازي، وأبو الحسن القلصادي الأندلسي وغيرهما. من تلامذته: الملالي وغيره. كلام العلماء فيه: * تعريف الخلف: "فهو في علوم الباطن قطب رحاها وشمس ضحاها، قد غاب بكلامه فيها في غيب الله تعالى، واطّلع على معادن أسراره ومطالع أنواره، يؤثر حب مولاه ويراقبه، لا يأنس بأحد بل يفر كثيرًا إلى الخلوات، يطيل الفكرة في معرفته فانكشفت له عجائب الأسرار، وتجلّت له الأبصار، فصار من وارثي الأنبياء جامعًا بين الحقيقة والشريعة على أكمل وجه، له لطائف الأحوال وصالح الأقوال والأفعال، باطنه حقائق التوحيد، وظاهره زهد وتجريد، وكلامه هداية لكل مريد، كثير الخوف طويل الحزن، يسمع لصدره أنين من شدة خوفه، مستغرقًا في الذكر فلا يشعر بمن معه، مع تواضع وحسن خلق ورقة قلب، رحيمًا متبسمًا في وجه من لقيه، مع إقبال وحسن كلام" أ. هـ. * فهرس الفهارس: "وله (ثبت صغير) ذكر فيه إسناده حديث الأولية وحديث الضيافة على الأسودين والمصافحة والمشابكة، ولبس الخرقة ومناولة السبحة وتلقين الذكر على طريق شيخه أبي إسحاق إبراهيم التازي وهو عندي منه نسخة" أ. هـ. * قال إسعيد عليوان في رسالته التي قدمها لنيل شهادة الدكتوراه في دراسته وتحقيقه لشرح مختصر محمد بن يوسف السنوسي في المنطق لسنة (٨٦ - ١٩٨٧ م) ما نصه: "السنوسي يعد من المفكرين الجزائريين القلائل الذين تركوا لنا مؤلفات في المنطق واهتمامه به راجع إلى تأثره بكل من ابن تومرت (ت: ٥٢٤ هـ) الذي شرح مرشدته في العقيده، وشيخه الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) وذلك لأن المفكرين في المغرب كانوا ينفرون من المنطق قبل دخول ابن تومرت إليها، وإتيانه بمنهج شيخه الغزالي والأشاعرة عمومًا في

стр. 2523

التأويل والمنهج العقلي". وقال: "والسنوسي ظلم كثيرًا ممن أتى بعده، فعده بعضهم درويشًا وعدّه بعضهم متعصبًا جامدًا". وقال من خلال كلامه على الحياة الثقافية في وقت السنوسي: "أما علم الكلام فقد سيطرت فيه الأشعرية على عقول الناس وقد أدخلها الموحدون وحطموا بها ما كان عند المرابطين من تصورات حشوية أو تجسيمية فدعو إلى تأويل القرآن حسب روح الأشعرية في معانيها العامة، والسنوسي من الذين تأثروا بهذه النزعة كما هو واضح في عقائده". وقال في ذكر عقيدة التوحيد لديه: "وقد كثرت كتبه فيه -أي التوحيد- وتنوعت .. من الكبرى إلى الصغرى إلى غيرها وهو في أساسها تلخيص لعقيدة الأشعري". وكان ذلك لأسباب ذكرها صاحب الرسالة، ومن أهمها: "تمكين بعض الناس عن الفهم الصحيح للعقائد والرد على الشبهات التي يبثها النصارى واليهود، ودرء أباطيل المنحرفين من الصوفية .. ". ثم ذكر صاحب الرسالة التي كتب منها: ١ - العقيدة الكبرى: وقد سماها (عقيدة أهل التوحيد المخرجة بعون الله من ظلمات الجهل وربعة التقليد، المرغمة بفضل الله تعالى أنف كل مبتدع وعنيد) .. وقد تعرض فيه السنوسي لأهم عقائد الأشعري كإثبات وجه الله وما يجب له من الصفات وما يجوز وما يستحيل وبراهين ذلك .. ٢ - شرح العقيدة الكبرى: وقد سماها (عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد) وهو شرح مفصل للكتاب السابق. وبعدما ذكر له الكتب الأخرى التي ألفها في العقائد كالعقيدة الصغرى المسماة (أم البراهين)، والعقيدة الوسطى وشرحها وغيرها. وكلها في تبيين وشرح عقائد الأشعرية واستخدامها في بيان الحجة على أهل النزاع من الفرق والمذاهب والأديان الأخرى في وقته. وله أيضًا -ذكرها صاحب الرسالة- كتاب (شرح أسماء الله الحسنى) وقصيدة له في العقيدة سميت بـ (الدهرية) يرد فيها على مذهب الدهرية والزنادقة والملاحدة بأدلة علمية وغيرها، وله تفسير أيضًا فسر القرآن الكريم كله في مسجده. وقال عنه صاحب الرسالة: "والسنوسي متأثر في تفسيره بعلم الكلام مما جعله مطبوعًا بطابع عقائدي .. ، وقد تأثر كذلك بالزمخشري مع أنه معتزلي مما يدل على عدم تعصبه وأخذه الحق أي وجد". ثم قال: "أما ما سجله من نفسيره للقرآن فهو ما يأتي: تفسير سورة الفاتحة: وهو تفسير طويل نسبيًا ... وهو تفسير عقائدي ولغوي ناقش فيه الفرق الإسلامية، وهو يحلل ويعلل ويستنتج ويستشهد ويأتي بإشارات صوفية تدل على قوة إيمانه وشدة تعلقه بربه، وهو بذلك بعيد عن شطحات الصوفية وخرافاتهم .. ". ثم ذكر له تفاسير أخرى في تفسيره لبعض السور، أو اختصار حواشي على بعض التفاسير. ثم ذكر إسعيد عليوان تصوفه وطريقة أخذه لها حيث جعلها على عدة نقاط هي:

стр. 2524

١. لباسه الخرقة الشريفة: وقد حدثه عن شيخه الذي ألبسها له بالحرم الشريف وأخبره بسند اللبس .. ٢. الضيافة على التمر والماء، وذلك أن الشيخ التارزى أضافه تمرًا وماء وأخبره بسند الضيافة على التمر والماء .. ٣. المصافحة: وقد صافح إبراهيم التازي السنوسي .. ٤. المشابكة: وشابكه قائلًا له: شابكني فمن شابكني دخل الجنة، وقد ذكر الملالي سند هذه المشابكة .. ٥. السبحة: فأمره بالسبحة وبين له أنها من صفات الشيوخ الأولياء، وقد أورد لمريده السنوسي سند الذين رؤيت في أيديهم .. ٦. تلقين الذكر: وقد لقنه الذكر وبين له سند ذلك .. ٧. تلقين حديث الرحمة .. "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (١). ثم ذكر صاحب الرسالة مفهوم التصوف عند السنوسي في اللباس والخلوة واتخاذ شيخ واسطة وموقفه من العقل والذوي وموقفه من الكرامات والمكاشفات، ثم ذكر أربعة شروط في تقرير السنوسي لمعنى الولي وهي: ١. أن يكون عارفًا بأصول الدين حتى يفرق بين الخلق والخالق وبين النبي ومدعي النبوة. ٢. أن يكون عالمًا بأحكام الشريعة نقلًا وفهمًا ... ٣. التخلق بالخلق المحمود الذي يدل عليه الشرع والعقل. ٤. ملازمة الخوف له أبدًا سرمدًا. ويذكر صاحب الرسالة لكل منها بعض الشرح الذي كان يؤكد عليه السنوسي لكل منها ثم قال إسعيد عليوان: "وتلميذه الملالي يقرر أن هذه الشروط الأربعة متوفرة فيه وزيادة -حيث يقول-: ولا خفاء أن الشيخ قد خصّه الباري سبحانه بهذه الشروط الأربعة وزائد عليها زيادة لا يمكن وصفها، ومنحه سبحانه معارف ربانية، وعلوم لدنية، وأنوار إلهية .. ". ثم يذكر لباسه والخلوة التي اختلف مفهومها عند المتصوفة وما ذكر الملالي تلميذه حيث يقول: "والسنوسي كان يحب العزلة بحيث يتمنى في بعض الأحيان أن لا يرى أحدًا ولا يراه أحد .. ". وفي اتخاذ الشيخ واسطة لتلقين الإسلام حيث يقول صاحب الرسالة: "والسنوسي لا يقر بهذا -أي التلقين- بل ينتقد هؤلاء في ذلك، ويرى أن كثيرًا من المتصوفة إذا لاح لهم شيء من روائح المعرفة اغتروا بذلك وعلى العارف أن يحكم العقل أولًا، فإذا حكم العقل ونظر واهتدى بالبرهان القطعي إلى صدق الرسول ﷺ وعرف شرف رتبته عند الله قدمه وعزل نفسه عن كل نظر وأسلم نفسه إلى الرسول وحكمه في ظاهره وباطنه" هذا ما أورده تلميذه الملالي عنه كما أورده صاحب الرسالة وأوردته ملخصًا. قلت: إليك بعض النصوص التي تدل على

стр. 2525

عقيدته من كتابه (عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة أهل التوحيد الكبرى). طبعة مصر سنة (١٣١٦ هـ في مطابع جريدة الإسلام: حيث قال في صفحة (١٢): "وأما القسم الثاني وهو الاعتقاد فينقسم قسمين مطابق لما في نفس الأمر ويسمى الاعتقاد الصحيح كاعتقاد عامة المؤمنين المقلدين وغير مطابق ويسمى الاعتقاد الفاسد المركب كاعتقاد الكافرين أجمعوا على كفر صاحبه وأنه آثم غير معذور مخلد في النار اجتهد أو قلد ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة واختلفوا في الاعتقاد الصحيح الذي حصل بمحض التقليد فالذي عليه الجمهور والمحققون من أهل السنة كالشيخ الأشعري والأستاذ والقاضي وإمام الحرمين وغيرهم من الأئمة أنه لا يصح الاكتفاء به في العقائد الدينية وهو الحق الذي لا شك فيه وقد حكى غير واحد الإجماع عليه وكأنه لم يعتد بخلاف الحشوية وبعض أهل الظاهر إما لظهور فساده وعدم مثانة علم صاحبه أو لانعقاد إجماع السلف قبله على ضده". وفي صفحة (١٢٤) قال: "اختلف الناس في أخص وصف الباري جل وعلا فقال قوم من المعتزلة إنه القدم وقد سبق رده ومنهم من زعم أنه حال توجب له تعالى كونه حيًّا عالمًا قادرًا مريدًا ولا إفصاح في هذه المقالة عن هذه الصفة ونقل الشيخ أن خاصية الإله القدرة على الاختراع واختاره الفخر في بعض كتبه واحتج له بأن موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه أجاب فرعون لما سأله عن حقيقة رب العالمين قال له رب السماوات والأرض وما بينهما فلولا أن ذلك خاصية الإله لما كان الجواب لائقًا قال ابن التلمساني ولا حجة له في ذلك فإنما كما يسأل بها ويراد بالسؤال فهم الحقيقة كذلك قد تطلق لطلب تمييز الحقيقة وما ذكره موسى ﵇ يصلح لتمييزه تعالى عن سائر الممكنات وأما قول الشيخ أن تلك خاصية الإله لعله أراد أن هذا الوصف لا يثبت لغير الله تعالى ردًّا على المعتزلة إذ تزعم أن العبد يشارك الله تعالى في ذلك باعتبار أنه يوجد أفعاله عندهم ولم يرد أنه أخص وصف ذاته فإن القدرة على الاختراع عنده من صفات المعاني التي يستدعي الاتصاف بها تقرر الذات بدونها في العقل فلا تكون أخص وصف الذات وإلا لدار ذلك والله أعلم. قلت: وإذا تبين لك أن أخص وصف الباري جل وعلا مجهول عرفت أن ذاته غير معروفة للبشر وهو الأصح من القولين وإليه ذهب القاضي وإمام الحرمين وحجة الإسلام والإمام الفخر في أكثر كتبه". وقال في صفحة (١٣٠): " (ص) فصل ثم نقول يتعين أن تكون هذه الصفات كلها قديمة إذ لو كان شيء منها حادثًا للزم أن لا يعرى عنه أو عن الإتصاف بضده الحادث ودليل حدوثه طريان عدمه لما علمت من استحالة عدم القديم وما لا يتحقق ذاته بدون حادث يلزم حدوثه ضرورة وقد تقدم مثل ذلك في الاستدلال على حدوث العالم. (ش) (١) [لما فرغ من إقامة البرهان على ثبوت

стр. 2526

الصفات شرع في إثبات أحكام واجبة لها فمن ذلك القدم ودليل وجوبه لكل ما يتصف به تعالى أنه لو كان شيء من صفاته جل وعلا حادثًا للزم حدوثه والتالي باطل لما عرفت من وجوب قدمه تعالى فالمقدم مثله وبيان الملازمة ما أشرنا إليه في أصل العقيدة من أنه لو كان شيء من صفاته تعالى حادثًا للزم أن لا يعرى عنه أو عن ضده الحادث لما عرفت فيما مضى وسنعيد أيضًا برهانه فيما بعد من أن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده وما لا يعرى عن الحوادث لا يسبقها وما لا يسبقها كان حادثًا مثلها وهو معنى قولي وما لا تتحقق ذاته بدون حادث يلزم حدوثه ضرورة أي ما لا يمكن مفارقة ذاته للحوادث يلزم حدوثه ضرورة إذ لو كان هو قديمًا ووصفه الملازم له حادثًا لكان مفارقًا لوصفه اللازم كيف وقد تحقق أنه لا يفارقه وأما قولي ودليل حدوثه طريان عدمه فهو جواب عن سؤال مستشعر من قولي للزم أن يعرى عنه أو عن الاتصاف بضده الحادث وتقريره أن يقال لا نسلم أنه لو كان شيء من صفاته تعالى حادثًا للزم حدوثه قولكم لأنه لا يعرى عنه، أو عن ضده الحادث تمنع أن ضده حادث بل يجوز أن يكون قديمًا فحينئذ إنما يلزم أن لا يعرى عن ذلك الحادث أو عن ضده القديم وذلك لا يستلزم حدوثه لأنه لم يلزم أن ذاك من قدمه تعالى وحدوث بعض صفاته عروه عن جميع أوصافه لفرض القدم في بعضها وهو أضداد تلك الأوصاف الحادثة وجوابه أنه يلزم من تقدير الحدوث لصفة من صفاته أن يكون ضدها حادثًا ويستحيل أن يكون قديمًا وذلك لأنه لو كان قديمًا لما طرأ عدمه لما عرفت من استحالة عدم القديم فإذا لا يمكن الاتصاف بصفة حادثة إلا وضدها أو مثلها اللذان سبق الاتصاف بهما ثم طرا عدمهما حادثان ضرورة لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه هذا معنى قولي ودليل حدوثه أي حدوث ضد الوصف الحادث طريان عدمه يعني بدليل الاتصاف بهذا الوصف الحادث إذ يستحيل أن يتصف به مع بقاء ضده الذي اتصف به قبل وإلا اجتمع الضدان وقوله لما علمت من استحالة عدم القديم بيان لكون طريان العلم على الضد دليلًا على وجوب حدوثه واستحالة قدمه وقوله وقد تقدم مثل ذلك في الاستدلال على حدوث العالم يعني تقدم له الدليل الثاني لحدوث العالم حيث استدل على حدوثه بحدوث صفاته أي فلو كان شيء من صفاته تعالى حادثًا لدل على حدوثه كما دل حدوث صفاته أي فلو كان شيء من صفاته تعالى حادثًا لدل على حدوثه كما ما دل حدوث صفات العالم على حدوثه إذ وجه الدلالة واحد والدليل يجب طرده فيستحيل أن يوجد في موضع ولا يدل على مدلوله". وفي صفحة (١٧٣) قال: (ص). ويصح إثبات هذا العقد وهو الوحدانية بالدليل السمعي ومنعه بعض المحققين، وهو رأيي لأن ثبوت الصانع لا يتحقق بدونها ولا أثر

стр. 2527

للدليل السمعي في ثبوت الصانع فكذا ما يتوقف عليه والله أعلم. (ش) اعلم أن عقود التوحيد على ثلاثة أقسام الأول ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل العقلي القطعي وهو كل ما يتوقف ثبوت المعجزة عليه، وذلك كوجوده تعالى وقدمه وبقائه وعلمه وقدرته وحياته وإراداته، إذ لو استدل بالسمعي على هذه الأمور للزم الدور. الثاني ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالسمعي وهو كل ما يرجع إلى وقوع جائز كالبعث وسؤال الملكين في القبر والصراط والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار ورؤيته تعالى وغير ذلك مما لا يحصى كثرة لأن غاية ما يدرك العقل وحده من هذه الأمور جوازها أما وقوعها فلا طريق له إلا السمع الثالث ما يصح الاستدلال عليه بالأمرين أعني السمع والعقل بحيث يستقل كل واحد منهما بالدلالة عليه وهو ما ليس بوقوع جائز ولا يتوقف ثبوت المعجزة عليه وذلك كإثبات سمعه تعالى وبصره وكلامه وكجواز تلك الأمور التي أخبر الشرع بوقوعها وقد اختلف في معرفة الوحدانية فقيل هي من هذا القسم الثالث فيصح الاستناد فيها إلى كل واحد من العقل والسمع بمعنى أن كل منهما على الانفراد يخرج من وصف التقليد وقيل بل هي من القسم الأول الذي لا يصح الاستدلال عليه إلا بالعقل والحاصل أنه لا خلاف في صحة الاستناد إلى النقل وحده في عقد الوحدانية واختلف في صحة الاستناد فيها إلى السمع وحده فقيل نعم، وقيل لا والأول رأي الإمامين إمام الحرمين والإمام الفخر والثاني رأي بعض المحققين وإليه ميل شرف الدين بن التلمساني، وهو الذي اخترت في هذه العقيدة لما سنذكره. قال في المعالم: اعلم أن العلم بصحة النبوة لا يتوقف على العلم بكون الإله واحدًا فلا جرم أمكن إثبات الوحدانية بالدلائل السمعية وإذا ثبت هذا فنقول أن الكتب الإلهية أطبقت على التوحيد فوجب أن يكون التوحيد حقًّا قال ابن التلمساني يعني بالتوحيد اعتقاد الوحدة لله تعالى والإقرار بها". * الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات: "السنوسي الذي زعم أن الكتاب والسنة لا يحتج بما فيهما إلا إذا اعتبره العقل، ولم يرفضه، فقال: "وأما من زعم أن الطريق بدءًا إلى معرفة الحق: الكتاب والسنة، ويحرم ما سواهما، فالردّ عليه: أن حجيتهما لا تُعرف إلا بالنظر العقلي. وأيضًا: قد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها: فقد كفر عند جماعة وابتدع". فالوصول إلى الحقّ لا يمكن عن طريق الكتاب والسنة -عند السنوسي- ما لم يوافق عقله وعقل أمثاله على ما جاء فيهما. والعقل البشري قاصر، قد يردّ كثيرًا من النصوص بوهم التشيه، أو غيره. وهذا ما فعله السنوسي حين ردّ كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، مدعيًا أنها ظواهر، وذكر أن من اعتقدها يكفر -في قول البعض-

стр. 2528

على وجه التقرير منه لهذا القول. وهذا كله رجع صدى لقانون الرازي وأقوال أسلافه وخلوفه -قبل السنوسي- لم يخرج عنها السنوسي قيد شعرة؛ فهم يقولون: إذا تعارض ما يسمى بالقواطع العقلية -عندهم- مع الدلالة النقلية؛ فهم بين أمرين باطلين؛ إما أن يكذبوا النقل، أو يصرفوه عن ظاهره المراد -وهو التحريف المذموم" أ. هـ. من أقواله: تعريف الخلف: "سأله بعض أصحابه ممن يبحث عن أحواله لأي شيء يتلوّن وجهُك وتتغير كثيرًا مع الانقباض، فأجابه بعد تمنع بشرط أن لا يخبر أحدًا فقال: نعم، فقال الشيخ: أطلعني الله تعالى على رؤية جهنم وما فيها، نعوذ بالله منها، فمن حينئذ صرت أتغيّر وأحزن إلى الآن، فهذا سبب تغيُّري، ورأيت مقيدًا موضع آخر من كراماته أن رجلًا اشترى لحمًا من السوق فسمع الإقامة في المسجد فدخل واللحم في قبه، فخاف من طرحه فوات ركعة، فكبر كذلك، فلما سلّم ذهب لداره فطبخ اللحم فبقي إلى العشاء، فأرادوا طرحه فإذا هو بدمه لم يتغير، فقالوا: لعله لحم شارف فباتوا يوقدون عليه إلى الصبح فلم يتغير عن حاله حين وضعوه في القدر، فتذكر الرجل فذهب إلى الشيخ فأعلمه فقال له: يا بني أرجو الله أن كل من صلّى ورائي أن لا تعدو عليه النار، ولعل هذا اللحم من ذلك، ولكن اكتم ذلك أ. هـ. وسمعتُ أيضًا أنه كان في صغره إذا مرّ مع الصبيان على الإمام ابن مرزوق الحفيد وضع يده على رأسه ويقول: نقرة خالصة" أ. هـ. وفاته: سنة (٨٩٥ هـ) خمس وتسعين وثمانمائة. من مصنفاته: "تفسير سورة ص وما بعدها من السور"، و"شرح الآجرومية" نحو، و"المقدمات" في التوحيد، و"مختصر في القراءات السبع" وغير ذلك. ٣٤٤٦ - الشامي * المفسر: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الشامي الصالحي الدمشقي، شمس الدين. من مشايخه: جلال االدين السيوطي، والشهاب القسطلاني، وشاهين بن عبد الله الخلوتي المصري وغيرهم. كلام العلماء فيه: * الشذرات: "قال العلامة الشعراني في "ذيله على طبقاته" ما نصه: الأخ العالم الزاهد .. المتمسك بالسنة المحمدية، نزيل التربة البرقوقية، وكان عالمًا صالحًا، مفننًا في العلوم .. " أ. هـ. وفاته: سنة (٩٤٢ هـ) اثنتين وأربعين وتسعمائة. من مصنفاته: "الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاوي صاحب الكشاف"، و"الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز"، و"الفتح الرباني في شرح أبيات الجرجاني" في الكلام. وغير ذلك.

стр. 2529

٣٤٤٧ - التِّمِّلي * المقرئ: محمّد بن يوسف التملي (١) المراكشي. من مشايخه: أبو عباس المقرئ، وله معه مراسلات وغيره. كلام العلماء فيه: * سلافة العصر: "أحد فقهاء المغاربة الممتطين سنام الفضل وغاربة عالم ماضي شبا اللسان والقلم وعلم فضله أشهر من نار على علم. له في الأدب يد لا تقصر عن إدراك الغاية، وباع تلقى بدارية البلاغة، فكانت عرابة تلك الراية" أ. هـ. * الأعلام: "عالم بالقراءات، مغربي" أ. هـ. * نفحة الريحانة: "من أعيان المغرب علمًا ونفاسة، إذا ذكر سناؤه عطر نسيم الرياض بعرفة أنفاسه" أ. هـ. وفاته: سنة (١٠٤٨ هـ) ثمان وأربعين وألف. من مصنفاته: "تحفة الطلاب" رجز من قراءة ابن كثير، ضمن مجموع عند الفقيه بريك ابن عمر بقرية تغللو (في سوس). ٣٤٤٨ - الكوراني * المفسر: المنلا محمّد بن يوسف بن محمّد بن كمال الدين الكوراني الصديقي الشاهوي الرويسي الشافعي. من مشايخه: والده وغيره من علماء بلاده. من تلامذته: المنلا إبراهيم الكوراني المدني وغيره. كلام العلماء فيه: * خلاصة الأثر: "كان عالمًا وليًّا قدوة في أفراد العلماء الزاهدين حاملًا لواء المعارف محافظًا على الكتاب والسنة قائمًا بأعباء صلاح الأمة، باسطًا جناح الرأفة للضعفاء وذوي الحاجات ذا أوراد وأذكار وله مواظبة على الصيام والقيام مع فضائل لا تحصى وصلابة في الدين وانقطاع من الناس" أ. هـ. وفاته: سنة (١٠٧٨ هـ) ثمان وسبعين وألف. من مصنفاته: له حاشيتان على تفسير البيضاوي إحداهما إلى أواخر سورة الكهف والبحث مع سعيد المحشي والأخرى إلى آخر القرآن والبحث فيها مع الكازروني وله حاشية على تهافت الفلاسفة.

стр. 2530

٣٤٤٩ - الإسبيري * المفسر: محمّد بن يوسف بن يعقوب بن علي بن محسن بن إسكندر الحلبي الغزالي، الشهير بالإسبيري. ولد: سنة (١١٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين ومائة وألف. من مشايخه: مصطفى أفندي، والشيخ إلياس المرعشي وغيرهما. من تلامذته: محمد المقيد، والشيخ إبراهيم المكتني وغيرهما. كلام العلماء فيه: * سلك الدرر: "الشيخ الفاضل الفقيه الأوحد البارع الصالح الكامل" أ. هـ. * الأعلام: "مفتي حلب، إقامته فيها .. " أ. هـ. * معجم المؤلفين: "فقيه أصولي منطقي .. " أ. هـ. وفاته: سنة (١١٩٤ هـ) أربع وتسعين ومائة وألف. من مصنفاته: "بدائع الأفكار" في شرح أوائل المنار و"تعليقات" على تفسيري الكشاف والبيضاوي ورسالة في معنى كلمة التوحيد. ٣٤٥٠ - إطفيِّش * اللغوي، النحوي، المفسر: محمّد بن يوسف بن عيسى بن صالح إطفيش، وينتهي نسبه إلى عمر بن حفص الهنتاني جد العائلة الحفصية المالكية في تونس، العدوي الجزائري. ولد: سنة (١٢٣٦ هـ) ست وثلاثين ومائتين وألف. من مشايخه: الشيخ عبد العزيز التميمي، والشيخ الحاج إبراهيم بن يوسف وغيرهما. من تلامذته: الشيخ إبراهيم بن بكير حفار، والشيخ يوسف بن بكير وغيرهما. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "علّامة بالتفسير والفقه والأدب، إباضي المذهب، مجتهد، كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية يدل على وطنية صحيحة، له أكثر من ثلاثمائة مؤلف" أ. هـ. * معجم أعلام الجزائر: "مجتهد، من أكابر العلماء بالفقه والأدب واللغة والتفسير من رجال النهضة الحديثة بالجزائر، عكف على التدريس والتصنيف والوعظ والإرشاد إلى أن وافاه الأجل وعمره ستة وتسعون سنة" أ. هـ. * مقدمة كتابه (شرح كتاب النيل وشفاء

стр. 2531

العليل): "كان واسع الأفق في القراءة واقتناء الكتب لا يتعصب لمذهب إسلامي فيحصر نفسه منه. إنه يدرس كتب المذاهب الإسلامية كلها .. حيث كانت مكتبته على كتب المذهب المالكي .. وكذلك كتب الحنفية والشافعية والحنابلة والمعتزلة والشيعة. وقد درسها كلها وعرف المذاهب الإسلامية" أ. هـ. * قلت: قال صاحب رسالة الماجستير مقدمة من الطالب محمّد عكّي علواني في رسالته بعنوان (محمد بن يوسف إطفيش ومنهجيته في التفسير): في صفحة (٥) قال: "ينحدر المفسر من سلالة مشهورة بالعلم والذكاء فقد كان جده محمّد بن عبد العزيز علامة عصره ومرجع الفتوى كما نبغ علماء كثيرون في عائلته فاجتمعت في الولد أسباب النبوغ الوراثية من الفرعين المشهورين بالعلماء والمصلحين .. حاول تفسير القرآن ثلاث مرات غير أن أحد تفاسيره الذي هو (داعي العمل) لم يكمله .. فقد تعرضت إلى انتقادات لاذعة -أحيانًا- منها اعتماده الإسرائيليات وتحيزه إلى مذهبه وتحامله على المذاهب الأخرى .. ". وقال في صفحة (٢٠٣): "يقول المفسّر في تفسير قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ من الآية ١٦ الملك نفيًا للتشبيه: "ولا يزول الإشكال إلا بالتأويل" إلى أن يقول: "وتأويل المتشابه هو الحق ويعقب ذلك بالردّ على من ينكر التأويل قائلًا: "وجمهور سلف قومنا على إبقاء المتشابه بلا تأويل ويقول أنه على ظاهره إلا أنه بلا تكييف وهو جهالة وظلمة مع وجود العلم والنور وكثيرًا ما أوّل ابن عباس وغيره من الصحابة المتشابه، فلو كان التأويل حرامًا أو مكروهًا لما فعلوه، والتأويل تصحيح لقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ عمل به وفي تركه مع إمكانه تقصير في الدين وإبقاء للمرتاب على ارتيابه وتقوية وإعانة للتشبيه، وأما قوله ﷺ : "آمنوا بمتشابهه" فليس فيه النهي عن التأويل بل أمر بالإيمان ونهى عن إنكاره وجعله من غير الله أو أمر بالوقف لمن لم يدرك التأويل، ويختم كلامه بقوله: "وما لا ندرك معناه نبقه بلا تأويل ونؤمن به". وفي موضع آخر من تفسيره يرى أن التأويل يطلق على التفسير الصحيح والتفسير الباطل، أو يكون المراد منه المعنى الأول وليكن في زعم المبتغين للفتنة. وقد ذهب الدارسون في قضية التأويل مذاهب، فمن هؤلاء من اعتبرها بدعة أول من فتح بابها الخوارج وأدّت إلى نتائج عملية خطيرة أما صاحب كتاب "التفسير والمفسرون" فبعد تبيانه للفرق بين التفسير والتأويل يعرف الأول بقوله: "ما كان راجعًا إلى الرواية" ويعرّف الثاني بقوله: "ما كان راجعًا إلى الدّراية"، ومن هذا التعريف يحكم صابر طعيمه على الأباضية بقوله: "وهكذا وقع الأباضية في نهج عقلي اعملوا فيه تأويل النصوص الشرعية مخالفين بذلك مذهب جمهور المسلمين". أما صاحب كتاب (مباحث في علوم القرآن) نراه يفرق بين مفهوم التأويل عند الأوائل الذي يعني التفسير ومفهومه عند المتأخرين الذي هو: "صرف اللفظ عن الاحتمال الراجع إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به" وأطلق على

стр. 2532

هذا الأخير التأويل المذموم ويؤاخذ المتأخرين عليه قائلًا: "إنما لجأ إليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم في تنزيه الله تعالى عن مماثلة للمخلوقين كما يزعمون وهذا زعم باطل أوقعهم في مثل ما هربوا منه أو أشد" ويمضي في شرح ذلك. ويفهم من القول الأخير أن تأويل المتشابه من آيات لا يقتصر على الأباضية والخوارج فقط أو غيرهم من المعتزلة، وإنما هو اتجاه المتأخرين. وقد تعرضنا لهذه المسألة، فرجوعنا إليها من باب المقارنة ليتجلى اتجاه المفسر في هذه المسألة التي هي أساس تفسير الآيات المتشابهة المتعلقة بمسائل عقائدية مثل إنكار الرؤية، والاستواء على العرش وغيرها، ولا يعني هذا أننا سنتعرض لجميع ما يتميز به المذهب الأباضي من المسائل وإنّما سنكتفي بضرب أمثلة الغرض منها تبيان أسلوب معالجة المفسّر لهذه المسائل ووجهة نظره منها. فلإثبات نفي رؤية الباري يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] من سورة القيامة يسوق أدلة لغوية ونقلية وعقلية، ففي البداية يتعرض لصيغة الآية، وللجانب اللغوي فيقول: "قدّم بطريق الاهتمام والحصر، وللفاصلة"، أي شبه الجملة المشتمل على الجار والمجرور ﴿إلى ربها﴾ ثم يشرع في الرد قائلًا: "المتبادر يفيد أنه ليس المعنى تنظر أبصارهم إلى ذاته تعالى، لأنّ مدّعي الرؤية لا يقول ينظر إلى ذاته فقط دائمًا، وإن قيل التقديم ليس للحصر، بقي أن النظر إلى الذات ولو أقل من لحظة موجب للتحيز تعالى الله عنه "ويسوق -بعد ذلك- الأدلة التي تثبت أن النظر هنا قد يفيد معنى الانتظار فيقول: "وناظرة خبر ثان ومعناه منتظرة ومن تعني النظر بمعنى الانتظار إلى قولهم انظر إلى الله ثم إليك أي أنتظر فضل الله ثم فضلك وقول الشاعر: وجوه ناظرات يوم بدر ... إلى الرحمن يأتي بالفلاح وقول شاعر: سبحانه كل الخلائق ينظرون سبحانه ... نظر الجحيم إلى طلوع هلال وقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾، قال الإمام عليّ: "ناظرة تنتظر حتى يأذن لهم ربهم في دخول الجنة أو إلى بمعنى النّعمة .. أو ثواب ربها أو رحمة ربها" إلى أن يقول: "وكلّ حذف أو تأويل ولو كان خلاف الأصل مقدم على عدمه إذا كان عدمه يؤدي إلى التشبيه أو نحوه والتقدير والتأويل هما المناسبان لقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ المتفق عليه، ولكونه لا يتحيّز ولا يتجّه، ولا يتجسّم كما هو المتفق، وذلك كله بالذات، وما بالذات لا يتخلف باختلاف الأزمنة ولتنزيهه عن اللّون والطّول والقصر والغلظة والرقّة ورؤيته تنقص هذه الاصول كلّها وتثبت غيبته عن المواضيع الأخر والتجزيء ولزمهم أن الله محسوس لخلقه وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن كلام الله تعالى قائلًا: "وهؤلاء قوم لا يخفى عليهم في بعض الأصول كما قالوا أن موسى سمع كلام الله النّفسي القديم أثبتوا الكلام النفسي وأثبتوا له مسموع مع أنه غير صوت وقد

стр. 2533

أبطل هذا بعض حذّاقهم وشنّع على الغزاليّ والأشعري في قولهما سماع كلام الله الأزلي، وقال اتفقوا على أنه لا يسمع غير الصّوت وقد رجع إلينا من قال معنى سماع الكلام الأزليّ أنه معلوم بسماعنا من الشرع أن الكلام النفسيّ ثابت قلنا أيضًا لا نسلم بثبوت الكلام النفسي. ويعود ثانية للردّ على من يثبت الرؤية قائلًا: " .. ولا عاقل يترك ما هو توحيد إلى ما يخالفه ووضعوا أحاديث منها أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ولا يقطعون نظرهم حتى يحتجب عنهم ومنها أن أكرمهم على الله سبحانه من ينظر إليه صباحًا ومساءً ولا يعني عن مدّعي الرؤية دعوى أنها ليست على المعتاد لأن حاصلها الانكشاف وهو منزّه عنه، ولا يضرّهم الانتظار لأن ما هم فيه من النّضرة نعمة عظيمة تنفي همّ الانتظار بل جعل الله الانتظار نعمّة أخرى. ومن الملاحظ أن المفسّر يدافع بكلّ ما لديه من حجج عقلية ونقلية عن وجهة نظر الأباضية، لا سيّما في المسائل العقائدية، فإذا وجد من يميل من غيرهم إلى آرائهم أو في وجهة نظره ما يقرب منها، جعل ذلك حجّة للخصم وتباهى به، وقد يعالج مع القضيّة الرئيسية قضايا أخرى لها علاقة بها مثلما هو الشأن في المثال السابق إذ كان يتناول بالبحث قضّية نفي الرؤية والردّ على مفسِّري الآية الكريمة حسب معناها اللغوي دون تأويل، ولكنِّه تطرَّق في نفس الوقت إلى قضيتين أخريين. أولاهما: صفاته ، وكلامه، وهما من القضايا الخلافيّة أيضًا. ومن تحمّس المفسِّر لمذهبه، ودفاعه عن وجهات نظره، وانتهازه لكلّ فرصة لإثبات آرائه في قضايا مختلفة، نأخذ على سبيل المثال قضيّة الرؤية التي أشرنا إليها سابقًا، نجده يتعرّض لها في عدّة مواضع، فقد أشار إليها في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، كما ذكرها مع قضايا أخرى خلافية في قوله تعالى: ﴿وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وتصدى للردّ على القائلين بالرؤية في قوله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] وفي تفسيره أمثلة كثيرة. ولزيادة التوضيح نلاحظ كيف يستدلّ بقوله تعالى: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] على كفر من يثبت الرؤية فيقول: "والآية دليل على كفر مجيز الرؤية دنيا وأخرى، وذلك لأن إجازتها ولو في القلب إجازة لتكييفه وتكييفه ممتنع لأن فيه تشبيهًا وإدراكه بالقلب تكييف لا يتصور بدونه، فلا يصحّ قولهم: بلا كيف، وتكييفه في القلب بلا تقدير أن يكيّفه لغيره هو من نفس المحذور". نلاحظ في الأمثلة أن المفسِّر لا يكتفي بتبيان وجهة نظر المذهب الأباضي، بل يتصدى للردّ على مخالفيه، وإذا وجد عالمًا مذهبًا يوافق الأباضية في رأي ذكره مثلما فعل عند تعرّضه لمسألة الشّفاعة في قول تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] يقول المفسّر في هذا الصّدد: " .. والآية دليل لنا وللمعتزلة على أن لا شفاعة لأهل الكبائر لأن الآية ولو كانت في المشركين لكنّها في

стр. 2534

وصف يوم من شأنه أنه لا شفاعة فيه بدفع العذاب عن مستحقّه، ولا مقام أو زمان من مقامات الموقف وأزمنته نصّ على ثبوتها للفسّاق ولا لشخص مُصّر". وينتهج نفس الأسلوب لإثبات رأي الأباضية في نفي المغفرة للموحّد المُصّر على المعصية في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] يقول المفسّر: "وفي الآية دليل لنا وللمعتزلة على أن التوحيد المقرون بالمعصية المصّر عليها لا ينفع .. " إلى أن يقول: "وهو مذهب المحدِّثين من قومنا أيضًا". ومن دعم رأي مذهبه بذكر عالم من مذهب آخر يوافق المذهب الأباضيّ في مسألة قوله في صفات الله: " .. قال ابن العربي الأندلسيّ المالكي ما بين من يقول صفاته غيره ومن يقول أنّ الله فقير إلا تحسين العبارة". نجد المفسّر يؤول كل آية يفهم منها التّشبيه، ويحملها على المعنى المجازيّ فمثلًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] يردّ على قول مجاهد وعكرمة الذين نفيا الصّفة وأثبتا العمد التي: "لا ترى وهي جيل فإن محيط بالدّنيا بعد المحيط من زمرد أخضر إذ تبقى السماوات أو يدعى أن أطرأ فهنّ كلّهن على جبل قاف ولا ندري أصح أم لا والصّواب أن العمد فرض ثبوتها هي القدرة، والقدرة لا ترى وإنّما يرى أثرها فالعمد هي قدرة الله وهي واحدة ذاتية أما جمعها فتمثيل أو باعتبار تعدّد متعلّقاتها". ومن هذا المثال نستنتج أن المفسِّر يدافع عن آراء مذهبه ولا غرو في ذلك ما دام يعتبرها هي الصحيحة، والصواب، وهذا ديدن كل مفسِّر وبل كل معتنق لمذهب أو فكرة، ومن هنا نحكم أن تفسيره هذا يمثل تمثيلًا صحيحًا وجهة نظر المذهب الأباضي، وخاصة في ما يسمّى بالأصول أو مسائل العقيدة، وممّا يلاحظ اقتصاره -أحيانًا- على عرض رأي مذهبه دون الرَّد على مخالفيه وعلى سبيل المثال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] يسرد رأيه في الشفاعة وهو رأي الأباضية قاتلًا: "أي ارتضاه الله أن يشفعوا له وهو من يقول لا إله إلا الله وأتبعه بالعمل الصالح ومات على غير كبيرة وشفاعتهم الاستغفار في الدنيا ويوم القيامة .. ". ولم يقتصر المفسِّر على تبيان وجهة نظر مذهبه في المسائل العقائدية بل تناول -أيضًا- بالبحث المسائل الشرعية الأخرى غير أنه كان في هذه المسائل أكثر تفتّحًا وتحررًا باعتبارها مسائل فرعيّة، ولكن هذا لم يمنعه من تأييد آراء مذهبه وبيان حججه فلاحظه مثلًا كيف ينتقد في البداية حجّة المذهب في تحريم المسّ قبل الإطعام في الظّهار" .. قال الله تعالى في العتق والصّوم من قبل أن يتماسًا، ولم يقله في الإطعام فقيل المراد فيه أيضًا من قبل أن يتماسًا حملًا للمطلق على المقيّد وذلك مذهبنا، وعندي أن الحمل على المقيد يكون إذا كان الإطلاق والتقييد في مسألة واحدة نحو أطعم أهلك براحتيّ يشبعوا أطعمهم بُرًّا صبحًا، وقيل يجوز المسّ قبل الإطعام إذ لم يقيّد "ثم يعود لتأييد رأي مذهبه بقوله: "والأول قولنا وهو أحوط ونسب الثاني لمالك".

стр. 2535

وفي صفحة (٢١٩) قال: "وأحيانًا يكون انتقاده عنيفًا يتمّ عن إيمان المفسِّر بمسائل الأباضية الأصولية واعتقاده بصحتها ونظرته هذه نابعة -أيضًا- من إيمانه أن الحقّ في الأصول مع واحد وغيره مخطئ بينما الحقّ في الفروع مع واحد فقط، وقد يخطئ الباقون ولا إثم على المخطئ، وهو رأي المذهب الأباضي في هذه القضية، ولا عجب -إذن- إذا وجدناه ينتقد آراء غيره في الأصول ويخطئها، ويدعو إلى اعتقاد آراء مذهبه، ولذلك نجده يستنكر الخلاف في الأصول قائلًا: "في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] "وكالقائلين في هذه الأمة الأجابيّة بما لا يجوز الخلاف في نفيه كرؤية البارئ، وكون صفات غيره، وإثبات الجوارح بلا كيف" ولكنّه يجيز الخلاف في الفروع ويتجلّى ذلك في قوله: " .. وأما الاختلاف فيما يجوز فيه من الفروع للمجتهدين من الصحابة ومن بعدهم فلا بأس به بل هو رحمة" ولكننا لا نجد تفسيرًا لقوله: "وقومنا يفسدون جمعتهم برفع الأيدي وأخذ الأيمن على الشمال لأحاديث وضعها أوائلهم أو غيرهم وهب أنّها صحت عن النبي ﷺ لكن ذلك لداع مثل أن يقع صلاح من تأبطة للشر، وهل صحّ أنه أدام ﷺ ذلك كما يدعيه هؤلاء، ولو أدامه لشهر ولم يختلف فيه وكذا يفسدون سائر صلواتهم". فإذا أجاز المفسر -كما رأينا سابقًا- الاختلاف في الفروع فلا يمكن الحكم على فساد الصلاة برفع الأيدي والقبض اللهم إلا إذا تحقق عدم صحّة الأحاديث الواردة في الموضوع ويتطلب ذلك دراسة تسلّط على هذه الأحاديث مقاييس التحقيق لمعرفة مدى صحتها أو ضعفها، وربما حكمه هذا صادر على استنكاره لذلك لا غير فلعلّ أقصى حكم أصدره في حق مخالفي المذهب الأباضي كان في قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] والأية دليل على كفر مجيز الرؤلة دنيا وأخرى، وذلك لأن إجازتها ولو في القلب إجازة لتكييفه، وتكييفه ممتنع لأن فيه تشبيه، وإدراكه بالقلب تكييف لا يتصور بدونه فلا يصحّ قولهم بلا كيف وتكييفه في القلب بلا تقدير أن يكيفه لغيره هو من نفس المحذور" ويرى في موضع آخر ردًّا على من يفسّر الآية الكريمة ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] على ظاهرها، مع القول بلا كيف فإنه دخول في الظلمة بعد وجود النور ويمضي في تفنيد هذا الاعتقاد، وإثبات عدم إمكانية ذلك وقد تعرّض لهذه المسألة في سورة الأعراف بتفصيل أكثر ومما ورد فيها قوله: آرائهم وحججهم ثم يتصدَّى للرّد عنها، وتفنيدها لاحظ ذلك مثلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] فنجده يسرد أحاديث رواها السيوطي عن الرؤية ثم يناقشها محاولًا تفسيرها بنفي الرؤية، أو يتحمل وضعها وينهي ردّة بقوله: " .. وحجج إثبات الرؤية والتأويل إليها، وحجج خلق الفاعل فعله، وحججه المجبرة واهية متكلفات كما هو شأن العاجز، شبيهة بتعمد العناد"، ثم يذكر ما روي عن أحمد بن حنبل: "أنه سئل عن الرؤية قال: "رآه رآه رآه حتى ينقطع نفسه عنادًا وعجزًا وذلك ليلة الإسراء أو قال: يرا، يرا يراه، وذلك في السنّة". ويسوق في كثير من الحالات حججهم

стр. 2536

وردودهم بغية تفنيدها: انظر في المثال التالي كيف يسفّه هذه الحجج بقوله: " .. ولقومنا هذا تخاليط تؤدي إلى التشبيه يردّها المبتدئ المعتقد، أنه لا يشبه شيء ولا يشبه شيئًا فيفتضحون ويقولون بلا كيف كقولهم ناداه بكلامه القديم الذي لا صوت فيه، وقولهم بالتخلي له بما شاء حتى سمع كلامه بصوت، ومن وجبت مخالفته للحوادث وجب أن لا تحسّه الحوادث بأُدُن ولا عين ولا بغيرها وإلا ناقض المخالفة". وفي بعض المواضيع يقتصر على سرد آرائهم دون التّعليق عليها لاحظ ذلك في هذا المثال الذي تعرض فيه لقضيّة مرتكبَ الكبائر، فبعد استعراضه لرأي الأباضية في القضية يقول: " .. والأشاعرة أجازوا العفو عن الكبائر غير الشّرك بلا توبة ومنها الإصرار على الصغائر وهذا تفسير لما قبله أو يراد بما قبله الكبائر وبهذا الصغائر"، وذلك في معرض تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. ومما تقدّم نستتتج أن المفسّر يفنِّد آراء الأشاعرة المخالفة لمذهبه في الأصول، ويحكم عليها بالبطلان محاولًا ردها وإبطالها، مع إحتمال وضع الأحاديث المعتمدة أو تأويلها بما يتّفق مع أساليبها، وكان ردّه كما سبق ذكره عنيفًا وشديدًا أحيانًا يدل على استنكاره لهذه الآراء والتي يراها مخالفة للصواب، وعلى اعتقاده الجازم بصحة آراء مذهبه". وقال في صفحة (٢٢٢): "وإذا وجد اتفاقًا في مسألة بين الأباضية وأحد هذه المذاهب ذكرهما معًا مثلما فعل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، حيث يذكر اتفاق الأباضية ومالك بن أنس في اعتقادهها أن لا دار للمكلف بعد البعث إلا الجنة والنار، والجنُّ يثاب أو يعذب كالإنسان ولا فرق بينهما. كما يذكر مثل هذا الاتفاق مع المعتقدات الأشعرية ونجد مثالًا لذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] إذ يقول: "والآية دليل على أن حجة الله على عباده الكتب والرسل والعقل، وهذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة" أ. هـ. * قلت: وقال في كتابه هميان الزاد: (ومعنى استوائه تعالى: إلى السماء قصده إليها وتوجيه الإرادة إليها بأن يخلقها. يقال استوى زيد إلى كذا كالسهم المرسل إذا قصده من غير أن يميل إلى غيره. فكذا خلق ما في الأرض وخلق بعده السماوات بلا خلق شيء بين خلقهن، وخلق ما في الأرض. ووزن استوى: افتعل بمعنى تكلف السواء وهو أصل معناه. وأطلق في اللغة على الاعتدال: تسوية وضع الأجزاء، تقول: استوى زيد على الأرض، أي جلس عليها جلوسًا مستوية إليه أعضاؤه التي جلس بها معتدلًا. ولا يصح حمل الآية على ذلك، لأنه من خواص الجسم والله -جلّ وعلا- ليس جسمًا ولا عرضًا. ولو كانت الآية على هذا المعنى لقال: ثم استوى في السماء أو على السماء، لا استوى إلى السماء، لكن الله -جل وعلا- لا يوصف بهذا المعنى، لو قال في السماء أو على السماء لكان مؤولًا بالقهر والغلبة. ويجوز تأويل الآية بهما، لكن تأويلهما بالقصد والإرادة أولى،

стр. 2537

لأنه أقرب إلى أصل الاستواء وهو تكلف السواء، ولتعديته بإلى وللتسوية المرتبة عليه بالفاء. وعن ابن عباس: استوى إلى السماء ارتفع إليها، وفي رواية صعد. والمراد: ارتفاع أمره أو صعد أمره أو ارتفع إليها، وصعد بقصد وإرادة. قال الطبري: على أمره وقدرته وسلطانه. وقال ابن كيسان: قصد إلى السماء أي بخلقه واختراعه، وذلك لأنه تعالى منزه عن الانتقال والحلول). وقال في الجزء الثالث صفحة (٣٦ - ٣٧): " ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾: روي أن أعرابيًّا قال لرسول الله ﷺ ، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية. وظاهر هذا أن المراد: إذا سألك عبادي عن قربي إليهم، أو بعدي. وقيل: إن الصحابة سألوا رسول الله ﷺ في أي ساعة ندعو ربنا؟ فنزلت الآية. وظاهر هذا أن المراد إذا سألك عبادي: أيّ وقت أقرب للإجابة. وقيل: إن بعض الصحابة الحديثي العهد بالإيمان: قالوا لرسول الله ﷺ : أين ربنا؟ فنزلت الآية. والمعنى وإذا سألك عبادي عن مكاني، فإن متعال عن المكان متنزه عنه، ولكني قريب إلى كل شيء. وعن ابن عباس ﵄: قال يهود المدينة: يا محمد كيف سمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت الآية. والروايتان السابقتان أولى، لأن إضافة العباد إلى نفسه مع قوله: ﴿إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ الآية. تدل على اللطف والرحمة، ولا يناسبها هؤلاء الكفرة المغضوب عليهم. ثم يقول: "وإن قلت: ما معنى قربه تعالى؟ قلت: ذلك كناية أريد فيها لازم المعنى، ومحال إرادة المعنى، لأنه تعالى لا يوصف بالحلول ولا بالاحتواء، ولا بالتحيز والقرب الحقيقي متضمن لذلك كله، فليس مرادًا، لكن المراد لازمه في الجملة، وهو العلم بحال العبد، وقوله وفعله. وإن شئت فمجاز مرسل، عبر بالقرب وأراد لازمه ومسببه وهما العلم بالمقروب إليه، فإن شئت فاستعارة تمثيلية تبعية شبه كمال علمه بحال العبد، وقوله وفعله بحال من قرب مكانه من شيء، فعلم به وما يتصف به". ويذكر في ص (١٦٠) في معنى إتيان الله : ﴿إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾: على حذف مضاف أي أمر لله، بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أو بأس الله كقوله سبحانه: ﴿جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾، أو على حذف المتعلق، أي إلا أن يأتيهم الله بأمره، كما ورد ما يقرب منه في آية أخرى، أو ببأسه كما يدل له: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإن العزة في حكمه تناسب البأس الذي لا يطاق، وهي صفة قهر، والعزة بلا حكمة قد تضع حيالها وعدتها، وهذا في الجملة، والله منزه عن الحيلة، وهذه الباء المقدرة للتعدية كهمزة التصيير، أي إلا أن يصير الله أمره أو بأسه آتيًا، والمعنى في ذلك كله واحد، ولا بد من المصير إليه، لأن الله تعالى منزه عن الحركة والسكون، لأنهما يستلزمان الحد والتحيز والجهات والتركب والعجز والحدوث وغير ذلك من صفات الخلق، هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والمحققين من الشافعية كالقاضي، وفي سبيل ذلك أن نقدر أن

стр. 2538

يأتيهم قهر الله أو عذابه، فإن ذلك من أمره، أو نجعل في بمعنى الباء، أي أن يأتيهم الله بظلل من الغمام، أي أن يصير الله ظلل الغمام آتية إياهم. والحاصل أن مذهبنا ومذهب هؤلاء: تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به، وذلك مذهب المتكلمين، وحكمة حذف المضاف أو ذلك المتعلق: التهويل عليهم، إذ لو ذكرك أن أسهل عليهم ألا تراهم لتكذيبهم يقولون: ﴿فاتنا بعذاب أليم﴾، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ونحو ذلك، وحكمة إتيان العذاب في الغمام، والإتيان بالغمام للعذاب، أن الغمام مظنة العذاب، ومنه ينزل المطر، وإذا جاء العذاب من حيث لا يتوقع لا يسمى من حيث ترخى المنفعة كان أعظم على النفس لبعده عن وهمها، ولذلك اشتد على المتفكرين في كتاب الله قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، وزعم الكلبي وسفيان بن عيينة في ذلك ومثله أنه لا يفسر، بل يوكل إلى الله، وقال الزهري والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: يقرأ ويفسر على ظاهره، بلا كيف ولا تشبيه حتى قال قائلهم: عقدتنا أن ليس مثل صفاته ... ولا ذاته شيء عقيدة صائب نسلم آيات الصفات بأسرها ... وإخبارها للظاهر المتقارب ونويس عنها كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المغالب ونركب للتسليم سفنا فإنها ... لتسليم دين المرء خير المراكب وكلا القولين خطأ أما قول الكلبي وابن عيينة فلأنه جمود عن الحق مع ظهوره. لأنا إذا أولناه بما ذكرنا فقد وافقنا سائر الآيات والأحاديث الناهية عن التشبيه، ومعنى ذلك التأويل في نفسه مجمع عليه لا مخالف في ذاته، وإنما خالف من خالف في تأويل الآية به، وإذا كان ذلك المعنى مجمعًا عليه فأي مانع من تفسير الآية به، وأما قول الزهريّ ومن معه فلزم عليه إذ فسره بظاهره الوقوع فيما فروا منه من التشبيه، ولم يغن عنهم قولهم بلا تكييف ولا تشبيه، وزعم الطبري - قبّحه الله (١) - بسنده المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ". ويذكر في ص (٣٥٦) في معنى الكرسي: " ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: هو جسم عظيم محيط بالسماوات والأرض أمام العرش، لقوله ﷺ "ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة في فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" ومعنى إحاطته بالسماوات والأرض أنه أوسع منهن، فإنه أمام العرش دون العرش فوق

стр. 2539

السماوات السبع، وقال ﷺ : "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس"، رواه ابن عباس، وذكروا أن كل قائمة من قوائم الكرسي طولها مثل السماوات والأرض، وأن الكرسي تحملُه أربعة أملاك، لكل ملك أربعة أوجه وأقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى، ملك على صورة آدم يسأل الرزق والمطر لبني آدم من السنة إلى السنة، وملك على صورة الثور يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة، وملك على صورة الأسد يسأل الرزق للوحوش من السنة إلى السنة، وملك على صورة النسر، وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة، وأن بين حملة الكرسي وحملة العرش سبعين حجابًا من ظُلمة، وسبعين حجابًا من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، ولولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش، وقال السدي: الكرسي تحت الأرض، والصحيح الأول وعليه فقيل يمكن أن يكون هو فلك البروج. وقال الحسن: الكرسي هو العرش، لأن السرير يوصف بأنه عرش، وبأنه كرسي، لأن كلا منهما يتمكن عليه المخلوق ولا يوصف الله بالقعود ولا بالقيام ولا بالتحيز، ولكن العرش والكرسي خلقان من مخلوقاته، كما خلق السماوات والأرض لحكمة، والكرسي في الأصل اسم لما يقعد عليه الإنسان ولا يفضل عن مقعدته، وكأنه منسوب في الأصل إلى الكرسي بكسر الكاف، وهو الأبوال والأبعار المتلبد بعضها على بعض، وقد قيل: إن كراسة الكتاب سميت لتركب بعض أوراقها على بعض، وقال ابن عباس: كرسيه تعالى علمه، كما يطلق على كرسي العالم على علمه تسمية لصفة العالم باسم مكانه الذي هو الكرسي، أو تشبيها للعلم بالكرسي، من حيث إن كل واحد منهما أمر يعتمد عليه، وقيل كرسيه ملكه، لأن الملك يجلس على الكرسي، فيسمى الملك بالضم باسم مكان الملك بفتحها، لأن الكرسي محل الملك، فيكون محلًا لملكه، وفي الميم قبل الكرسي هو الاسم الأعظم، لأن العالم يعتمد عليه، وقد قيل: وقد سميت كراسة الكتاب لما فيها من العلم، وهذا يناسب القول الأخير والقول بأن كرسيه علمه، وقيل قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تمثيل لعظمته تعالى، وليس المراد الجسم المذكور في الأحاديث، وفيه خروج عن الظاهر، ووجهه أنه تعالى خاطب الخلق بما يعرفون في ملوكهم، كما جعل الكعبة بيتًا يطوف الناس حوله، كما يطوف بيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم، وذكروا أن الحجر الأسود يمين الله في أرضه، جعله موضعًا للتقبيل، كما تقبل الناس أيدي عظمائهم، وكما أثبت الميزان بمعنى تجويد الحساب وإتقانه، فكذلك أثبت العرش والكرسي" أ. هـ. قلت: وبذلك عزيزي القارئ تتبين لك عقيدته الأباضية، ويتبين لك مدى تعصبه لها، ونبزه لمن خالفه. وفاته: سنة (١٣٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "تيسير التفسير" سبعة أجزاء، و "هميان الزاد إلى دار المعاد" أربعة عشر جزءًا في التفسير.

стр. 2540

٣٤٥١ - بدر الدين الحسني * النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الغني المغربي الحسني المراكشي السبتي. ولد: سنة (١٢٦٧ هـ) سبع وستين ومائتين وألف. من مشايخه: عبد القادر الخطيب الدمشقي الكبير، وابنه الشيخ أبو الخير الخطيب الدمشقي وغيرهما. من تلامذته: قرأ عليه المتصوفة في دمشق منهم أمين سويد، ومصطفى الشطي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * أعلام دمشق: "المحدث الأكبر وشيخ الشام وإمام المسلمين في عصره ومجدد القرن الرابع عشر للهجرة فيما أعلم. ألف في بداية حياته قرابة أربعين مؤلفًا ولم يستكمل العشرين من عمره" أ. هـ. * معجم المؤلفين: "محدث، مفسر، متكلم، منطقي، نحوي، رياضي، بياني، مشارك في علوم أخرى" أ. هـ. * تاريخ علماء دمشق: "ليس في دمشق عالم إلا وهو من طلابه، أو تلميذ لطلابه، وكذا في المدن السورية غالبًا فهو شيخ العلماء بلا منازع. كان مهتمًا بعلم الحديث فحفظ الصحيحين مع أسانيدهما، وقيل حفظ كتب الحديث الستة مع المتون الشعرية المختلفة. وكان ورعًا شديد الورع لا يفتي أحدًا بحكم فقهي في المعاملات الخاصة إلا فيما ندر، ولا يرى لنفسه فضلًا على أحد في علم أو خلق، إبتعد عن الوظائف والمناصب والجاه، وكان كريمًا يبالغ في إكرام ضيفه وكان يصل الأرحام، يغار على العالم الإسلامي فيكتب إلى الملوك والأمراء يحثهم على العدل وإقامة الحق يحذرهم العاقبة وإثم الحزن على المسلمين يتأثر لما أصابهم من تهاون في أمر دينهم، كان عارفًا بالله متذوقًا للنفحات الصوفية، يغوص على مكنونات علم التصوف بدقة، وكان له دروس خاصة وعامة والدروس الخاصة متنوعة ما بين حديث وتفسير ومصطلح وأصول وتوحيد ومنطق وعربية وغيرها ومن الكتب الكثيرة التي أقرأها: كتب الحديث الستة وشروحها، كنز العمال، شرح نخبة الفكر، تفسير النيسابوري، إحياء علوم الدين، العقائد النسفية" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٥٤ هـ) أربع وخمسين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "حاشية على تفسير الجلالين"، و"معرب القرآن"، و"شرح على شذور الذهب"، نحو "وشرح على قطر الندى" نحو. ٣٤٥٢ - أبو بكر الأزرق * المقرئ: محمّد بن يونس بن عبد الله، أبو بكر

стр. 2541

الأزرق، الحضرمي البغدادي، المطرز. من مشايخه: أحمد بن عبيد الله النرسي وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهما. من تلامذته: أبو بكر بن الشارب ومنصور بن محمد الحذاء وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ بغداد: "كان جليلًا في القراء ثقة" أ. هـ. * معرفة القراء: "قال الداني: مقرئ متصدر مشهور" أ. هـ. * غاية النهاية: "مقرئ مشهور حاذق" أ. هـ. وفاته: سنة (٣٢٩ هـ) تسع وعشرين وثلاثمائة. ٣٤٥٣ - ابن عابدين * النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم عابدين الدمشقي. ولد: سنة (١١٩٨ هـ)، ثمان وتسعين ومائة وألف. من مشايخه: الشيخ سعيد الحموي وغيره. كلام العلماء فيه: * حلية البشر: "هو الشيخ الإمام العالم العلامة، والجهبذ الفهامة، قطب الديار الدمشقية، المفسر، المحدث، الفقيه، النحوي، اللغوي، البياني العروضي الذكي النبيه الدمشقي الأصل والمولد، إمام الحنفية في عصره. كان شافعيًّا وتحول إلى حنفي، قرأ الفرائض والحساب حتى مهر في فن ملحة الأصول والحديث والتفسير والتصوف والمعقول" أ. هـ. قلت: وقد ذكر صاحب كتاب "كتب حذر منها العلماء" لمصنفه مشهور حسن سلمان قوله في الكتب التي تكلمت على دعوة وشخص شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "ومما ينبغي أن ينبه عليه هنا أمور هي: ... وقع في بطون كثير من الكتب طعن ولمز بدعوة الشيخ محمّد بن عبد الوهاب مثل (حاشية ابن عابدين) و (حاشية الصاوي على الجلالين)، و (فيض الباري على صحيح البخاري) للكشميري وغيرهما فكن على حذر من ذلك" أ. هـ. والجدير بالذكر إن صاحب كتاب "جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية الشمس الأفغاني، قد ذكر صاحب الترجمة (ابن عابدين) في جهود علماء الحنفية في بيان أن الشرك بعبادة القبور وأهلها قد طم البلاد وعم العباد من هذه الأمة إلا من شاء الله تعالى من أهل التوحيد، وبين الشمس الأفغاني نصوصًا لعلماء الحنفية التي تكذب القبورية، وتثبت وجود الشرك فيهم بأوسع ما يكون، وأن القبورية اتبعوا بسنن اليهود والنصاري والمشركين .. ثم جاء يقول الإمام قاسم بن قطلوبغا وأتبعه بكلام علماء آخرين من ضمنهم (ابن عابدين)، مبينًا أحوال القبورية في عصورهم وعبادتهم لغير الله بالنذور

стр. 2542

والنداء والاستغاثة وغيرها من أنواع العبادة. ثم ذكر الشمس الأفغاني قول ابن قطلوبغا: في أن النذر الذي ينذره أكثر العوام -على ما هو مشاهد- كأن يكون لأنسان غائب -أو مريض أوله حاجة ضرورية. فهذا النذر باطل بالإجماع .. وزاد ابن عابدين: (ولا سيما في مولد السيد أحمد البدوي) كما في حاشية (٢/ ٤٦٧) (١) هكذا نقلناه عن الشمس الإفغاني بتصرف مختصر. قلت: ولكن لو رجعنا إلى قصيدته مثلًا التي تناولنا قسمًا منها عن كتاب "حلية البشر" التي أرسلها إلى نبي الله ﷺ " لوجدنا استغاثته نفسه برسول الله ﷺ ، كما في البيت: قرعت بابك أرجو الله يرحمني ... فأنت غوث الندى حصن لمعتصم وما بعدها من الأبيات، وهو في هذا يتوسل ويستغيث بالرسول ﷺ ولعله يرجو ذلك عنده، ولا يرجوه ولا يوافق عند غير رسول الله ﷺ ، وهو في ذلك سواء قد تكلم حول هذا التوسل في رسول الله ﷺ وزيارة المسجد النبوي الشريف، وقبر رسول الله ﷺ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن بعده الشيخ محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ولعل هذه هي أحد الأمور التي جعلت من ابن عابدين يطعن ويلمز الشيخ محمّد بن عبد الوهاب. وما زال أصحاب القبور، والدعوى إلى الإستغاثة عندها والتوسل بأصحابها، وخاصة قبر رسول الله ﷺ في حرب مع هذه الدعوى، ولعل الشيعة والصوفية في وقتنا هذا هم أوائل الناس بذلك، ولا أعلم كيف لم ينبه الشمس الأفغاني حول هذا الموضوع في ترجمة ابن عابدين عنده في "جهود علماء الحنفية" في موضعه السابق .. والله الموفق لخير السبيل. ثم نذكر أن ابن عابدين من الصوفية على الطريقة النقشبندية، وذلك من خلال "مجموعة رسائله" (٢) التي نذكر منها مقاطعًا في تعريفه لبعض مصطلحات الصوفية. ضمن رسالته الموسومة "إجابة الغوث ببيان حال النقبا والنجبا والأبدال والأوتاد والغوث". قال في الأقطاب (ص ٢٦٤): "جمع قطب وزان قفل وهو في اصطلاحهم الخليفة الباطن وهو سيد أهل زمانه سمى قطبا لجمعه لجميع المقامات والأحوال ودورانها عليه مأخوذ من قطب الرحى الحديدة التي تدور عليها، وفي شرح تائية سيدي الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض لسيدي الشيخ عبد الرزاق القاشاني القطب في اصطلاح القوم أكمل إنسان متمكن في مقام الفردية تدور عليه أحوال الخلق وهو أما قطب بالنسبة إلى ما في عالم الغيب والشهادة من المخلوقات ولا يستخلف بدلًا عنه عند موته الأبدال ولا يقوم مقامه أحد من الخلائق وهو قطب الأقطاب المتعاقبة في عالم الشهادة لا يسبقه قطب ولا يخلفه آخر وهو الروح المصطفوى

стр. 2543

صلى الله عليه وسلم المخاطب بقول لولاك لما خلقت الأفلاك انتهى يعني لا يخلقه غيره في هذا المقام الكامل وإن خلقه فيما دونه كالخلفاء الراشدين وفي بعض كتب العارف بالله تعالى سيدى محيي الدين بن عربي قال أعلم أنهم قد يتوسعون في إطلاق لفظ القطب فيسمون كل من دار عليه مقام من المقامات قطبًا وانفرد به في زمانه على أبناء جنسه وقد يسمى رجل البلد قطب ذلك البلد وشيخ الجماعة قطب تلك الجماعة ولكن الأقطاب المصطلح على أن يكون لهم هذا الإسم مطلقًا من غير إضافة لا يكون إلا واحد وهو الغوث أيضًا وهو سيد الجماعة في زمانه ومنهم من يكون ظاهر الحكم ويحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الخلافة الباطنة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم". وقال في الأبدال (ص ٢٦): "جمع بدل سموا بذلك لما سيأتي في الحديث كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا أو لأنهم أبدلوا أخلاقهم السيئة ورضوا أنفسهم حتى صارت محاسن أخلاقهم حلية أعمالهم أو لأنهم خلف عن الأنبياء كما سيأتي في كلام أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أو لما نقله الشهاب المنبنى عن العارف ابن عربي قال وإذا رحل البدل عن موضع ترك بدله فيه حقيقة روحانية تجتمع إليها أرواح أهل ذلك الموطن الذي رحل عنه هذا الولي فإن ظهر شوق من أناس ذلك الموطن شديد لهذا الشخص تجددت لهم تلك الحقيقة الروحانية التي تركها بدله فكلمتهم وكلموها وهو غائب عنها وقد يكون هذا من غير البدل لكن الفرق أن البدل يرحل ويعلم أنه ترك غير وغيره البدل لا يعرف ذلك وإن تركه انتهى وفي شرح الثانية للقاشاني المراد بالأبدال طائفة من أهل المحبة والكشف والمشاهدة والحضور يدعون الناس إلى التوحيد والإسلام لله تعالى بوجودهم العباد والبلاد ويدفع عن الناس بهم البلاء والفساد كما جاء في الحديث النبوي حكاية عن الله تعالى أنه قال (إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت همه ولذته في ذكري فإذا جعلت همه ولذته في ذكري عشقني وعشقته ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه لا يسهو إذا سهى الناس أولئك كلامهم كلام الأنبياء وأولئك هم الأبدال حقا أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبةً أو عذابًا ذكرتهم فيه فصرفته بهم عنهم) والأبدال أربعون رجلا لكل واحد منهم درجة مخصوصة ينطبق أول درجاتهم على آخر درجات الصالحين وآخرها على أول درجة القطب كلما مات واحد منهم أبدل الله تعالى مكانه أحدًا يدانيه ممن تحته ... ". وقد نقل كلامًا عن ابن عربي وفوائد عنه في حلية الأبدال وغير ذلك. وقال في (الأوتاد) (ص ٢٦٨): "قال العارف ابن عربي في بعض مؤلفاته وهؤلاء قد يعبر عنهم بالجبال كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَال أَوْتَادًا﴾ لأن حكم هؤلاء في العالم حكم الجبال في الأرض فإنه بالجبال يسكن ميل الأرض قال الشهاب المنيني عن المناوي الأوتاد أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون أحدهم يحفظ الله تعالى به المشرق والآخر المغرب والآخر الجنوب والآخر الشمال،

стр. 2544

قال ابن عربي ولكل وتد من الأوتاد الأربعة ركن من أركان البيت ويكون على قلب نبي من الأنبياء فالذي على قلب آدم له الركن الشامي والذي على قلب إبراهيم له العراقي والذي على قلب عيسى له اليماني والذي على قلب محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم له ركن الحجر الأسود وهو لنا بحمد الله تعالى انتهى والنجباء جمع نجيب وقد يقال فيه أنجاب على غير القياس لمزاوجه الأبدال والأقطاب والجمع المقيس نجباء مثل كريم وكرماء قال سيدى العارف ابن عربي في بعض مؤلفاته معزيا الفتوحات ومن الأولياء النجباء وهم ثمانية في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم أهل علم الصفات الثمانية السبعة المشهورة والأدراك الثامن ومقامهم الكرسي لا يتعدون ولهم القدم الراسخ في علم تسيير الكواكب من جهة الكشف والاطلاع من جهة الطريقة المعلومة عند العلماء بهذا الشأن انتهى". وتكلم أيضًا في (النقبا) و (الإفراد) و (النجبا) وغيرها من ما جعله الصوفية في معتقداتهم وأحوالهم التعبدية والبدعية، ولعل ما نقلناه يدل القارئ على نقل ابن عابدين لكلام منحرفي الصوفية وزندقتهم وإلحادهم كابن عربي وابن الفارض وغيرهما. ثم ننقل رسالة أخرى من مجموعته هذه اسمها (سل الحسام الهندي لنصرة مولانا خالد النقشبندي) (ص ٢٨٤) قال فيها مادحًا خالد النقشبندي: "أدام الله ظل فيوضاته وإحسانه على رؤوس الطالبين إلى يوم القيامة آمين بأنه أعلم من رأيته وأتقى وأورع وأكرم وأزهد من في الأرض في هذا العصر وأقومهم على الشريعة الغراء، والسنة النبوية الزهراء، والأخلاق الكريمة المحمدية العليا، وناهج مناهج جادة الطريقة العلية النفشبندية كثر الله تعالى أهاليها، وقدّس أسرار مواليها، وممهد مسلك السلف الصالحين من العلماء والأولياء والأتقياء، وكذا أتباعه على هديه وسيرته الشريفة الطاهرة الأسنى، وكذلك أشهد الله تعالى وأشهدكم بأني متبرئ ممن توهم السحر أو الكفر أو الفسق أو البدعة فضلًا عن الاعتقاد في حقه أو حق أتباعه الأمجاد، والعياذ بالله تعالى من كل ذلك ومتبرئ ممن يعتقد فيه هذا الاعتقاد، في الدنيا والآخرة ويوم يقوم الأشهاد لا سيما من المنكر المطرود الذي اسمه عبد الوهاب نسأل الله تعالى أن يتوب عليه ويهديه إلى الصواب". انظر إلى قوله: " .. متبري ممن يعتقد فيه .. إلى قوله: لا سيما من المنكر المطرود الذي اسمه عبد الوهاب؟ وتكلم في من تكلم في خالد هذا الذي هو عمدة مشايخه في طريقة الصوفية ولعل المراجع لهذه الرسالة يجد ما يصبو إليه القاري من ميل وانحراف وتعصب نحو معتقده الصوفي، ومذهبه الحنفي في معاملاته وفقه. والله نسأل العفو والعافية. وفاته: سنة (١٢٥٢ هـ) اثنتين وخمسين ومائتين وألف. من مصنفاته: "منحة الخالق على البحر الرائق"، وحواشي على القاضي البيضاوي التزم أن لا يذكر فيها شيئًا ذكره المفسرون، وله قصيدة

стр. 2545

في مدح النبي ﷺ ، وحاشية "رد المحتار، على الدر المختار"، وغير ذلك. ٣٤٥٤ - الخربوطلي * المقرئ: محمّد أمين بن محمّد بن علي الخربوطلي. ولد: سنة (١٢٧٦ هـ) ست وسبعين ومائتين وألف. من مشايخه: بدر الدين الحسني، ولازم الشيخ مصطفى كمال الشريف الشاذلي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ علماء دمشق: "فقيه أصولي صوفي. مال بالكلية إلى التصوف. كان يغلب على المترجم التواضع والفقر، وهو آية في الذكاء والنجابة يواظب على إمامة الحنفية في جامع الشيخ محيي الدين بن عربي بالصالحية، وكان يصعد إلى منارة الجامع قبل الفجر بساعات وينشد بصوت حنون فيصحو الناس مبكرين لسماع صوته الذي قيل إنه كان يُسمع من كان بعيدًا جدًّا، ويعد معاصروه هذا من كراماته. كان قليل المخالطة للناس لا يفتر لسانه عن التلاوة والذكر والمدائح. توفي وصلي عليه في جامع الشيخ محيي الدين وكانت وصيته أن يدفن بتربة الشيخ محيي الدين، لكن مديرية الأوقاف عارضت وأغلقت المقام وحملت جنازته فلم تسرِ وتوجهت إلى المقام فحصل اضطراب .. فاقترح أحد الصلحاء الموجودين أن يوجه التابوت إلى حيث أوصى المترجم فإن كان الشيخ محيي الدين يريده فتح له الباب، ففتح ودفن بحواره" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٥٦ هـ) ست وخمسين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "تعليقات نحوية لقارئ القرآن"، و "إتحاف الناظر بما يكفيه من أحكام الترتيل الفاخر" وهي رسالة في التجويد التقطها من عدة كتب مشهورة. ٣٤٥٥ - المُدوِّس * النحوي: محمّد أمين بن محمد صالح البغدادي، الشهير بالمدرس. ولد: سنة (١١٧٤ هـ) أربع وسبعين ومائة وألف. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "عارف بالحديث، عالم بالعربية" أ. هـ. * معجم المؤلفين: "فاضل، مشارك في النحو والتصريف وغيرهما" أ. هـ. وفاته: سنة (١٢٣٦ هـ) ست وثلاثين ومائتين وألف. من مصنفاته: "النخبة" في حل مشكلات صحيح البخاري، و"شرح ألفية السيوطي" في النحو، و"شرح شواهد شرح القطر".

стр. 2546

٣٤٥٦ - الشنقيطي * المفسر: محمّد الأمين بن محمّد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي. ولد: سنة (١٣٠٥ هـ) خمس وثلاثمائة وألف، وقيل: (١٣٢٥ هـ) خمس وعشرين وثلاثمائة وألف. كلام العلماء فيه: * معجم المؤلفين: "مفسر، مدرس من علماء شنقيط" أ. هـ. * نشر الرياحين: "كان يتولى مهمة التدريس في الحرم النبوي الشريف في التفسير وكان عضوًا في هيئة كبار العلماء وغيرها من المناصب" أ. هـ. * المفسرون بين التأويل والإثبات: "الشيخ محمّد الأمين الشنقيطي من العلماء الأفاضل الذين منّ الله عليهم بالدخول في الاعتقاد السلفي ونصرته بقلمه البارع خلاف ما عليه أبناء جلدته في تعصبهم للعقيدة الأشعرية والتعصب المذهبي الممقوت، فقد بحث ﵀ عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بحثًا طويلًا في مسألة الصفات عمومًا وعقد مقارنة جيدة بين صفات الخالق والمخلوق وما بينهما من الفرق وأن كل واحد من الخالق والمخلوق له صفة تليق به، فالخالق له صفات تليق بجلاله وعظمته وكماله، والمخلوق له صفات تليق بضعفه وعجزه وكمال نقصانه، ناقلًا ذلك من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وبين فساد التقسيم الأشعري الذي قعده متأخرو مدعي الأشعرية للصفات من سلبية ونفسية، ومعنوية ومعاني فرحمة الله عليه رحمة واسعة وهذا مطلع البحث؛ هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ ونحو ذلك أشكلت على كثير من الناس إشكالًا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة فصار قوم إلى التعطيل وقوم إلى التشبيه علوًا كبيرًا عن ذلك كله، والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال، وحاصل تحرير ذلك أنه جلّ وعلا بين أن الحق في آية الصفات متركب من أمرين: أحدهما: تنزيه الله جلّ وعلا من مشابهة الحوادث في صفاتهم عن ذلك علوًا كبيرًا. والثاني: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ﷺ لأنه لا يصفُ الله أعلم بالله من الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي قال فيه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فمن نفى عن الله وصفًا أثبته لنفسه في كتابه العزيز أو أثبته له رسوله ﷺ زاعمًا أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق الله جل وعلا فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جلّ وعلا سبحانك هذا بهتان عظيم. ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق

стр. 2547

فهو مشبه ملحد ضال ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من ورثة التشبيه، والتعطيل. والآية التي أوضح الله بها هذا هي قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال، والظاهر أن السر في تعبيره بقوله وهو السميع البصير دون أن يقول مثلًا وهو العلي العظيم أو نحو ذلك من الصفات الجامعة أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات فبين أن الله متصف بهما، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى وبين صفات خلقه ولذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ ففي هذه الآية الكريمة إيضاح الحق في آيات الصفات لا لبس معه ولا شبهة ألبتة. وسنوضح إن شاء الله هذه المسألة إيضاحًا تامًّا بحسب طاقتنا وبالله جل وعلا التوفيق ثم ذكر ﵀ بقية البحث فأفاد وأجاد. فرحمة الله عليه رحمة واسعة ولإخواننا المسلمين والمسلمات ولمن أسدى خيرًا ونفى باطلًا ألحقه أعداءُ الإسلام بديننا الحنيف. (١) صفة الوجه: أثبت الشيخ الأمين صفة الوجه على مذهب السلف الصالح فقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق (٢) أ. هـ. قلت: وهكذا ختم المغراوي بحثه عن معتقد الشنقيطي بصفة الوجه فقط، ولعل ما ذكره في بدأ كلامه على معتقد الشنقيطي يكفي لبيانه ... والله تعالى الموفق. وفاته: سنة (١٣٩٣ هـ) ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "أضواء البيان في تفسير القرآن"، و"منع جواز المجاز"، و"ألفية في المنطق". ٣٤٥٧ - التواتي * المقرئ: محمّد البشير بن محمد الطاهر بن محمّد السعيد الشريف البجائي الأصل التونسي التواتي (٣).

стр. 2548

من مشايخه: الشيخ محمّد بن إدريس وأبو الفلاح صالح النيفر وغيرهما. من تلامذته: محمّد بن بالوشة والشيخ محمّد المولدي بن عاشور وغيرهما. كلام العلماء فيه: * فهرس الفهارس: "شيخ القراء بالديار التونسية العالم الصالح" أ. هـ. * شجرة النور: "الفقيه الموثق الفرضي المدقق المشارك المحقق مع فضل ودين متين .. " أ. هـ. * الأعلام: "شيخ القراء بالديار التونسية .. اشتهر بالتواتي ولم تكن له علاقة بتوات، وإنما نسب إلى رجل صالح من أهلها اتصل به وأخذ عنه .. " أ. هـ. وفاته: سنة (١٣١١ هـ) إحدى عشرة وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "ثبت" اشتمل على أسانيده في القراءات، و"مجموع الإفادة في علم الشهادة" في التوثيق. ٣٤٥٨ - البيطار * النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد بهجة بن محمّد، بهاء الدين بن عبد الغني بن حسن بن إبراهيم الشهير بالبيطار. ولد: سنة (١٣١١ هـ) إحدى عشرة وثلاثمائة وألف. من مشايخه: عبد الرزاق البيطار، جمال الدين القاسمي وغيرهما. من تلامذته: درّس مادتي التفسير والحديث في كلية الآداب بالجامعة السورية. كلام العلماء فيه: * تاريخ علماء دمشق: "عُرف بأخلاق رصينة من سماحة في الأخذ والعطاء، وطهارة في القلب تقبض القلب وتعقل اللسان، عالم يزين علمه بالعمل، ويحمله بنشره بين الناس" أ. هـ. * أعلام دمشق: "عالم فقيه أديب مؤرخ، أثري واسع الاطلاع، مصلح تلقى مبادئ علوم الدين واللغة على والده" أ. هـ. * حلية البشر (المقدمة): بقلم محمد بهجة البيطار: "أرخ الأستاذ المؤلف لكثير ممن ليس لهم آثار تذكر، كترجمته لبعض أهل الطرق المعروفة، ونقله بعض ما يأثرونه من حكايات غريبة أو أمور مبتدعة ليست في كتاب ولا سنة؛ وإنما جرى في ما يحكيه العصر الأول الذي نشأ فيه، وقد سبقه إلى مثله المؤرخون كالأمين المحبي في أعيان القرن الحادي عشر، والسيد المرادي في أعيان القرن الثاني عشر" أ. هـ. * قلت: قد لاحظنا من خلال مقدمته لكتاب "حلية البشر" كيف ينتقد أصحاب الطرق الصوفية وسمى الحكايات التي ترد عنهم بأنها غريبة ومبتدعة. قلت: وله مؤلفات في الرد على الشيعة الإمامية وبيان معتقداتهم وتفنيد آرائهم وخاصة فيما يتعلق بالصحابة ﵃ أجمعين، ومن هذه الكتب (الإسلام والصحابة الكرام بين السنة

стр. 2549

والشيعة)، وله مؤلفات في الرد على من طعن في الإمام محمّد بن عبد الوهاب منها "نظرة في النفحة التركية" وغير ذلك. والله تعالى الموفق. وفاته: سنة (١٣٩٦ هـ) ست وتسعين وثلاثمائة وألف. ٣٤٥٩ - ممتاز العلماء * النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد تقي بن حسين بن دلدار علي النقوي الهندي النصير أبادي. ولد: سنة (١٢٣٤ هـ) أربع وثلاثين ومائتين وألف. من مشايخه: والده، وعمه سلطان العلماء السيد محمّد وغيرهما. كلام العلماء فيه: * أعلام الشيعة: "مؤسس النهضة العلمية في لكنهو وقد أصبحت بفضل جهوده اليوم من العواصم العلمية للشيعة .. " أ. هـ. * أعيان الشيعة: "كان عالمًا فقيهًا، أصوليًا متكلمًا أديبًا مفسرًا نحويًّا حكيمًا" أ. هـ. * الأعلام: "من مجتهدي الإمامية. من أهل لكهنو" أ. هـ. وفاته: سنة (١٢٨٩ هـ) تسع وثمانين ومائتين وألف. من مصنفاته: "ينابيع الأنوار" تفسير "إرشاد المبتدئين" فقه، و"العباب" نحو و"ظهير الشيعة في أحكام الشريعة". ٣٤٦٠ - محمّد جعفر * المفسر: محمّد جعفر بن ملا عبد الصاحب الخُشني دّواني. كلام العلماء فيه: * أعلام الشيعة: "عالم متبحر ومفسر بارع له تفسير (أحسن التفاسير) فارسي شرع فيه سنة (١٢٨٨ هـ) واقتصر على روايات أهل البيت ﵈ مفصلًا، وعدل عنه في الأثناء فكتب تفسيرًا وترجمة مختصرة للقرآن بالفارسية" أ. هـ. * معجم مصنفات القرآن الكريم، ذاكرًا تفسيره: "وهو تفسير على أساس روايات أئمة الشيعة انتهى منه سنة (١٢٩٠ هـ") أ. هـ. وفاته: في حدود سنة (١٢٩٠ هـ) تسعين ومائتين وألف. من مصنفاته: "أحسن التفاسير" وهو بالفارسية. ٣٤٦١ - البلاغي * المفسر: محمّد (١) جواد بن حسن بن طالب بن

стр. 2550

عباس البلاغي النجفي الربعي. ولد: سنة (١٢٨٢ هـ)، وقيل: (١٢٨٥ هـ). اثنتين وثمانين، وقيل: خمس وثمانين ومائتين وألف. كلام العلماء فيه: * أعلام العراق الحديث: "ولد بالنجف ونشأ فيها، وهو مؤلف كبير وشاعر مجيد، ومن أشهر مشاهير عصره .. " أ. هـ. * معجم المؤلفين: "فقيه، أصولي، مجتهد، متكلم، مفسر، أديب، ناظم، فلكي، عارف بالعبرانية والفارسية والإنكليزية" أ. هـ. * الأعلام: "باحث إمامي، من علماء النجف" أ. هـ. * أعلام العراق الحديث: "لقد مارس النظم منذ الصبا حتى أواخر حياته حيث صار يودعه الكثير من آرائه الدينية" أ. هـ. * قلت: ذكره صاحب "أعيان الشيعة" وبالغ في مدحه حتى جعله من أعيان الشيعة. قلت: من خلال اطلاعنا على تفسيره "آلاء الرحمن في تفسير القرآن" وجدنا أنه ينتصر لمذهبه الشيعي الإثنا عشري دائمًا ويرجحه على بقية أقوال المذاهب الأخرى، كما أنه يكثر من إنتقاص روايات مذاهب أهل السنة. ولا يُخفي في أثناء تفسيره من انتصار لبعض معتقداتهم كالرجعة، فيقول (١/ ٨٠): "ويجوز أن يكون المراد يحيي بعضكم في الرجعة التي يقول بها الإمامية، ونسبت الحياة إلى النوع تجوزًا" أ. هـ. كما أنه يأخذ بالتفسير الباطني فيقول في (٢/ ١٤٢) في معنى قوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: "وهو سلطان الرسالة وسيطرة الدين والشريعة والطاعة المفروضة على العباد ويتبع ذلك زعامة الإمامة التي عهد الله لإبراهيم في ذريته" انتهى، كما يتضح مذهبه في الأسماء والصفات وأنه مؤول لجميعها من خلال كتابه هذا. وإليك بعض المواضع: ١ - فسر الاستواء بأنه مجاز باعتبار توجه إرادته وحكمته في خلق السماوات في العلو بعد أن خلق الأرض (١/ ٨١). ٢ - فسر القرب باللطف والرحمة والإجابة لأنه يجل عن المكان (١/ ١٦٢). ٣ - فسر الإتيان بأنه مجاز فقال: "نسبة الإتيان إلى الله مجاز أي تأتيهم آثار قدرته وعظمته وسلطانه القاهر (١/ ١٨٧). ٤ - كما نقل عن الصدوق عن الصادق أن العرش هو العلم الذي أطْلَع الله عليه أنبياءه وحججه [ويقصد بالحجج الأئمة الإثنا عشر المعصومين لديهم]. والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحد. إلى غير ذلك من الانحرافات العقدية. والله نسأل العفو والعافية. وفاته: سنة (١٣٥٢ هـ) اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "البلاغ المبين" تفسير القرآن، وله "آلاء الرحمن في تفسير القرآن"، و "الرسالة الأولى في نقض فتوى الوهابيين بهدم القبور المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة".

стр. 2551

٣٤٦٢ - الحكيم اللاذقي * النحوي: محمّد خضر بن عابدين بن عثمان بن محمد، شمس الدين، ابن أبي السرور محمد. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "الشهير بالحكيم اللاذقي: نحوي" أ. هـ. وفاته: بعد سنة (١٢٩٠ هـ) تسعين ومائتين وألف. من مصنفاته: "حاشية على الآجرومية". ٣٤٦٣ - راغب * اللغوي: محمّد راغب باشا بن محمّد شوقي الرومي القسطنطيني الحنفي. ولد: سنة (١١١٠ هـ) عشر ومائة وألف. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "سياسي عصامي تركي عالم بالعربية تدرج في مناصب الدولة من كاتب صغير .. إلى واليًا بمصر سنة (١١٥٩ - ١١٦١ هـ) وفتك بالمماليك .. " أ. هـ. * معجم المطبوعات: "كان معدودًا من أفاضل العلماء جامعًا للرئاستين حاويًا للفضيلتين وله تآليف أبحاث في المعقول والمنقول والفروع والأصول" أ. هـ. وفاته: سنة (١١٧٦ هـ) ست وسبعين ومائة وألف. من مصنفاته: "سفينة الراغب ودفينة الطالب" مجموعة أدب وأبحاث بالعربية يقال لها "سفينة العلوم"، وله "منتخبات". ٣٤٦٤ - محمّد رشيد رضا * المفسر: محمّد رشيد بن علي رضا بن محمّد شمس الدين بن محمّد، بهاء الدين بن ملّا علي خليفة القلموشي البغدادي الأصل، الحسيني النسب. ولد: سنة (١٢٨٢ هـ) إثنتين وثمانين ومائتين وألف. من مشايخه: محمّد عبده، وحسين الجسر الأزهري، ومحمود نشابة وغيرهم. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي من الكتاب، العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير" أ. هـ. * معجم المؤلفين: "صحب عبد الغني الرافعي، فاستفاد منه في الأدب والتصوف ودخل الطريقة النقشبندية، وحبب إليه التصوف لإكثاره من مطالعة إحياء علوم الدين للغزالي، وغدا يجاهد نفسه على طريقة الصوفية بترك أطيب الطعام والتزام التقشف، ودخل فيما دخل فيه الصوفية فمارس رؤية الأرواح وإستحضارها والمكاشفات

стр. 2552

والمنامات والكرامات، ولما ارتوى من كل ذلك في بلده رأى أنه مستعد للاستزادة من العلم والإختيار مما لا يجدها في وطنه فهاجر إلى مصر سنة (١٣١٥ هـ) وفيها لحق بمحمد عبده، وأنشأ مجلة المنار، جعل موضوعها الأول الإصلاح الإسلامي ونزع إلى مذهب السلف، وفي هذا الدور كان استفاد من كتبهم ونقل عنهم واهتدى بآرائهم كابن تيمية وتلميذه ابن القيم .. وكان له أنصار وخصوم، وأكبر خصومه مشايخ الأزهر" أ. هـ. * قلت: يعتبر محمد رشيد رضا من أعلام المدرسة الإصلاحية، وقد كان لهذه المدرسة منهج خاص في التفسير تكلم عنه صاحب كتاب "العصرانيون" فقال: "يحدد رجال المدرسة أن المطلوب من التفسير هو: "فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة .. وما وراء ذلك من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله". ثم يقول: "والحقيقة إن هؤلاء قد يتفقون مع منهج السلف في بعض أسس منهجهم، وقد يخالفونه، كما أنهم قد يتفقون معهم في بعضها، من ناحية تقرير الأساس والتسليم به، لكنهم يتطرفون في تطبيقه، ويتجاوزون حدود السلف فيه مما جعلهم يخلطون الصحيح بالسقيم". ثم يشرع في بيان أبرز أصولهم في التفسير وهي: ١ - القرآن هو المصدر الأول للتشريع: ماذا يعني ذلك في مفهومهم؟ هذا الأصل حق إلا أنهم يقصدون من ذلك نبذ السنّة ومن ثَم فصلها عن الشريعة، وقد تسرب هذا إليهم من بعض الفرق كالشيعة والمعتزلة والخوارج. واستغل المبشرون والمستشرقون هذا الأمر أبشع إستغلال، وربوا عليه تلاميذهم ... إن الإصلاحيين يأخذون بالقرآن، أما إذا تعارض مع الحديث حسب معطيات عقولهم فإنه يرد، ويرد عمومًا إذا تعارض مع عقولهم، من ذلك حديث سحر رسول الله ﷺ على يد يهودي، ولو كان الحديث في صحيح البخاري. ٢ - المنهج العقلي في التفسير: يضخم الإصلاحيون دور العقل شأن المعتزلة، ويتخذونه حكمًا ودليلًا في أمور الدين كلها، ومنها علم التفسير، وقد وجدوا بعض التفاسير السابقة مليئًا بما يناقضه العقل من الأقوال فنقدوه وأبطلوه، ووجدوا في معظمها إيمانًا وتسليمًا بما لا يدركه العقل فأوّلوه وحرّفوه، وكان لهم صولات وجولات، كان الصواب حليفهم حينًا، وكان التحريف سبيلهم أحيانًا كثيرة. ومن نماذج تفسيرهم وتأويلهم: أن الشيخ محمّد رشيد رضا يفسر (الإمداد) في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] بقوله: "إن هذا الإمداد أمر روحاني، يؤثر في القلوب فيزيد في قوتها المعنوية .. " وقال: "وظاهر نص القرآن أنه إنزال الملائكة، وإمداد المسلمين بهم فائدة معنوية، وأنهم لم يكونوا محاربين" وقال: "وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر، وببعض الروايات

стр. 2553

الغريبة التي يردها العقل، ولا يثبتها ما له قيمة من النقل". (١) ٣ - التقليل من شأن التفسير بالمأثور: ويشمل هذا النوع من التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة النبوية، وبأقوال الصحابة والتابعين. وقد أشاد السلف بهذا النوع من التفسير، فأفرد المحدّثون منهم، كالبخاري ومسلم وغيرهما أبوابًا للتفسير، جمعوا فيها ما صحّ عندهم من التفسير المأثور عن النبي ﷺ . أما المدرسة الإصلاحية، فهم يقبلون المنهج السابق، ولكن بغير الحماس الذي يظهرونه لقبول المنهج العقلي. لهذا فهم حين يشكل عليهم حديث، لا يترددون في تأويله، فإن قبل التأويل، وإلا أبطلوه وكذبوه وطعنوا في رواته، ولو كان في الصحيحين. ويوضح هذا المنهج الشيخ محمّد رشيد رضا بقوله: "وأما الروايات المأثورة عن النبي ﷺ وأصحابه وعلماء التابعين في التفسير، فمنها ما هو ضروري أيضًا، لأن ما صحّ من المرفوع لا يقدم عليه شيء، ويليه ما صح من علماء الصحابة، مما يتعلق بالمعاني اللغوية، أو عمل عصرهم، والصحيح من هذا وذاك قيل، وأكثر التفسير المأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس، ومسلمة أهل الكتاب". (٢) والحق أن السيد محمّد رشيد رضا، لم يستمر في سلوكه هذا المنهج، فقد خالفه بعد موت أستاذه إذ يقول: "هذا وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه رحمه الله تعالى؛ بالتوسع فيما يتعلق بالآية، من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها أو في حكمها" (٣). ٤ - التحذير من التفسير بالإسرائيليات: المقصود بالإسرائيليات: الروايات المنسوبة إلى بني إسرائيل ومنها أيضًا ما نسب إلى النصارى وأهل الكتاب عامة، وللسلف منها موقف يتلخص في: أ - أن ما وافق شريعتنا تجوز روايته للاستشهاد، لا للاعتقاد. ب - أن ما خالف شريعتنا لا تصح روايته. جـ - أن ما ليس في شريعتنا من الأمور التي لا توافقها ولا تخالفها، فلا بأس من حكايتها من غير تصديق ولا تكذيب. إلا أن أصحاب المدرسة العقلية، شنوا حملة شعواء على الإسرائيليات وحذروا من الخوض فيها، وذموا على المفسرين السابقين تناولهم لها. وكعادتهم في مجاوزة حد الاعتدال المحمود إلى التطرف والإسراف، فإنهم تطرفوا في التحذير من هذه الإسرائيليات، وأدى بهم هذا التطرف إلى تكذيب بعضها، مع موافقتها لما صح من شريعتنا، بل ردوا بعض الأحاديث التي توافقها، وإن صحت، حتى ولو رواها البخاري ومسلم. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل تناولوا بعض

стр. 2554

الصحابة بالتجريح، وشككوا في إيمان بعض التابعين الذين شهد لهم السلف الصالح بالعدالة، وروى لهم البخاري ومسلم، ونسبوا مَنْ وثقهم من علماء الحديث إلى الغفلة. (١) ومن أشد رجال المدرسة العقلية حربًا للإسرائيليات ورفضًا لها، هو الأستاذ محمّد رشيد رضا، حيث يقول: "وأكثر التفسير المأثور، قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب". (٢) وقد نسب أباطيل الروايات الإسرائيلية إلى "مقاصد كعب الأحبار وأمثاله"، وقال عن كعب أخيرًا: "كعب الأحبار الذي أجزم بكذبه، بل لا أثق بإيمانه" (٣). وقال عن كعب ووهب بن منبه: "إن بطلي الإسرائيليات وينبوعي الخرافات، كعب الأحبار، ووهب بن منبه". (٤) والحقيقة أن هذا تطاول، لا يعتمد إلا على الهوى، والبعد عن التقيد بالسنة، وآراء الصحابة ومن تبعهم بإحسان .. "يقول رشيد رضا ما سبق بيانه، رغم أن أبا هريرة وابن عباس ﵄، وغيرهما من الصحابة، قد رووا عن كعب، فهل يرى هؤلاء أن الصحابة ﵃، يروون عن كذاب وضّاع؟ ألا نقبل نقد هذا بتزكية صحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم؟ ٥ - إنكار التقليد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد: من خلال ما تقدم تبيّن لنا أن الشيخ محمّد عبده وصحبه، كانوا يعرضون عن الأدلة والروايات الصحيحة، ويتمسكون بالروايات الضعيفة، أو الموضوعة إذا وافقت هواهم، وهذا هو أسلوب المستشرقين. ثم تراهم بعد ذلك ينكرون التقليد في مجالات الفقه - خاصة - ويزعمون لأنفسهم حقًّا في الاجتهاد، ويخالفون فيه النصوص القطعية الشرعية -كما سنرى - محاولة فصل الدين عن الحياة. ولا خلاف بين العلماء يذكر، في النهي عن التقليد في جانب العقائد وبيقى أمر التقليد في الأحكام الشرعية الفقهية. وقد أباحوا الربا: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. "قال السيد رشيد رضا: إن المحرم هو ما كان أضعافًا مضاعفة، وأن المراد بالربا فيها، ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها، لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة ربا" (٥). وهذا استجابة منه لدعوة أستاذه الذي دعا إلى إباحة الربا حفاظًا على اقتصاد البلاد حيث يقول: "إن أهل بخارى جوزوا الربا لضرورة الوقت عندهم، والمصريون قد ابتلوا بهذا فشدد الفقهاء على أغنياء البلاد، فصاروا يرون أن الدين ناقص، فاضطر الناس إلى الاستدانة من

стр. 2555

الأجانب بأرباح فاحشة استنزفت ثروة البلاد. ٦ - موقفهم من المعجزات وأخبار الغيب: وقف الإصلاحيون من أخبار الغيب موقفًا متناقضًا غريبًا، إذ سلطوا على آيات القرآن وأخبار السنة الصحيحة التأويل أو الإنكار، إرضاءً لترهات عقولهم، ودعاوى الإفرنج وآراء المستشرقين. أما المعجزات: فهم لا ينكرون وقوعها، وإنما ينكرون حجيتها ودلالتها على الرسالة .. لأنها لا تصلح لذلك - برأيهم - ويرى السيد رشيد رضا: أنه لولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى ﵉، لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر واهتداؤهم به أسرع وأعم، لأن أساسه قد بني على العقل والعلم وموافقة الفطرة البشرية" (١). أحرار الإفرنج الذين بني دينهم المحرف على التثليث وخرافات لا يرضى بها أطفال المسلمين، يخشى السيد رضا من عدم اقتناعهم بالإسلام لمجرد نقل القرآن لبعض معجزات موسى وعيسى ﵉ .. إنه لأمر عجاب! أما معجزات محمّد ﷺ : فلهم فيها رأي آخر أشد خطرًا مما سبق إذ أنكروا معجزاته كلها، سوى القرآن الكريم، وجردوا نبوته من أي معجزة أخرى، وسلكوا في ذلك سبلًا، إما بإنكار صحتها، وإما بتفسيرها بأمر لا تكون به معجزة. وقد أرجع الدكتور رمزي نعناعة هذا السلوك من السيد رشيد رضا ورجال المدرسة العقلية إلى المبالغة في تحكيم العقل. يقول: "ولا أدري كيف خفي عليه -وهو المدافع عن الإسلام- أنه يوجد في هذا الزمان نوع من الإلحاد الخفي المآل، وهو تأويل كل آية أو حديث صحيح يدل على معجزة رسول من الرسل، حتى يكون مفادها أمرًا غير خارق للعادة، وهذا النوع أخطر أنواع الإلحاد لأنه سبيل إلى إنكار الأديان السماوية، وإلى هدمها من أساس، لأن أساس إثباتها المعجزات التي أجراها الله على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام". لقد ردوا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، لتساير أهواءهم ونظرياتهم من ذلك: حادثة انشقاق القمر رغم ورودها في البخاري ومسلم. "عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ إشهدوا، وفي رواية: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ إشهدوا". فقد شكك السيد رشيد رضا في تواتر الحديث ثم أورد الشبهات العقلية والعلمية على تلك المعجزة، وقد أوّل الآية الكريمة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي طلع وانتشر نوره .. أما الجن: فيرون أنه قد يكون نوعًا من الميكروبات الخفية. يقول رشيد رضا: "وقد قلنا في المنار غير مرة إنه يصح أن يقال إن الأجسام الحية الخفية التي عرفت في هذا العصر. بواسطة النظارات المكبرة، وتسمى "الميكروبات"، يصح أن تكون نوعًا من الجن، وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض، قلنا ذلك في تأويل ما ورد من

стр. 2556

أن الطاعون من وخز الجن" (١). يشير إلى حديث أبي موسى: "الطاعون وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة" (٢). ومن ذلك تأويله للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. وجاء فيه: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" يقول فيه ولا شك أن الجراثيم تلك تجري في خلايا جسم الإنسان وفي دمه، حيث تنقل الأمراض، وحيث تسري في البدن، مع أن المراد به في الحديث وسوسة الشيطان في صدر بني آدم ولكن لفظه عام. ومن تأويلاتهم المرفوضة في أمر الجن ما زعموه في أمر رؤيتهم وحملهم، أنها من قبل التخييل والوهم، وأولوا من أجلها الأحاديث الصحيحة" (٣). قلت: تم الكلام عن منهج المدرسة الإصلاحية في التفسير، نقلناه عن كتاب "العصرانيون" بتصرف. أما عن موقف هذه المدرسة من السنة النبوية فننقل هنا ما يتعلق بالشيخ محمّد رشيد رضا فقد قال -أي صاحب الكتاب- في أحاديث الآحاد التي ردّها الإصلاحيون، لأنها تفيد ظنًّا، ولا مجال للظن في أمور العقائد: "وأكد هذا المنهج السيد محمّد رشيد رضا بقوله: "أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمنًا .. لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد .. ". أما عن تأثر الإصلاحيين بالمستشرقين في إثارة الشبه حول السنة، فقد قال صاحب كتاب "العصرانيون": "وقد تأثر الإصلاحيون بشبه المستشرقين، وآراء المعتزلة، وكانوا جسرًا يسير فوقه العصرانيون في إثارة الشبه نفسها حول السنة النبوية". ثم قال: "وقد شككوا في بعض ما في الصحيحين: قال الشيخ محمّد رشيد رضا: "ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى، لا يسهل على أحد إثباتها، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامات الوضع، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه .. فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه .. فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض نلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم، قد يكون بعضها صوابًا، وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعنًا في دين الإسلام". وإذا كانت دعوة السيد رشيد رضا مغلفة، فقد جاء من أنكر كثيرًا مما في الصحيحين من أتباع هذه المدرسة، كأحمد أمين، ومحمود أبي رية. ولرد هذه الضلالة ننقل بعض أقوال العلماء .. قال الإمام النووي ﵀: "اتفق العلماء

стр. 2557

رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة". وقال ابن تيمية ﵀: "فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن". وقال الدهلوي ﵀: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون من أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين". أما عن التشكيك في تدوين الحديث النبوي، فقد قال: "زعم هؤلاء جريًا وراء ترهات المستشرقين أن الحديث لم يكتب في عهد الرسول ﷺ مما يدعو إلى التلاعب والفساد، ما قد حصل. ولذا طرأ على السنة من التبديل والزيادة، كما طرأ على أهل الكتاب لعدم كتابتها في عهده، وعدم حصر الصحابة لها في كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظها لهم جيدًا في صدورهم. قال الشيخ محمّد أبو زهو: "فهذه الدعوى من الشيخ - يقصد محمّد رشيد رضا - عفا الله عنه، لا أساس لها، بل تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول ﷺ الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في كافة الأزمان من عهد النبي إلى اليوم". وعن تقسيمهم السنة إلى عملية وغير عملية فيقول: "لا يلتزم الإصلاحيون إلا بالسنّة العملية دون القولية. قال الشيخ محمّد رشيد رضا: "إن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملًا وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية" وقال: "فالعمدة في الدين هو القرآن، وسنة الرسول المتواترة، وهي السنة العملية كصفة الصلاة، والمناسك مثلًا، وبعض الأحاديث القولية التي أخذ بها جمهور السلف، وما عدا هذا من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الرواية، أو غير قطعية الدلالة فهي محل اجتهاد". ثم يرد على قول محمّد رشيد رضا فيقول: "هذا وإن السنة تشمل أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته. "وهذا الذي عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا، كما تطلق على الأحاديث المتواترة والآحاد، والقول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه" أ. هـ. • المفسرون بين التأويل والإثبات: "الشيخ محمّد رشيد رضا من المدرسة التي تزعمت الإصلاح وهو أحد رجالاتها الذين كان لهم الباع الطويل في خدمة منهجها، وقد ذكره أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح. وإن كان بعض الناس يرى أن أصحاب هذه المدرسة كان لهم اتصال بالتنظيم الماسوني، فالله أعلم. هل هي دعاية من المغرضين ومن الحاقدين أو هي شيء اقتضته الضرورة أو هي شيء سابق لم يستطع التخلص منه، كل هذه الأسئلة ترد،

стр. 2558

والله أعلم بالجواب إن كانت الدعوى صحيحة. والذي يهمنا من شخصية الشيخ محمّد رشيد رضا هو ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، أما ما وقع فيه من انحرافات في العقيدة عمومًا تبعًا لشيخه في ذلك، كإنكار نزول المسيح، وخروج الدجال، ومعجزات الرسول ﷺ غير القرآن والجن، وقتال الملائكة يوم بدر فهذا شيء مسجل في كتاب "المنار". فالشيخ رشيد رضا اتصل بمحمد عبده، واقتنع بشخصيته ودعوته وجعله مثالًا يقتدى به وجعل فكره منبعًا لثقافته، لكنه استطاع التخلص مما كان عليه شيخه من العقيدة الأشعرية، فنراه كثيرًا ما يرد عليه، وللشيخ محمّد عبده رسالة سماها بالتوحيد من قرأها عرف عقيدته وتأثره بالعقيدة الأشعرية واقتناعه بها، وأظهر ذلك في تفسير آيات الصفات كما يرى ذلك فيما أثبتناه في هذا البحث المبارك. أما الشيخ رشيد رضا فقد أظهر مذهبًا سلفيًّا جيدًا فيما جمعه في تفسير المنار وقد أثبت في معظم الصفات مذهب السلف الصالح ودافع عنه وإن كان يقع في التأويل في بعض الصفات كتأويل صفة الإتيان والمجيء وكما وقع له الخلط في صفة اليد، فهو يعتبر من الذين غلبت عليهم الصبغة السلفية، ومدحه للإمام القاسمي: يدل على إعجابه بالمذهب السلفي الذي نصره الإمام القاسمي. صفة الرحمة: قال في تفسير البسملة: ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة (وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معًا بالمطابقة، وعلى الذات وحدها أو الصفة بالتضمن، ولكل منها لوازم تدل عليها بالالتزام كدلالة الرحمن على الإحسان والإنعام ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام، ودلالة الرب على البعث والجزاء لأن الرب الكامل لا يترك مربوبيه سدى. ومن عرف الأسماء الحسنى والصفات العليا عرف أن اسم الجلالة الأعظم (الله) يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية فدلّ هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال وتنزهه عن جميع النقائص وسبحان الله والحمد لله والله أكبر). (١) تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولًا ومحصلة أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق والرازق، وقال بعضهم: يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فتكون صفة مستقلة، وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح. والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافًا للمعتزلة فإن معاني هذه الصفات كلها عسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على

стр. 2559

الله تعالى: إذ العلم بحسب مدلوله اللغوي، هو سورة المعلومات في الذهن التي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر وهي بهذا المعنى محال على الله تعالى فإن علمه تعالى قديم يقدمه غير عرض منتزع من صور المعلومات وكذلك يقال في سمعه تعالى وبصره، وقد عدّوهما من صفات المعاني القائمة بنفسه والرحمة مثلها في هذا. فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات خلقه الثابتة عقلًا ونقلًا بقوله : ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾. فنقول: إن لله علمًا حقيقيًّا هو وصف له ولكنه لا يشبه علمنا وإن له سمعًا حقيقيًّا هو وصف له لا يشبه سمعنا وإن له رحمة هي صفة لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال النفس وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين النقل والعقل، وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من مجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية، كما قالوا في الرحمة والغضب وأمثالها دون العلم والسمع والبصر وأمثالها فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها فإما أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتار أن واضع اللغة وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم شبهها بها من باب التجوز. (١) صفة الاستهزاء: قال عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أصل الاستهزاء الإستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعلمه مع اعتقاد قبحه غير مبال به ولا معتنى بعلمه ولا بعمله حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه ويلزمه استرسال المستهزئ في عمله القبيح. فمعنى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته وتبطأ عنهم نقمته ثم سقطوا من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون. إلى أن قال: وأشهر الأقوال أن معناه يجازيهم بالعقاب على استهزائهم أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. وقيل: إن استهزاءه تعالى بهم إجراؤه أحكام المسلمين عليهم في الدنيا كما مرّ في خداعه لهم (٢).

стр. 2560

التعليق: والصواب إثبات صفة المكر والاستهزاء والخداع لله تعالى على ما يليق به على جهة العدل، فهو تعالى أفعاله كلها عدل ولا يشتق له من هذه الصفات إسم فلا يقال: مستهزئ وماكر، ومخادع، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. صفه الاستواء: ذهب الشيخ رشيد رضا في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ مذهب السلف الصالح في صفة الاستواء فقال ما لفظه: لم يشتبه أحد من الصحابة في معنى استواء الرب تعالى على العرش على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق إذ كانوا يفهمون أن استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السماوات والأرض له، وانفراده هو بتدبيره وأن الإيمان بذلك لا يتوقف على معرفة كنه ذلك التدبير وصفته، وكيف يكون بل لا يتوقف على وجود عرش، ولكن ورد في الكتاب والسنة أن لله عرشًا خلقه قبل خلق السماوات والأرض وأن له حملة من الملائكة فهو كما تدل اللغة مركز تدبير العالم كله، قال تعالى في سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ولكن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالنقل والعقل كانت مانعة لكل منهم أن يتوهم أن في التعبير بالاستواء على العرش شبهة تشيه الخالق بالمخلوق كيف وأن بعض القرائن الضعيفة لفظية أو معنوية تمنع في لغتهم حمل اللفظ على معناه البشري فكيف إذا كان لا يعقل. فكيف والاستواء على الشيء مستعمل في البشر استعمالًا مجازيًا وكنائيًا كما تقدم والقاعدة التي كانوا عليها في كل ما أسنده الرب تعالى إلى نفسه من الصفات والأفعال التي وردت اللغة في استعمالها في الخلق أن يؤمنوا بما تدل عليه من معنى الكمال والتصوف مع التنزيه عن تشبيه الرب بخلقه فيقولون أنه اتصف بالرحمة والمحبة واستوى على عرشه بالمعنى الذي يليق به لا بمعنى الانفعال الحادث الذي نجده للحب والرحمة في أنفسنا ولا ما نعهده من الاستواء والتدبير هي ملوكنا وحسبنا أن نستفيد من وصفه بهاتين الصفتين أثرهما في خلقه وأن نطلب رحمته ونعمل ما يكسبنا محبته وما يترتب عليهما من مثوبته وإحسانه ونستفيد من الاستواء على عرشه كون الملك والتدبير له وحده فلا نعبد غيره ولذلك قرنه في آخر آية يونس بقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وفي سورة ألم السجدة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، وهذا يؤيد ما صدرنا به تفسير الآية من أنها كأمثالها تقرر وحدانية الربوبية على أنها حجة لوحدانية الألوهية وإبطال عبادة غيره تعالى معه بمعنى ما كانوا يدعون من الشفاعة. صفة الكلام: وقد اختار الشيخ رضا مذهب السلف الصالح في إثبات الكلام لله تعالى وألقى اللوم على الذين اشتغلوا بالكلام وتركوا النصوص الصريحة وذكر
следующие страницы →