← Гариб и словари

Гариб и словари · id 1309

غريب الحديث - أبو عبيد - ط الهندية

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (1 659 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عَلَيْهِ السَّلَام رَآهُ فِي بعض الْمَغَازِي وَهُوَ يختال فِي مشيته فَقَالَ: إِن هَذِه المشية يبغضها اللَّه تَعَالَى إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَأما الْخُيَلَاء فِي الصَّدَقَة فَأن تعلو نَفسه وتشرف فَلَا يستكثر كثيرها وَلَا يُعْطي مِنْهَا شَيْئا إِلَّا وَهُوَ مُسْتَقل لَهُ وَهُوَ مثل الحَدِيث الْمَرْفُوع: إِن اللَّه يحب معالي الْأُمُور أَو قَالَ: معالي الْأَخْلَاق شكّ أَبُو عبيد وَيبغض سفسافها. فَهَذَا تَأْوِيل الْخُيَلَاء فِي الصَّدَقَة وَالْحَرب وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُرَاد اللَّه بِهِ من الْعَمَل دون الرِّيَاء والسمعة. وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: إِن أَبيض بن حمال المأربي

стр. 492

استقطعه / الْملح الَّذِي بمأرب الْيمن فأقطعه إِيَّاه فَلَمَّا ولي قَالَ رجل: ٥٤ / الف يَا رَسُول الله أَتَدْرِي مَا أقطعته إِنَّمَا أقطعت لَهُ المَاء الْعد قَالَ: فرجعه مِنْهُ. عدد وَقَالَ أَبُو عبيد: وَسَأَلَهُ أَيْضا مَاذَا يُحمي من الْأَرَاك قَالَ: مالم تنله أَخْفَاف الْإِبِل. قَالَ الْأَصْمَعِي وَغَيره: أما قَوْله: المَاء العِدّ فَإِنَّهُ الدَّائِم الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ قَالَ: وَهُوَ مثل مَاء الْعين وَمَاء الْبِئْر وَجمع العِد أعداد قَالَ ذُو الرمة يذكر امْرَأَة تَنَجَعت مَاء عِدا وَذَلِكَ فِي الصَّيف إِذا نشّت مياه الْغدر فَقَالَ: [الطَّوِيل]

стр. 493

دعتْ مَيّةَ الأعدادُ واستبدلتُ بهَا … خناطيلَ آجال من العِين خُذَّلِ يَعْنِي منازلها الَّتِي تركتهَا فَصَارَت بهَا الْعين. وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن النَّبِي ﷺ أقطع القطائع وَقل مَا يُوجد هَذَا فِي حَدِيث مُسْند وَفِيه أَنه لما قيل لَهُ: إِنَّه مَا ترك إقطاعه كَأَنَّهُ يذهب بِهِ ﵇ إِلَى أَن المَاء إِذا لم يكن فِي ملك أحد لِأَنَّهُ لِابْنِ السَّبِيل وَأَن النَّاس فِيهِ جَمِيعًا شُرَكَاء وَفِيه أَنه حكم بِشَيْء ثمَّ رَجَعَ عَنهُ وَهَذَا حجَّة للْحَاكِم إِذا حكم حُكما ثمَّ تبين لَهُ أَن الْحق فِي غَيره أَن ينْقض حكمه ذَلِك وَيرجع عَنهُ وَفِيه أَيْضا أَنه نهى أَيْن يُحمي مَا نالته أَخْفَاف الْإِبِل من الْأَرَاك. وَذَلِكَ أَنه مرعي لَهَا فَرَآهُ مُبَاحا لِابْنِ السَّبِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كلأ مَهْمُوز مَقْصُور وَالنَّاس شُرَكَاء فِي المَاء والكلأ

стр. 494

ومَا لم تنله أَخْفَاف الْإِبِل كَانَ لمن شَاءَ أَن يُحْمِيه حماه. كثب وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ حِين أَمر بماعز ابْن مَالك أَن يُرْجم فَلَمَّا ذهب بِهِ قَالَ ﵇: يَعْمِدُ أحدهم إِلَى الْمَرْأَة المُغِيبَةَ فَيْخدَعُها بالكُثْبة وَالشَّيْء لَا أُوتى بأحدٍ مِنْهُم فَعَلَ ذَلِك إِلَّا جعلته نكالا. قَالَ أَبُو عبيد: وَهُوَ كَذَلِك فِي غير اللَّبن أَيْضا وكل مَا جمعته من طَعَام أَو غَيره بعد أَن يكون قَلِيلا فَهُوَ كثبة وَجمعه كُثُبٌ قَالَ ذُو الرُّمة يذكر أَرْطَاة عِنْد أبعار الصيران: [الْبَسِيط] مَيْلاءَ مِن مَعْدنِ الصِّيران قاصية … أبعارُهُنَّ على أهدافها كثب

стр. 495

وَيُقَال مِنْهُ: كَثَبتُ الشَّيْء أكِثبه كَثْبا إِذا جمعته فَأَنا كاثِب وَقَالَ أَوْس بن حجر: [المتقارب] لأصْبَحَ رَتْماً دُقاقُ الحَصَى … مَكَان النَّبِي من الكاثِبِ وَيُقَال: إِن النَّبِي والكاثب موضعان وَيُرِيد بِالنَّبِيِّ مَا نبا من الحَصَى إِذا دُقَ فنَدَر والكاثِبُ: الْجَامِع لما نَدَر مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو عبيد فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ إيَّاكم والقُعُودَ بالصُّعُدات إِلَّا من أدّى حَقّهَا.

стр. 496

صعد أُمَم قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله: الصُعُدات يَعْنِي الطّرق وَهِي مَأْخُوذَة من الصَّعِيد والصعيد: التُّرَاب وَجمع الصَّعِيد صُعْد ثمَّ الصعدات جمع الْجمع كَمَا تَقول: طَرِيق وطُرُق ثمَّ طُرُقات. قَالَ الله [تبَارك و -] تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْداً طَيِّبًا﴾ فالتيمم فِي التَّفْسِير وَالْكَلَام: التعمّد للشَّيْء وَيُقَال مِنْهُ: أمَّمت الشَّيْء أؤُمّه أمًّا وتأممته وتيممته وَمَعْنَاهُ كُله تعمّدته وقصدت لَهُ قَالَ الْأَعْشَى: [المتقارب] تَيَمَّمْتُ قيسا وَكم دونه … من الأَرْض من مَهْمَهٍ ذِي شزن

стр. 497

وَقَوله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوْا صَعِيُداً طَيِّباً﴾ هَذَا فِي الْمَعْنى وَالله أعلم تعمدوا الصَّعِيد أَلا ترى بعد ذَلِك يَقُول ﴿فَاْمْسَحُوْا بِوُجُوْهِكُمْ وَاَيْدِيْكُمْ مِّنْهُ﴾ فَكثر هَذَا فِي الْكَلَام حَتَّى صَار التَّيَمُّم عِنْد النَّاس هُوَ التمسح نَفسه وَهَذَا كثير جَائِز فِي الْكَلَام أَن يكون الشَّيْء إِذا طَالَتْ صحبته للشَّيْء يُسمى بِهِ كَقَوْلِهِم: ذهب إِلَى الْغَائِط وَإِنَّمَا الْغَائِط أَصله المطمئن من الأَرْض وكالحديث الَّذِي يرْوى أَنه نهى عَن عسب ٥٤ / ب الْفَحْل وأصل العسب الْكرَى / فَصَارَ الضراب عِنْد النَّاس عسبا وَمثله فِي الْكَلَام كثير. وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ: توضؤوا مِمَّا غيرت النارُ وَلَو من ثَوْر أقط.

стр. 498

ثَوْر قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله: ثَوْر أقِط فالثور: الْقطعَة من الأقِط وَجمعه أثوار ويروى أَن عَمْرو بن معديكرب قَالَ: تضيفت بني فلَان فأتوني بثور وقوس وَكَعب فَأَما قَوْله: ثَوْر فَهُوَ الَّذِي ذكرنَا فَأَما الْقوس فالشيء من التَّمْر يبْقى فِي أَسْفَل الجلة وَأما الكعب فالشيء الْمَجْمُوع من السّمن. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر حِين ذكر مَوَاقِيت الصَّلَاة فَقَالَ: صَلَاة الْعشَاء إِذا سقط ثَوْر الشَّفق فَلَيْسَ من هَذَا وَلكنه انتشار الشَّفق وثورانه يُقَال مِنْهُ: قد ثار يثور ثورا وثورانا إِذا انْتَشَر فِي الْأُفق فَإِذا غَابَ ذَلِك حلت صَلَاة

стр. 499

الْعشَاء وَقد اخْتلف النَّاس فِي الشَّفق فيروى عَن عبَادَة بْن الصَّامِت وَشَدَّاد بْن أَوْس وَعبد اللَّه بْن عَبَّاس وَابْن عمر أَنهم قَالُوا: هُوَ الحُمرة وَكَانَ مَالك بْن أنس وَأَبُو يُوسُف يأخذان بِهَذَا وَقَالَ عمر بْن عبد الْعَزِيز: هُوَ الْبيَاض وَهُوَ بَقِيَّة من النَّهَار وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَأْخُذ بِهِ. غرر وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: لَا غِرار فِي صَلَاة وَلَا تَسْلِيم. قَالَ: الغرار هُوَ النُّقْصَان يُقَال للناقة إِذا يبس لَبنهَا: هِيَ مُغارٌ قَالَ الْكسَائي: وَفِي لَبنهَا غرار. وقَالَ أَبُو عبيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ

стр. 500

قَالَ: كَانُوا لَا يرَوْنَ بغرار النّوم بَأْسا يَعْنِي أَنه لَا ينْقض الْوضُوء قَالَ الفرزدق فِي مرثية للحجاج: [الْكَامِل] إِن الرزية من ثَقِيف هَالك … ترك الْعُيُون ونومهن غِرارُ أَي قَلِيل فَكَأَن معنى الحَدِيث لَا نُقْصَان فِي صَلَاة يَعْنِي فِي ركوعها وسجودها وطهورها كَقَوْل سلمَان [الْفَارِسِي -] : الصَّلَاة مكيال فَمن وَفّي وُفي [لَهُ -] وَمن طفف فقد علمْتُم مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي المطففين والْحَدِيث فِي مثل هَذَا كثير فَهَذَا الغرار فِي الصَّلَاة. وَأما الغرار فِي التَّسْلِيم فنراه أَن يَقُول: السَّلَام عَلَيْك أَو يرد. فَيَقُول: وَعَلَيْك وَلَا يَقُول: وَعَلَيْكُم والغرار أَيْضا فِي أَشْيَاء من الْكَلَام أَيْضا سوى هَذَا. يُقَال لحد الشَّفْرَة وَالسيف وكل شَيْء لَهُ حد: فحده عرار والغرار أَيْضا: الْمِثَال الَّذِي يطبع عَلَيْهِ نصال السهْم قَالَهَا الْأَصْمَعِي والغرار أَيْضا أَن يغر الطَّائِر الفرخ غرارا يَعْنِي أَن يزقه. وَقد

стр. 501

رُوِيَ [عَن -] بعض الْمُحدثين هَذَا الحَدِيث: لَا إغرار فِي صَلَاة بِأَلف وَلَا أعرف هَذَا فِي الْكَلَام وَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي وَجه وَيُقَال: لَا غِرار فِي صَلَاة وَلَا تَسْلِيم أَي لَا نُقْصَان فِيهَا وَلَا تَسْلِيم فِيهَا فَمن قَالَ هَذَا ذهب إِلَى أَنه لَا قَلِيل من النّوم فِي الصَّلَاة وَلَا تَسْلِيم فِي الصَّلَاة أَي إِن الْمُصَلِّي لَا يسلَم وَلَا يسلم عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَن حَكِيم بْن حزَام قَالَ: بَايَعت رَسُول الله ﷺ أَن لَا أخرّ إِلَّا قَائِما. خرر قَالَ أَبُو عبيد: وَقد أَكثر النَّاس فِي معنى هَذَا الحَدِيث وَمَاله عِنْدِي وَجه إِلَّا أَنه أَرَادَ بقوله: لَا أخر لَا أَمُوت لِأَنَّهُ إِذا مَاتَ فقد خر وَسقط. [وَقَوله -:] إِلَّا قَائِما إلَّا ثَابتا على الْإِسْلَام وكل من ثَبت على

стр. 502

شَيْء وَتمسك بِهِ فَهُوَ قَائِم عَلَيْهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى / ﴿لَيْسُوْا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُوْنَ آياتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْل وهم يَسْجُدُونَ﴾ وَإِنَّمَا هَذَا من الْمُوَاظبَة على الدَّين وَالْقِيَام بِهِ وَقَالَ ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ أِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطَارِ يُّؤَدِّهَ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أِنْ تَأمَنْهُ بِدِيْنَارِ لَا يُؤَدِّهِ إِليْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِما﴾ قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله: إِلَّا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما قَالَ: هُوَ مواكظا وَمِنْه قيل فِي الْكَلَام للخليفة: هُوَ الْقَائِم بِالْأَمر وَكَذَلِكَ فلَان قَائِم بِكَذَا وَكَذَا إِذا كَانَ حَافِظًا لَهُ متمسكا بِهِ وَفِي بعض هَذَا الحَدِيث أَنه لما قَالَ النَّبِي ﵇: أُبَايِعك على

стр. 503

أَن لَا أخرّ إِلَّا قَائِما فَقَالَ: أما من قِبَلنا فَلَنْ تخرّ إِلَّا قَائِما أَي لسنا ندعوك وَلَا نُبَايِعك إِلَّا قَائِما أَي على الْحق. وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ حِين ذكر مَكَّة فَقَالَ: لَا يُختلى خَلاها وَلَا تحل لقطتهَا إِلَّا لِمُنْشِد. قَالَ أَبُو عبيد: أما قَوْله: لَا تحل لُقطتها إِلَّا لِمُنْشِد فَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تحل لقطتهَا كَأَنَّهُ يُرِيد أَلْبَتَّة فَقيل لَهُ: إِلَّا لِمُنْشِد فَقَالَ: [إِلَّا -] لِمُنْشِد وَهُوَ يُرِيد الْمَعْنى الأول نَشد قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمذهب عبد الرَّحْمَن فِي هَذَا التَّفْسِير كَالرّجلِ يَقُول: وَالله لَا فعلت كَذَا وَكَذَا ثمَّ يَقُول: إِن شَاءَ اللَّه وَهُوَ لَا يُرِيد الرُّجُوع عَن يَمِينه وَلكنه

стр. 504

لقن شَيْئا فلقنه فَمَعْنَاه أَنه لَيْسَ يحل للملتقط مِنْهَا [إِلَّا إنشادها فَأَما الِانْتِفَاع بهَا فَلَا. وَقَالَ غَيره: لَا يَجْعَل لقطتهَا -] إِلَّا لِمُنْشِد يَعْنِي طالبها الَّذِي يطْلبهَا وَهُوَ رَبهَا فَيَقُول: لَيست تحل إِلَّا لِرَبِّهَا. فَقَالَ أَبُو عبيد: هَذَا حسن فِي الْمَعْنى وَلكنه لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة [أَن -] يُقَال للطَّالِب: مُنشد إِنَّمَا المنشد هُوَ الْمُعَرّف والطالب هُوَ الناشد يُقَال [مِنْهُ -] : نشَدت الضَّالة أنشُدها [نشِدانا -] إِذا طلبتها فَأَنا نَاشد وَمن التَّعْرِيف أنشدها إنشادا فَأَنا منشد وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن الناشد هُوَ الطَّالِب حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه سمع رجلا ينشد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: أَيهَا الناشد غَيْرك الْوَاجِد مَعْنَاهُ لَا وجدت كَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ وَأما قَول أبي دؤاد الأيادي وَهُوَ يصف الثور فَقَالَ: [الْكَامِل]

стр. 505

ويصيخ أَحْيَانًا كَمَا اس … تمع المضل لصوت ناشدِ قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي أَخْبرنِي عَن أبي عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنه كَانَ يعجب من هَذَا وَأَحْسبهُ قَالَ هُوَ أَو غَيره: إِنَّه لما أَرَادَ بالناشد [أَيْضا -] رجلا أرمل قد ضلت دَابَّته فَهُوَ ينشدها [أَي] يطْلبهَا ليتعزى بذلك وَفِي هَذَا الحَدِيث قَول ثَالِث: إِنَّه أَرَادَ بقوله: إِلَّا لِمُنْشِد أَرَادَ بِهِ إِن لم ينشدها فَلَا يحل لَهُ الِانْتِفَاع بهَا فَإِذا أنشدها فَلم يجد طالبها حلت لَهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَو كَانَ هَذَا هَكَذَا لما كَانَت مَكَّة مَخْصُوصَة بِشَيْء دون الْبِلَاد لِأَن الأَرْض كلهَا لَا تحل لقطتهَا إِلَّا بعد الإنشاد إِن حلت أَيْضا وَفِي النَّاس من لَا يستحلها وَلَيْسَ للْحَدِيث عِنْدِي وَجه إِلَّا مَا قَالَ عبد الرَّحْمَن أَنه لَيْسَ للواجد مِنْهَا [شَيْء -] إِلَّا الإنشاد أبدا وَإِلَّا فَلَا يحل لَهُ أَن يَمَسهَا.

стр. 506

وَكن مكن وَقَالَ أَبُو عبيد فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: أقرُّوا الطير عَليّ وُكناتِها وَبَعْضهمْ يَقُول: مَكِناتها. قَالَ أَبُو زِيَاد الْكلابِي وَأَبُو طيبَة الْأَعرَابِي وَغَيرهمَا من الْأَعْرَاب

стр. 507

ومن قَالَ مِنْهُم: لَا نَعْرِف للطير مكنات وَإِنَّمَا هُوَ الوكنات قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: [الطَّوِيل] وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل وَوَاحِد الوكنات وَسنة وَهِي مَوضِع عش الطَّائِر وَيُقَال لَهُ أَيْضا: ٥٥ / ب وكر - بالراء فَأَما الوكن بالنُّون فَإِنَّهُ الْعود الَّذِي / يبيت عَلَيْهِ الطَّائِر. قَالُوا: فَأَما المكنات فَإِنَّمَا هُوَ بيض الضباب وواحدتها مكنة يُقَال مِنْهُ: [قد -] مكنت الضبة وأمكنت فَهِيَ ضبة مكون إِذا جمعت الْبيض وَمِنْه حَدِيث أبي وَائِل: ضبة مكون أحب إِلَيّ من دجَاجَة سَمِينَة

стр. 508

وَأما الْمُحدث فَقَالَ: سمين قَالَ: أما مَا كَانَ من نَفسهَا فِي النَّعْت فَلَا يكون إِلَّا بِالْهَاءِ وَمَا كَانَ من غير نعتها مثل خضيب ودهين وَنَحْو ذَلِك فَيكون بِغَيْر هَاء وَجمع المَكِنَة مِكن قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَكَذَا روى الحَدِيث وَهُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب وَإِن كَانَ المكن للضباب أَي يَجْعَل للطير تَشْبِيها بذلك الْكَلِمَة تستعار فتوضع فِي غير موضعهَا وَمثله كثير فِي كَلَام الْعَرَب كَقَوْلِهِم: مَشافر الْحَبَش وَإِنَّمَا المشافر لِلْإِبِلِ وكقول زُهَيْر يصف الْأسد: [الطَّوِيل] لَهُ لبد أَظْفَاره لم تقلّمِ

стр. 509

وَإِنَّمَا هِيَ المخالب وكقول الأخطل: [الطَّوِيل] وفَرْوَةَ ثَفْرَ الَّثورةِ المُتَضاجِمِ وَإِنَّمَا الثفر للسباع. وَقد يُفَسر هَذَا الحَدِيث على غير هَذَا التَّفْسِير يُقَال: أقرُّوا الطير على مكناتها يُرَاد على أمكنتها قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِلَّا أَنا لم أسمع فِي الْكَلَام أَن يُقَال للأمكنة مكنة وَمَعْنَاهُ الطير الَّتِي يزْجر بهَا يَقُول: لَا تزجروا الطير وَلَا تلتفتوا إِلَيْهَا أقروها على موَاضعهَا الَّتِي جعلهَا اللَّه تَعَالَى بهَا أَي أَنَّهَا لَا تضر وَلَا تَنْفَع وَلَا تعدوا ذَلِك إِلَى غَيره وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجه وَمعنى وَالله أعلم إِلَّا إِنَّا لم نسْمع فِي الْكَلَام الْأَمْكِنَة مكنة. وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ مَا آذن الله لشَيْء

стр. 510

ك أُذُن ه لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَن يجْهر بِهِ. أذن غنا قَالَ أَبُو عُبَيْد: أما قَوْله: كأذنه يَعْنِي مَا اسْتمع اللَّه لشَيْء كاستماعه لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وعَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتَ﴾ . قَالَ: سَمِعت أَو قَالَ: استمعت شكّ أَبُو عبيد يُقَال: أَذِنت للشَّيْء آذن [لَهُ -] أذنا إِذا استمعته [و -] قَالَ عدي بن زيد: [الرمل] أَيهَا القلبُ تَعَللْ بدَدَنْ … إِن همي فِي سَماع وَأذن

стр. 511

وَقَالَ أَيْضا: [الرمل] فِي سَماع يَأْذَن الشيخُ لَهُ … وَحَدِيث مثل ماذي مُشارِ يُرِيد بقوله [يَأْذَن -] يستمع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتَ﴾ أَي سَمِعت. وَبَعْضهمْ يرويهِ: كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ بِكَسْر الْألف يذهب بِهِ إِلَى الْإِذْن من الاسْتِئْذَان وَلَيْسَ لهَذَا وَجه عِنْدِي وَكَيف يكون إِذْنه لَهُ فِي هَذَا أَكثر من إِذْنه لَهُ فِي غَيره وَالَّذِي أذن لَهُ فِيهِ من توحيده وطاعته والإبلاغ عَنهُ أَكثر وَأعظم من الْإِذْن فِي قِرَاءَة يجْهر بهَا. وَقَوله: يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ إِنَّمَا مذْهبه عندنَا تحزين الْقِرَاءَة وَمن ذَلِك حَدِيثه الآخر عَن عبد الله بْن مُغفل أَنه رأى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 512

يقْرَأ سُورَة الْفَتْح فَقَالَ: لَوْلَا أَن يجْتَمع النَّاس علينا لحكيت تِلْكَ الْقِرَاءَة وَقد رجّع وَمِمَّا يبين ذَلِك حَدِيث يرْوى عَن النَّبِي ﵇ أَنه ذكر أَشْرَاط السَّاعَة فَقَالَ: بيع الحُكم وَقَطِيعَة الرَّحِم وَالِاسْتِخْفَاف بِالدَّمِ وَكَثْرَة الشَّرْط وَأَن يتَّخذ الْقُرْآن مَزَامِير يقدمُونَ أحدهم لَيْسَ بأقرئهم وَلَا أفضلهم إِلَّا لِيُغنيَهُمْ بِهِ غناء. وعَن طاؤوس أَنه قَالَ: أَقرَأ النَّاس لِلْقُرْآنِ أخشاهم لله تَعَالَى فَهَذَا تَأْوِيل حَدِيث النَّبِي ﵇: [مَا أذن اللَّه لشَيْء كأذنه لنَبِيّ -] يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ [أَن -] يجْهر بِهِ. وَهُوَ تَأْوِيل قَوْله: زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ وعَن / شُعْبَة قَالَ: ٥٦ / الف نهاني أَيُّوب أَن أتحدث بِهَذَا الْحَرْف: زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا كره أَيُّوب ذَلِك مَخَافَة أَن يتَأَوَّل على غير وَجهه وَأما حَدِيث

стр. 513

النَّبِي ﵇: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ [هُوَ -] عِنْدِي من هَذَا إِنَّمَا هُوَ [من -] الِاسْتِغْنَاء وَقد فسرناه فِي مَوضِع آخر. عفر وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ إِذا سجد جافى عضديه حَتَّى يرى من خَلفه عفرَة إبطَيْهِ. قَالَ أَبُو زيد والأصمعي وَأَبُو زِيَاد أَو من قَالَ مِنْهُم: العفرة الْبيَاض وَلَيْسَ بالبياض الناصع الشَّديد وَلكنه لون الأَرْض وَمِنْه قيل للظباء: عُفر إِذا كَانَت ألوانها كَذَلِك وَإِنَّمَا سميت بعَفَر الأَرْض وَهُوَ وَجههَا قَالَ الْأَحْمَر: يُقَال: مَا على عفر الأَرْض مثله أَي على وَجههَا وَكَذَلِكَ الشَّاة العفراء. يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: لدم عفراءَ فِي الْأُضْحِية أحب إليّ من دم سوداوين وَبَعْضهمْ يرويهِ عَنهُ: لدم بَيْضَاء أحب إِلَيّ من دم سوداوين فَهَذَا تَفْسِير ذَلِك وَيُقَال: عفرت الرجل وَغَيره فِي

стр. 514

التُّرَاب إِذا مرغته فِيهِ تعفيرا والتعفير فِي غير هَذَا أَيْضا يُقَال للوحشية: هِيَ تعفر وَلَدهَا وَذَلِكَ إِذا أَرَادَت فطامه قطعت عَنهُ الرَّضَاع يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ فَإِن خَافت أَن يضرّهُ ذَلِك ردته إِلَى الرَّضَاع أَيَّامًا ثمَّ أعادته إِلَى الْفِطَام تفعل ذَلِك مَرَّات حَتَّى يسْتَمر عَلَيْهِ فَذَلِك التعفير وَهُوَ مُعَفَّر قَالَ لبيد يذكرهُ: [الْكَامِل] لمعفرقهد تنَازع شِلوَه … غبسٌ كواسبُ مَا يُمن طعامُها أَي لَا ينقص. وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: من أَدخل فرسا بَين فرسين فَإِن كَانَ يُؤمن أَن يسْبق فَلَا خير فِيهِ وَإِن كَانَ لَا يُؤمن أَن يسْبق فَلَا بَأْس بِهِ. سبق قَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت مُحَمَّد بْن الْحسن وَغير وَاحِد دخل تَفْسِير

стр. 515

بَعضهم فِي بعض قَالُوا: هَذَا فِي رهان الْخَيل وَالْأَصْل فِيهِ أَن يسْبق الرجل صَاحبه بِشَيْء مُسَمّى على أَنه إِن سبق لم يكن لَهُ شَيْء وَإِن سبقه صَاحبه أَخذ الرَّهْن فَهَذَا هُوَ الْحَلَال لِأَن الرَّهْن إِنَّمَا هُوَ من أَحدهمَا دون الآخر فَإِن جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه رهنا أَيهمَا سبق أَخذه فَهَذَا الْقمَار الْمنْهِي عَنهُ فَإِن أَرَادَا أَن يدخلا بَينهمَا شَيْئا ليحل لكل وَاحِد مِنْهُمَا رهن صَاحبه جعلا بَينهمَا فرسا ثَالِثا لرجل سواهُمَا وَهُوَ الَّذِي ذكرنَا فِي أول الحَدِيث: من أَدخل فرسا بَين فرسين وَهُوَ الَّذِي يُسمى الْمُحَلّل وَيُسمى الدخيل فَيَضَع الرّجلَانِ الْأَوَّلَانِ رهنين مِنْهُمَا وَلَا يضع الثَّالِث شَيْئا ثمَّ يرسلون الأفراس الثَّلَاثَة فَإِن سبق أحد الْأَوَّلين أَخذ رَهنه وَرهن صَاحبه وَكَانَ طيبا لَهُ وَإِن سبق الدخيل [وَلم يسْبق وَاحِد من هذَيْن أَخذ -] الرهنين جَمِيعًا وَإِن سُبِق هُوَ لم يكن عَلَيْهِ شَيْء فَمَعْنَى قَوْله: إِن كَانَ لَا يُؤمن [أَن يسْبق فَلَا بَأْس بِهِ يَقُول: إِذا كَانَ رَابِعا -] جوادًا لَا يأمنان أَن يسبقهما فَيذْهب بالرهنين [فَهَذَا طيب لَا بَأْس بِهِ وَإِن كَانَ بليدا بطيا قد أمنا -] أَن يسبقهما فَهَذَا قمار لِأَنَّهَا كَأَنَّهُمَا لم يدخلا [بَينهمَا شَيْئا أَو كَأَنَّهُمَا إِنَّمَا أدخلا حمارا أَو مَا أشبه ذَلِك -] مِمَّا لَا يسْبق. فَهَذَا وَجه الحَدِيث وَهُوَ تَفْسِير قَول [جَابر بْن زيد حَدثنَا

стр. 516

سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو قَالَ قيل لجَابِر بْن زيد: إِن أَصْحَاب مُحَمَّد -] كَانُوا لَا يرَوْنَ بالدخيل بَأْسا فَقَالَ: كَانُوا أعف من ذَلِك. دهر وَقَالَ أَبُو عبيد فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن اللَّه هُوَ الدَّهْر. ٥٦ / ب قَوْله: / فَإِن اللَّه هُوَ الدَّهْر وَهَذَا لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل الْإِسْلَام أَن يجهل وَجهه. وَذَلِكَ أَن أهل التعطيل يحتجون بِهِ على الْمُسلمين [قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: - وَقد رَأَيْت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحْتَج

стр. 517

بِهَذَا الحَدِيث وَيَقُول: أَلا ترَاهُ يَقُول: فَإِن اللَّه هُوَ الدَّهْر فَقلت: وَهل كَانَ أحد يسب اللَّه فِي آباد الدَّهْر وَقد قَالَ الْأَعْشَى فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء: [المنسرح] اسْتَأْثر اللَّه بِالْوَفَاءِ وبال … حمد وَولي الْمَلَامَة الرجُلَا وَإِنَّمَا تَأْوِيله عِنْدِي وَالله أعلم أَن الْعَرَب كَانَ شَأْنهَا أَن تذم الدَّهْر وتسبه عِنْد المصائب الَّتِي تنزل بهم من موت أَو هرم أَو تلف مَال أَو غير ذَلِك فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُم قوارع الدَّهْر وأبادهم الدَّهْر وأتى عَلَيْهِم الدَّهْر فيجعلونه الَّذِي يفعل ذَلِك فيذمونه عَلَيْهِ وَقد ذَكرُوهُ فِي أشعارهم قَالَ الشَّاعِر يذكر قوما هَلَكُوا: [الْكَامِل] فاستأثر الدَّهْر الغداةَ بهم … والدهر يرميني وَلَا أرمي … يَا دهر قد أكثرت فجعتنا … بسراتنا ووقرت فِي العظمِ … وسلبتَنا مَا لستَ تُعقبنا … يَا دهر مَا أنصفت فِي الحكمِ وَقَالَ عَمْرو بْن قميئة: [الطَّوِيل] رمتني بَنَات الدَّهْر من حَيْثُ لَا أرى … فَكيف بِمن يُرمي وَلَيْسَ برام

стр. 518

فَلَو أَنَّهَا نبل إِذا لاتقيتها … ولكنَّما أُرمي بِغَيْر سهامِ على الراحتين مرّة وعَلى الْعَصَا … أنوء ثَلَاثًا بعدهن قيامي فَأخْبر أَن الدَّهْر فعل بِهِ ذَلِك نصف الْهَرم. وَقد أخبر اللَّه تَعَالَى بذلك عَنْهُم فِي كِتَابه [الْكَرِيم -] ثمَّ كذّبهم بقَوْلهمْ فَقَالَ ﴿وَقَالُوْا مَا هِيَ إلَا حَيَاتُنَا الدُنْيَا نَمُوْتُ وَنْحَيا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾ قَالَ اللَّه ﴿ومَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّوْنَ﴾ فَقَالَ النَّبِي ﵇: لَا تسبّوا الدَّهْر على تَأْوِيل لَا تسبوا الَّذِي يفعل بكم هَذِه الْأَشْيَاء ويصيبكم بِهَذِهِ المصائب فَإِنَّكُم إِذا سببتم فاعلها فَإِنَّمَا يَقع السب على اللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِل لَهَا لَا الدَّهْر فَهَذَا وَجه الحَدِيث إِن شَاءَ الله

стр. 519

لَا أعرف لَهُ وَجها غَيره.

стр. 520

جوع وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه دخل على عَائِشَة ﵂ وَعِنْدهَا رجل فَقَالَت: إِنَّه أخي من الرضَاعَة فَقَالَ: انظرن مَا إخوانكن فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة. قَوْله: فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة يَقُول: إِن الَّذِي إِذا جَاع كَانَ طَعَامه الَّذِي يشبعه اللَّبن إِنَّمَا هُوَ الصَّبِي الرَّضِيع فَأَما الَّذِي يشبعه من جوعه الطَّعَام فَإِن أرضعتموه فَلَيْسَ ذَلِك برضاع فَمَعْنَى الحَدِيث: إِنَّمَا الرَّضَاع مَا كَانَ بالحولين قبل الْفِطَام وَهَذَا مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأم سَلمَة ﵂: إِنَّمَا الرَّضَاع مَا كَانَ فِي الثدي قبل الْفِطَام

стр. 521

ومثلهَ حَدِيث عمر بْن الْخطاب ﵁: إِنَّمَا الرضَاعَة رضاعة الصغر وَكَذَلِكَ حَدِيث عبد الله فِيهِ وَعَامة الْآثَار على هَذَا أَن الرضَاعَة بعد الْحَوْلَيْنِ لَا تحرم شَيْئا. سبت وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه رأى رجلا يمشي بَين الْقُبُور فِي نَعْلَيْنِ فَقَالَ: يَا صَاحب السِّبْتين اخلع سبتيك. قَوْله فِي النِّعَال: السبتية قَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ المدبوغة بالقرظ [و -] قَالَ الْأَصْمَعِي: فِي المدبوغة قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا ذكرت السبتية لِأَن أَكْثَرهم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ يلبسهَا غير مدبوغة إِلَّا أهل السعَة مِنْهُم والشرف لأَنهم كَانُوا لَا يحسنون وَلَا يلبسهَا إِلَّا أهل الْجدّة مِنْهُم كَانُوا يشترونها من الْيمن والطائف وَنَحْو هَذَا قَالَ عنترة [يمدح رجلا -] :

стр. 522

[الْكَامِل] بَطل كَأَن ثِيَابه فِي سرحة … يُحذَى نِعالُ السِبتِ لَيْس بتوأمِ … [وَقد زعم بعض -] النَّاس / أَن النِّعَال السبتية هِيَ محلوقة الشّعْر ٥٧ / الف وَالْأَمر عِنْدِي كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عَمْرو. وَأما أَمر النَّبِي ﵇ إِيَّاه أَن يخلعهما فَإِن بعض النَّاس يتأوله على الْكَرَاهَة للمشي بَين الْقُبُور فِي النَّعْلَيْنِ وَهَذَا معنى يضيق على النَّاس وَلَو كَانَ [لبس -] النَّعْل مَكْرُوها هُنَاكَ لَكَانَ الْخُف مثله قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأما أَنا فَأرَاهُ أمره بذلك لقذر رَآهُ فِي نَعْلَيْه فكره أَن يطَأ بهما الْقُبُور كَمَا كره أَن يحدث الرجل بَين الْقُبُور فَهَذَا وَجهه عِنْدِي وَالله أعلم. وَيُقَال: إِنَّمَا كره ذَلِك لِأَن أهل الْقُبُور يؤذيهم صَوت النِّعَال فَإِن كَانَ

стр. 523

هَذَا وَجه الحَدِيث فَالْأَمْر فِي خلعهما كَانَ فيهمَا قذر أَو لم يكن. أَدَم قفر وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: نعم الإدام الْخلّ. إِنَّمَا سَمَّاهُ إدَامًا لِأَنَّهُ يصطبغ بِهِ وكل شَيْء يصطبغ بِهِ لزمَه اسْم الإدام يَعْنِي مثل الْخلّ وَالزَّيْت والمزي وَاللَّبن وَمَا أشبهه قَالَ: فَإِن حلف حَالف أَن لَا يَأْكُل إدَامًا فَأكل بعض مَا يصطبغ بِهِ فَهُوَ حانث وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ: مَا أقفر بَيت أَو قَالَ: طَعَام فِيهِ خل [و -] قَالَ أَبُو زيد [وَغَيره -] : هُوَ مَأْخُوذ من القفار وَهُوَ كل طَعَام يُؤْكَل بِلَا أَدَم يُقَال: أكلت الْيَوْم طَعَاما قفارا إِذا أكله غير مأدوم وَلَا أرى أَصله مأخوذا إِلَّا من القفر من الْبِلَاد وَهِي الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا.

стр. 524

خون غَمْرٌ وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة وَلَا ذِي غمر على أَخِيه وَلَا ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة وَلَا القانع من أهل الْبَيْت لَهُم. قَوْله: خائن وَلَا خَائِنَة فالخيانة تدخل فِي أَشْيَاء كَثِيرَة سوى الْخِيَانَة فِي المَال مِنْهَا أَن يؤتمن على فرج فَلَا يُؤَدِّي فِيهِ الْأَمَانَة وَكَذَلِكَ إِن استودع سرا يكون إِن أفشاه فِيهِ عطب الْمُسْتَوْدع أَو يشينه وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن السِّرّ أَمَانَة حَدِيث يروي عَن النَّبِي ﵇: إِذا حدث الرجل بِالْحَدِيثِ ثمَّ الْتفت فَهُوَ أَمَانَة فقد سَمَّاهُ رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم أَمَانَة وَلم يستكتمه فَكيف إِذا استكتمه وَمِنْه قَوْله: إِنَّمَا تتجالسون بالأمانة وَمِنْه الحَدِيث الآخر: من أشاع فَاحِشَة فَهُوَ كمن أبدأها فَصَارَ هَهُنَا كفاعلها لإشاعته إِيَّاهَا [هُوَ -] وَلم يستكتمها وَكَذَلِكَ إِن اؤتمن

стр. 525

على حكم بَين اثْنَيْنِ أَو فَوْقهمَا فَلم يعدل وَكَذَلِكَ إِن غل من الْمغنم فالغال فِي التَّفْسِير هُوَ الخائن لِأَنَّهُ يُقَال فِي قَوْله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَّغُلَّ﴾ قَالَ: يخان فَهَذِهِ الْخِصَال كلهَا وَمَا ضاهاها لَا يَنْبَغِي أَن يكون أَصْحَابهَا عُدُولًا فِي الشَّهَادَة على تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث. وَأما قَوْله: وَلَا ذِي غمر على أَخِيه فَإِن الْغمر الشحناء والعداوة وَكَذَلِكَ الإحنة وَمِمَّا يبين ذَلِك حَدِيث عُمَر ﵁: إِنَّمَا قوم شهدُوا على رجل بِحَدّ وَلم يكن ذَلِك بِحَضْرَة صَاحب الْحَد فَإِنَّمَا شهدُوا عَن ضعن وَتَأْويل هَذَا الحَدِيث [على -] الْحُدُود الَّتِي فِيمَا بَين النَّاس وَبَين اللَّه تَعَالَى كَالزِّنَا وَشرب الْخمر [وَالسَّرِقَة. ظنن قَالَ أَبُو عُبَيْد -] وَسمعت مُحَمَّد بْن الْحسن يَجْعَل فِي [ذَلِك وقتالا -] أحفظه يَقُول: فَإِن أَقَامُوا الشَّهَادَة بعد ذَلِك بطلت شَهَادَتهم فَأَما حُقُوق النَّاس [فالشهادة -] فِيهَا جَائِزَة أبدا لَا ترد وَإِن تقادمت.

стр. 526

فَأَما الظنين فِي الْوَلَاء والقرابة فَالَّذِي يتهم / بالدعاوة إِلَى غير ٥٧ / ب أَبِيه وَالْمُتوَلِّيّ غير موَالِيه قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقد يكون أَن يتهم فِي شَهَادَته لقريبه كالوالد للْوَلَد [وَالْولد للوالد -] وَمن وَرَاء ذَلِك وَمثله حَدِيثه الآخر إِن رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم بعث مناديا حَتَّى انْتهى إِلَى الْبَيِّنَة أَنه لَا تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين وَالْيَمِين على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَمَعْنَى الظنين هَهُنَا الْمُتَّهم فِي دينه. و [أما -] قَوْله: لَا القانع مَعَ أهل الْبَيْت لَهُم فَإِنَّهُ الرجل يكون مَعَ الْقَوْم فِي حاشيتهم كالخادم لَهُم وَالتَّابِع والأجير وَنَحْوه وأصل

стр. 527

القنوع: الرجل يكون مَعَ الرجل يطْلب فَضله وَيسْأل معروفه فَيَقُول: هَذَا إِنَّمَا يطْلب معاشه من هَؤُلَاءِ فَلَا يجوز شَهَادَته لَهُم قَالَ اللَّه ﴿فَكُلُوْا مِنْهَا وَاَطعِمُوا الُقَانِعَ وَالمْعَتَر﴾ فالقانع فِي التَّفْسِير: الَّذِي يسْأَل والمعتر: الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل وَمِنْه قَول الشماخ: [الطَّوِيل] لمَال الْمَرْء يصلحه فيغنى … مفاقره أعف من القنوعِ يَعْنِي مَسْأَلَة النَّاس. وَقَالَ عدي بْن زيد: [الطَّوِيل] وَمَا خُنْت ذَا عهد وأبت بعهده … وَلم أحرم الْمُضْطَر إِذْ جَاءَ قانعا يَعْنِي سَائِلًا. وَيُقَال من هَذَا: قد قنع يقنع قنوعا وَأما القانع الراضي بِمَا أعطَاهُ اللَّه [ ] فَلَيْسَ من ذَلِك يُقَال [مِنْهُ -] : قنعت أقنع قناعة فَهَذَا بِكَسْر النُّون وَذَلِكَ بِفَتْحِهَا وَذَلِكَ من القنوع وَهَذَا من القناعة.

стр. 528

دور وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ فِي خطبَته: إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق [اللَّه -] السَّمَاوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم: ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان. قَوْله: إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق [اللَّه -] السَّمَاوَات وَالْأَرْض يُقَال: إِن بَدْء ذَلِك [كَانَ -] وَالله أعلم إِن الْعَرَب كَانَت تحرم هَذِه الْأَشْهر الْأَرْبَعَة وَكَانَ هَذَا مِمَّا تمسكت بِهِ من مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇ ٩ وعَلى نَبينَا فَرُبمَا احتاجوا إِلَى تَحْلِيل

стр. 529

الْمحرم للحرب تكون بَينهم فيكرهون أَن يستحلوه ويكرهون تَأْخِير حربهم فيؤخرون تَحْرِيم الْمحرم إِلَى صفر فيحرمونه ويستحلون الْمحرم. وَهَذَا هُوَ النسيء الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضلُّ بِهِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا يُحِلُّوْنَهُ عَاماً وَّيُحَرَّمُوْنَهُ عَاماً﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَكَانَ ذَلِك فِي كنَانَة هم الَّذين كَانُوا ينسئون الشُّهُور على الْعَرَب والنسيء هُوَ التَّأْخِير وَمِنْه قيل: بِعْت الشَّيْء نَسِيئَة فَكَانُوا يمكثون بذلك زَمَانا يحرمُونَ صفر وهم يُرِيدُونَ بِهِ الْمحرم وَيَقُولُونَ: هَذَا أحد الصفرين [قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ -] وَقد تَأَول بعض النَّاس قَول النَّبِي ﵇: لَا صفر على هَذَا ثمَّ يَحْتَاجُونَ أَيْضا إِلَى تَأْخِير صفر إِلَى الشَّهْر الَّذِي بعده كحاجتهم إِلَى تَأْخِير الْمحرم فيؤخرون تَحْرِيمه إِلَى ربيع ثمَّ يمكثون بذلك مَا شَاءَ اللَّه ثمَّ يَحْتَاجُونَ إِلَى مثله ثمَّ كَذَلِك [فَكَذَلِك حَتَّى -] يتدافع شهر بعد شهر حَتَّى اسْتَدَارَ التَّحْرِيم على السّنة كلهَا فَقَامَ الْإِسْلَام وَقد رَجَعَ الْمحرم إِلَى مَوْضِعه الَّذِي وَضعه اللَّه [﵎] بِهِ وَذَلِكَ بعد دهر طَوِيل

стр. 530

فَذَلِك قَوْله ﵇: إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق [اللَّه -] السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَقُول: رجعت الْأَشْهر الْحرم إِلَى موَاضعهَا وَبَطل النسيء وَقد زعم بعض النَّاس أَنهم كَانُوا يسْتَحلُّونَ الْمحرم عَاما فَإِذا كَانَ من قَابل ردُّوهُ إِلَى تَحْرِيمه وَالتَّفْسِير الأول أحب إليّ لقَوْل النَّبِي ﵇ إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق [اللَّه -] السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ فِي التَّفْسِير الآخر استدارة وعَلى هَذَا التَّفْسِير [الَّذِي فسرناه -] قد / يكون قَوْله ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا ويحرمونه عَاما﴾ ٥٨ / الف مُصدقا لأَنهم إِذا حرمُوا الْعَام الْمحرم وَفِي قَابل صفر ثمَّ احتاجوا بعد ذَلِك إِلَى تَحْلِيل صفر [أَيْضا -] أحلوه وحرموا الَّذِي بعده. فَهَذَا تَأْوِيل قَوْله فِي هَذَا التَّفْسِير ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما﴾ . قَالَ أَبُو عُبَيْد: وَفِي هَذَا تَفْسِير آخر يُقَال: إِنَّه فِي الْحَج عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجَّ﴾ قَالَ: قد اسْتَقر الْحَج فِي ذِي الْحجَّة لَا جِدَال فِيهِ وعَن مُجَاهِد قَالَ: كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة يحجون عَاميْنِ فِي [ذِي -
следующие страницы →