← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. الحمد لله الذي حكم على أهل الوجود بالعدم، وقدره عليهم بالقدم، وقضى به على الخلق فما أفاد معه محاذاة حذر ولا مناداة ندم، وأورد الموت على فناء أعمارهم فانهد وبناء أبشارهم فانهدم. نحمده على نعمه التي فسحت مدة الأجل، ومنحت تراخي المهلة ولم تؤثر العجل، ونزحت القلوب إلا من الأمن، ودفعت ما عظم وجل من الوجل. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة هي الذخر يوم الفاقة، والحق أن لا ترد يوم المحاقة، والفارط الذي قدمناه ونحن نرجو لحاقه. ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي حذر معاطب الغرور، وبصر عواقب السرور التي تليها الشرور، وأظهر كواكب الحق فهي في فلك البدور تدور، فهو الذي. لم أجر غاية فكري منه في وصفة ... إلا وجدت مداها غاية الأبد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه

стр. 2

الذين كانوا شجى في لهوات من كفر، وكان الباطل بهم دجى حتى جلوا الحق فلاح صباح الفالح بهم وسفر، وراضوا الزمان فاستقاد لهم من بعد ما تقاعس ونفر، ورآهم الزمان جمال هذه الأرض في الحياة، وبعد الممات جمال الكتب والسير، فهم الذين سجع الحمام بمدحهم وصدح، وشرح الخاطر وصفهم لما جال في سرد مناقبهم وسرح، وإياهم أراد ابن الرومي لا من خاطبه ومد المدى لما مدح، إذ يقول: آراؤكم ووجوهكم وحلومكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم صلاة لا يمل الزمان دوامها، ولا يرى الدهر انصرافها وانصرامها، ما نبت في رياض الدياجي نرجس نجوم، وراحت أطيار الدراري على نهر المجرة وهي تحوم، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد: فإن الوقوف على أخبار من تقدم، وخرب ربع عمره بالموت وتهدم، ووصف في حياته أو غادر للشعراء في رثائه لما تردى ما تردم مما تتشوق النفوس إلى الوقوف عليه، وتتشوف بجملتها إليه، فإنه: في الذاهبين الأولين لنا بصائر. وفي آثار من درج وأخباره أدلة للتأسي وأمائر، وفي التفكر في مصارعهم

стр. 3

ما يصلح الظواهر والضمائر، وقد حض القرآن على مثل هذ وحث، ورم بوعظه ما رق من القسوة ورث. والتاريخ فن لا يمله طرف مطالع، ولا يسأمه سمع مصغ ولا مراجع، ولا يخلو من يقف على التواريخ من فائدة، ولا يطوي صحفها إلا وقد حصل منها على صلة وعائدة، ولا تمر به كائنة إلا تنبه لها وأجراها على ما في ذهنه من القاعدة، وما كان التراجم في التواريخ إلا كتاب ورد من غايب، أو خبر جاء به نجاب إما بالمحاسن أو بالمعايب: فلا تبخلوا مع بعدكم بوجوهكم ... علينا ألا إن الوجوه هي الكتب فكم قد سمعنا بموجود ولم نتبين حاله، ولا عرفنا حقه ولا محاله، ولا علمنا ما تصف به من ذم أو مدح، ولا ما لاتحف به من موجب شكر أو قدح، وربما كان للإنسان قريب وقد درج، أو لزم وقد دخل هذه الدار وخرج، ولا علم له بما عامله به زمانه، ولا ما أحدث له حدثانه: وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب فإذا راجع التواريخ كان كمن شاهد من مضى، وعاين ما جرى به عليه القدر وقضى، وأنا أرى التأريخ والترجمة معاداً ثانياً في المعنى لا في الوجود، ونشراً أول قبل نشر الرفات إلا أنها لم يفض عنها ختم اللحود. وكنت قد أنفقت مدة من العمر ما وجدت لها عوضاً، ولا حسبتها إلا لمعة برق

стр. 4

أومض لي ومضى، في جمع تاريخي الكبير الذي سميته الوافي بالوفيات، وسقت فيه ذكر جمل من الأعيان من زمن النبي ﷺ وإلى زماني، ونصبت فيه نفسي دريئة لمن طعن في أو رماني، إلا أنه جاء مطولاً، وأصبح وجه مضمونه عن الاقتصار والاختصار مخولاً، فأردت بعد فراغي منه أن أقتصد وأقتصر، وأختار مما أمتار وأختص وأختصر، وأجمع تاريخاً لمن أدركه عصري وجنى ثمر غصنه هصري، وضمتني وإياه دائرة وجودي أو نقطة مصري، وكان في زماني ولم أره، أو نقل الرواة الأثبات خبره: أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تداني وتنظر للهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني وما أحسن قول الآخر: قال لي قائل لأية حال ... ترقب البدر ثم تهوى سواه قلت إما لشبه من حجبوه ... أو لأني أراه وهو يراه وابتدأت ذلك من سنة ست وتسعين وست مئة، وهي سنة مولدي، ونهلة موردي، وجذوة موقدي، وبدأة موعدي. ورتبت أسماء من فيه على حروف المعجم، وأدمت غيث فوائده الذي انسجم وجعجعت بفارس الإطناب فيه، فكر وما فكر، وحج وما أحجم. وهو شيء جمعته لنفسي لا لأحد من أبناء جنسي، وجعلته لي رأس مال، وبضاعة ضمت الحلل المرقومة

стр. 5

والبرود الأسمال، فمن رآه كثيراً وما حل من قبله محلاً أثيراً، أو قابل صفحات وجهه بالإعراض، أو أرسل سهام نظره فما أصابت منه الأغراض؛ فذاك أمر به علي قضى الباري، وشيء جرى به القلم وما هو إلا كالجبانة أزور فيها قبور أصحابي، وأتردد منها إلى أجداث أترابي وحبابي، وألتف في أكفان شيبي الذي نزل بي وأقسم أنه ما يرحل إلا بي، فقد ذكرت فيه جماعة رأيتهم وما راءيتهم، ودانيتهم حق الصحبة وما داينتهم، ورثت حبال صبري التي ورثتها لما رثيتهم، ممن انتفعت بعلومهم، ورفعت بين نجومهم، وشركت بعضهم في ماله، وتركت النظر إلى البدر لأنه ما فاز بمثل جماله، ولا حاز مثل كماله: ومعاذ الغله أن أتعزى ... عنه طول الزمان أو أتسلى فكم فيمن ذكرته من جرعني ما غصص، وجرعني رداء الصبر وقلص، وتقدم أمامي وهو يقودني إلى حفرتي بزمامي، وغادرني بعده وحيداً، وأخذ حظي معه وراح. وأهل هذا العصر يريدون شيئاً جديداً، ولله أبو عبادة البحتري حيث يقول في رثاء المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان: أأطلب أنصاراً على الدهر بعدما ... ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي مضوا أمماً قبلي وخلفت بعدهم ... أخاطب بالتأمير والي منبج والله أسأل أن يجمعنا في دار كرامته، ويمد علينا ظل لطفه ورحمته، ويجرينا على ما ألفناه وألفناه من نعمته: وإن استطع في الحشر جئتك زائداً ... وهيهات لي يوم القيامة أشغال

стр. 6

اعترضت بهذه الجملة، وزدت هم القلب هذه الحملة، فإنها من المصدور نفثة، واستراحة في نصف الطريق ممن أعيا ولبثة. وأعود إلى ما كنت فيه، وأفي له بحقه وأوفيه، فأقول: وقد كنت رأيت فيما وقفت عليه من أخبار الوزير أبي الوليد أحمد بن زيدون المغربي أنه لما كان بقرطبة وزيراً توفيت ابنته، ولما فرغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم، فقيل: إنه ما أعاد في ذلك الموقف عبارة قالها لأحد. قلت: وهذا من التوسع في العبارة والقدرة على التفنن في أساليب الكلام، وهو أمر صعب إلى الغاية، وأراه أنه أشق مما يحكى عن واصل بن عطاء وأنه ما سمع منه كلمة فيها حرف راء، لأنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة، والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهويله؛ أن واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة في معناها وليس فيها راء، وهو كثير في كلام العرب، فإذا أراد العدول عن لفظ: فرس قال: جواد أو سابح أو صافن، أو العدول عن لفظ: رمح قال: قناة أو صعدة أو يزني أو غير ذلك، أو العدول عن لفظ: صارم، قال: حسام أو لهذم أو غير ذلك، وأما ابن زيدون فأقول في حقه: إنه أقل ما كان في تلك الجنازة، وهو وزير، ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يتشكر له، ويضطر إلى ذلك فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها التشكر، وهذا كثير إلى الغاية، لا سيما من محزون فقد قطعة من كبده: ولكنه صوب العقول إذا انبرت ... سحائب منه أعقبت بسحائب

стр. 7

وقد استعمل الحريري ﵀ هذا في مقاماته، فهو في كل مرة يجتمع فيها الحارث بن همام بأبي زيد ويحتاج إلى أن يقول: فلما أصبح الصبح، تراه يعبر بعبارة عن هذا المعنى بغير عبارته الأولى، فتارة قال: فلما لاح ابن ذكاء، وألحف الجو الضياء، وتارة قال: إلى أن أطل التنوير، وحسر الصبح المنير، وتارة قال: حتى إذا لألأ الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان، وتارة قال: إلى أن عطس أنف الصباح، ولاح داعي الفلاح، وتارة قال: فلما بلغ الليل غايته، ورفع الصبح رايته، وهذا كثير في مقاماته، وهو من القدرة على الكلام، وأرى الخطيب ابن نباتة رحمه الله تعالى ممن لا يلحق في هذا الباب، فإنه أملى مجلدةً معناها من أولها إلى آخرها: يا أيها الناس اتقوا الله واحذروه، فإنكم إليه راجعون، وهذا أمر بارع معجز، والناس يذهلون عنه هذه النكتة فيه، وقد خطر لي أنا مثل ذلك عند ذكر وفاة كل من الأعيان الذين أذكرهم في هذا التأريخ، فإن اتفق لي مثل هذا فهو بحول الله وقوته، وإنقاذ الجبان من دحض هوته، وإلا فعذر المزلة في هذا المقام واضح، والإقالة من عثرته أمر راجح، وأعوذ بالله من إعجاب المرء بنفسه، وجره رداء الخيلاء وهو حقير في نوعه وجنسه. وقد سميت الكتاب عندما أردت وضعه، وقصدت تأليفه وجمعه أعيان العصر وأعوان النصر، وبالله الاستغاثة والاستعانة، وطلب الإنابة إليه في الإعانة على الإبانة والعياذة مما نحن به في هذا الزمان من الزمانة، إنه ولي الخيرات في الدنيا والآخرة سبحانه، عليه توكلت وإليه أنيب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجزء الأول

стр. 8

حرف الهمزة أباجي الأمير سيف الدين، النائب بقلعة دمشق . أول ما عرفته من شأنه وألفته من ترفع مكانه أنه كان في أعداد أمراء حلب، وصاب بعد ذلك مآله إلى دمشق والمنقلب. أظنه جاء إلى قلعة دمشق بعد موت الأمير علاء الدين مغلطاي المرتيني نائبها، وذلك في سنة تسع وأربعين وسبع مئة، وضبط أمر القلعة طبطاً تاماً، وحفظ أمرها حفظاً عاماً، خصوصاً في وقعة بيبغاروس ومن بغى معه من تلك الروس، لأنه حصنها، جمّلها بآلات الحصار وحسّنها، وصابر أولئك الغاوين، ولم يتحيز إلى فئة الباغين، فشكر لذلك مقامُه، وزاد في القلوب احترامه. وهو زوج أخت الأمير سيف الدين طشبغا الدوادارِ، وكان شيخاً طُوالاً ذا رواء، وقوامٍ يحاكي القناةَ في الاعتدال والاستواء. وقد قربَ منه الأجل

стр. 9

وتدلّى، ووصل إلى النقا ولم يبق إلا المصلى، ولم يزل على حاله إلى أن نزل من القلعة على ظهره، وانحطّ بعد الرفعة إلى قعر قبره. وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت عاشر شعبان سنة خمس وخمسين وسبع مئة. إبراهيم بن أحمد بن هلال القاضي برهانُ الدين الزرعي الحنبلي، ناب في الحكم لقاضي القضاة علاء الدين بن المنجا الحنبلي بدمشق. مولده سنة ثمانٍ وست مئة، ووفاته في نصف شهر رجب الفرد يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. لم يحصد الموت من زرعٍ له نظيراً، ولا اجتلى الناس من حوران مثله قمراً منيراً، أتقن الفروع، وبهر فيها من الشروع، وجوّد أصول الفقه وشغل فيها الناس، وأوضح لهم فيه ما حصل من الإلباس، وبرع في النحو وظهر، ومارس غوامضه ومهر، وقرأ الفرائض، وأتى فيها وحده بما لم يأتِ به ألف رائض، اشتغل في الحساب، وغني بذهنه الوقاد عن الاكتساب، وكتب المنسوب الفائق، وسلك فيه أحسن الطرائق، وكان الناس يأتون إليه بالمجلدات ليكتب عليها أسماءها، ويُزينَ بكواكب حروفه سماءها، رغبةً في حسنِ خطه ليقوم مقامَ الفواتح المذهبة، والأعمال التي هي لأهل الصنائع متعبة. ولقد كان قادراً على حكاية الخطوط المنسوبة، والطرائق التي هي عند أرباب هذا الفن محسوبة، فكم قد كمّل من مجلد انخرم، وأخمد من نار

стр. 10

صاحبه الضرم، فإذا رآه العارف لم يُنكر شيئاً من أمره، ولا علم فاسده ولو بحث فيه مدة عمره، والمكاتيبُ الشرعية إلى الآن تشهد له بحسن العلائم، وتمد لعيونِ الكتاب منها موائد وتعمل لهم فيها ولائم. وكان حسن الشكل والعمة، وافر العقل عالي الهمة، ندب في أيام الصاحب شمس الدين غبريال لنظر بيت المال، فأتبى وفكر في العقبى والمال، وكان بصيراً بالفتوى، جيد الأحكام لا يقع منها في بلوى، يتوقد ذهنه من الذكاء والفطنة، ويدرك الغوامض التي مضى الأوائل وفي قلوبهم منها إحنةً، وكان يميل إلى التسري بالأتراك، ويقع معهن في الحبائل والأشراك، فكنت أراه جمعةً في سوق الجواري، وجمعة في سوق الكتب ليجمع بذلك بني الدر والدراري. وتعلم اللغة التركية من جواريه، وتكلم بها فقل من يؤاخذه فيها لما يجاريه. هذا مع براعة في عبارته، وفصاحة في كلامه، وبلاغة في إشارته. أخذ الأصول عن العلامة كمال الدين بن الزملكاني، قاضي القضاة، وجلال الدين القزويني لما كان خطيباً، وغصن برهان الدين المذكور من الشباب رطيباً. ورأيته يحضر دروس العلامة ابن تيمية كثيراً، ويأخذ من فوائده ما شادَ به مجداً أثيلاً أثيراً، يجلس منصتاً لا يتكلف لبحث ولا يتكلم، ويرى أنه يتعلقُ بأهدافه ويتعلم، إلى أن قضى نحبه وسكن تُربه، ولقي ربه، رحمه الله تعالى.

стр. 11

وكان قد درس في الوقف الجديد الذي أوقفه الأمير سيف الدين بكتمر والي الولاة بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية، وكان درساً حافلاً حضره الأعيان في خامس عشري شوال سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودرس بالحنبليّة داخل باب الفراديس عاشر ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة، وحضره القضاة والفضلاء، وأولي نيابة الحكم في مستهل جُمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وأعاد بالمدرسة الصدرية وبالجوزية والمسمارية. إبراهيم بن أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطاء القاضي صدر الدين بن الشيخ محيي الدين البصروي الحنفي. درس وأفتى وأعاد وأعان الطلبة وأفاد، ولي قضاء حلب، وأقام بها مدةً يسيرة، فما بلغ ما طلب، ثم توجه إلى مصر وسعى سعياً شديداً وحصل بقضاء

стр. 12

حلب تقليداً، وعاد فأدركه الأجل بدمشق، وبطل قلم حياته من الحظ والمشق، وتعجّب الناس من حرضه الذي بلغ النهاية مع ما كان له بدمشق من الكفاية. وولد بصرى سنة تسع وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبعٍ وتسعين وست مئة، في حادي عشر رمضان. إبراهيم بن أحمد بن حاتم بن علي الفقيه أبو إسحاق البعلبكي الحنبلي، شيخ بعلبك. أجاز له نصر بن عبد الرزاق، وابن روزبة، وابن اللتي، وابن الأواني وابن القبيطي، وعدة. وسمع من سليمان الإسعردي، وأبي سليمان بن الحافظ، خطيب مردا. واشتغل على الفقيه اليونيني، وصحبهُ.

стр. 13

كانت له وظائف، ونسخ من العلم صحائف، كتب المغني بقلمه، وأدخله بنسخه تحت علمه، وتفقه لابن حنبل، وكان يرى أنه في مذهبه من غيره أنبل، مع تواضع، لا يترفع، ولا يتعرف إلى الكبر ولا يتفرع، يبدأ من يلقاه بالكلام، ويعامل الناس بالانقياد لهم والاستسلام، إلى أن وافاه حمامه وانمحق من بدره تمامه. وكانت ولادته في سنة إحدى وثلاثين وست مئة، ووفاته - رحمه الله تعالى - في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن يعقوب العلامة، شيخ القراء والنحاة، أبو إسحاق الإشبيلي الفافقي. شيخ سبتة، حمل صغيراً إلى سبتة، وسمع التيسير من محمد بن جوبر الراوي عن ابن أبي جمرة، وسمع الموطأ والشفا وأشياء. وأكثر عن

стр. 14

أبي عبد الله الأزدي سنة ستين، وقرأ بالروايات على أبي بكر بن مشليون، وقرأ كتاب سيبويه على أبي الحسين بن أبي الربيع. ساد أهل المغرب في لسان العرب، وبلغ من النحو غاية الأمل وأقصى الأرب، وألف كتاباً في شرح الجمل، وانتهى فيه إلى ما رامه من الأمل، ووضع مصنفاً في قراءة نافع، ونفع بذلك كل كهل ويافع، واصبح قلبُ أهل الشرق وهو خافق من التطلع إلى شيخ غافق، وسكن لما ظعن من بلده في مدينة سبتة، وقطع بها جمعه عمره وسبته، حتى قضى نحبه، وكدّر الموت من الحياة شربه. وولد سنة إحدى وأربعين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة عشرة وسبع مئة. إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن بن أحمد الشيخ الفقيه، الإمام الصالح، الخير المعمر، عز الدين العلويّ الحسيني الغرافي، ثم الإسكندري، الشافعي الناسخ.

стр. 15

سمع بدمشق سنة اثنتين وخمسين من حليمة حفيدةِ جمال الإسلام، ومن الباذرائي ومن الزين خالد. وسمع بحلب من نقيب الشرفاء، وأجاز له الموفق بن يعيش النحوي، وابن رواج، والجميزي، وجماعة. وحدث وهو ابن بضعٍ وعشرين سنة، وأخذ عنه الوجيه السبتي. كان يرترق بالنسخ، وعنده في ذلك ثبوتٌ ورسخٌ، مع زهد ونزاهة، وتقدم عند أهل الخير ووجاهة. وكان أصغر من أخيه الشيخ تاج الدين الغرّافي بعشر سنين. ولما توفي أخُوه صار هو في المشيخة مكانه، وأسمع الحديث وشيد أركانه، وولي مشيخة دار الحديث النبهيّة مكان أخيه، وسلك طريقه في تأنّيه وتراخيه. قيل: إنه حفظ وجيز الغزالي، وأحرز ما فيه من اللآلي، وحفظ

стр. 16

إيضاح أبي علي، وأصبح يسردُ ما فيه وهو مليّ، وكان معين الدين المصغوني يقوم بمصالحه، ويعينه بقضاء حوائجه ودفع حوائجه، إلى أن فرغ مدى عمره ووصل نهاية أمره. ولد بالثغر سنة ثمانٍ وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشر المحرّم سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة. وهو من ذريّة موسى الكاظم ﵁. إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي الشيخ الإمام القدوة المذكر القانت، أبو إسحاق الرقي الحنبلي، نزيل دمشق. تلا بالروايات على الشيخ إبراهيم القفصي، وصحب الشيخ عبد الصمد ابن أبي الجيش، وعني بالتفسير والفقه والتذكير، وبرع في الطب، وشارك في المعارف، وله بالوعظ إلى القلوب أيادٍ وعوارف، وكان يشير في كلامه إلى لطائف مُحركة، ويُهدي بعبادته إلى السامعين فوائد بين النفوس والتقوى مشركة، طالما أجرى دمعاً، وخرق بالموعظة سمعاً، وجر لمن انتصب له رفعاً، يهز الأعطاف إذا لفظ، ويحرك القلوب الغافلة إذا وعظ، على رأسه طاقية وخرقة صغيرة، ونفسه غنية

стр. 17

عن الملوك وإن كانت حالته فقيرة، صُنع له منزلٌ تحت المئذنة الشرقية بالجامع الأموي من دمشق، فلازمه إلى أن شالت نعامتُه، وسكنت بعد ذلك التذكار نامته. وله نظمٌ يترقرق، ونثرٌ بالبلاغة يتدفق، وربما كان يحضر السماع، ويجد الناسُ به مزيد انتفاع، وحضوره بأدب ووقار، وسكون لا تحرّكه نشوة العقار. وألف تفسيراً للفاتحة، وأتى فيه بكل فائدةٍ سانحة، وله تواليفُ ومختصرات، وتصانيف على المحاسن مُقتدرات. ولد سنة نيفٍ وأربعين وست مئة، وتُوفي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاثٍ وسبع مئة في خامس عشر المحرم، ومن نظمه: يزورُ فتنجلي عني هُمُومي ... لأنّ جلاءَ همِّي في يَديهِ ويمضي بالمسرةِ حين يمضي ... لأنّ حِوالتي فيها عليهِ ولولا أنّه يعدُ التلاقي ... لكنتُ أموتُ من شوقي إليه ومنه أيضاً: لولا رجاءُ نعيمي في دياركمُ ... بالوصلِ ما كنتُ أهوى الدارَ والوطنا إن المساكن لا تحلو لساكنها ... حتى يشاهدَ في أثنائها السكنا

стр. 18

إبراهيم بن أحمد بن ظافر القاضي برهان الدين البرلسي، بضم الباء الموحدة والراء وتشديد اللام وبعدها سينٌ مهملة. كان فقيهاً وبينَ أهلِ العلم وجيهاً، يُعين في قضاء القُضاة، ويُحبه كلّ من أهلَ مذهبه ويرضاه، وتجمّل به مذهب مالك، وتكمل به نور القمر في الليل الحالك. وكان ناظرَ بيت المال بالقاهرة، ونجوم أموال النجوم به زاهرة، ولم يزل على حاله إلى أن لقي ربّه، ونوله ما أحبه. ووفاته في شهر رمضان صفر سنة ثمانٍ وسبع مئة، وولي مكانه في نظر بيت المال القاضي نور الدين الزواوي نائب المالكي. إبراهيم بن أحمد بن أبي الفتح بن محمود القاضي الصدر شرف الدين ابن الشيخ العالم الكاتب كمال الدين ابن العطار. كان قد باشر جهاتِ أخيه عندَ موته، وهي نظر الأشراف، ونظر البيمارستان

стр. 19

الصغير، ونظر المدرسة الظاهرية، وبقي على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى في تاسع الحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. ومولده بالكرك في الجفل سنة سبع مئة، وكان شكلاً حسناً. إبراهيم بن أحمد القاضي الرئيس الكبير جمال الدين، رئيس الأطباء بالديار المصريّة، المعروف بابن المغربي، وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى في مكانه. لم يكن لأحدٍ مكانه عند السلطان الملك الناصر، ولا عُقدت على مثل سعادته الخناصر، يدخل إلى السلطان في كل يومٍ على الشمع، فيشتمل عليه بالبصر، ويصغي إليه بالسمع، ويحكي له ما جرى في بارحته عند الحريم، وما اتفق له مع آرامِ وجرة وغزلان الصريم، ويُفضي إليه بأسرارٍ لا يُودعُها سواه، ويقضي له كل ما وافق آفاق غرضه ولاءم ولائم هواه. وكان فخر الدين ناظرُ الجيش يضيق منه ذرعُه، ويذوي من سُموم تعديه عليه زرعه. وكانت إشاراته عند سائر أهل الدولة مقبولة، وطباعُهم على ما يراه من العزل والولاية مقبولة، وقل أن يكونَ يومُ خدمة وما عليه تشريف، ولا لهُ فيه أمرٌ في تجدد السعد ولا تصريف.

стр. 20

وحاول جماعة ممن هو قريب من السلطان إبعاده، وتعبَ كلّ منهم فما بلغه الله قصده ولا أتم له مراده: إذا أنت أعُطيت السعادةَ لم تُبَل ... ولو نظرت شزراً إليك القبائلَ ولم يزل على حالهِ إلى أن حشرج، ولم يكن له من ذلك الضّيق مخرج، ووصل الخبرُ إلى دمشق بوفاته في أواخرِ ذي القعدةِ سنة ست وخمسين وسبع مئة. وكان مليحَ الوجهِ ظريف اللباس، متمكناً من السلطان، أراد القاضي شرف الدين النشو أن يُنزله من عين السلطان بكل طريق فلم يتجه له فيه عمل، فعمل أوراقاً بما على الخاصَ من الدّيون من زمان من تقدمه وذكر فيه جملاً كثيرة باسم القاضي جمال الدين ابن المغربي، من ثمن رصاصٍ وبرّ وحرير وغيره، ودخل وقرأ الأوراق على السلطان، ليعلم أنّ له أموالاً متّسعة يتكسّب فيها ويتّجرُ على السلطان، وأعاد ذكر جمال الدين مرّات، فما زاد السلطانُ على أن قال: هذا القاضي جمالُ الدين، لا تؤخر له شيئاً أطلع الساعة وادفع له جميع مالهِ. وكان قد توجه مع السلطان إلى الكرك، وأقام عنده يخدم حريمه، وحظاياه وخواصّه من مماليكه وجواريه في أمراضهم. وكان يدخل إليه كلّ يوم على الشمع قبل كل ذي وظيفة راتبة من أرباب الأقلام، ويسأل عن مزاج السلطان وأحواله وأعراضه في ليلته، ثم في بقية أمراض

стр. 21

الدور والحريم والأولاد، ويسأله عن أحوال المدينة وما تجدد فيها وما لعله لوالٍ أو أمير أو قاض أو مُحتسب إلى غيرهم من الرعايا، فيُطلعه على ما عنده ويسمعه السلطانُ منه قبل الناس كلهم، وصار لذلك يُخشى ويرجى، ولا يقدرُ أحد يردُّ له شفاعة، وقل أن يمرَ يومَ خدمةٍ وما رأيته قد لبس فيه تشريفاً إمّا من جهة السلطان، أو من جهة الدّور الدولة الكبار، أو من جهة السلطان، أو من جهة بنات السلطان، أو من جهة أمراء الدولة الكبار، أو من جهة خاصكية السلطان، وهذا أمر زائد عن الحد، هذا إلى ماله من المعلوم الوافر، وأنواع الرواتب، وكل من يُزكى في الطب بالشام ومصر، وما له من الأملاك والمتاجر، ولعل هذا لم يتفق لغيره، ولا في المدة، ولا في المادة، ومع ذلك فكان مُقتصداً في نفقته على نفسه وعلى عياله، فما كان في مصر إلا قارون هذا القرن: " ورحمة ربك خيرٌ مما يجمعون ". إبراهيم بن أحمد بن محمد بن سليمان القاضي أمين الدين ابن القاضي شهاب الدين بن غانم كانت الإنشاء بدمشق، وهو من بيت رياسة وكتابة إنشاء، وسيأتي ذكر جماعةٍ من أهل بيته في هذا التاريخ، كل واحد منهم في مكانه. كان هذا أمين الدين ينظم البيتين والثلاثة، ويُجيد في بعضها لما لهُ في البلاغة من الوراثة، ويندرُ له النصف والبيت، ويُطربُ به الحي والميت، لأنه كان قريحته

стр. 22

نظامة، وموادّه من العلم ما خالطت لحمه ولا عظامه، وكانت تقع له في أثناء المحاورات ألفاظ على طريقِ الاتباع، يخلصُ من خصومه فيها بالباع والذراع، وكان خفيفَ الروح لدى المجالس، يخلط جدّ الملائك بمجون الأبالس، وله على بلوغ مآربه قدرةٌ وتمكنٌ، وفي التوصل إلى مقاصده ذلة وتمسكن، قد جبل الله على ذلك طباعه، وألف الناسُ في ذلك لطفه وانطباعه.. ولم يزل على حاله إلى أن خانت الأمينَ منيتُه، ووارت قامتهُ حنيتُه. وتوفي، رحمه الله تعالى، في بكرةِ الاثنين ثالث جُمادى الآخرة سنة إحدى وستين وسبع مئة، جوا باب الفرج بدمشق، ودفن بالصالحية من يومه. ومولدُه تقريباً في سنة سبع وتسعين وست مئة. دخل إلى ديوان الإنشاء بدمشق سنة تسعٍ وعشرين وسبع مئة. وكان والده في مدةِ مقامهِ بالديار المصرية عند القاضي فخر الدين ناظر الجيش يطلبه فيتوجه في كل سنة إلى زيارةِ والده، ويعُود على البريد بعناية القاضي فخر الدين، وكان فيه كيس ودُعابة، وعنده عشرة ولطف، وإذا كان له أربُ في شيء توصل إليه بكل طريق وناله، وإذا فرغ أربُه شرد وقطع الرسن، وما يعود يلوي على إلفٍ ولا وطن، فكنا - جماعة الديوان - نعرف ذلك منه، وأنه متلونٌ ذو استحالة. وكنتُ في وقت عزمي على الحج في سنة خمس وخمسين وسبع ومئة قد اتفق معي ومع القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام على أنه يحُجّ معنا، وأعطانا على ذلك

стр. 23

مواثيق وعهوداً، فلما حقت النهضة غاب عنا، ولم نظفر به، فلما عدت من الحج كتبتُ إليه من الطريق: أفدي الذين غدتْ محافظتي على ... ميثاقهم دونَ الورى تغيريني قالوا استحلتَ وخنتَ عهدكَ قلتَ ما ... أنا في محبتكم أمينَ الدين ذاك ابنُ غانم يَستحيلَ ويستحي ... أن لا يراه الدهرُ غير خؤون إلا أنه كان فيه كرمٌ وجود وتواضع واعرافٌ بالتقصير في فنه، وكان في وقتٍ قد كتب إلى القاضي ناصر الدين كاتبِ السرّ الشريف ونحن بمرج الغسولة أبياتاً فكتب جوابهُ القاضي ناصرُ الدين في وزنه ورويه، ومن جُملة الجواب: أيا من غدا يستوعبُ الوقتَ مدحهُ ... لنقص فعالٍ وهو قولٌ مُلفقُ إذا ما شكرتَ الله زاداكَ رفعةً ... فشكرك إياهُ شعارٌ موفق تسود أوراقاً وتكتبُ مأثما ... ويظهرُ منك القولُ وهو مُزَوّق ونظمُك عندي جوهرٌ ونظامُهُ ... بليغٌ وهذا النظمُ بالصدق أليقُ فتأذى أمينُ الدين وقال: قد تبتُ عن نظم الشعر، فكتبُ أنا إليه ارتجالاً: تاب أمينُ الدين من نظمه ... وخلصَ الأقوام من ذمهِ فقال لا عُدتُ إلى مثلها ... فقلتُ لم تهربُ من سهمهِ فقال لي والله لو أنه ... مسك لما ملتُ إلى شمهِ فقد كفى ما نلته من أذىٍ ... وما التقى قلبي من همهِ وكتب إليه القاضي ناصرُ الدين أيضاً في ذلك: إن كان قد تاب بلا مرية ... وأحسنَ التوبة من جرمه

стр. 24

وقدمَ الإخلاص في فعلهِ ... وقوله دل على حزمه منها: وإن أعاد القولَ فيما بدا ... منهُ ولاح الزيف في نظمه فإنني مستأنفٌ همةً ... في منعه القولَ وفي ذمهِ وكتبت أنا إيه أيضاً: إنّ أمينَ الدّين مذ تابا ... أغلق للأبواب أبواباً وكانت الأعطافُ من نظمهِ ... ونثره تهتزُ إعجاباً وكيف ينسى لذةً طالما ... دار لها بالكعبِ دولاباً ما زال مذ شبّ على نظمهِ ... حتى رأينا رأسهُ شاباً وذهنُهُ في كل معنى إذا ... حاولهُ يسبق نشاباً فإن يكن أمسى غشيماً كما ... يزعُم أعطيناهُ ركاباً وكتب أمين الدين إلي، وقد تخلفتُ عنهم في بعض السفرات إلى مرج الغسولة: خليلي ما المرجُ الخصيب بطيبٍ ... إذا لم ير إبراهيمُ وجهَ خليله وما هو إلا مارجٌ بعد بعده ... ولو زارهُ جال الندى بنخيله وكتب إلي وقد حصل لي يرقان: حاشاك من ألمٍ ألمّ بمهجة ... قد مسها ألم من اليرقان

стр. 25

وكفيت كل ملمةٍ ومخافةٍ ... ولبستَ ثوبَ سلامةٍ وأمان متمتعاً متنعماً في جلقِ ال ... فيحاء ذاتِ جنى وجنان وترى بها أترابها وكواعباً ... بخدُودهنّ شقائقُ النعمان يا أوحداً في جيله بجميلهِ ... كم في فنون فناك من أفنان منذا يضارع بحر شعرك في الورى ... يا خبرَ علم مالهُ من ثانِ وكنت قد كتبتُ أنا إليه جواباً من رحبة مالك بن طوق في سنة ثلاثين وسبع مئة: كتابك نورٌ صُنته بجفوني ... وتاجُ علاً أعددتهُ لجبيني أتاني فلا والله ما احتجتُ بعده ... إلى أن تُقر الحادثاتُ عُيوني ونفسَ من ضيقٍ برحبة مالك ... أكابدُه من لوعةٍ وحنين فما الطرف إذا أبصرتهُ بمسهد ... ولا القلبُ إذ عاينته بحزين تغازلين ألفاظهُ في سطوره ... بسحر معانٍ من لواحظ عينِ أنظر في منثوره مُتنزهاً ... فأشهدَ سجع الورق فوق غُصونِ غدوت أمين الدين بالفضل باديا ... وفزتَ بسبق في العلاء مُبين بعثتَ مثالاً ما ظفرتُ بمثله ... وحسبك من حسنٍ بغير قرين فما كل حسن مثله بمكمل ... ولا كل در مثله بثمين بضائعه تجلو علينا محاسناً ... ولستَ على هذا أشتاتَ الفضائل دوني أضعتُ أنا فضلي واصبحَ حافظاً ... وكيفَ يضيع الفضل عند أمين

стр. 26

إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليُسر شاكر بن عبد الله الشيخ الأصيل تقي الدين التنوخي. كان من جُملة الشهود، وهو كثير السكون، قليل اللام. سمعَ من السخاوي، وابن قُميرة، وعز الدين بن عساكر، وتاج الدين القرطبي، وغيرهم. قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه مشيخة ابن شادان الكبيرة وغيرها. وتوفي رحمه الله تعالى سابع جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون. إبراهيم بن منير الشيخ الصالح الزاهد العابد البقاعي، المعروف بابن الصياح. كان من كبار الصُلحاء الأخيار، وممن يتفتت المسك حسداً إذا ذكرت عنه الأخبار، له سيماء الولاية، وعليه طلاوة القُرب والعناية، انعزل عن الناس، ووجد

стр. 27

في الوحشة الإيناس، انجمع فامتدت له المعارف، وانخزل فأجزلت له العوارف، وكان متوحشاً من نوعه، نافراً عن الذي لا يراه في طوعه، يمشي في الجامع كأنه مُريب، وينفر حتى تقول: هذا غريب، لا يأنس بإنسان ولا يتألف بإحسان، من رآه قال: هذا طافح السكرة، لافح الجمرة، سافح العبرة، جامح الخطرة إلى الحضرة، جانح الفكرة إلى الخلاص من العثرة. ولم يزل على حاله إلى أن دعاه مولاه فأسرع، واخضر له القبر فأمرى وأمرع. وتوفي رحمه الله تعالى في أول ليلة الأربعاء مستهل المحرم، سنة خمس وعشرين وسبع مئة. وحمله الناس على الأعناق والرؤوس والأصابع، ودفن بمقابر باب الصغير، وسبب موته أنه استدفأ بمجمرةٍ فاحترق، ودخل حجاب المنون واخترق، وكان له بيت في المئذنة الشرقية يأوي إليه، وكان كثيراً ما يقول: يا دائم المعروف، يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً، يا الله. ورثاه الأديب جمال الدين محمد بن نباتة بقوله: على مثلها فلتهم أعيُننا العبرى ... وتطلق في ميدانها الشهبَ والجمرا فقدنا بني الدنيا فلما تلفتت ... وجوهُ أمانينا فقدنا بني الأخرى لفقدك إبراهيم أمست قلوبنا ... مؤججة لا برد في نارها الحرى وأنت بجنات النعيم مُهنأ ... بما كنت تُبلي في تطلبه العُمرا

стр. 28

عريتَ وجوعتَ الفؤاد فحبذا ... مساكنُ فيها لا تجوعُ ولا تعرى بكى الجامعُ المعمورُ فقدك بعدما ... لبثت على رغم الديار به عُمرا وفارقتهُ بعد التوطن سارياً ... إلى جنة المأوى فسبحانَ من أسرى كأن مصابيحَ الظلام بأفقه ... لفقدك نيرانُ الصبابةِ والذكرى كانَ المحاريبَ القيام بصدره ... لفرقة ذاك الصدرِ قد قوست ظهراً مضيتَ وخلفت الدّيار وأهلها ... بمضيعةٍ تشكو الشدائد والوزرا فمن لسهامِ الليل بعدك إنها ... معطلة ليست تراشُ ولا تبرى ومن لعفافٍ عن ثراءٍ ثنى الورى ... عبيدَ الأماني وانثنيت به حراً سيعلم كل من ذوي المال في غدٍ ... إذا نصبَ الميزانُ من يشتكي الفقرا عليك سلامُ الله من متيقظٍ ... صبورٍ إذا لم يستطع بشرٌ صبرا ومن ضامر الكشحين يسبق في غدٍ ... إلى غايةٍ من أجلها تُحمد الضمرا أيعلم ذو التسليك أنّ جفوننا ... على شخصهِ النائي قد انتثرت درا وأن الأسى والحزنَ قد جال جولةً ... فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى ألا ربّ ليل قد حمى فيه من وغى ... حمى الشام والأجفانُ غافلةٌ تكرى إذا ضحك السمار حجب ثغره ... كذلك يحمي العابدُ الثغر والثغرا إلى الله قلباً بعده في تغابنٍ ... إلى أن أرى صف القيامة والحشرا لقد كنتُ ألقاهُ وصدري محرج ... فيفتحُ لي يسرا ويشرحُ لي صدراً والثمُ يُمناه وفكري ظامئ ... كأني منها ألثمُ الوابل الغمرا أمولاي إني كنت أرجوك للدعا ... فلا تنسني في الخلد للدعوة الكبرى سقى القطرُ أرضاً قد حللت بتربها ... وإن كنت أستسقي بتربتك القطرا

стр. 29

إبراهيم شاه بن بارنباي هو إبراهيم شاه، وجده سوتاي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف السين. لما فتل طغاي بن سوتاي، على ما يأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، قام ابنُ أخيه إبراهيم شاه هذا مقامهُ في الحكم على ديار بكر من جعة المُغل، فتزوج ابنة الملك الصالح شمس الدين صاحب ماردين، ومقامهُ بالموصل، وكان يُظهر المودة لصاحب مصر ويبوء بخلاف ذلك بالإثم والإصر مكراً منه ودهاءً، وفخراً بذلك على غيره وبهاءً. وكانت رسله تفد على الأبواب الشريفة، وتعود إليه بالهدايا والتحف الظريفة، وهو يدعي أنه من جملة من وادها، وقام على من عاداها في وقتٍ أو حادها، فتصل إليه التشاريف الثمينة، والكتب التي تتنزل منها على قلب مثله السكينة. وكان قد قتل عمه طغاي في بعض حُروبه التي اتفقت، وسألت سيول وقعتها واندفقت، ولما وقف عليه قتيلاً نزل إليه وبكى، وحط رأسه على حجره واتكا، واعتذر إليه، وذلك يجود بنفسه إلى مكان رمسه. لا جرم أن إبراهيم شاه

стр. 30

ما تهنا بعده، وزار عن قريب لحده، لأنه مرض بالفالج وما نجع فيه مداواة طبيبٍ ولا مُعالج، وبقي قريباً من سنتين على جنبه مُلقى، لا يترفع على عافيةٍ ولا يترقى. وقيل: إن الشيخ حسن بن هندو حاكم سنجار دسّ عليه من سمّه، وأعدمه نسيم الحياة وشمّه. وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. إبراهيم بن بركات بن أبي الفضل الشيخ الصالح أبو إسحاق الصوفي البعلبكي الحنبلي المعروف بابن قربشة. أحد الإخوة، شيخ الخانقاه الأسدية بدمشق، وإمام تربة بني صصرى. سمع من ابن عبد الدائم، وعلي بن الأوحد، وابن أبي اليسر، وأبي زكريا بن الصيرفي وغيرهم. وروى الكثير، واشتُهر، وسمع منه جماعة، وأجاز لي بخطّه في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة بدمشق. كان شيخاً ذا شيبة منورة، وشكالة بالمهابة مسورة، حسن المُلتقى لمن يعرفه،

стр. 31

كثير الإنصاف لمن اجتمع به وإن كان ما يُنصفه، حلو المذاكرة، ظريفَ المحاضرة، قد صحب المشايخ ورآها، ودخل غاب أسدهم وعراها، عليه أنسُ الفقراء، وحشمة الأمراء. روى عنه علمُ الدين البرزالي في حياته، وغيره. وعاش هو من بعد ذلك وما انقطع سيره، ولم يزل على حاله إلى أن لبس كفنه، ولحدهُ اللاحدُ ودفنهُ. ولد سنة ثمانٍ وأربعين وست مئة، وتُوفي، رحمه الله تعالى، سنة أربعين وسبع مئة بجبل الصالحية. إبراهيم بن أبي بكر بن عبد العزيز شمس الدين الكتبي الجزري، المعروف بالفاشوشة، ويُعرف بابن شمعون. كان يّذكر أنّه سمع من فخر الدين بن تيمية. كان يتجر بالكتب باللبادين، ويدخر منها كل ما يطلبه من عاج إلى ملة أو مال إلى دين. وكان يتشيع، ويرى أن عرفه بذاك يتضوع وهو يتضيع. احترقت كتبه في حريق اللبادين المشهور، وذهب له في ذلك خمسة آلاف مجلدة على ما هو مذكور، ولم يبق له إلا ما هو في العرض، أو في العارية التي رمق منها عيشه على برض.

стр. 32

توجه في أيام الكامل بن العادل إلى مصر في تجارة، واتفق أن حضرت بنت بوري المغنية مجلس الكامل وغنت: يا طلعة القمرِ المنيرِ ... من جورِ هجرك من مُجيري فأعجبَ السلطانَ ذلك، وطلب الزيادةَ عليه، فتوجهت إلى شمس الدين المذكور، وسألتهُ الزيادةَ على ذلك، فنظم لها: قسماً بديجُور الشعور ... وبصُبُح أسفارِ الثُّغورِ وبأسمرٍ حُلوِ المعا ... طفِ واللمى أمسى سميري ما للصوارم والقنا ... فعلُ اللواحظِ في الصدور فحضرت عند السلطان وغنّته بالأبيات فأعجبه ذلك، وأطلق لها كل ما في المجلس، ثم إنّ شمس الدين عرض له مرض، فنقلته ابنة بُوري إلى دارها وخدمته إلى أن عوفي، فقالت له: كل ما في هذا البيت هو من إحسانك، وحكت له ما جرى، ومن شعره: قالوا به يبسٌ وفرط قساوةٍ ... وكأنّه في الحالتين حديدُ فأجبتهم: كذباً وميناً قُلتُم ... من أين يشبه طبعه الجُلمود ومياهُ جلقَ كلَّها مُنحازةٌ ... في بعضه فهو الفتى المحمود ألفاظه بردى وصُورة جسمه ... ثورا وأمّا كذبه فيزيد ولد سنة اثنتين وست مئة، وتوفي سنة سبع مئة.

стр. 33

إبراهيم بن أبي بكر بن أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن محمد بن علي القاضي شمس الدين أبو إسحاق ابن قاضي القضاة نجم الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين، ابن قاضي القضاة شمس الدين بن سنا الدولة. كان مدرس الركنية بدمشق، وعنده انقطاعٌ ومحبةٌ للفقراء. روى عن خطيب مردا، وسمع من الفقير محمد اليونيني. وتوفي رحمه الله تعالى ثامن شهر ربيع الأول سنة عشر وسبع مئة. ومولده تقريباً سنة ثمان وأربعين وست مئة. إبراهيم بن حباسة القاضي سعد الدين، مستوفي دمشق وحلب وصفد. كان مليحَ الشكالة، سديد المقالة، درب صناعة الديوان وخبرها، وتمم نقصها وجبرها، وكان - كما كان يُقال - يداً وفكاً، ونحريراً لا يرى النقاد فيه شكاً. ولي استيفاء صفد مدةً، ورأى فيها من السعادة ضُروباً عدة. وتوجه إلى باب السلطان في واقعة سنجر الساقي، وانتصر عليه، وجعل رُوحه في التراقي. ثم إنه نُقل إلى استيفاء حلب، فامترى فيها ضُروع السعادة وحلب، ثم نُقل إلى

стр. 34

استيفاء النظر بدمشق، وهو على سعده مقيم، وحظه الزائد يستغني عن التقويم، إلى أن فوز، وحصل على ما تحوز. وتوفي رحمه الله تعالى، في ثلاث عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. كان أولاً نصرانياً، وباشر عمالة خان سلار لما عمره الجاولي. قال لي: حصلت فيه خمسين ألف درهم. ثم إنه أسلم وعلم استيفاء صفد، ورأى فيه خيراً كثيراً، ولما وقعت فتنة علم الدين سنجر الساقي بينه وبين الأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد، جهزه إلى مصر، فانتصر الساقي عليه قدام السلطان، وجهز الجميع إلى عند تنكز نائب الشام، فتأخر بعده ولحقه، ودخل إلى تنكز وحاققه، فنصره الله عليه. وعاد إلى صفد وأقام مدّة، ثم إنه رُسم له بحلب فتوجه إليها وأقام مدّة، ثم جهز إلى دمشق مستوفي النظر، فأقام بها مدّة إلى أن مات. إبراهيم بن الحسين بن صدقة بن إبراهيم شرف الدين أبو إسحاق البغدادي المخرمي الدمشقي. سمع من ابن اللتي، وأبي نصر بن عساكر، وأبي الحسن بن مقير، ومُكرم بن أبي الصقر، وجعفر الهمداني.

стр. 35

وأجاز له ابن صباح والناصح وأبو الوفاء محمود بن منده. تفرد وروى الكثير وعُمر دهراً، وأصفت له الحياة الشهية نهراً، وكان حسن الأخلاق، تزكو محاسنه على الإنفاق، يؤم في مسجد، ويغير في التسميع وينجد، إلى أن نزل ضريحهُ، وسكن الموتُ ريحه. ولد سنة أربع وعشرين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسعٍ وسبع مئة. إبراهيم بن الحسن بن علي بن عبد الرفيع الرَّبَعي المالكي قاضي تونس. سمع من محمد بن عبد الجبار الرعيني سنة خمس وخمسين كتاب البخاري عن أبي محمد بن حوط الله، وذكر أنه سمع الموطأ عن ابن حوط الله عن أبي عبد الله بن زرقون، قال: وسمعت أربعين السلفي على الفقيه عُثمان بن سفيان التميمي سنة

стр. 36

ثمانٍ وخمسين عن الحافظ ابن المفضل، وسمعت مقامات الحريري عليه أنا وابن جبير عن الخشوعي. كان بمدينة تونس قاضياً، وبما قُسم له في العلم راضياً، ينتقي وينتخب، ويدخر أجره عند الله ويحتسب. اختصر كتاب التفريغ، وسماه السهل البديع، والكتاب المذكور لابن الجلاب في مذهب مالك. وعمر زمناً طويلاً، ووجدت مدةُ حياته إلى الطول سبيلاً، إلى أن اجتحفه سيل المنية، وقطع من السير لذته الهنية. ولد سنة ست وثلاثين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. إبراهيم بن خالد بن عباس الأنصاري الدمشقي الأمير جمال الدين بن النحاس. كان رجلاً عارفاً بالسعي والتقدّم، والتعمير والتهدمِ، قفز من سوق النّحاس إلى أن صار تُفدى كفه وتُباس.

стр. 37

وتولى بدمشق ولاية الحرب، وتحدّث في الوصل والقطع والضرب، ولم يزل إلى أن ضعف باصُره، وقل في ذلك ناصُره، وناب عنه ولدُه مدة إلى أن عمي، وجاش صدره بالحقد وحمي، فعزل عن الولاية، وذهبت تلك العناية، ثم إنه لبث مدّة إلى أن ما حمل النحاسُ التطريق، وغص وهي في حلقومه بالريق. وتوفي رحمه الله تعالى عاشر ذي العقدة سنة ثلاثة عشرة وسبع مئة. كان أولاً هو وأبوه من سُوق النحاس بدمشق. وكان يخدم الأمراء، وبالغ في خدمة الأفرم قبل النيابة، فلما تولى النيابة تولى مدينة دمشق في ولاية الحرب، وكان له ثروة وأملاك وسعادة، ولم يزل إلى أن ضعف بصره وناب عنه ولده إلى أن عمي فعزل، ولزم بيته إلى أن مات. إبراهيم بن صابر مقدم الدولة، عهدي به مقدمُ الدولة في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وأظنه كان فيها من قبل ذلك. وكان السلطان الملك لناصر مُحمد بن قلاوون يُعظمه ويطلبه وهو في دستة دار العدل، ويقول: يا إبراهيم تعال، فيجيء إليه ويدينه حتى يضع فمه في أذنه، ويُسر إليه ما يأمره به، ومثلُ الأمير سيف الدين الأكوز الآتي ذكره إن شاء الله واقف، حتى صارت أرفع من الحجاب ومن غيرهم.

стр. 38

وكان ضخماً طويلاً عارفاً بما يعانيه من التقدم نبيلاً، ابتز الناسَ أموالهمُ في المصادرات، وتناولها في الأوائل والمبادرات. فحصل أموالاً جمة، وأملاكاً ما حصلها قبله ذو هّمة ورتبه السلطان وعشرةً من رجاله يمشُون في ركاب شرف الدين النشو ناظر الخاص لما جُرح تلك الجراحة، وكان لا يُؤذن الفجر إلا وهو في رجاله على الباب، فإذا ركبَ كانوا معه إلى أن يدخل القلعة، وإذا نزل منها مشوا في ركابه إلى أن يدخل بيته، هكذا أبداً في السفر والحضر، وكلنه بعد ذلك تسلمه عند غضب السّلطان عليه، فكان يُعاقبه ويضربه، فيقولك يا مُقدّم إبراهيم، فيتعذر إليه بأنّه مأمور. ومات هو وجماعة من أهله وجماعةٌ من المصادرين تحت مقارعه، إلا أنه مع ضخامته وطوله لم يكن فظاً غليظ القلب، بل كان فيه رحمةٌ ورفق بالضعيف، واصطناعٌ للمسكين، وإيثارٌ للفقير، ولم يزل على حاله في الوجاهة مدّة حياة السلطان الملك الناصر، وأقام بعده، لكنه ليس في تلك العظمة إلى أن توفي في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، والظاهر أنّه نُكبَ قبلَ موته وصُودر، والله أعلم. إبراهيم بن سليمان ابن الشيخ الإمام العالم رضي الدين الحموي الآب كرمي. نسبة إلى آب كرم، بليدة صغيرة قريبة من قونيه كثيرةُ الفواكه - الرومي الحنفي المعروف بالمنطقي.

стр. 39

كان شيخاً عليه وقار، ومهابةٌ لا يعتريها احتقار، أبيضَ الشيبة طويلها، حسن الطلعة أسيلها، يعرف المنطق جيداً، ويدعى فيه سيداً، وتفرد بهذا الفنّ في زمانه، وكأنه فيه أرسطو أوانه، وكان لينَ العريكة، كأنه من سهولته تريكة، محسنَ إلى الطلبة والتلاميذ والأصحاب، باذل البشر لمن أمه يتلقاه بالترحاب. وكان ديناً، خيراً أميناً، حج سبع مرات، ونال ما قدره الله له فيها من المبرات، ولم يزل على حاله إلى أن خرس المنطقي، وأتاه ما كان يرتقب ويتقي. وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة سادس عشري شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وحضر جنازته جماعة. وقرأ عليه جماعة من الأعيان والأفاضل، وكان مدرس القايمازية التي تحت القلعة، وتولاها بعده قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي. إبراهيم بن سليمان بن أبي الحسن بن ريان القاضي كمال الدين ابن القاضي جمال الدين الطائي، وسيأتي ذكر والده في مكانه إن شاء الله تعالى. كان من جملة موقعي حلب، ووقع في الدست قبل موته بقليل. وكان يكتب المنسوب الرائق، ويراعي فيه الأصل الفائق، فتخالُ طروسه حدائق ونباتاً في

стр. 40

خدي غلام مراهق، وتظن أنها برود يمانية وليست مهارق، وكان يُعرب جيداً ويُغرب، ويأتي بما هو أغرب من عنقاء مغرب، إلا أن الأجل تحيف كماله، وأدخل على ألف قدةِ من المنون الإمالة. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده بصفد في حُدود العشرين وسبع مئة فيما أظن. وكتبت إلى أخيه القاضي شرف الدين حُسين أعزّيه فيه، وأوّل الكتاب قصيدة، وهي: تعزَّ يا باهر السناء ... وطيّبَ الأصل والثّناء واصبر لتحظى بخير حظّ ... من غير حضًّ يومَ اللقاء واثبت لفقدِ الكمال يا منْ ... كماله خافق اللواء أكرم به من أخٍ كريم ... قد فاق في الفهم والذكاء مكمل الذات قد تجلّى ... بالحلم والعلم والوفاء يُمناه كم قد برت يَراعاً ... كأنّه السيف في المضاء ووشعت طرسها ووشت ... بالزهر من أحرف الهجاء غلطت فيما أراه حقاً ... إذ ليس والزهرُ بالسواء لأن زهر الرياض يذوي ... وذا يُرى دائَم الرِّواء
следующие страницы →