Полный текст (3 514 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثمانٍ وخمسين عن الحافظ ابن المفضل، وسمعت مقامات الحريري عليه أنا وابن جبير عن الخشوعي.
كان بمدينة تونس قاضياً، وبما قُسم له في العلم راضياً، ينتقي وينتخب، ويدخر أجره عند الله ويحتسب.
اختصر كتاب التفريغ، وسماه السهل البديع، والكتاب المذكور لابن الجلاب في مذهب مالك.
وعمر زمناً طويلاً، ووجدت مدةُ حياته إلى الطول سبيلاً، إلى أن اجتحفه سيل المنية، وقطع من السير لذته الهنية.
ولد سنة ست وثلاثين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن خالد بن عباس الأنصاري
الدمشقي
الأمير جمال الدين بن النحاس.
كان رجلاً عارفاً بالسعي والتقدّم، والتعمير والتهدمِ، قفز من سوق النّحاس إلى أن صار تُفدى كفه وتُباس.
стр. 37
وتولى بدمشق ولاية الحرب، وتحدّث في الوصل والقطع والضرب، ولم يزل إلى أن ضعف باصُره، وقل في ذلك ناصُره، وناب عنه ولدُه مدة إلى أن عمي، وجاش صدره بالحقد وحمي، فعزل عن الولاية، وذهبت تلك العناية، ثم إنه لبث مدّة إلى أن ما حمل النحاسُ التطريق، وغص وهي في حلقومه بالريق.
وتوفي رحمه الله تعالى عاشر ذي العقدة سنة ثلاثة عشرة وسبع مئة.
كان أولاً هو وأبوه من سُوق النحاس بدمشق. وكان يخدم الأمراء، وبالغ في خدمة الأفرم قبل النيابة، فلما تولى النيابة تولى مدينة دمشق في ولاية الحرب، وكان له ثروة وأملاك وسعادة، ولم يزل إلى أن ضعف بصره وناب عنه ولده إلى أن عمي فعزل، ولزم بيته إلى أن مات.
إبراهيم بن صابر
مقدم الدولة، عهدي به مقدمُ الدولة في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وأظنه كان فيها من قبل ذلك.
وكان السلطان الملك لناصر مُحمد بن قلاوون يُعظمه ويطلبه وهو في دستة دار العدل، ويقول: يا إبراهيم تعال، فيجيء إليه ويدينه حتى يضع فمه في أذنه، ويُسر إليه ما يأمره به، ومثلُ الأمير سيف الدين الأكوز الآتي ذكره إن شاء الله واقف، حتى صارت أرفع من الحجاب ومن غيرهم.
стр. 38
وكان ضخماً طويلاً عارفاً بما يعانيه من التقدم نبيلاً، ابتز الناسَ أموالهمُ في المصادرات، وتناولها في الأوائل والمبادرات. فحصل أموالاً جمة، وأملاكاً ما حصلها قبله ذو هّمة ورتبه السلطان وعشرةً من رجاله يمشُون في ركاب شرف الدين النشو ناظر الخاص لما جُرح تلك الجراحة، وكان لا يُؤذن الفجر إلا وهو في رجاله على الباب، فإذا ركبَ كانوا معه إلى أن يدخل القلعة، وإذا نزل منها مشوا في ركابه إلى أن يدخل بيته، هكذا أبداً في السفر والحضر، وكلنه بعد ذلك تسلمه عند غضب السّلطان عليه، فكان يُعاقبه ويضربه، فيقولك يا مُقدّم إبراهيم، فيتعذر إليه بأنّه مأمور.
ومات هو وجماعة من أهله وجماعةٌ من المصادرين تحت مقارعه، إلا أنه مع ضخامته وطوله لم يكن فظاً غليظ القلب، بل كان فيه رحمةٌ ورفق بالضعيف، واصطناعٌ للمسكين، وإيثارٌ للفقير، ولم يزل على حاله في الوجاهة مدّة حياة السلطان الملك الناصر، وأقام بعده، لكنه ليس في تلك العظمة إلى أن توفي في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، والظاهر أنّه نُكبَ قبلَ موته وصُودر، والله أعلم.
إبراهيم بن سليمان
ابن الشيخ الإمام العالم رضي الدين الحموي الآب كرمي.
نسبة إلى آب كرم، بليدة صغيرة قريبة من قونيه كثيرةُ الفواكه - الرومي الحنفي المعروف بالمنطقي.
стр. 39
كان شيخاً عليه وقار، ومهابةٌ لا يعتريها احتقار، أبيضَ الشيبة طويلها، حسن الطلعة أسيلها، يعرف المنطق جيداً، ويدعى فيه سيداً، وتفرد بهذا الفنّ في زمانه، وكأنه فيه أرسطو أوانه، وكان لينَ العريكة، كأنه من سهولته تريكة، محسنَ إلى الطلبة والتلاميذ والأصحاب، باذل البشر لمن أمه يتلقاه بالترحاب. وكان ديناً، خيراً أميناً، حج سبع مرات، ونال ما قدره الله له فيها من المبرات، ولم يزل على حاله إلى أن خرس المنطقي، وأتاه ما كان يرتقب ويتقي.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة سادس عشري شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وحضر جنازته جماعة.
وقرأ عليه جماعة من الأعيان والأفاضل، وكان مدرس القايمازية التي تحت القلعة، وتولاها بعده قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي.
إبراهيم بن سليمان بن أبي الحسن بن ريان
القاضي كمال الدين ابن القاضي جمال الدين الطائي، وسيأتي ذكر والده في مكانه إن شاء الله تعالى.
كان من جملة موقعي حلب، ووقع في الدست قبل موته بقليل. وكان يكتب المنسوب الرائق، ويراعي فيه الأصل الفائق، فتخالُ طروسه حدائق ونباتاً في
стр. 40
خدي غلام مراهق، وتظن أنها برود يمانية وليست مهارق، وكان يُعرب جيداً ويُغرب، ويأتي بما هو أغرب من عنقاء مغرب، إلا أن الأجل تحيف كماله، وأدخل على ألف قدةِ من المنون الإمالة. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده بصفد في حُدود العشرين وسبع مئة فيما أظن.
وكتبت إلى أخيه القاضي شرف الدين حُسين أعزّيه فيه، وأوّل الكتاب قصيدة، وهي:
تعزَّ يا باهر السناء ... وطيّبَ الأصل والثّناء
واصبر لتحظى بخير حظّ ... من غير حضًّ يومَ اللقاء
واثبت لفقدِ الكمال يا منْ ... كماله خافق اللواء
أكرم به من أخٍ كريم ... قد فاق في الفهم والذكاء
مكمل الذات قد تجلّى ... بالحلم والعلم والوفاء
يُمناه كم قد برت يَراعاً ... كأنّه السيف في المضاء
ووشعت طرسها ووشت ... بالزهر من أحرف الهجاء
غلطت فيما أراه حقاً ... إذ ليس والزهرُ بالسواء
لأن زهر الرياض يذوي ... وذا يُرى دائَم الرِّواء
стр. 41
فما له ابن الوحيد ثانٍ ... في صحّه الوضع والصفاء
إعرابه ساد في البرايا ... إذا شاد محكم البناء
طار ابن عصفورَ منه خوفاً ... لما تعرى منه الكسائي
وكان غصناً رطباً ثناه ال ... ردى إلى روضة البقاء
وراح غضاً خفيف حملٍ ... من الخطايا يوم الجزاء
وليس مثل الذي رثاه ... عنيت نفسي ذاتَ الشقاء
ستون عاماً كانت أمامي ... لم أدرِ حتى غدت ورائي
وأثقلت بالذنوب ظهري ... وأسمعتني داعي الفناء
دع ذا فخطبي به جسيم ... جلّ وعد بي إلى الرثاء
كان جميلَ الصفات فرداً ... في الجهر منه وفي الخفاء
وجملةً الأمر فيه أني ... أقولُ قولاً بلا رياء
إن فراق الكمالِ صعبٌ ... حتى على البدر في السماء
وكان هو قد كتب إلي من حلب في أوائل سنة خمس وخمسين وسبع مئة: يُقبلُ الأرض التي هي من براعته ويراعته مجمعُ البحرين، ومن لفظ وخطه مغاصُ النفيسين من الدرين، فأضحت بذلك في الشام شامة، وغدا برقُ فضلها لامعاً لمن شامه. وينهي بعد أشواق تفيء سطور الطروس في غضونها وأثنيةٍ تستنزل الورق بأطواقها من غصونها.
إنه ما برح يتذكر مولانا وفوائده ويشاهدها، ويتعاطى نشوة فضّ الختام وبتعاهدها، ولم يزل له من أمثلة مولانا الواردة إلى أخبي الملوك كؤوسُ مدام، ولها
стр. 42
من ميم مسك قصيدته الميميّة ختام، ومن مخبآت شرح اللامية عرائسُ تجلى على الأفهام، وإنما أماكنُ تحتاج إلى مُقابلةٍ على النسخة الأصلية، ومواطنُ لم تكن مرآتها في قراءتها جلية، وتتّمات تركت فعسلت مطالعها إذ كانت من الكتابة خليّة، فاختار المملوك حيث اسمه إبراهيم أن يطرب بنوبته في نُسخته الخليلية، فإن اقتضى رأيُ مولانا أن يُنعم بتجهيز النسخةِ الصحيحة الكاملة ليقابل عليها نسخته التي حرمها الكاتب ما يجب من المقابلة، ومنعها من جبرها بالتصحيح فاستحقّ المقابلة، ليُحكم المملوك جوهري معانيها الصّحاح، ويُزيل تعجبه من فساد هذه النسخة المنسوبة إلى الصلاح، وإن تعذر تجهيزها جملةً فليكن مجلداً بعد مجلد ليقابلَ عليها ويعيدها إلى خليله، والعودُ أحمد إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا إليه الجواب ارتجالاً من رأس القلم:
لا يُنكر الناسُ قطُّ شوقي ... إلى كمالٍ حوى المعالي
فالبدر أفنى الظلام سيراً ... ليرزق الفوز بالكمال
يقبلُ الأرض حيثُ ابن مقلة لتلك الكتابة شاخص، والفاضل لذلك الترسل ناقص، والميداني لتلك البلاغة على عقبيه ناكص، تقبيل من زكا ودّة، وتأكّد في المحبة عهدُه، وتجّدد في الثناء على مرّ الزمان وردُه، وعذُب في الدعاء وردُه، فما نبع إلاّ
стр. 43
وأينع بالإجابة وردُه، ورود المشرب الذي حلا، وغلا قدرهُ في البلاغة وعلا، وشاع ذكره لما ملأت محاسنه الملأ، واتضح معناه في ليل سطوره التي أسدفت فقال أنا ابن جلا، وضمه إلى صدره فشفى به عليل مهجته، ورفعه على ناظره فقضى له بتجديد بهجته، وفضه عن طروس فضة، أو الدراري الثابتة في أوجها لا المنقضة، فسرهُ إذ فسره، وصدق بمعجز آياته لما تصوره، وشنفه وقلّه وسوره، وورد منهل فضله المصفى، ورأى ما لو رآه الخياط لمزق حلل الرفّا، وعلم أنّ الكتاب من قبله في نقص وإبراهيم الذي وفى، وقال: هذا الفن الفذ الذي مات، وما رآه أبو حيان في جيانا، وهذه الفضائل التي ضوع رياها بنو ريان، وهذا النثر الذي شكا الفقر إليه صاحب القلائد، وهذا السجع الذي لا يتطاول إلى قصوره أصحاب البيوت ولا أرباب القصائد، وهذا البيان الذي حملقت إليه عين الجاحظ، وهذا البديع الذي لاق بالأسماع وراق في اللواحظ، وهذا وهذا وهذا، إلى أن لم نجد للوصف ملجأ ولا للعطف ملاذاً.
وانتهى إلي ما أشار إليه مولانا من شرح اللامية التي في خدمته، والنسخة التي أسقمها الناسخ وساقها إلى حوزته، وما تحتاج إليه مع جبر مولانا من المقابلة التي يصحّ ما بها من السقم، ويسلك بها من الصواب أرشد نعم، وقابل المملوك ذلك
стр. 44
بالامتثال، وتحقق أنّ ذلك من جملة الإحسان والشفقة على المملوك حتى لا يُنسبُ إليه جهل ولا نقصان، والمملوكُ مُعتقد في فضائل مولانا ما يغنيه عن ذلك، ولو أمعن النظر في أغلاطها، وأنعم بجوده التأمل لضوا ليلها الحالك، وجعلها في الصحة مناراً يهتدي به السالك، فهو لا يأتي على لحن إلا أعربه، ولا خطأ إلا صوبه، ولا نقص إلى أتمه، ولا مشكل إلا ونوّر ليلته المدلهمّة، على أنّ المملوك ما يفرح بأن يرى الأصل عنده كاملاً، ولا يرى السعد لضم أجزائه شاملاً، ولا تزال الأجزاء مفرّقة في العاريّة جزءاً بعد جزء، إمّا لجدّ من الطالب وإمّا لهزء، فإن اقتضى الرأي العالي تجهيزَ النسخة التي في خدمته ليتولى المملوك مقابلتها بنفسه، ويتشرف بخدمة مولانا بين أبناء جنسه فلمولانا علو الرأي وشرفه، وفردوسُ الأمر وغُرفُه، إن شاء الله تعالى.
إبراهيم بن صالح بن هاشم
الشيخ عز الدين أبو إسحاق بن العجمي الحلبي الشافعي.
سمع بدمشق من خطيب مردا، ولم يكن بالمكثر، وكان آخر من روى بالسماع، عن الحافظ ابن خليل.
كان من بيت علم ورياسة، وحلمٍ وسياسة، وحدث بدمشق وحلب، وقصده الناس بالسعي والطلب.
وأخذ عنه الشيخ شمس الدين الذهبي وغيره، ولم يزل إلى أن نعب غُراب بينه، ونام في القبر ملء عينه.
стр. 45
توفي، رحمه الله تعالى، سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكان من أبناء التسعين، كان عنده عن الحافظ ابن خليل ثلاثةُ أجزاء رواها غير مرة، وقدمَ دمشق غير مرّة، فحدّث بها، ورحل الناس إيه.
إبراهيم بن عبد الله
الشيخ الصالح الكردي المشرقي المعروف بالهدمة، كان عابداً زاهداً، صابراً لفقره مجاهداً، منجمعاً عن الناس، منقطعاً عن مخالطة الأدناس، ماله مطمعُ في مطعم، ولا مطمح إلى قوتٍ وإن عم به من أنعم.
انقطع بقريةٍ بين القدسِ، والخليل، ورضي بذلته بين يدي الملك الجليل، فأصلح لنفسه مكاناً وزرعه، وغرس به شجراً أطعمه من رغبه في ذاك وأطمعه وتأهل بعد ثمانين وست مئة، وجاءته الأولاد على كبر، وكان أمرهُ في ذلك من العبر، وقصد بالزيارة، وظهرت علامة كرامته والأمارة، وحكيت عنه كراماتُ عدّة، وجليت من بركاته ليالٍ مسودة. ولم يزل إلى أن طفي مصباحُه، وطغى من الموت اجتياحه.
وتوفي ﵀ سنة ثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن عبد الرحمن
بن أحمد بن محمد
زين الدين أبو إسحاق بن نجم الدين بن تاج الدين بن الشيرازي الدمشقي.
стр. 46
كان شيخاً جليلاً، مسنداً نبيلاً، يشهد مع العُدول، وما له عن الخير عُدول، له في مسجدٍ إمامة، والبهاء وراءه وأمامه.
وكان قد سمع من السخاوي، وكريمة، وتاج الدين بن حمويه وجده وعدة.
وخرج له الشيخ الإمام صلاح الدين العلائي مشيخة وتفرد بعدّة أجزاء.
ولم يزل يُسمع الطلبة، وما به من ذلك قلبة، إلى أن سكن الثرى، وعدم من الحياة القرى.
ولد سنة أربع وثلاثين وست مئة، وتوفي ﵀ سنة أربع عشرة وسبع مئة.
إبراهيم صارم العوّاد
كان في صناعة الطرب كاملاً، وعلمُه بدقائقها شاملاً، لعب بالكمنجا إلى أن لم يجد الأستاذ فيها له منه منجا، وفاق في فنها، فلم يكن كمن راحَ ولا كمن جا، وأمّا الطار فكل قلب طارَ إليه، وتخيل أن الشمس والبدر في يديه، ولم ير الناس مثله من يُطرب، ولا ألطفَ من حركاته كلما صرخ في يديه يضرب، وما يرى أحد أنه ملكٌ فيه غيره ما ملك، ولا أنه سلك في إتقانه ما سلك، وأمّا العواد فكان إبراهيمُ فيه إبراهيم الموصلي، بل لو عاصره لتحقق أنه مثلُ بطن عوده فارغٌ غير ممتلي، يكاد
стр. 47
لخفة يده يجري الماء في عوده، ويرى البرق من يده في العفاقات يلمع في حدوره وصعوده، كأنما هو حمامة تسجع على عودها، وتغدو وتروح، وإذا غنى هو جاوبه عُوده، ولم يكن شجر الأراك مع الحمام ينوح:
يلعبُ بالعقل شدوه لعبَ المزج ... بمنثور لؤلؤ الحببِ
لو تسمع الورقُ شدوه خلعت ... عليه أطواقها من الطرب
وجرت له مع الناصر أحمد أمور، ولو صحّ أمره لكان أميراً كبيراً وغيره المأمور، ولكن فات ما ذبحَ، وما خسر إلا من ربح، ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى البلى بغصته، ولم يقدر على شرح قصته.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
كان قد قربه الأمير سيف الدين تنكز ولازمه في سفره وحضره، وكان يعلّم عنده جواري، وأعطاه إقطاعاً جيداً في حلقة دمشق، وألبسه الكلفتا، ولما أمسك تنكز طلبه طاجار الدوادار ودخل به إلى السلطان الملك الناصر، وأقام بمصر تلك المدّة، ثم إنّ السلطان الناصر أحمد أخذه معه إلى الكرك وأقام عنده تلك المدّة، ووعده بأمورٍ منها أن يعطيه إمرة طبلخاناه، وهذا أقلُ ما أعتقده في حقه، وإلا من الناس من قال: إن وعده بنيابة دمشق، ثم إنه بعد ذلك كله أخذ منه الإقطاع، واستمر بيده راتبٌ كان لها أولاً على دار الطعم بدمشق فارتفق به، وبطل الخدم إلى أن مات رحمه الله تعالى.
стр. 48
إبراهيم بن عبد الرحيم
بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد ابن نصر
القاضي الرئيس، الكاتب البليغ شمس الدين ابن القاضي جمال الدين ابن الصاحب فتح الدين ابن القيسراني المخزومي الخالدي، كانت الإنشاء بالديار المصريّة، كان شكلاً، تاماً في خلقه ساداً لما يسند إليه من الإنشاء من سعة خرقه، العقود، ويباهي به الروضَ المجود، وتزدهي الكواكب بضيائه إذ كانت في منازل السعود إن أنشئ وشى المهارق وأخمل زهر الخمائل والحدائق وحسد العذار الجديدُ سطوره، وتمنى الروضُ اليانع لو حوى منثوره، وودّ الأفق لو استعار من طرسه صبحه، ومن مداده ديجُوره، يُرشفُ السمع كلامُهُ مُداماً، ويتعاطى كؤوس فقراته الندامى، ومن بيت كتابةٍ ووزارة ورياسة قديمة وصدارة.
رافقتُه في ديوان الإنشاء في قلعة الجبل مدة، وحللتُ برؤيته من الهم شدة الشدة، ثم إنه رسم له السلطان الملك الناصر بتوقيع الدّست قبل موته بقليل بسفارة الأمير سيف الدين تنكز فيما أظن.
стр. 49
قال قاضي القضاة بهاء الدين أبو حامد السبكي: تولى كتابة الدست في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ولم يزل على حاله في توقيع الدّست إلى أن دعاه الله للقياه، وأوحشت الدنيا من بُقياه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أحد شهري ربيع من سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وكان عنده مماليك تُرك، وله تجملٌ في ملبسه، وورث نعمة طائلة، وحصلت له وجاهةٌ عند النواب، ولو دام له الأمير سيف الدين بهادُر التمرتاشي لرقى.
وكان قد استعار من القاضي جمال الدين ابن العلامة شهاب الدين محمود جزءاً من قلائد العقيان، وأبطأ رده، قال جمال الدين، فكتبتُ إليه:
قل لربّ العلا فتى القيسراني ... حين يأتي منشية المهراني
حل جيدي بالفضل منك فإني ... عاطلٌ من قلائد العقيان
فلما وقف عليها القاضي الشريف شهاب الدين الحسيني قال:
يا ابن غيثِ الندى وبحر المعاني ... درهُ في النحور والتيجان
أنت للملكِ زينةٌ وجمال ... غنيت عن قلائد العقيان
وكتب لي شمس الدين المذكور توقيعاً بزيادةٍ عن السلطان الملك الناصر محمد، وهو: رسم بالأمر الشريف العالي - لازالت أوامره تزين المناصب بأكفائها، وتزيد
стр. 50
المراتب وجاهة بمن تريد صلاحه في علائها، ومراسيمه تمُن بعوارف آلائها لمن جعله عرفانُه من أوليائها - أن يزاد المجلسُ السامي القضائي فلان الدين على معلومه الذي بيده المستقر باسمه في الشهر دراهم كذا غلة كذا، وفي اليوم خبز كذا، لحم كذا، شعير كذا، وفي السنة كذا زيادة على الجوخة قرطية مغشاه لتفرده في البلاغة عن مناضل أو مناظر، وتفننه في الكتابة التي تثلج الصدور، وتبهج النواظر، وإتيانه بالمعنى البسيط في اللفظ الوجيز، واعتراف أمثاله بالقصور عّما ينتجه فكره السليم من التعجيز، طالما دبج المهارق بأبوابنا الشريفة برائقِ خطّه وفائق لفظه، ونظم في تقاليد الوزارة المنيفة من دررِ معانيه ما تتسارعُ الهمم إلى التقاطه وحفظه، فيتناول ذلك شاكراً لأنعمنا الشريفة على هذا المزيد، وليعلم أن إحساننا إليه ثابت ويزيد، والله يُبلغه من النعم ما يريد بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى، فكتبت إليه أتشكر إحسانه ارتجالاً:
كلماتُ القيسراني ... لطفُ معناها براني
فهي في الحُسن كليلى ... وإليها قيسُ راني
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء
الشيخ الإمام الورع العلامة شيخ الشافعية، برهان الدين أبو إسحاق الفزاري،
стр. 51
الصعيدي الأصل، الدمشقي الشافعي، مدرس الباذرائية وابن مدرسها الشيخ تاج الدين.
سمَّعه والده الكثير في صغره من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر والموجودين في ذلك العصر.
قرأ العربية على عمه شرف الدين الفزاري، وتفقه على والده، وقرأ الأصول وبعض المنطق، وكان يخالف الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسائل، وما تهاجرا قط، وكل منهما يحترم صاحبه إذا اجتمعا، ولما بلغته وفاته استرجع وشيع جنازته.
وكان رحمه الله تعالى قد نشأ في صيانه ورقى في ديانه، وإكبابٍ على العلم والإفادة طول عمره، وتواضع وخيرِ من أول حاله إلى خاتمة أمره، وزاد اشتغاله بعد أبيه، وطالع ونظر، وما اقتصر على التنبيه، يكاد يستحضر غالب الرافعي في مسائله، ويورد لفظه بتقاريره ودلائله، حتى يقول: هذه المسألة في الصفحة الفلانية من المجلد الفلاني، ويكشف عليه فما يخطئ الصواب بل يقارب ويداني، اشتهر بذاك، وعلم جميع الكتاب حتى كأنه باب السواك، وعلق على التنبيه
стр. 52
شرحاً حافلاً، وأتى به لغوامض المذهب كافلاً، لو أنصفه الناس لم ترفع لغير الرافعي راية، وتحققوا أنّ بداية هذا الكتاب مثل النهاية، ولا بد لهذا الشرح من وقت يوفى فيه حقه، ويعطيه الطاعة كل فاضل، فما يعوقه عن التقديم على غيره ولا يعقّه، مع ما في فضله من فضولٍ في بعض الفصول، وزيادات بيان لا تعلق لها بالفروع ولا الأصول. وعلق على منهاج النووي جزءاً لطيفاً فيه نتف، وكلامه فيه أطرب من حمام الأيك إذا هتف.
وكان صادق اللهجة فيما ينقله، حاذق المهجة فيما يتروى فيه أو يتعلقه، طويل الروح على الدرس والإشغال، كثير التوغل في الإيضاح والإيغال، حريصاً على تفهيم الطالب، يودّ لو بذلك كنوز العلم وما فيه من المطالب، لا يعجبه من يورد عليه تشكيكاً، ولا من يطلب منه تنزيل ألفاظ ولا تفكيكاً، لأنه هو فيما بعد ذلك يتبرع، فما يحب من غيره أن يسابقه ولا يتسرع، وذلك ليبسٍ في مزاجه، وحدّة تلحقه عند انزعاجه، وحاجة إلى استعمال خيار الشمبر لعلاجه، فقد كان ذلك نقله على الدوام، ولا يُخل باستعماله في يوم من الأيام، وكان رقيق البشرة، ظاهرة الوضاءة، كأن وجهه حبره، وله حظّ وافرٌ من صدقة وصيام وتهجّد في الليل وقيام، قل أن يخرج الشهر وما يعمل فيه لأهل مدرسته طعاماً، ويدخلهم إلى منزله فراداً وتُوأماً، ويقف لهم عند الباب ويدعو لهم ويشكرهم، ويعرفه بالميعاد الثاني وينذرهم.
стр. 53
وفتاويه كلها مسددة، واحترازاته وقيوده فيها مشددة. قد كفّ لسانه وسمعه عن الغيبة ومنعها من مجلسه دفعه، منجمعاً عن الناس يجد في الوحشة منهم غاية الإيناس، وتنجز من السلطان مرسوماً أن لا يحضر مجلساً إذا عقد، ولا يُطلب لذلك إذا فقط. وطلب للقضاء بعد ابن صصرى فاستعفى لذلك وصمم، وألح عليه الأمر سيف الدين تنكز فخصص الامتناع وعمم، وحج غيرة مرة، وتجرع من التكلف لذلك كل مرة.
وحدث بالصحيحين، وفاز من الرواية والدراية بالقدحين الربيحين. وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي مشيخة قرئت عليه، وسردها الناس لديه.
وولي الخطابة بالجامع الأموي بعد عمه الشيخ شرف الدين، ثم عزل نفسه، وقلع منها ضرسه.
ولم يزل على تلك الطريقة التي أخذها عن السلف، وتفرد بارتكابها في الخلف، إلى أن جاء المحاق لبدره، وانطبقت على درّته الثمينة صدفتا قبره، ففجع الناس فيه، وعدموا اللؤلؤ الذي كان يقذفه بحر علمه من فيه، وراح إلى الله على أتم سداد، وأكمل اعتداد ليوم المعاد. وكانت جنازته مشهودة، وآلاف من حضرها غير معدودة، فرحم الله روحه، ونور بالمغفرة ضريحه.
مولده في شهر ربيع الأول سنة ستين وست مئة، ووفاته في يوم الجمعة سابع جمادى الأولى في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وله نظمٌ ونثرٌ متع، لا ينحطّ في ذلك ولا يرتفع، ومنه قوله، وقد ترك الخطابة:
وإني لأستحيي من الله كُلما ... وقفتُ خطيباً واعظاً فوق منبر
стр. 54
ولست بريئاً بينهم فأفيدهم ... ألا إنما تشفي مواعظُ من بري
قلت: كذا أنشدنيهما الشيخ أمين الدين محمد بن علي الأنفي عن مصنفهما، وكذا رأيتهما في البدر السافر للفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي رحمه الله تعالى، ولو قال رحمه الله تعالى: ألا إنما تشفي المواعظ من بري لكان ذلك أحسن وأمتن وأتم في الجناس. ورأيتهما بعد هذا في ديوان الخطيب يحيى بن سلامة الحصفكي، وهو بهما أحق.
إبراهيم بن عبد الرحمن بن نوح بن محمد
الشيخ الأمين العدل بهاء الدين أبو إسحاق ابن الإمام العالم مفتي المسلمين شمس الدين أبي محمد المقدسي الشافعي.
سمع الحديث من ابن مسلمة، وابن علان، وشرف الدين المرسي، والمجد الإسفراييني، وإسماعيل العراقي، واليلداني، والكفرطابي،
стр. 55
وابن طلحة، والشريف بهاء الدين النقيب، وخطيب مردا، وابن عبد الدائم، وغيرهم، وخرجتُ له مشيخة سنة حجّ، وحدث بها بالمدينة في سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، قرأها عليه الشيخ علي الختني، ثم رواها بدمشق غير مرة.
أجاز له ابن الجميزي، والشاوي، وأحمد بن الحباب، وجماعة في سنة سبعٍ وأربعين وست مئة. وأجاز له من بغداد محمد بن المني، والأعز بن العليق، والمؤتمن بن قميرة، وجماعة في سنة ثمان وأربعين.
وتفرد في دمشق برواية كتاب الآداب للبيهقي عن المرسي سماعاً، وتفرد بغير ذلك.
стр. 56
وكان من المباشرات مشكوراً، وبالأمانة والعفة مذكوراً، وفيه خيرٌ وبر، وتعهدٌ للأصحاب في العلن والسر، وعنده كفاية ونهضة، ومروة يؤدي بها في الإحسان فرضه، ووقفَ على جهات البرّ أوقافاً، جعلت له في أغوار الذكر الجميل أحقافاً، ولم يزل على حاله إلى أن برز للرحيل نوقه، وأقام الموتُ سوقه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سلخ جمادى الآخرة سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة بالشامية الجوانية بدمشق، وكان ناظر المدرسة الرواحية بعد أخيه أكثر من ثلاثين سنة، وباشر وقف الحرمين ووقف جامع العقيبة، وغير ذلك.
إبراهيم بن عرفات بن صالح
القاضي زين الدين بن أبي المنى القنائي الشافعي.
تولى الحكم بقنا، والتقى الإعدام بالبيض والقنا، لأنه كان يتصدق في كل يومِ عاشوراء بألف دينار على من هو محتاج ويلحقُ الفقير المسكين من جوده بربّ التاج، مع حسن وجهٍ ساعة البذل، لا كما يتكلف الخير وفعله الساقطُ النذل.
стр. 57
قالت امرأة: جئت إليه يوم عاشوراء فأعطاني، وعدت إلى منزلي وأعطاني، ثم صرت إليه ثانياً فأنالني وخولني، ثم رددت إليه ثالثاً فحباني وما حولني، ثم فعلتُ ذلك مراتٍ وهو يجودُ علي ببره، ولا يطوي عني حسن بشره، إلى أن تكمل لي منه ذلك اليوم ست مئة درهم، فاشتريت بذلك مسكناً، وأراحني من الهم.
وكانت له عقيدةً حسنة في أهل الصلاح، ويأخذ من أدعيتهم ما هو أوقى له من السلاح.
ولم يزل على خيرٍ إلى أن فات وعد من الرفات. ووفاته، رحمه الله تعالى، في بلده سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
إبراهيم بن علي الأجل أبي هاشم
ابن الصدر الأديب المعمر أبي طالب محمد بن محمد بن محمد بن التامغار، مجد الدين أبو الفتح بن الخيمي الحلي.
سمع من والده بسماعه من بنت سعد الخير، وسمع من الرشيد العطار مجلس البطاقة، ومن ابن البرهان صحيح مسلم.
стр. 58
وأجاز له الحافظ المنذري، ولاحق الأرتاحي، والبهاءُ زهير، وأبو علي البكري.
وخرج له التقي عبيد مشيخة، وحدث قديماً، وسلك طريقاً قويماً.
وأخذ عنه المصريون وسمعوه، وارتضوه وما دفعوه، وزان بالرواية زمانه، ورصع دره في تاجها وجمانه، إلى أن أدركته الوفاة، وختم الموتُ نطقه وفاه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة. وولد سنة تسعٍ وأربعين وست مئة.
إبراهيم بن علي بن خليل الحراني
المعروف بعين بصل.
كان على ما اشتهر من أمره عامياً حائكاً أمياً، وله الشعر المقبول، والطبعُ الذي هو على القريض مجبول.
أناف على الثمانين من عمره، ولم يخمد توقد جمره. نظر يوماً بعض أصحابه إلى امرأة برزت بصفحة بدر في حندس، وغرست فوق خدها زهرة نرجس، فسأله أن ينظم في ذلك شعراً، وينفسَ به كرب قلبه المغرى، فقال بديهاً، وأنشد الحاضرين فيها:
стр. 59
غرست في الخد نرجسة ... فحكت في أحسن الصور
كوكباً في الجو متقداً ... قد بدا في جانب القمر
وذكر لي غير واحدٍ أن القاضي شمس الدين بن خلكان رحمه الله تعالى قصده واستنشده شيئاً من شعره، فقال: أما القديم فلا يليق، وأما الوقتُ الحاضر فنعم، وأنشده:
وما كل وقتٍ يسمح خاطري ... بنظم قريضٍ فائقٍ اللفظ والمعنى
وهل يقتضي الشرعُ الشريف تيمماً ... بتربٍ وهذا البحر يا صاحبي معنا
وبعض الناس يحكي أن ذلك اتفق له مع الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى.
قلت: وليس ذلك بصحيح، فقد ذكر المؤرخون أن شميماً الحلي لما قدم إسعرد، قصده شعراؤها وأنشدوه أشعارهم، وكان فيهم من أنشده شعراً استكثره عليه وقال: انظم الآن لي شيئاً فأنشده ذلك الرجل في الحال، وهذا هو الصحيح، لأن شميماً الحلي توفي بالموصل سنة إحدى وست مئة، ولم يكن عين بصل قد خلق.
وكان عين بصل فقيراً يهبه الناسُ قماشاً، وما يكلفونه معاشاً، وكان يلبس القطعة مدة، وإذا أفلس باعها، ومد إليها كف نفقته وباعها، فلامه بعضُ الناس على
стр. 60
هذا الاعتماد، وقال: هذا موجب لأن يسوء منهم فيك الاعتقاد، فأنشده ارتجالاً وقال له لا تمتلي مني ملالاً:
وقائل قال إبراهيمُ عينُ بصل ... أضحى يبيعُ قباً للناس بعد قبا
فقلت مه يا عذولي كم تعنفني ... لو جعت قدتُ ولو أفلست بعت قبا
ومما ينسب إليه قوله في الشبكة والسّمك: كم كبسنا بيتاً كي نمسك السكانَ منه في سائر الأوقاتِ فمسكنا السكانَ وانهزم البيتُ لدينا خوفاً من الطاقات قلت: وقد رأيتهما أيضاً لغيره.
ولم يزل في اكتسابه، وتعاطيه للشعر وانتسابه، وتوكله على بر الناس له واحتسابه، يخبط بين الحكياة والحكاية، وينقلب من الشكر إلى الشكاية، إلى أن رقد فما انتبه، وعتب صاحبه الموتَ فيه فما أعتبه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة.
ومن شعره الذي نسب إليه قوله:
جسمي بسقمِ جُفونه قد أسقما ... ريم بسهم لحاظه قلبي رمى
كالرمح معتدلُ القوام مهفهفٌ ... مر الجفا الكنّه حلو اللمى
رشأ أحل دمي الحرامَ وقد رأى ... في شرعهِ الوصل الحلالَ محرما
стр. 61
رب الجمال بوصله وبهجره ... ألقى وأصلى جنةً وجهنما
عن ورد وجنته بآس عذاره ... وبسيف نرجسِ طرفه الساجي حمى
عاتبته فقسا، وفيتُ فخانني ... قربُته فنأى، بكيت تبسماً
حكمته في مهجتي وحشاشتي ... فجنى وجار علي حين تحكما
يا ذا الذي فاق الغصون بقده ... وسما بطلعته على قمر السما
رفقاً بمن لولا جمالك لم يكن ... حلفُ الصبابة والغرامِ متيماً
أنسيت أياماً مضت وليالياً ... سلفت وعيشاً بالصريم تصرما
إذ نحن لا نخشى الرقيب ولم نخف ... صرف الزمان ولا نخاف اللوما
والعيش غض والحواسدُ نومٌ ... عنا وعينُ البين قد كحلت عما
في روضةٍ أبدت ثغور زهورها ... لما بكى وبها الغمامُ تبسّما
مدّ الربيعُ على الخمائل نوره ... فيها فأصبح كالخيام مخيما
تبدو الأقاحي مثل ثغر مهفهف ... أضحى المحبُّ به كئيباً مغرما
وعيونُ نرجسها كأعيان غادةٍ ... ترنو فترمي باللواحظ أسهما
وكذلك المنثورُ منثورّ بها ... لما رأى ورد الغصون منظما
والطيرُ تصدح في فروع غصونها ... سحراً فتوقظ بالهديل النوما
والراح في راح الحبيب يديرها ... في فتية نظروا المسرة مغنما
فسقاتُنا تحكي البدور، وراحنا ... تحكي الشموسَ، ونحن نحكي الأنجُما
قلت: وشعره كله من هذه النسبة - كما تراه - غيرُ متلاحم النسج، ولا مستقيمُ النهج.
стр. 62
إبراهيم بن علي القاضي جمال الدين بن شمس الدين ابن شيخ السلامية الكاتب .
تصرف في المباشرات الديوانية، والوظائف السلطانية، تارة بجبل صيدا ناظرا وتارة ببرّ دمشق، وإن في المدينة حاضراً، وتارة بحمص في نظر ديوانها، والتقدم على أعيانها. ثم انتقل إلى الخزانة العالية بالقلعة، ونفق فيها من العمر سلعه، إلى أن سكن فما تحرك، واطمأن في قبره وتورّك.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبع مئة.
إبراهيم بن علي بن أحمد بن حمزة بن علي
الشيخ المسند جمال الدين ابن الجنوبي - نسبة إلى الجنوب - التغلبي الدمشقي.
كان من بيت عدالة ورواية، وكلف بالحديث وعني به، وكان مع ذلك فراشاً معتبراً في هذه الحرفة، والصناعة الصرفة، وسكن مصر وروى بها، ومشى في طرق الرواية وروى بها، وأسمع بدمشق أيضاً، فسمع منه الذهبي ومن عداه، ولبوا نداءه وأجابوا صداه.
стр. 63
وكان يروي عن ابن اللتي، وبالإجازة عن محمود بن منده ومحمد بن عبد الواحد المديني. ولم يزل على حاله إلى أن ضربت خيمة كفنه، ولم يغن عنه صحة رأيه ولا أفنه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة.
إبراهيم بن علي بن أحمد بن يوسف بن علي بن إبراهيم
قاضي القضاة الحنفي، برهان الدين ابن القاضي كمال الدين بن القاضي شهاب الدين الدمشقي، وهو سبط الشيخ ضياء الدين أبي المحاسن عبد الحق بن خلف بن عبد الحق الواسطي.
قرأ على والده القرآن وتفقه على الشيخ ظهير الدين الرومي، والشيخ شرف الدين الفزاري والشيخ زين الدين بن المنجا.
وقرأ العربية على الشيخ مجد الدين التونسي والشيخ نجم الدين بن ملي.
стр. 64
وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي.
ونشأ بدمشق، ودرس بها، وأذن بالإفتاء في رحلة رحلها إلى مصر سنة ست وتسعين الشيخُ تقي الدين بن دقيق العيد، وقاضي القضاة شمس الدين السروجي، وكان قد اشتهر بمعرفة كتاب الهداية وإتقانه، وتحلى منه بقلائده عقيانه، وعُرف بقيام أدلته وبرهانه.
طلب إلى مصر فولاه الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء القضاة الحنفية بعد شمس الدين بن الحريري سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، فأقام بمصر حاكماً عشر سنين متوالية، ونجوم سعوده في أفق الكمال متلالية، تنفذ أحكامه في كل أمير ومأمور، وتسري أوامره في العاطل والمعمور.
وكان يكلم السلطان في دسته كلاماً خشناً، وهو يُظهر له احتمالاً حسناً، وصمم عليهم أول ما دخل في الجلوس وما تم له ما أراد، ولم يكن المالكي ممن يعد معه في طراد، ثم إنه خرج هو وقاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى الشام معاً،
стр. 65
وأصابتهما عين الحسود فانصرعا، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وأقام هو بدمشق على حاله من غير حكم، ولا مداناة لفصحاء، ولا بكم إلى أن نزل إلى حفرته، وانهال التراب على وفرته.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء تاسع عشري ذي الحجة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
مولده سنة ثمان وستين وست مئة.
إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد
قاضي القضاة، نجم الدين أبو إسحاق ابن قاضي القضاة عماد الدين أبي الحسن بن محيي الدين أبي العباس الطرسوسي الحنفي قاضي القضاة بدمشق، وسيأتي ذكر والده رحمه الله تعالى في مكانه من حرف العين.
مولده في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ووفاته رحمه الله تعالى يوم السبت بعد الظهر، وصلي عليه بالجامع الأموي بعد العصر، ودفن آخر النهار المذكور رابع شعبان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة بالمزة. وكانت جنازة حافلة، بها الحكام والعلماء والأمراء، وصلى عليه ملك الأمراء الأمير علاء الدين أمير علي المارديني إماماً برّا باب النصر، وعاده في يوم سبت، وهو بالمزة ضعيف في هذه المرضة.
وكان قاضي القضاة نجم الدين رحمه الله تعالى ملء منصبه، بالغاً بحسن سعيه نهاية أمله وغاية مطلبه، نافذ الأحكام والقضايا، عارفاً باستخراج النكت في الوقائع من خبايا الحنايا، عليه تؤدة وحسن سمت، وله مهابة وطول صمت، ولم تعد له في
стр. 66
مدة ولايته هفوة تتعلق بأحكامه، أو زلة يؤاخذ بها في نقضه وإبرامه وكان النواب يعظمونه، ويجلّونه ويحترمونه لسعادة نطقه في المحافل، وترفّعه في ذرا المعالي عن الأسافل.
تلفّت فوقَ القائمين فطالهم ... تشوف بسّام إلى المجد قاعد
ولم أرَ أمثالَ الرجال تفاوتوا ... إلى الفضلِ حتى عد ألفٌ بواحد
وكان قد ناب لوالده قاضي القضاة عماد الدين قريباً من سنتين، ثم إنه في ذي الحجة سنة ستَّ وأربعين وسبع مئة نزل له والده عن منصب القضاء، وسأل له في ذلك الأمير سيف الدين يلبغا، فكتب له إلى السلطان، وحضر تقليده الشريف بذلك.
وكان قد كتب له قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي السبكي الشافعي رحمه الله تعالى بأهليته لذلك وصلاحيته، وجهّز خطه بذلك وباشر المنصب والتداريس على أتم ما يكون من العفة والأمانة، ونازعه قاضي القضاة شرف الدين المالكي في الجلوس، فأجلس المالكي فوقه لكبر سنّه، وقدمِ هجرته، ولما توفي المالكي جلس قاضي القضاة نجم الدين إلى جانب قاضي القضاة الشافعي، ولم يزل على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان قد حج في صغره، ثم إنه حج في سنة خمس وخمسين، وعزم على المجاورة، فلم يتفق له ذلك، ثم إنه حج في سنة ست وخمسين وسبع مئة، ثم إنه عزم في سنة ثمان
стр. 67
وخمسين وسبع مئة على الحج مع الركب الذي يتوجه في شهر رجب، فحصل له هذا الضعف الذي مات فيه، رحمه الله تعالى.
وكان رئيساً نبيلاً فيه مكارمُ وحشمة ورياسة وقعدد وتؤدة، ولازم الاشتغال وطالع واجتهد، ودأب وتعب، ونظم أبياتاً ذكر فيها الخلاف الذي وقع بين الإمام أبي حنيفة ﵁ وبين الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵁، وقرأتها عليه، فسمعها ولدي أبو عبد الله محمد وفتاي طغاي بن عبد الله في ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة بمنزلة في باب البريد قبالة المدرسة المسرورية، وهي:
الحمد لله الولي المنعم ... الملكِ الحق الجواد المكرمِ
جل عن الشبيه والأضداد ... والأهل والأنداد والأولاد
سبحانه من ملكٍ قدير ... أتقن ما أبدع بالتدبير
ثم الصلاة بالدوام السرمدي ... على النبي المصطفى محمد
وأله ما غردت قمرية ... على غصونِ الأيك في البرية
وبعد قد قال الإمام الأعظمُ ... أبو حنيفة الرضى المُقدّم
في هذه المسائل المهمه ... قولاً به جلا وجوه الغمة
والأشعري خالفهُ فيها وقد ... أساء في خلافه فيما اعتقد
والحق ما قال أبو حنيفه ... أعطاه ربي الرتبة المُنيفة
أولها معرفة الإلهِ ... واجبةٌ حقاً بلا اشتباهِ
стр. 68
بالعقل لا بعد الخطاب فاعرف ... وعذرهُ عند الإمام منتفِ
معرفة الله على الكمالِ ... تحصل بالعقل مع استدلالِ
ثالثها قال بأن العصمه ... ثابتة لأنبياء الأمه
عن الكبير وعن الصغير ... والأشعري خالفَ في الأخير
ويمكن السعيدُ أن يُنظم في ... أهل الشقاء والضلال فاعرف
ولا يرى الشكوك في الإيمان ... ويقطع القول بلا نكران
وكل ما قد كتبوا في المصحف ... فهو كلام الله حقا فاكتف
وأثبت الرسالة المُكرمه ... من بعد ما مات النبي فاعلمه
وهو إلى الآن رسولٌ مثلما ... قد كان في الحياة حقاً فافهما
والله يجزي العبد في الأعمالِ ... من خير ما يرجوه في المآل
والله عادل فلا يُعذبُ ... من لم يكن أذنب وهو المذهبُ
ولا يجوزُ القولُ بالتكليفِ ... في حكمةِ الله بال توقيفِ
والله لا يختار للعبادِ ... إتيانهم بالكفر والفسادِ
ونعمة الله على الكفارِ ... كسمعهم ونظرِ الأبصار
وتمت المسائل المهمه ... وتم ما قال سراجُ الأمه
إبراهيم بن عمر بن إبراهيم
الشيخ الإمام، العلامة، ذو الفنون، شيخ القراء برهان الدين الرَّبَعي الجعبري الشافعي، ابن مؤذن جعبر، شيخ حرم سيدنا الخليل صلوات الله عليه وسلامه.
стр. 69
سمع في صباه ابن خليل، وتلا بالسبع على أبي الحسن الوجوهي صاحب الفخر الموصلي ببغداد، وتلا بالعشر على المنتخب صاحب ابن كدي. وأسند القراءات بالإجازة عن الشريف أبي البرد الداعي، وقرأ التعجيز حفظاً على مؤلفه تاج الدين بن يونس، وسمع من جماعة، وقدم دمشق بفضائل، ونزل بالسميساطية، وأعاد بالغزالية، وباحث وناظر، ثم إنه ولي مشيخة حرم الخليل ﵇، فأقام به بضعاً وأربعين سنة.
ومن تصانيفه كتاب نزهة البررة في القراءات العشرة، وشرح
стр. 70
الشاطبية كبير، وشرح الرائية، ونظم في الرسم روضة اللطائف، وكمل شرح المصنف للتعجيز، كتاب الإفهام والإصابة في مصطلح الكتابة نظم، وكتاب يواقيت المواقيت نظم، والسبيل الأحمد إلى علم الخليل بن أحمد، وتذكرة الحفاظ في مشتبه الألفاظ، ورسم التحديث في علم الحديث، وموعد الكرام لمولد النبي ﵊، وكتاب المناسك، ومناقب الشافعي، والشرعة في القراءات السبعة، وعقود الجمان في تجويد القرآن، والترصيع في علم البديع، وحدود الإتقان في تجويد القرآن، وكتاب الاهتدا في الوقف والابتدا، والإيجاز في الألغاز، واختصار مختصر ابن الحاجب، واختصر مقدمته في النحو. وتصانيفه تقارب المئة مصنف، وكلها جيد محرر.
رأيته غير مرة، وفاتني من الإجازة عنه ألف ذرة، كان جالسته وسمعت كلامه، ورأيته في منزلةٍ يكون الهلال عندها قلامه.
وكان ذا وجهٍ نير، وخلق خير، وشيبة نورها الإسلام، وحبرها خدمة العلم الشريف بالأقلام.
ولعبارته رونق وحلاوة، وعلى إشارته وحركاته طلاوة.
حكى لي عن شيخ كان قبله بالحرم حكاية تضحك الثاكلة، وتصيب من التعجب الشاكلة.
стр. 71
ولم يزل على حاله حتى صوح روضه، وهُدم من الحياة حوضُه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في حدود الأربعين وست مئة، فعاش تسعين سنة.
ومن شعره:
لما أعان الله جل بلطفه ... لم تسبني بجمالها البيضاء
ووقعت في شرك الردى متحبلاً ... وتحكمت في مهجتي السوداء
ومنه
لما بدا يوسف الحسنِ الذي تلفت ... في حبه مهجتي استحيت لواحيه
فقلت للنسوة اللاتي شغفن به ... فذ لكن، الذي لمتنني فيه
ومنه:
أضاء لها دُجى الليل البهيمِ ... وجدد وجدها مرّ النسيم
فراحت تقطع الفلواتِ شوقاً ... مكلفة بكل فتى كريم
فقارٌ لا ترى فيها أنيساً ... سوى نجم وغصنِ نقي وريمِ
نياقٌ كالحنايا ضامراتٌ ... يُحاكي ليلُها ليلَ السليم
كأن لها قوائم من حديد ... وأكباداً من الصلد الصميم
لها بقبا وسفح منى غرامٌ ... يلازمها ملازمة الغريم
стр. 72
إبراهيم بن عيسى
الأمير ناصر الدين ابن الملك المعظم ابن المالك الزاهر داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شادي.
كان جندياً من مقدمي الحلقة بدمشق.
توفي رحمه الله تعالى في مستهل شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ودفن بجبل قاسيون، وقد جاوز الخمسين.
إبراهيم بن أبي الغيث
الشيخ جمال الدين ابن الحسام البخاري الفقيه الشيعي كان المذكور مقيماً بنواحي الشقيف من بلاد صفد بقربة مجدل سليم.
أخذ عن ابن العواد، وابن مقبل الحمصي. ورحل إلى العراق، وأخذ عن ابن المطهر.
وكان قد اتخذ في القرية المذكورة مجلسين، أحدهما للوفود، والأضياف، والآخر
стр. 73
للطلبة وأهل العلم. رأيته أنا في قريته في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، ودار بيني وبينه بحثّ في الرؤية وعدمها. وطال الوقوف على جبلها، والطواف بحرمها، وهو في ناحية الاعتزال واقف، وأنا عن السنة مجادل أثاقف، وهو للحنظل ناقف، وأنا للعسل مشتارٌ ولاقف. وطال النزاع وامتد، واحتدم كل منا الوغى واحتد.
وكان شكلاً حسناً، وذا منطق لسناً، قد أدمن مباحث المعتزلة والشيعة. وجعل التأويل له في حلة البحث وشيعة، وكان يزور الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويحمله في مباحثه على ما عنده من الحمية، ويطير بينهما شررُ تلك النيران، وتمل من وخدهما في قفار الجدل الأزمة والكيران، ولم يزل في تلك الناحية قائماً بنصرة مذاهب الشيعة والاعتزال، دائماً على جذب من يستضعفه من أهل السنة بالاقتطاع والاختزال، إلى أن سكت فما نبس، وبطل من حركاته واحتبس.
قال لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله: عهدي به في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومن شعره:
هل عاينت عيناك أعجوبة ... كمثل ما قد عاينت عيني
مصباح ليل مشرقٌ نورُه ... والشمس منه قابَ قوسين
стр. 74
ومنه:
قامت تودعني فقلت لها امهلي ... حتى أودع قبل ذاك حياتي
فإذا عزمت على الرحيل تركتني ... رهن البلى ومجاور الأمواتِ
وقال، وقد عمل مصيدة من رحى عملها لنمسٍ كان قد أفسد عليه خلايا نحل:
ومقشعر الجلد مزورَ الحدق ... لا يرهب الليل إذا الليلُ غسق
مستتر حتى إذا النجم بسق ... عدا على النحل فأذى وفسق
وفتح الأبواب منها وخرق ... وكسر الأصنام فيها ومحق
سقطتهُ بمستديرِ كالطبق ... كضغطةِ القبر إذا القبرُ انطبق
فما استقرت فوقه حتى اختنق ... من صخر حوران شديدِ المتسق
من لج في البحر تغشاه الغرق ... أو سارع الدهرَ إلى الحتف التحق
وقال وقد كبس بيته، وأخذت كتبه:
لئن كان حمل الفقه ذنباً فإنني ... سأقع خوفَ الحبس عن ذلك الذنبِ
وإلا فما ذنبُ الفقيه إليكم ... فيرمى بأنواعِ المذمةِ والسبّ
وإذا كنتُ في بيتي فريداً عن الورى ... فما ضر أهل الأرض رفضي ولا نصبي
أوالي رسول الله حقاً وصنوه ... وسبطيه والزهراء سيدة العرب
على أنهُ قد يعلمُ الله أنني ... على حب أصحاب النبي انطوى قلبي
أليس عتيق مؤنس الطهر إذا غدا ... إلى الغار لم يصحب سواهُ من الصحب
стр. 75
وهاجر قبلَ الناس لا ينكرونها ... بها جاءت الآيات بالنصّ في الكتب
وبالثاني الفاروق أظهر دينه ... بمكة لما قام بالمرهف العضب
وأجهر من أمر الصلاة ولم تكن ... لتجهر في فرضٍ هناكَ ولا ندب
وقد فتح الأمصار مارد جيشه ... وجالت خيول الله في الشرق والغرب
وجهز جيش العسرة الثالث الذي ... تسمى بذي النورين في طاعة الرب
وإن شئت قدم حيدراً وجهاده ... وإطفاؤه نارَ الشرك بالطعن والضرب
أخو المصطفى يوم المؤاخاة والذي ... بصارمه جلى العظيم من الكرب
كذاك بقايا آله وصحابه ... وأكرم بهم من خير ألٍ ومن صحب
أولئك ساداتي من الناس كلهم ... فسلمهم سلمي وحربهم حربي
وفي بيعة الرضوان عندي كفاية ... فحسبي بها من رتبة لهم حسبي
إبراهيم بن فلاح بن محمد بن حاتم
الشيخ الإمام العالم المقرئ الزاهد الورع برهان الدين أبو إسحاق.
روى عن ابن عبد الدايم، وسمع من فرج الحبشي مولى ابن القرطبي، وعماد الدين بن الحرستاني، وابن أبي اليسر، وجماعة من أصحاب الخشوعي وابن طبرزد.
следующие страницы →