← Книги сунны

Книги сунны · id 13109

حجة الوداع لابن حزم

ابن حزم

Полный текст (581 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الْقُرَيْنَشِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذَكَرَ لَهَا أَنَّ أَنَسًا، يَقُولُ: قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ أَنَسٌ صَغِيرًا، " أَفْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيُّ لَا أَعْرِفُهُ، وَقَدْ ⦗٤٣٤⦘ رَوَى الْأَثْبَاتُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ ﵄ قَالَا بِقَوْلِ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا خَلَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا مِنْ أَضْعَفِ مَا شَغَبُوا بِهِ وَأَشَدِّهِ افْتِضَاحًا، وَإِنَّ كُلَّ مَا شَغَبُوا بِهِ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، لَا نَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَاهُ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ وَقَدْ نَزَّهَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْكَذِبِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ عَائِشَةُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَنَسٍ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ أَنَسًا أَسَنُّ مِنْهَا بِعَامَيْنِ؟ وَكَيْفَ يَقُولُهُ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنَسٍ إِلَّا عَامًا وَاحِدًا فَقَطْ؟ فَلَوْ عَابَا مَا ذَكَرَهُ وَحَفِظَهُ بِصِغَرِ السِّنِّ لَكَانَا بِذَلِكَ عَائِبَيْنِ أَنْفُسَهُمَا وَمُعَلِّلَيْنِ لِذِكْرِهِمَا وَحِفْظِهِمَا؛ لِأَنَّ السِّنَّ كَمَا تَرَى مُتَقَارِبَةٌ، نُعِيذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَائِشَةَ وَابْنَ عُمَرَ مِنْ أَنْ يَقُولَا هَذَا الْمُحَالَ، وَقَدْ أَعَاذَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مَنْصُوصٌ فِي الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ

стр. 527

٥٠٦ - حَدَّثَنَا حُمَامٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصِيلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ ⦗٤٣٥⦘ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا»

стр. 528

٥٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ

стр. 529

٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ "، فَهَذَا سِنُّ عَائِشَةَ مَنْصُوصٌ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، وَهَذَا سِنُّ ابْنِ عُمَرَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَأَنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ كَانَتْ يَوْمَ عَشَرَةٍ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي مِنَ ⦗٤٣٦⦘ الْهِجْرَةِ، وَأَنَّ أُحُدًا كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِعَامٍ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ يَوْمَ أُحُدٍ بِعَدَدِ الْأَسْرَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْخَنْدَقِ بَعْدَ أُحُدٍ بِعَامٍ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ آنِفًا، فَالْخَنْدَقُ بِلَا شَكٍّ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ ﷺ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ كَامِلَةً وَلَا مَزِيدَ، فَالْبَاقِي مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ عَامِ الْخَنْدَقِ سِتُّ سِنِينَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ كَمَا ذَكَرَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى ذَلِكَ سِتَّةَ أَعْوَامٍ الْبَاقِيَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ كَمُلَ مِنْ ذَلِكَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَا مَزِيدَ، وَكَانَتْ سِنُّ ابْنِ عُمَرَ إِذْ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا تَرَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأَمَّا سِنُّ أَنَسٍ فَمَنْصُوصٌ أَيْضًا

стр. 530

٥٠٩ - كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَصِيلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَكُنَّ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْسُبَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَعِيبُ أَيْضًا بِصِغَرِ السِّنِّ؟ وَلَيْسَ بَيْنَ ابْنِ عُمَرَ وَبَيْنَ أَنَسٍ إِلَّا عَامٌ وَاحِدٌ، أَمْ كَيْفَ يَحِلُّ أَنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ، وَأَنَسٌ أَسَنُّ مِنْهَا بِعَامَيْنِ؟ أَمْ كَيْفَ يَسَعُ ذَا عِلْمٍ أَنْ يَنْسُبَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَالَ: إِنَّ أَنَسًا كَانَ يَدْخُلُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى الْمُخَدَّرَاتِ؟ وَأَنَسٌ أَوَّلُ مَنْ حَجَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ

стр. 531

٥١٠ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَخَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرًا حَيَاتَهُ، وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا عَرُوسًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِطْعَامِ الْقَوْمِ يَوْمَ عُرْسِهَا، وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ أَنَسٌ: فَأُنْزِلَ آيَةُ الْحِجَابِ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا

стр. 532

٥١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، كُلُّ مِنْهُمَا عَنِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَعَدُوا بَعْدَ أَكْلِهِمْ قَامُوا، قَالَ أَنَسٌ: فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلِقُوا، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأُلْقِيَ الْحِجَابُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الْآيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ تَجْوِيزِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يُجَوَّزْ وَبَيْنَ حِجَابِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ إِلَّا شَهْرٌ وَاحِدٌ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ فِيمَا ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي، وَكَانَ نِكَاحُهُ زَيْنَبَ ﷺ قَبْلَ عَامِ ⦗٤٣٨⦘ خَيْبَرَ، وَقَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ

стр. 533

٥١٢ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا يَبْنِي عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ. فَهَذَا نُزُولُ الْحِجَابِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ نِكَاحِهِ ﵇ زَيْنَبَ، وَقَدْ كَانَ الْحِجَابُ كَمَا تَرَى قَبْلَ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ بِلَا شَكٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، فَقَالَتْ عَنْ صَفْوَانَ: وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَسَقَطَ التَّعَلُّلُ كُلُّهُ الَّذِي شُغِبَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَا شَكٍّ أَصْلًا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى تَأْلِيفِ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَا فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَإِلَى بَيَانِ أَنَّهَا لَا تَعَارُضَ فِيهَا، وَأَنَّهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهَا أَصْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ⦗٤٣٩⦘. فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ: إِنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ جَاءَتْ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ فَعَلِمْنَا ضَرُورَةً أَنَّ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ فِيهَا الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ، وَسَائِرَهَا إِمَّا وَهْمٌ، وَإِمَّا فِيهَا حَذْفٌ بِإِثْبَاتِهِ تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا. فَلَزِمَنَا أَنْ نَطْلُبَ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لِنَعْتَقِدَهُ إِذْ لَا يَخْلُو كُلُّ شَيْءٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ مِنَ الدِّيَانَةِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا اللَّهُ تَعَالَى بِطَلَبِ الْحَقِّ فِيهَا وَإِصَابَتِهِ مِنْ دَلِيلٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ عَلَيْنَا كُلَّ مَا أَلْزَمَنَا مَعْرِفَتَهُ، وَكُلَّ مَا أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ أَحَدَ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ لَا خَامِسَ لَهَا عَلَيْهَا اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الْفِقْهِ وَهِيَ: إِمَّا أَنْ يُنْزَلَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَيُعْتَمَدَ عَلَى مَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ. وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ بِزِيَادَةِ مَنْ زَادَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَتِهِ بَيَانًا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْآخَرُونَ وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا نَذَارَةٌ وَشَهَادَةٌ، فُرِضَ عَلَيْنَا الْأَخْذُ بِهَا، وَعِلْمٌ عِنْدَ الَّذِي زَادَهُ ذَكَرَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ. وَإِمَّا أَنْ نَطْلُبَ أَقْوَى الرِّوَايَاتِ بِبُرْهَانٍ وَاضِحٍ عَلَى أَنَّهُ أَقْوَاهَا بَيَانًا لَا بِدَعْوَى عَارِيَةٍ مِنَ الْبُرْهَانِ، إِذْ كُلُّ الرُّوَاةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا عُدُولٌ، فَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِقَبُولِ رِوَايَتِهِ مِنْ سَائِرِهِمْ إِلَّا بِبُرْهَانٍ وَاضِحٍ. وَإِمَّا أَنْ نَفْعَلَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ إِذْ يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْنَا آخِرًا هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ ⦗٤٤٠⦘ غَيْرُهُ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُعْتَمَدَ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ. فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ صَحَّ لَنَا بِلَا مِرْيَةٍ وَلَا شَكٍّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا، لَا تَحْتَمِلُ الْأَحَادِيثُ غَيْرَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا يَسَعُ خِلَافُهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي إِلَيْهَا فَزَعَ النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِمْ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْنَا آنِفًا كُلُّهَا تُثْبِتُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَتُبْطِلُ مَا عَدَاهُ. فَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، فَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْنَا أَخِيرًا، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ تَعَدِّيهِ، وَهُوَ رَدُّ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَنَقُولُ وَبِهِ نَعْتَصِمُ: لَمَّا اخْتَلَفَ الرُّوَاةَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَمَتَّعَ ﵊، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَنَ ﵊ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، كَانَ هَذَا تَنَازُعًا يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ وَجَدْنَاهُ ﷺ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ وَنَصَّ بِكَلَامِهِ الَّذِي لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا كَمَا ذَكَرَ عَنْهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، إِذْ قَالَ ﵊: «لَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ» ، وَكَمَا ذَكَرَ أَنَسٌ أَنَّهُ سَمِعَهُ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» ، وَكَمَا ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ ﵊ يُلَبِّي بِهِمَا مَعًا، وَكَمَا ذَكَرَتْ حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَرَّرَتْهُ ﵊ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَمِرٌ بِعُمْرَةٍ، لَمْ ⦗٤٤١⦘ يَحِلَّ مِنْهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ﵊ ذَلِكَ عَلَيْهَا، بَلْ صَدَّقَهَا وَأَجَابَهَا: أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَاجٌّ، وَهُوَ ﵊ لَا يُصِرُّ عَلَى بَاطِلٍ يَسْمَعْهُ أَصْلًا، بَلْ يُنْكِرُهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا قِرَانُهُ يَقِينًا، وَلَيْسَ فِي كُلِّ مَا رُوِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ ﵊ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ» وَلَا أَحَدَ قَالَ، إِنَّهُ ﵊ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: أَفْرَدْتُ الْحَجَّ، وَلَا رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْهُ ﵊، أَنَّهُ قَالَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي تَمَتَّعْتُ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ ﵊ أَنَّهُ قَرَنَ، وَسُمِعَ يُلَبِّيَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، صَحَّ أَنَّهُ قَارِنٌ يَقِينًا، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةُ عُدُولٍ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃، يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ ﵊ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَارِنٌ، وَكَانَ هَذَا أَوْلَى عِنْدَ كُلِّ ذِي فَهْمٍ مِنْ ذِكَايَةِ صَاحِبٍ لَمْ يَنْسُبْهَا، إِلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ فِيهِ ﵊، وَقَدْ يُخْبِرُ الْمَرْءُ مِنْ ظَنِّهِ الَّذِي يَقَعُ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ، كَمَا يُسَلِّمُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَهُوَ لَا يَشُكُّ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّهَا أَرْبَعٌ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يُعْصَمْ مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ أَمْرًا كَذَا، وَشَبَّثَ، وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى حَفْصَةَ وَعَلِيًّا وَالْبَرَاءَ وَأَنَسًا عَنْ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا، فِيمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ» ، قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، قَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ، وَذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ﵁ إِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ ﵊ يَقُولُ ذَلِكَ: إِذْ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ، وَنَهَضَ إِلَى مِنًى، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ ذِكْرَ الْحَجِّ وَلَمْ يَسْمَعْ ذِكْرَ الْعُمْرَةِ، وَمَنْ زَادَ ذِكْرَ ⦗٤٤٢⦘ الْعُمْرَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ زَادَ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدْنَا مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ، إِذْ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصِ أَعْرَابِيٍّ، هُوَ حَدِيثٌ مُشْكِلٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَالَّذِي نَقَلَتْهُ الْكَوَافُّ، أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُقَصِّرْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا، وَلَا أَحَلَّ مِنْ شَيْءٍ مِنْ إِحْرَامِهِ، إِلَّا حَتَّى حَلَقَ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَعْطَى شَعْرَهُ أَبَا طَلْحَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَلَعَلَّ مُعَاوِيَةَ عَنَى بِقَوْلِهِ: «بِحَجَّتِهِ» عُمْرَتَهُ ﵊ مِنَ الْجِعْرَانَةِ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ بَعْدَ حِينَئِذٍ، وَهَذَا الظَّنُّ لَا يُسَوَّغُ فِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَا لِأَنَّ فِيهِ بَيَانًا، أَنَّهُ كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ لَعَلَّهُ قَصَّرَ عَنْهُ ﵊ بَقِيَّةَ شَعْرٍ، لَمْ يَكُنِ اسْتَوْفَاهُ الْحَلَّاقُ بَعْدُ، فَقَصَّرَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْطَأَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَجَعَلَهُ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ فِيهِ، أَنَّهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ وَهِشَامٌ ضَعِيفٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ " إِلَّا أَنَّ الْإِسْنَادَ فِي ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ جَيِّدٌ صَحِيحٌ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ ⦗٤٤٣⦘ الَّذِيَ لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا أَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى إِذْ تَطَيَّبَ وَحَلَقَ، ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْإِفْرَادِ لِلْحَجِّ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ ﵂ تَأْوِيلًا بَيْنَ الْحَوَالَةِ، وَهُوَ أَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا ﵂ لِلنَّبِيِّ ﷺ : وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكِ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ مِنَ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَمَرْتَ النَّاسَ بِهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحِلَّ أَحَدٌ مِنْ إِحْرَامِ غَيْرِهِ، وَلَا مِنْ عُمْرَةٍ اعْتَمَرَهَا سِوَاهُ، وَهَذَا مِنَ الْمُحَالِ الْمُمْتَنَعِ، وَسُؤَالٌ لَا يُعْقَلُ مِنْ لَفْظِ حَفْصَةَ ﵂، وَلَوْلَا أَنَّهُ عَلَيْهِ وَالسَّلَامُ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ لَمْ يُهِلَّ مِنْهَا لَمَا أَقَرَّ حَفْصَةَ عَلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَقَالَ أَيْضًا قَائِلٌ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا خَطَأٌ بَلْ قَدْ ذَكَرَهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَمَا ذَكَرَهَا مَالِكٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ لَفْظِ الْعُمْرَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحَادِيثِ الْقِرَانِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَنَقُولُ: حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ، لَمَا كَانَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ مُتَعَلَّقٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَيْسَ دُونَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الْغَايَةُ فِي الْعَدَالَةِ فِي رِوَايَتِهِ، فَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ، فَسَقَطَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى حَدِيثِ حَفْصَةَ جُمْلَةً، فَإِنْ تَعَلَّقَ مُتَعَلِّقٌ بِحَدِيثَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا قَبْلُ، وَلَا عَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَهُمَا لِنَسْتَوْفِيَ مُتَعَلَّقِ الْخَصْمِ، وَلَا نَدَعُ لَهُ مَقَالًا، ثُمَّ نُبَيِّنُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى بُطْلَانَ شَغَبِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُمَا

стр. 534

٥١٣ - مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ» ، ثُمَّ انْفَرَدَ حَمَّادٌ فِي حَدِيثِهِ بِأَنَّهُ قَالَ ﵇: «وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ» ، وَانْفَرَدَ وُهَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ بِأَنْ قَالَ عَنْهُ ﵇: «فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» ، وَقَالَ الْآخَرُ: «لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» ، فَصَحَّ أَنَّهُ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَلَمْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْإِفْرَادُ لِلْحَجِّ بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا مِنْ بَعْضِ قَوْلِهِ ﵇ قِيلَ لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: لَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» ، إِنَّمَا أَرَادَ: بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ لَا حَجَّ مَعَهَا، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا خَلَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ بِأَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، فَصَحَّ أَنَّ الْهَدْيَ لَمْ يَمْنَعْ حِينَئِذٍ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنَ ⦗٤٤٥⦘ الْإِهْلَالِ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، أَوْ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، هَذَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَأَمَّا قَوْلُ حَمَّادٍ فِي حَدِيثِهِ: «فَإِنِّي أُهِلُّ بِالْحَجِّ» ، فَلَمْ يَقُلْ ﵇ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَبِعُمْرَةٍ مَعَ الْحَجِّ، بَلْ أَحَادِيثُ هَؤُلَاءِ زَائِدَةٌ عَلَى أَحَادِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ زِيَادَةً لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا إِلَى شَيْءٍ لَا بَيَانَ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا، بَلْ مُوَافِقٌ لَهَا، فَصَارَ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ حُجَّةً عَلَى مَنِ ادَّعَى الْإِفْرَادَ فِي الْحَجِّ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ قَطُّ، لَكِنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَزَادَ آخَرُونَ ثِقَاتٌ عَلَيْهِمْ فَضْلَ عِلْمٍ كَانَ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْحَجِّ عُمْرَةٌ مَقْرُونَةٌ مَعَهُ، وَهَذَا مَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَحَكِّمًا بِلَا دَلِيلٍ، وَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا وَانْتَفَى عَنْهَا التَّعَارُضُ، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، لَا كَمَا يُرِيدُ خَصْمُنَا مِنْ أَنْ يُكَذِّبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَهَذَا مَا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَهَذَا وَجْهُ الرَّدِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ قَدْ لَاحَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ الرَّدِّ ثُمَّ التَّنَازُعِ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ، وَلَكِنْ لِثِقَتِنَا بِوُضُوحِ الْحَقِّ؛ نُرِي الْخَصْمَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَعْمَلَ سَائِرَ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَا لَشَهِدَتْ كُلُّهَا بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَذَلِكَ أَنَّنَا نَقُولُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِسْقَاطِ الْمُتَعَارَضِ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَخْذِ بِمَا لَمْ يَتَعَارَضْ مِنْهَا، فَوَجْهُ عِلْمِهِ فِي هَذَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ قَدِ اضْطَرَبَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ، وَرُوِيَ عَنْ جَمِيعِهِمُ الْقِرَانُ، وَهُمْ ⦗٤٤٦⦘ عَائِشَةُ وَجَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ، وَوَجَدْنَا أَيْضًا عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمُ التَّمَتُّعُ، وَرُوِيَ عَنْهُمُ الْقِرَانُ، وَوَجَدْنَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ تَضْطَرِبِ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ، وَلَا اخْتَلَفَتْ عَنْهُمْ فِي أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا، فَنُنَزِّلُ رِوَايَةَ كُلَّ مَنِ اضْطُرِبَ عَنْهُ، وَنَرْجِعُ إِلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُضْطَرَبْ عَنْهُ، وَلَيْسَتْ إِلَّا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ خَاصَّةً، كَحْفَصَةَ وَالْبَرَاءِ وَأَنَسٍ. هَذَا وَجْهُ الْعَمَلِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى إِسْقَاطَ مَا تَعَارَضَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَخْذَ بِمَا لَمْ يَتَعَارَضْ مِنْهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ عُثْمَانَ، وَسَعْدًا لَمْ يُرْوَ عَنْهُمَا شَيْءٌ، غَيْرَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَمَتِّعًا، قِيلَ لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلِيًّا، وَعِمْرَانَ وَابْنَ عُمَرَ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَمَتِّعًا، ثُمَّ لَمَّا فَسَّرُوا ذَلِكَ التَّمَتُّعَ، ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهَذَا هُوَ الْقِرَانُ، فَوَجَدْنَاهُمْ قَدْ سَمَّوُا الْقِرَانَ تَمَتُّعًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْنَا آنِفًا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ، وَسَعْدٌ عَنِيَا أَيْضًا بِالتَّمَتُّعِ الْقِرَانَ، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ، فَكَمَا احْتُمِلَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ رِوَايَةُ حَفْصَةَ وَالْبَرَاءِ وَأَنَسٍ فِي الْقِرَانِ لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا أَصْلًا، وَالَّتِي هِيَ الْغَايَةُ فِي الْبَيَانِ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا فِي ⦗٤٤٧⦘ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ فِي فَصْلٍ مُفْرَدٍ لَهُ، وَكَحَدِيثِ عَلِيٍّ إِذْ أَمَرَ ﵇ عَلِيًّا بِالْبَقَاءِ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَمَرَ أَبَا مُوسَى بِفَسْخِ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ، وَكِلَاهُمَا أَهَلَّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ ﵇، وَذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ مَنْصُوصٌ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ، وَأَنَّ أَبَا مُوسَى، وَعُثْمَانُ، وَسَعْدًا لَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِفْرَادِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَقَدْ سَقَطَ تَعَلُّلُ أَصْحَابِ الْإِفْرَادِ جُمْلَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا مِنْ ذَهَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِالزَّائِدِ وَهُوَ وَجْهٌ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا كَانَتِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا أَوِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا مَنْسُوبَةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ دُونِهِ وَلَا تَنَازُعًا مِمَّنْ سِوَاهُ ﵇، فَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي هَذَا أَنْ نَقُولَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إِنَّا وَجَدْنَا مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ، إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ دُونَ عُمْرَةٍ مَعَهُ، وَوَجَدْنَا مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْإِهْلَالِ بِعُمْرَةٍ وَحْدَهَا دُونَ حَجٍّ مَعَهَا، وَوَجَدْنَا مَنْ رَوَى الْقِرَانَ قَدْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فَزَادَ عَلَى ذِكْرِ الْحَجِّ وَحْدَهُ عُمْرَةً وَزَادَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ الْعُمْرَةَ وَحْدَهَا حَجًّا، وَكَانَتْ هَذِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ لَمْ يَذْكُرْهَا الْآخَرُونَ، وَزِيَادَةَ حِفْظٍ وَنَقْلٍ عَلَى كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ ⦗٤٤٨⦘ مَقْبُولَةٌ وَوَاجِبٌ الْأَخْذُ بِهَا. فَوَجَبَ بِهَذَا أَيْضًا أَنْ يُصْدَرَ إِلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ دُونَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالَّذِينَ رَوَوُا الْقِرَانَ زَادُوا زِيَادَةً لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ تَرْكُهَا، وَهِيَ أَنَّهُمْ حَكَمُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ لَفْظِهِ ﵇، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، فَوَجَبَ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَى لَفْظِ أَحَدٍ بَعْدَ لَفْظِهِ ﵇، وَأَمَّا تَأْلِيفُ الْأَحَادِيثِ عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُ، فَإِنَّا نَقُولُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ لَفْظَ الْإِفْرَادِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ إِلَّا عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَرَوَى عَنْهَا الْقِرَانَ عُرْوَةُ أَيْضًا وَمُجَاهِدٌ، فَعُرْوَةُ كَمَا تَرَى مُضْطَرَبٌ عَنْهُ، يَرْوِي أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْهُ الْإِفْرَادَ، وَيَرْوِي الزُّهْرِيُّ عَنْهُ الْقِرَانَ، وَلَيْسَ مُجَاهِدٌ دُونَ قَاسِمٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْهُمَا الْقِرَانَ لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا حِكَايَةٌ طَوِيلَةٌ وَعَمَلٌ مَوْصُوفٌ لَا مَسَاغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ إِلَّا تَكْذِيبَ الرَّاوِي إِذْ لَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ الْوَصْفِ مِمَّا يُغَلَّطُ فِيهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَلَيْسَ مَنْ كَذَّبَ عَقِيلًا بِأَوْلَى مِمَّنْ كَذَّبَ أَبَا الْأَسْوَدِ، وَلَا مَنْ كَذَّبَ مُجَاهِدًا بِأَسْهَلَ ذَنْبًا مِمَّنْ كَذَّبَ الْقَاسِمَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بَلْ هُمْ كُلُّهُمُ الثِّقَاتُ الْمَشَاهِيرُ الْفُضَلَاءُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْلِيفِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَتَصْدِيقِ كِلَيْهِمَا. فَإِذْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَتْ رِوَايَةُ مَنْ وَصَفَ عَمَلَ الْقِرَانِ لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، وَكَانَتْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا ﵂ أَفْرَدَ الْحَجَّ، أَيْ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ إِلَّا حَجَّةً فَرْدَةً لَمْ يُثَنِّهَا بِأُخْرَى ⦗٤٤٩⦘، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ ﵂ سَمِعَتْهُ ﵇ يُلَبِّي بِالْحَجِّ، فَرَوَتْهُ وَلَمْ تَسْمَعْ ذِكْرَ الْعُمْرَةِ، فَلَمْ تَرْوِ مَا لَمْ تَسْمَعْ، ثُمَّ صَحَّ عِنْدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ قَرَنَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ كَمَا رَوَى عَنْهَا عُرْوَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَمَّا عَمْرَةُ، وَالْأَسْوَدُ فَلَمْ يَرْوِيَا عَنْهَا لَفْظَ الْإِفْرَادِ، وَإِنَّمَا رَوَيَا عَنْهَا: أَهَلَّ ﵇ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمَا عَنْهَا أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِالْحَجِّ؛ شَيْءٌ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا، وَلَا فِيهِ أَيْضًا ذِكْرُ إِهْلَالٍ بِعُمْرَةٍ أَصْلًا، فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ، وَالْأَسْوَدِ مَا يُوجِبُ الْإِفْرَادَ، وَلَا مَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْهَا الْقِرَانَ، وَإِنَّمَا فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ مَا اسْتَوْعَبَهُ بَعْضُ مَنْ رَوَى عَنْهَا الْقِرَانَ، فَإِذَا أَضَفْتَ إِلَى رِوَايَةِ عَمْرَةَ، وَالْأَسْوَدِ عَنْهَا رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ عَنْهَا، وَاجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ صَحَّ الْقِرَانُ يَقِينًا، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ، مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهَا فِي بَابِ فَسْخِ الْحَجِّ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّاجًا، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ عَنْهَا: مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَإِنَّمَا عَنَتْ أَصْحَابَهُ ﷺ ، لَا إِهْلَالَهُ، وَلَمْ تُضِفْ أَيْضًا أَنَّهُ قَرَنَ إِلَى الْحَجِّ عُمْرَةً، فَقَوْلُ مَنْ زَادَ أَوْلَى، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءً سَوَاءً، بَلْ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ بَيَانٌ ⦗٤٥٠⦘ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنِ الْإِفْرَادِ

стр. 535

٥١٤ - كَمَا أَخْبَرَنِي حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْبَاجِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَاقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَقَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي آخِرِ زَمَانِهِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُفْرِدُ الْحَجَّ

стр. 536

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «الْقِرَانُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمُتْعَةِ» وَقَدْ يَتَشَكَّكُ الرَّاوِي فِي اللَّفْظَةِ وَيَعْتَنِي بِمَا سَمِعَ، وَأَمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِحَدِيثٍ طَوِيلٍ كَحَدِيثِ عُقَيْلٍ يَصِفُ فِيهِ مَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِنَ الْعَمَلِ الطَّوِيلِ، وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَهَذَا وَصْفُ الْكَذِبِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ أَلْبَتَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ سَهْوٍ وَلَا غَلَطٍ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اللَّيْثُ، أَوْ عُقَيْلٌ، أَوِ الزُّهْرِيُّ، أَوْ عُرْوَةُ، أَوْ سَالِمٌ سَهَوْا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَهَؤُلَاءِ عِنْدَ كُلِّ نَاقِلٍ بُعَدَاءُ مِنَ الْكَذِبِ الْمُتَعَمَّدِ، فَصَحَّ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَلَى نَصِّهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَافَقَ مَا فِيهِ مُجَاهِدٌ؟ وَهُوَ الْفَخْمُ ثِقَةً وَأَمَانَةً، وَاتَّفَقَ سَالِمٌ، وَنَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْقِرَانِ، وَهُمَا أَوْثَقُ النَّاسِ فِيهِ، وَقَدْ وَجَدْنَا عَائِشَةَ ﵂ تَغِيبُ عَنْهَا السُّنَّةُ فَتَرْوِيهَا عَنْ غَيْرِهَا، كَمَا رَوَتْ حَدِيثَ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَحَالَتْ بِحَدِيثِ الْمَسْحِ عَلَى عَلِيٍّ ⦗٤٥١⦘، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ يَجْهَلُ حُكْمَ الصَّرْفِ فَيُبِيحُهُ مُدَّةً، ثُمَّ بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ يُحَدِّثُ بِهِ، وَهَكَذَا رَجَعَ عَنِ الْإِفْرَادِ إِلَى الْقِرَانِ إِذْ بَلَغَهُ بِلَا شَكٍّ، وَعَلَى هَذَا عَمَلُ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ عَائِشَةَ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَنْهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ إِلَّا الدَّرَاوَرْدِيُّ وَحْدَهُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا يَقِينًا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ مُفَرَّقًا فِي كِتَابِنَا هَذَا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَسَائِرُ النَّاسِ عَنْ جَابِرٍ إِنَّمَا قَالُوا: أَهَلَّ بِالْحَجِّ، أَوْ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ، حَاشَا مِنْ طَرِيقَيْنِ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا وَهُمَا

стр. 537

٥١٥ - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَسْلَمَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ»

стр. 538

٥١٦ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» ⦗٤٥٢⦘ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مُطَرِّفُ بْنُ مُصْعَبٍ مَجْهُولٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ فَإِنْ كَانَ الطَّائِفِيَّ فَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، فَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ وَأَمَّا سَائِرُ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ، فَكَمَا قَدَّمْنَا، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ﵇ أَهَلَّ أَيْضًا مَعَ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، لَكِنَّهُ سَكَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ذِكْرِهَا، وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحَدِّثَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَقَدْ قالَ ﵇: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَهَلَّ بِالْحَجِّ؛ يَقْتَضِي الْعُمْرَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، كَمَا لَمْ يَقُلِ الرَّاوِي: أَفْرَدَ الْحَجَّ، أَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَيَسْنِدُ هَذَا مَا قَدْ أَوْرَدْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، أَنَّهُ ﵇ قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً، وَالْأَظْهَرُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ، أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ إِهْلَالَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَزِيدُونَ هَا هُنَا إِلَّا شَرِيكًا: «هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ، وَلَا مَلَكَ» ، فَأَخْبَرَ جَابِرٌ أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ، وَيُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ جَابِرٍ بِعَقِبِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ

стр. 539

٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ⦗٤٥٣⦘ مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَ حَدِيثَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَفِيهِ: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَزِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ، فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» إِنَّمَا هُوَ اخْتِصَارٌ مِنْهُ وَظَنٌّ، لَا مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ، وَيُوَضِّحُ هَذَا إِيضَاحًا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ جُمْلَةً، وَيُصَحِّحُ مَا قُلْنَاهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذَكَرَ أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ، أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا، وَهَذِهِ هِيَ صِفَةُ الْقِرَانِ، وَهَكَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَنْتَ إِذَا أَضَفْتَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي حَسَّانَ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِحَجٍّ قَوْلَ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ صَحَّ الْقِرَانُ يَقِينًا، وَاتَّفَقَتْ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ هَذَا إِلَّا بِتَكْذِيبِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ مَنْ كَذَّبَ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِمَّنْ كَذَّبَ الْأُخْرَى، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِهَذَا تَتَآلَفُ جَمِيعُ الرِّوَايَاتِ، وَيَصِحُّ تَصْدِيقُ جَمِيعِهَا وَإِضَافَةُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، فَوَهَتْ رِوَايَاتُ الْإِفْرَادِ وَسَقَطَتْ كُلُّهَا ⦗٤٥٤⦘، ثُمَّ عُدْنَا إِلَى الرِّوَايَاتِ فِي التَّمَتُّعِ فَوَجَدْنَا عَائِشَةَ وَعُمَرَ، وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ﵃، ذَكَرُوا أَنَّهُ ﵇ تَمَتَّعَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ لَمَّا فَسَّرُوا قَوْلَهُمْ ذَلِكَ، أَتَوْا بِصِفَةِ الْقِرَانِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى أَتَمَّ جَمِيعَ الْحَجِّ، وَصَدَرَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا احْتُمِلَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ، وَسَعْدٍ ﵄ فِي التَّمَتُّعِ، أَنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْقِرَانَ مَعَ شُهْرَةِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ الْمَنْقُولِ نَقْلَ الْكَافَّةِ: أَنَّهُ ﵇ لَوِ اسْتَقْبَلَ مِنْ أَمْرِهِ مَا اسْتَدْبَرَ مَا سَاقَ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلَهَا عُمْرَةً، وَلَأَحَلَّ كَمَا أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَحِلُّوا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ فِي بَابِ فَسْخِ الْحَجِّ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصِّحَاحُ الْمَشْهُورَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ﵇ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، ثُمَّ أَحَلَّ مِنْهَا، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَصَارَ مُتَمَتِّعًا، فَلَمَّا وَهَتْ رِوَايَاتُ التَّمَتُّعِ وَبَطَلَ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا رِوَايَاتُ الْقِرَانِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَا، وَثَبَتَتْ صِحَّتُهَا إِذْ مَنْ وَصَفَ صِفَةَ الْقِرَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، وَلَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا وَهْمٌ، وَمَنِ اعْتَرَضَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْسُبُ الْكَذِبَ الْمُجَرَّدَ إِلَى الصَّحَابَةِ ﵃، وَيَصِفُهُمْ بِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلًا لَمْ يَسْمَعُوهُ، وَحَدَّثُوا بِعَمَلٍ طَوِيلٍ لَمْ يَكُنْ كَمَا حُدِّثُوا، وَهَذَا فَظِيعٌ جِدًّا لَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ ذُو وَرَعٍ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَكَانَ الرُّوَاةُ لِلْقِرَانِ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، مِنْهُمْ سِتَّةٌ مَدَنِيُّونَ ⦗٤٥٥⦘، وَوَاحِدٌ مَكِّيٌّ، وَاثْنَانِ بَصْرِيَّانِ، وَثَلَاثَةٌ كُوفِيُّونَ، وَبِدُونِ هَذَا النَّقْلِ تَصِحُّ الْأَخْبَارُ صِحَّةً تَرْفَعُ الشَّكَّ، وَتُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، فَصَحَّ بِذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَانَتْ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا مَنِ ادَّعَى الْإِفْرَادَ أَوِ التَّمَتُّعَ غَيْرَ مُخَالَفَةٍ لِرِوَايَةِ الَّذِينَ رَوَوُا الْقِرَانَ، وَلَا دَامِغَةً لِلْقِرَانِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِنَّ جَابِرًا كَانَ أَحْسَنَ الصَّحَابَةِ اقْتِصَاصًا لِلْحَدِيثِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِرِوَايَتِهِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، أَنَّ جَابِرًا وَإِنْ كَانَ وَصَفَ أَكْثَرَ الْحَدِيثِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فَقَدْ وَصَفَ حَالَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ

стр. 540

٥١٨ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ هُوَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَفِيهِ: فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَا مَدَّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ⦗٤٥٦⦘، فَهَذَا جَابِرٌ يَصِفُ مِنْ كَثْرَةَ الزِّحَامِ مَا تَسْمَعُ، وَعَائِشَةُ ﵂ حِينَئِذٍ بِلَا شَكٍّ فِي هَوْدَجِهَا فِي الثَّقَلِ وَالْحُرَمِ وَمَعَ النِّسَاءِ، وَكَانَ أَنَسٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا وَصَفَ مِنْ حَالِهِ: أَنَّهُ كَانَ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، يَرَى أَنَّ رِجْلَهُ تَمَسُّ غَرْزَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَهُ، فَمَنْ أَوْلَى بِحِفْظِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ وَلَصِيقَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَحَدٌ، أَوْ مَنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ وَفِي زِحَامٍ شَدِيدٍ؟ وَلَسْنَا نَقُولُ هَذَا غَضًّا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُلْنَاهُ إِنْكَارًا عَلَى مَنْ غَضَّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ بِالصِّغَرِ، أَوْ مَنْ أَرَادَ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسٍ، فَأَرَيْنَاهُ أَنَّ رِوَايَةَ أَنَسٍ أَخَصُّ بِهِ ﵇ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِلَا شَكٍّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ زَادَ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ مَعْنًى أَوْ حُكْمًا وَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ، إِذْ كُلُّهُمُ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ الَّذِينَ بَلَّغُوا إِلَيْنَا دِينَنَا عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ ، وَكُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا سَمِعَ، فَمَنْ زَادَ عِلْمًا كَانَ عِنْدَهُ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ

стр. 541

٥١٩ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَوْجَبَ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةً وَاحِدَةً، فَمِنْ هُنَالِكَ اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَهُ ⦗٤٥٧⦘ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا، فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا عَلَا شَرَفَ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ بِهِ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ

стр. 542

٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، , عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ

стр. 543

٥٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ ⦗٤٥٨⦘ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ لَبَّى دُبُرَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ قَائِمَةٌ، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ أَهَلَّ ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا عَلَا الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ، فَسَمِعَهُ الَّذِينَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: أَهَلَّ وَلَبَّى مِنَ الْمَسْجِدِ، وَسَمِعَهُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالُوا: أَهَلَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَبُو دَاوُدَ هَذَا هُوَ عُمَيْرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، أَنْصَارِيٌّ بَدْرِيٌّ أُحُدِيٌّ

стр. 544

٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرُهُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى اسْتَوَتْ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ شَيْئًا مِمَّا عَمِلْنَاهُ، فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ التَّلْبِيَةِ

стр. 545

٥٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ الْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: كُلٌّ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَهَلَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، وَأَهَلَّ عَلَى رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَكَذَا عَرَضَ حَرْفًا حَرْفًا فِيمَا أَهَلَّ بِهِ ﵇، فَمَنْ سَمِعَهُ فِي حَالِ سَيْرِهِ، فَأَدْرَكَ مِنْهُ ذِكْرَ الْحَجِّ، قَالَ: لَبَّى ﵇ بِحَجٍّ، أَوْ قَالَ: أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الْعُمْرَةَ، قَالَ: أَهَلَّ ﵇ بِعُمْرَةٍ، أَوْ قَالَ: تَمَتَّعَ ﵇ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَكُلٌّ صَادِقٌ فِيمَا حَكَى، وَالْجَامِعُ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا أَصَحُّ سَمَاعًا وَأَثْبَتُ رِوَايَةً، وَبِرِوَايَتِهِ تَتَآلَفُ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ، وَبِاجْتِمَاعِهَا كُلِّهَا يَصِحُّ الْحَقُّ، لَا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ تَحَكُّمًا فِي دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا دَلِيلٍ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِفْرَادِ، بِأَنْ قَالَ: إِجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى أَنْ قَالُوا: حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَقُولُوا: قِرَانُ الْوَدَاعِ، وَلَا مُتْعَةُ الْوَدَاعِ، يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ ﵇ مُهِلًّا بِحَجٍّ مُفْرَدٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا ظَنٌّ سَاقِطٌ وَقَوْلٌ كَاذِبٌ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّاسُ: حَجَّةُ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَحُجَّ مُنْذُ هَاجَرَ غَيْرَهَا، وَالْقِرَانُ لَا شَكَّ فِيهِ، فَقَوْلُنَا: حَجَّةٌ، يَقْتَضِي الْقِرَانَ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَاكْتَفَى النَّاسُ بِذِكْرِ الْحَجِّ عَنْ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ؛ لِدُخُولِ ⦗٤٦٠⦘ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجَّةِ، وَلِعَمَلِهِ ﵇ لَهُمَا مَعًا عَمَلًا وَاحِدًا، وَيَدْفَعُ هَذَا الْوَسْوَاسَ كُلَّهُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا مَعَ حَجَّتِهِ، وَالْعُمْرَةُ أَيْضًا هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ

стр. 546

٥٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الْقُرَيْنَشِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْمُصَلَّى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ،: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْمُتْعَةُ، فَالْعُمْرَةُ حَجٌّ، فَاسْمُ الْحَجِّ يَقَعُ عَلَى الْعُمْرَةِ وَعَلَى مَا زَادَ مِنَ الْأَعْمَالِ فِي الْحَجِّ عَلَى عَمَلِهَا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَعْتَرِضُ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لَهُ غَيْرُ مُخَالِفَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ يَرُدُّ رِوَايَةَ عَائِشَةَ، فِي أَنَّهَا طَيَّبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ إِحْرَامِهِ، وَبَقِيَ الطِّيبُ فِي رَأْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، تَرَاهُ فِيهِ، وَلِإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ ﵇ إِلَى الْبَيْتِ بِأَطْيَبِ الطِّيبِ، وَبِالْمِسْكِ، وَفِي ذِكْرِ هَذَا مَا يُغْنِي عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ⦗٤٦١⦘. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ اضْطِرَابَ الرِّوَايَةِ فِي مَوْضِعِ إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّهُ ﵇ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَقَوْلَ جَابِرٍ: أَهَلَّ ﵇ مِنَ الْبَيْدَاءِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ قَوْلِ جَابِرٍ

стр. 547

٥٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي دَاوُدَ الْأَنْصَارِيِّ، إِنَّهُ أَهَلَّ إِثْرَ رُكُوعِهِ فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْآثَارُ كَمَا ذَكَرْنَا نَظَرْنَا فِيهَا، فَوَجَدْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ أَصَحَّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ خُصَيْفًا وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا قَوْمًا لَيْسُوا بِالْمَشَاهِيرِ، فَوَجَبَتْ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ لِصِحَّتِهَا، فَوَجَدْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ زَائِدًا عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَنَسٍ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ، فَلِهَذَا مِلْنَا إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فَضْلَ عِلْمٍ كَانَ عِنْدَهُ، مِنْ أَنَّهُ ﵇ أَهَلَّ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ جَابِرٍ وَلَا أَنَسٍ، وَلَيْسَ مَنْ غَابَ عَنْهُ عِلْمٌ مَا، حُجَّةً عَلَى مَنْ عَلِمَهُ، بَلْ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لَأَخَذْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ زَائِدًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُمَا قَوِيًّا وَجَبَ أَنْ نَعْتَمِدَ عَلَى الْقَوِيِّ، وَلَمْ نُورِدْهُمَا احْتِجَاجًا بِهِمَا، لَكِنْ أَوْرَدْنَاهُمَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَعَارُضُهُمَا مَعَ أَحَادِيثِ جَابِرٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا. وَالْآخَرُ أَنْ نَذْكُرَ: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ اخْتِلَافُ نَقْلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، أَوْجَبَهُ تَفَاضُلُ عِلْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي رَوَوْا فِيهِ مَا رَوَوْا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ

стр. 548

الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ شَيْءٌ ادَّعَاهُ الْمَالِكِيُّونَ تَعَارُضًا فِي أَمْرِهِ ﷺ الرَّجُلَ وَالْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عَنْ أُمِّهِ وَعَنْ أَبِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَنُعِيدُ مِنْهَا هَا هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَادِيثَ صِحَاحًا مُتَظَاهِرَةً مُتَنَاصِرَةً، يُبْطِلُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْبَاطِلَ

стр. 549

٥٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَتِ امْرَأَةُ سِنَانٍ الْجُهَنِيِّ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ، أَفَيُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا، أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا، فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا»

стр. 550

٥٢٧ - وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُرَّزَاذَ أَنْطَاكِيٌّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ ⦗٤٦٤⦘ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً، سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِيهَا، مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، قَالَ: «فَحُجِّي عَنْ أَبِيكِ»

стр. 551

٥٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالظَّعْنَ، قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ»

стр. 552

٥٢٩ - وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ»

стр. 553

٥٣٠ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ النَّبَاتِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ⦗٤٦٥⦘ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ، فَأَتَى أَخُوهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاقْضُوا اللَّهَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»

стр. 554

٥٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ، وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَحُجَّ عَنْهُ»

стр. 555

٥٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ إِنْ حَزَمَهَا خَشِيَ أَنْ يَقْتُلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْزِمْهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهَا

стр. 556

٥٣٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلَمَنْكِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، إِنْ حَزَمْتُهَا عَلَى الرَّحْلِ خَشِيتُ عَلَيْهَا، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: حُجَّ عَنْ أُمِّكَ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ أَبُو سَعِيدٍ التُّسْتَرِيُّ، بَصْرِيٌ، كَانَ يَنْزِلُ بِأَهْلِهِ عِنْدَ مَقْبَرَةِ بَنِي سَهْمٍ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، يَرْوِي عَنْهُ وَكِيعٌ وَالْحَجَّاجُ وَغَيْرُهُمَا، ثِقَةٌ ثَبَتٌ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ الْفَلَّاسُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الثِّقَةِ، وَكَانَ يَرْوِي عَنِ الْحَسَنِ فَيُعْرِبُ، وَيَرْوِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فَيَلْحَنُ، وَلَيْسَ هُوَ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ قَتَادَةَ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَغَيْرُ مُنْكَرٍ أَنْ يُرْدِفَ النَّبِيُّ ﷺ عُبَيْدَ اللَّهِ وَغَيْرَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَهُ جَمَاعَةٌ فِي وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةَ؛ فَأَفْتَاهُمْ ⦗٤٦٧⦘ كُلُّهُمْ ﷺ بِتَأْدِيَةِ الْحَجِّ عَنِ الَّذِي لَا يُطِيقُهُ، وَعَنِ الْمَيِّتِ: امْرَأَةٌ عَنْ أَبِيهَا، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَامْرَأَةٌ عَنْ أُمِّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ حَجًّا لَزِمَهَا بِنَذْرٍ، وَلَا يُقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا كَذَّابٌ يُكَذِّبُ الصَّحَابَةَ وَالْأَثْبَاتَ الَّذِينَ رَوَوْا ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْهُمُ الَّذِينَ تَقْلِيدُهُ الَّذِي يُهْلِكُهُ فِي أُخْرَاهُ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي حَدِّ نَقْلِ التَّوَاتُرِ الَّذِي يَقْطَعُ الْعُذْرَ، فَأَقْدَمَ قَوْمٌ عَلَى خِلَافِهِ

стр. 557

٥٣٤ - كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَاقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَحُجُّ عَنْ أَبِي؟ قَالَ: «نَعَمْ إِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا»

стр. 558

٥٣٥ - وَبِمَا أَخْبَرَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الْقُرَيْنَشِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَدَوِيِّ ثُمَّ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ امْرَأَةً، مِنَ الْعَرَبِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِتَحُجِّي عَنْهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ»

стр. 559

٥٣٦ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ فَحْلُونَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ الْمَغَامِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ ⦗٤٦٩⦘ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ صَالِحٍ الطَّلْحِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَدٌ عَنْ وَالِدٍ»

стр. 560

٥٣٧ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ حَبِيبٍ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْكَدِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبَّانِ الْأَنْصَارِيَّ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَقْوَى عَلَى الْحَجِّ، قَالَ: «فَلْتَحُجِّي عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: «وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ» ، فَفِي غَايَةِ السِّقُوطِ وَالْوَهْيِ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِ مَجْهُولَانِ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُمَا، وَهُمَا: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَأَحَدُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ مُطَرِّفِ، عَنْ مَجْهُولِينَ مُرْسَلٌ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ لَا شَيْءَ. وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يَعْصِي هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنِ اسْتَجَازَ التَّمْوِيهَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْصَى بِهِ، وَيَقْضُونَ بِذَلِكَ، وَيُجْبِرُونَ الْوَرَثَةَ وَالْأَوْصِيَاءَ عَلَى إِنْفَاذِهِ، فَقَدْ خَالَفُوا مَا رَوَوْا فِي ⦗٤٧٠⦘ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ مِنَ الْمَرْءِ عَنْ آخَرَ لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ أَبِي الْخَثْعَمِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي النَّقْضِ أَكْثَرُ مِنِ احْتِجَاجِ الْمَرْءِ بِشَيْءٍ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ: «لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَدٌ عَنْ وَالِدٍ» ، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ، وَرِوَايَتُهُ مُطَّرَحَةٌ سَاقِطَةٌ، وَبَلِيَّةٌ مِنَ الْبَلَايَا، لَوْ رُوِيَ عَنِ الثِّقَاتِ. فَكَيْفَ عَنِ الطَّلْحِيِّ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ؟ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُو سَاقِطٌ وَمُرْسَلٌ مَعَ ذَلِكَ، وَهُمْ أَيْضًا لَا يَقُولُونَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ مَعْلُولٌ، وَإِنَّ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ أَخْطَأَ فِيهِ، وَلَكِنَّا لَا نَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: إِنَّ أَبَاهُ لَمْ يَكُنْ حَجَّ، وَلَا أَنَّهُ حَيٌّ، وَلَا أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَلَا أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ ⦗٤٧١⦘ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا» ، فَصَدَقَ قَائِلُ هَذَا، قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَهُ غَيْرُهُ، وَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقْبَلَ عَمَلُهُ فَيَزِيدَ الْمَجْمُوعُ عَنْهُ خَيْرًا بِلَا شَكٍّ، أَوْ لَا يُقْبَلَ فَلَيْسَ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأَيُّ حُجَّةٍ لَهُمْ فِي هَذَا لَوْلَا التَّعَسُّفُ وَالْعَمَى الْمُهْلِكُ؟ . فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ عَمَلَ الْمَرْءِ لَا يَلْحَقُ غَيْرَهُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الَّذِي أَتَانَا بِهَذَا عَنِ اللَّهِ هُوَ الَّذِي أَمَرَنَا بِأَنْ نَحُجَّ عَمَّنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَاجِزِي الْأَحْيَاءِ وَمِنَ الْمَوْتَى الَّذِينَ لَمْ يَحُجُّوا، فَمَنْ صَدَّقَهُ فِي الْوَاحِدَةِ صَدَّقَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَنْ كَذَّبَهُ فِي الْوَاحِدَةِ أَوْ عَصَاهُ فَمَا يَنْتَفِعُ بِدَعْوَاهُ تَصْدِيقَهُ فِي الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قَالُوا: عَمَلُ الْأَبَدِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَهُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، قِيلَ لَهُمُ: الْقِيَاسُ فَاسِدٌ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَا هُنَا عَلَيْكُمْ وَهَادِمًا لِمَذْهَبِكُمْ، وَكَانَ يُقَالُ لَكُمُ: الْفَرَائِضُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ فِي الْأَمْوَالِ، وَقِسْمُ عَلَى الْأَبْدَانِ، وَكِلَاهُمَا مُفْتَرَضٌ، وَكِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقِيسُوا أَعْمَالَ الْأَبْدَانِ عَلَى أَعْمَالِ الْأَمْوَالِ، فَكَمَا يُؤَدِّي الْمَرْءُ فَرْضَ الْمَالِ عَنْ غَيْرِهِ كَذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهُ عَمَلَ الْبَدَنِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ ﵇: «لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ» ، فَجَعَلَ أَدَاءَ الْحَجِّ كَأَدَاءِ الدَّيْنِ ⦗٤٧٢⦘، وَمِنْ أَعْجَبِ شَيْءٍ احْتِجَاجُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، وَهُمْ عَاصُونَ لَهُ، أَفَيَكُونُ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِحَدِيثٍ فِي غَيْرِ مَا قَصَدَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَيُخَالِفُهُ فِيمَا قَصَدَهُ بِهِ؟ وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ فِي وَرَدَ وَلَا صَدَرَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ وُجُوبِ الْحُكْمَيْنِ فِي أَنَّ كِلَيْهِمَا دَيْنٌ فَقَطْ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ ﵇ بَأَنَّ دُيُونَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْكَدُ مِنْ دُيُونِ النَّاسِ بِخِلَافِ مَا يَقُولُ خُصُومُنَا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ فَدَخَلَ فِي سَعْيِهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ إِنْ أَوْصَى أَنْ يُصَامَ عَنْهُ؟ فَعَنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُصَامُ عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ نَقَضْتُمْ عِلَّتَكُمُ الْفَاسِدَةَ فِي قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ دَخَلَ بِوَصِيَّتِهِ بِهِ فِي جُمْلَةِ سَعْيِهِ، فَقُولُوا أَيْضًا: إِنَّهُ قَدْ دَخَلَ الصَّوْمُ بِوَصِيَّتِهِ بِهِ فِي جُمْلَةِ سَعْيِهِ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْحَجَّ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ. فَيُقَالُ لَهُمْ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذِهِ الْحُجَّةُ، مَنْ أَتَاكُمْ بِهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَصَّلْتُمْ هَذَا الْأَصْلَ الْفَاسِدَ؟ وَقَدْ أَرَيْنَاكُمْ أَنَّهُ فَاسِدٌ بِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَأَنَّ الدَّلِيلَ يُفْسِدُهَا؟ وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ فِي وُجُوبِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَجِّ عَنْهُ وَلَا فَرْقَ، وَلَيْسَ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ إِجْمَاعًا بَلْ قَدْ قَالَ بِإِيجَابِ الصَّلَاةِ عَنِ الْمَيِّتِ طَائِفَةٌ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ فَيُجِيزُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْمَقَامِ فِي الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، وَأَنْ يُرَتِّبَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ رُتْبَةَ مَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَهَذَا ضِدُّ مَا ادَّعَوْهُ إِجْمَاعًا، فَقَدْ قَرَّرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمُخَالَفَتِهِمُ الْإِجْمَاعَ ⦗٤٧٣⦘. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا نَقُولُ إِلَّا بِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ، فَأَمَرَ ﵇ بِالْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَعَنِ الْعَاجِزِ، وَبِالصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَبِقَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ، فَنَقُولُ بِذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمُقَدَّمٌ عَلَى دُيُونِ النَّاسِ، وَعَلَى الْوَصَايَا، وَلَا شَيْءَ لِلدُّيُونِ إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُؤَدَّى عَنْ أَحَدٍ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، فَلَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وَلَوْ جَاءَ بِذَلِكَ نَصٌّ لَقُلْنَا بِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَنْ نَذَرَ صَلَاةً فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا فَوَاجِبٌ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَقْضِيَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ " فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَالْقَاسِمَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَيُّوبَ لَمْ يَرَوُا الْحَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ، قِيلَ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَهُمْ فَأَجَزْتُمُ الْحَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ، فَكَيْفَ تَحْتَجُّونَ بِشَيْءٍ تُخَالِفُونَهُ؟ وَهَذَا مِنَ الْجُرْأَةِ مَا هُوَ " وَحَتَّى لَوْ وَافَقْتُمُوهُمْ وَقُلْتُمْ بِالْمَنْعِ مِنَ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ، فَقَدْ خَالَفَ مَنْ ذَكَرْنَا غَيْرَهُمْ مِثْلَهُمْ إِذْ قَدْ أَوْجَبَهُ قَتَادَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمُجَاهِدٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، قَالُوا: أَوْصَى أَوْ لَمْ يُوصِ، وَالزُّهْرِيُّ قَالَ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابُ الظَّاهِرِ قَالُوا ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَجَمِيعِ دُيُونِ اللَّهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 561

الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ تَعَارُضُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀:

стр. 562

٥٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ الطَّائِيُّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ فَقُلْتُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ ﵇: «مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا، وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ حَتَّى يُفِيضَ، وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»

стр. 563

٥٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ هُو الشَّعْبِيُّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي بِجَمْعٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْتُ ⦗٤٧٥⦘ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» فَذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَجُمْهُورُ النَّاسِ، فَقَالُوا: مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا نَهَارًا فَحَجَّهُ تَامٌّ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: وَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَحَجُّهُ تَامٌّ، لَا دَاخِلَةَ فِيهِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ حَجَّهُ فَاسِدٌ وَتَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ

стр. 564

٥٤٠ - بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوْنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ حُنَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ رَحْمَةُ بْنُ مُصْعَبٍ الْفَرَّاءُ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ» ⦗٤٧٦⦘ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ إِلَّا جَاهِلٌ فَهُوَ مَلُومٌ لِتَكَلُّمِهِ بِمَا لَا يَدْرِي، أَوْ مُعَانِدٌ يَدْرِي سُقُوطَ هَذَا الْحَدِيثِ فَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا عَوْنِ بْنَ عَمْرٍو، وَدَاوُدَ بْنَ حُنَيْنٍ، وَرَحْمَةَ بْنَ مُصْعَبٍ الْفَرَّاءَ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ، فَلَا يَسَعُ مُسْلِمًا أَنْ يَحْتَجَّ بِمِثْلِ هَذَا. وَتَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ: «عُرْوَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا أَقْبَحُ وَأَسْوَأُ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهَذَا جَمَعَ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَالْكَذِبَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، وَالتَّنَاقُضَ وَالْحُكْمَ بِلَا دَلِيلٍ، وَأَمَّا الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ حَكَمَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] إِنَّمَا عَنَى آثِمًا وَكَفُورًا، وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ الْفَاسِدِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَهُ عَنْ طَاعَةِ الْإِثْمِ حَتَّى يَكُونَ كَفُورًا، وَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ، فَقَاسَ هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى: لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَنْ لَا أَحَدُهُمَا دُونَ الثَّانِي. وَأَمَّا الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطَعَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ لَيْلًا وَنَهَارًا فَأَتَى بِلَفْظٍ مُلْبِسٍ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ تَعَالَى اللَّهُ وَتَنَزَّهَ رَسُولُهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مَنْ نَقَلَ الْحُرُوفَ اللُّغَوِيَّةَ الْمَوْضُوعَةَ بِمَعَانٍ مَحْدُودَةٍ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْقُلَهَا عَنْ ⦗٤٧٧⦘ مَوْضُوعِهَا فِي اللُّغَةِ إِلَّا بِدَلِيلِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةِ حِسٍّ. وَأَمَّا تَنَاقُضُهُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَلَمْ يَقِفْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، فَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمُ الْفَاسِدُ فِي أَنَّ مَعْنَى مُرَادِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مَعًا، وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَأْوِيلِهِمُ الْكَاذِبِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا بِهَا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُخَالَفَةُ فِعْلِهِ ﵇، قِيلَ لَهُمْ: فَأَوْجِبُوا الْوُقُوفَ بِهَا نَهَارًا وَإِلَّا فَلَا حَجَّ، فَإِنَّمَا كَانَ وُقُوفُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا بِيَقِينٍ نَهَارًا، وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا - وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا - تُنْبِئُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ مِنْهَا حِينَ غَابَ الْقُرْصُ، فَأَيْنَ الْوُقُوفُ لَيْلًا؟ مَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ وَقَفَ فِيهَا بَعْدَ مَغِيبِ الْقُرْصِ أَصْلًا، لَا مَا قَلَّ وَلَا مَا كَثُرَ، وَإِنَّمَا صَحَّ أَنَّهُ ﵇ دَفَعَ مِنْهَا عِنْدَ مَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ الدَّفْعُ وُقُوفًا فَمَا صَحَّ قَطُّ أَنَّهُ ﵇ وَقَفَ بِهَا لَيْلًا أَصْلًا، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَلْيَتَّقِ الْقَوْلَ بِمَا لَا عِلْمَ بِهِ، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ " فَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَجْمَعْنَا كُلُّنَا أَنَّ مَنْ وَقَفَ لَيْلًا فَقَدْ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفْنَا فِيمَنْ وَقَفَ نَهَارًا فَيَجِبُ أَنْ لَا نَخْرُجَ مِمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى وُجُوبِهِ إِلَّا بِاتِّفَاقٍ عَلَى أَدَائِهِ، وَقِيلَ لَهُمْ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا تَمْوِيهٌ زَائِفٌ، وَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَلْتَزِمُوا هَذَا فِي قَوْلِنَا: إِنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الرِّجَالِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ صَبِيحَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ مِنَ النِّسَاءِ فَلَا حَجَّ لَهُ، فَنَقُولُ: قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا ذَكَرْنَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَاخْتَلَفْنَا فِيمَنْ لَمْ يَقِفْ كَذَلِكَ فَقُلْنَا نَحْنُ: لَا حَجَّ، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: حَجُّهُ تَامٌّ ⦗٤٧٨⦘ فَيَلْزَمُكُمْ - عَلَى مَا الْتَزَمْتُمْ - أَنْ تَقُولُوا بِقَوْلِنَا بِذَلِكَ، فَلَا مَخْرَجَ مِمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى وُجُوبِهِ إِلَّا بِاتِّفَاقٍ آخَرَ، وَهَذَا إِذَا الْتَزَمْتُمُوهُ أَفْسَدَ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ مَذْهَبِكُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْ مَسَائِلِكُمْ جِدًّا، فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مَا قُلْنَاهُ، وَمَا نَعْلَمُ مِنْ إِيجَابِ مَنْ أَوْجَبَ الدَّمَ عَلَى مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا وَلَمْ يَقِفْ لَيْلًا مَعْنًى وَلَا دَلِيلًا بِوَجْهٍ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ

стр. 565

٥٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَشَغَبَ بِهَذَا قَوْمٌ فِي أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرْضٌ، وَأَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْسَ بِفَرْضٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ حَجِّهِ مَا إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ بَطَلَ حَجُّهُ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ زِدْتُمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَرْضًا لَيْسَ فِيهِ " فَإِنْ قَالُوا: زِدْنَاهُ بِنَصٍّ آخَرَ، قِيلَ لَهُمْ: وَكَذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا زِدْنَا عَلَى مَا فِيهِ فَرْضًا، وَجَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِأَخْبَارٍ صِحَاحٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَرْضَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ، وَذَكَرْنَا فَرْضَ الْجَمْرَةِ فِي خُطْبَتِهِ ﵇ بِمِنًى، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
следующие страницы →