← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وثانيها: حمص (١)، فأخذ عن حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي، ويزيد بن عبد ربه مؤذنها. وثالثها: حلب حيث جلس إلى الطلب عند أبي توبة الربيع بن نافع (٢). ومشى إلى الثغور (٣) وتوغل إلى طَرَسُوس (٤) فكتب المسند بها. وذكر الحاكم أنه سمع بالحجاز (٥)، وأمَّا مكة المكرمة فقد روى فيها عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، واعتمده في الرواية عن مالك، وكذا روى عن سليمان بن حرب (٦). ثم عاد أبو داود السجستاني إلى بلده سجستان (٧)، وهناك وُلدَ له ابنه عبد الله، وذلك سنة (٢٣٠ هـ) (٨)، ورحل به إلى خراسان (٩)، وهناك رأى ابن أبي داود جنازة إسحاق بن راهويه سنة (٢٣٨ هـ)، وأول ما كتب كان عام (٢٤١ هـ) بطوس عن محمد بن أسلم الطوسي فسُرَّ أبوه لذلك، وقال له: أول ما كتبت كتبت عن رجل صالح (١٠). ثم أستقر أبو داود ببغداد وبها صنَّف كتابه "السنن" وعرضه على الإمام أحمد فاستحسنه وأجازه (١١).

стр. 107

المبحث السادس: مذهبه الفقهي معظم الذين ترجموا للإمام أبي داود ذكروه في الطبقة الأولى من أصحاب الإمام أحمد كابي إسحاق الشيرازي والقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفراء، وعدَّه الحافظ الذهبي من نجباء أصحابه (١). وبذلك جزم المحدِّثُ الشيغ محمد أنور الكشميري، والشيخُ محمد زكريا الكاندهلوي (٢). وعدّه أبو عاصم العبَّادي وابن باطيش في الشافعية، وتبعهما تاج الدين ابن السُّبكي، وشايعهم على ذلك طاش كُبرى زاده وصِدّيق حسن خان القِنَّوجي، وفيه نظر، فقد قال الداوودي: ولم يذكروا لذلك دليلًا (٣). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأئمة الستة وآخرين: هل كانوا مجتهدين لم يُقلدوا أحدًا، أم كانوا مقلدين؟ فأجابهم بقوله: أما البخاريُّ وأبو داود فإمامانِ في الفقه مِن أهلِ الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم، فهم على مذهب أهل الحديث، ليسوا مقلدين لواحدٍ بعينه من العلماء، ولا هُمْ مِن الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل هم يميلون إلى قول أئمة الحديث

стр. 108

كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد، وأمثالهم، ومنهم مَنْ له اختصاصٌ ببعضِ الأئمة كاختصاص أبي داود ونحوه باحمد بن حنبل، وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك وأمثاله أميلُ منهم إلى مذاهب أهل العراق، كأبي حنيفة والثوري (١). * * * المبحث السابع: شمائله وفضائله من أهم الفضائل التي اتسم بها أبو داود، والتي تتضح من خلال سيرته: ١ - تمثله بالسنة النبوية سلوكًا ومنهجًا: كان ﵀ ممن عرف باتباع السنة وتمثلها في سمته ودله، ولذلك فقد شبه بشيخه الإمام أحمد، الذي شبه بشيخه وكيع في ذلك، وهو شُبِّه بشيخه الثوري، وذلك شُبِّهَ بشيخه منصور بن المعتمر، وذاك شُبِّه بشيخه علقمة، وذاك شُبِّهَ بشيخِه ابن مسعود - ضي الله عنه-، الذي شبه برسول الله ﷺ في سمتِه ودَلِّه (٢). ٢ - عزةُ نفسِه، وتَسوِيَتُه بين الشريف والوَضيعِ في العلمِ والتحديث: ومما يدل على ذلك قصَّته مع الأمير الموفَّق -الذي كان وليَّ عهد الخليفة في ذلك الوقت- حيث لم يوافقه على أن يُفرِدَ لأولاده -أولاد الأمير- مجلسًا خاصَّا بهم للرواية، فقال ردًّا على الموفَّق: أمَّا هذِه: فلا

стр. 109

سبيلَ إليها؛ لأنَّ الناسَ شريفَهم ووَضيعَهم في العلم سواء (١). ٣ - زهدُه وورعه وتواضعُه: وردَ عنه أنه قال: مَن آقتصَرَ على لباسٍ دُونٍ، ومطعم دُونٍ: أراحَ جسدَه (٢). وقال: الشهوة الخفيةُ: حبُّ الرئاسة (٣). وقال: خيرُ الكلامِ ما دخلَ الأذن بغير إذن (٤). ومما يدل على تواضعه الجَمِّ: ما ذكرَه في رسالته إلى أهل مكة من قوله -وهو في معرض بيان منهجه في الأحاديث المعلَّة-: فربما تركت الحديثَ إذا لم أفقهه (٥). أي: ربَّما تركتُ الحديثَ ولم أدوِّنه في كتابي إذا لم أتبيَّن سلامتَه من العِلَل. وهذا التصريحُ منه يدلُّ على تواضعِه (٦).

стр. 110

المبحث الثامن: ثناء العلماء عليه قال الإمامان: محمد بن إسحاق الصَّاغاني (ت ٢٧٠ هـ) وإبراهيم الحربي (ت ٢٨١ هـ) -لما صنف أبو داود "السنن"-: أُلين لأبي داود الحديثُ كما أُلين لداود الحديد (١). وقال تلميذُه علَّان بن عبد الصمد (ت ٢٨٩ هـ): كان أبو داود من فرسان هذا الشأن (٢). وقال موسى بن هارون الحافظ (ت ٢٩٤): خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيتُ أفضلَ منه (٣). وقال أبو بكر الخلال الفقيه المعروف (ت ٣١١ هـ): أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الإمام المقدَّم في زمانه، رجلٌ لم يَسبِقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصرِه بمواضعِها، أحدٌ في زمانه، رجلٌ وَرعٌ مقدَّم (٤). وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي (ت ٣٣٤ هـ) في "تاريخ هراة": كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمه، وعلله، وسنده، في أعلى درجة النسك، والعفاف، والصلاح، والورع، من فرسان الحديث (٥).

стр. 111

وذكرَ الخلَّال أن إبراهيم الأصفهاني (ت ٢٦٦ هـ) وأبو بكر بن صدقة (ت ٢٩٣ هـ) كانا يرفعان من قدره، ويذكرانه بما لا يذكران أحدًا في زمانه بمثله (١). وقال محمد بن مخلد الحافظ (ت ٣٣١ هـ): كان يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، أقرَّ له أهلُ زمانه بالحفظ (٢). وقال مَسلَمة بن قاسم (ت ٣٥٣ هـ): كان ثقة، زاهدًا، عارِفًا بالحديث، إمامَ عصره في ذلك (٣). وقال ابن حبان (ت ٣٥٤) -وتبعه السمعانيُّ (ت ٥٦٢ هـ) -: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا، وعلمًا، وحفظًا، ونسكًا، وورعًا، وإتقانًا، مِمَّن جمَع وصنَّف، وذبَّ عن السُّنَن، وقمَعَ مَن خالفَها وانتَحَلَ ضدَّها (٤). وقال الحاكمُ النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): كان أبو داود إمامَ أهل الحديث في عصرِه بلا مُدافَعة (٥). وقال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): واتفق العلماء على الثناء على أبي داود، ووصفه بالحفظ التام، والعلم الوافر، والإتقان، والورع، والدين، والفهم الثاقب في الحديث وفي غيره (٦).

стр. 112

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٧ هـ): البخاري وأبو داود أفقهُ أهل الصحيح والسنن (١). وقال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): الإمام، شيخ السنة، مقدَّم الحفاظ (٢). وقال: ثبتٌ، حجة، إمامٌ، عامل (٣). وقال الحافظُ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): أحدُ أئمة الحديث الرَّحَّالين الجوَّالين في الآفاق والأقاليم، جمعَ وصنَّفَ وخرَّج وألَّف، وسمعَ الكثيرَ عن مشايخ البلدان في الشام، ومصر، والجزيرة، والعراق، وخراسان، وغير ذلك، وله "السنن" المشهورةُ المتداولةُ بين العلماء .. (٤). وجاءَ سهلُ بنُ عبد الله التستري (ت ٢٨٣ هـ) إلى أبي داود فقيل: هذا سهلُ بنُ عبد الله التستريُّ جاءَكَ زائرًا، فرحَّبَ به، وأجلسَه، فقال سهلٌ: يا أبا داود، إن لي إليكَ حاجةً. قال: وما هي؟ قال: حتى تقول قد قضيتُها مع الإمكان، قال: قضيتُها مع الإمكان. قال: أخرِج إليَّ لسانَكَ الذي تُحدِّثُ به أحاديثَ رسول الله ﷺ حتى أقَبِّلَه. قال: فأخرجَ إليه لسانَه، فقبَّلَه (٥). * * *

стр. 113

المبحث التاسع: مصنفاته أولًا: كتبُه المطبوعة: ١ - كتاب "السنن"، أحد الدواوين الستة، وهو مطبوع ومتداول، وسيأتي الحديث عنه مفصلًا في الفصل الثاني. ٢ - رسالتُه إلى أهل مكة في وصف سُنَنِه، وقد طبعت عدة طبعات، أحسنُها طبعة الدكتور/ محمد لطفى الصَّبَّاغ. ٣ - كتاب "المراسيل"، طُبع مرارًا، أحسنُها بتحقيق الدكتور/ عبد الله بن مساعد الزهراني. ٤ - "مسائل الإمام أحمد"، مطبوعٌ سنة (١٣٥٣ هـ) بتحقيق الشيخ/ محمد رشيد رضا، ثم طبع بتحقيق الشيخ/ طارق عوض الله، وهو داخل في كتابنا الموسوعي "الجامع لعلوم الإمام أحمد". ٥ - "سؤالات أبي داود للإمام أحمد في الرجال"، طُبع بتحقيق الدكتور زياد محمد منصور عام (١٤١٤ هـ). ٦ - "الرواة من الإخوة والأخوات"، طُبع بتحقيق الدكتور/ باسم الجوابرة عام (١٤٠٨ هـ). ٧ - "سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود في الجرح والتعديل"، طُبع جزءٌ منه بتحقيق/ محمد بن علي العمري، وطبعته الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام (١٣٩٩ هـ)، ثم طُبع كاملًا بتحقيق الدكتور/ عبد العليم البستوي عام (١٤١٨ هـ). ٨ - "الزهد"، طُبع في الهند بتحقيق/ ضياء الحسن السلفي عام (١٤١٣ هـ). وطبعة أخرى بتحقيق/ ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس بن

стр. 114

غنيم، عام (١٤١٤ هـ). ثانيًا: كتبه المفقودة: ١ - "الناسخ والمنسوخ"، رواه عنه أبو بكر النجاد، وسماه ابن خير الإشبيلي: "ناسخ القرآن ومنسوخه"، وقد نقلَ عنه كثيرٌ من العلماء، وهو من موارد الحافظ ابن حجر في كتابه "تغليق التعليق"، ورمز له المزيُّ بـ (خد). ٢ - "الردُّ على أهل القدَر"، وسمَّاه بعضُهم: "الرد على أهل الأهواء والقدَر". نقلَ عنه كثيرٌ من العلماء، ورمز له المزيُّ بـ (قد)، وقد حفظَ ابن بطة في كتابه "الإبانة" قسم القدر قسمًا كبيرًا من نصوص هذا الكتاب يصل على (٢٤٠) رواية (١). ٣ - "البعث والنشور". ٤ - "دلائل النبوة". ٥ - "التفرُّد في السنن"، وهو كما يقول المزي: ما تفرد به أهلُ الأمصار من السنن (٢). وهو مرتَّبٌ على الأبواب. قال شيخُ الإسلام: يبيِّنُ ما اختصَّ به أهلُ كلِّ مصرٍ من الأمصار من "السنن" التي لا توجد مسندةً عند غيرهم (٣). رواه عنه ابن داسه واللؤلؤي. ٦ - "مسند مالك"، رمز له المزيُّ بـ (كد). ٧ - "فضائل الأنصار"، رمز له المزيُّ بـ (صد). ٨ - "المواقيت"، هكذا سماه السخاوي وغيره، وسماه المزي: "معرفة

стр. 115

الأوقات" (١). ٩ - "الطهارة الكبير". ١٠ - "فضائل رمضان، وست من شوال، والعشر، وعاشوراء". ١١ - "مناسك الحج الكبير". ١٢ - "القضاء الكبير". ١٣ - "الإيمان قول وعمل". ١٤ - "أعلام النبوة". ١٥ - "المبتدأ"، وهو من مولد موسى ﵇ إلى انقضاء غرق فرعون وأخبار بني إسرائيل وغيرها، والسيرة إلى حيث النبي ﷺ (٢). ١٦ - "أصحاب الشعبي"، ذكره أبو عبيد الآجري في "سؤالاته" ونسبه لأبي داود (٣). ١٧ - "الدعاء". ١٨ - "ابتداء الوحي". ١٩ - "أخبار الخوارج" (٤).

стр. 116

المبحث العاشر: وفاته في سنة (٢٥٥ هـ) وقعت فتنة خروج الزنج وظلت قائمة إلى أن خمدت سنة (٢٧٠ هـ) خربت خلالها البصرة وما والاها (١)، عندها طلب الأمير الموفق من أبي داود الانتقال إلى البصرة ليَعْمرها، فلبَّى أبو داود الطلب وانتقل إليها سنة (٢٧١ هـ) (٢). وظلَّ يدرِّس بها كتاب "السنن" إلى أن وافته المنية يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة (٢٧٥ هـ) عن ثلاث وسبعين سنة (٣). وكان قد أوصى أن يغسله الحسن بن المثنى، قال: فإن اتفق، وإلا فانظروا في كتاب سليمان بن حرب عن حماد بن زيد (في الغُسل) فاعملوا به. وقد حصل ما أوصى به، حيث غسله ابن المثنى بعد صلاة الجمعة، وصلى عليه عباس بن عبد الواحد الهاشمي، ودفن إلى جنب قبر سفيان الثوري (٤) رحمهما الله.

стр. 117

الفصل الثاني: المدخل إلى "سنن أبي داود " وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: التعريف بـ "السنن": وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسم الكتاب. المطلب الثاني: موضوع الكتاب. المطلب الثالث: تاريخ تصنيف "السنن". المطلب الرابع: عدد أحاديثه. المبحث الثاني: منهج أبي داود في "السنن": وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: شرط أبي داود في "السنن". المطلب الثاني: سكوت أبي داود عن الحديث. المطلب الثالث: درجة أحاديث "السنن". المطلب الرابع: طبقات رواة "السنن" من حيث العدالة والضبط. المطلب الخامس: لماذا أورد أبو داود الضعيف في كتابه؟ المبحث الثالث: مكانة "السنن" وثناء العلماء عليه. المبحث الرابع: رواة "السنن": وفيه مطلبان: المطلب الأول: ذكر رواة "السنن" مع ترجمة مختصرة لهم. المطلب الثاني: الاختلاف بين رواياتهم. المبحث الخامس: أهم شروح "السنن". المبحث السادس: أشهر طبعات "السنن". * * *

стр. 118

المبحث الأول: التعريف بـ "السنن " وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسم الكتاب: لا خلاف أن اسم كتاب أبي داود هو: "السنن" فقد أثبت أبو داود نفسه في "رسالته إلى أهل مكة" في أكثر من موضع تسميته بها. قال: فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب "السنن" أَهِيَ أَصَحُّ ما عَرَفْتُ في الباب؟ (١). وقال أيضًا: وليس في كتاب "السنن" الذي صَّنفته عن رجل متروك الحديث شيء (٢). وقال أيضًا: والأحاديث التى وضعتها فى كتاب "السنن" أكثرها مشاهير (٣). وقال أيضًا: وإنما لم أصنف في كتاب "السنن" إلا الأحكام (٤). المطلب الثاني: موضوع الكتاب: موضوع الكتاب هو أحاديث الأحكام، فقد ذكر أبو داود ﵀ في "رسالته إلى أهل مكة" أنه قصد استيفاء "السنن" في كتابه مقتصرًا فيه على الأحكام، قال: وهو كتاب لا تَرِدُ عليك سنة عن النبي ﷺ بإسناد صالح إلا وهي فيه (٥). وقال أيضًا: وإنما لم أصنف في كتاب "السنن" إلا الأحكام، ولم أضف عليه كتب الزهد، وفضائل الأعمال، وغيرها (٦).

стр. 119

وقال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات "السنن" وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه (١). المطلب الثالث: تاريخ تصنيف "السنن ": لا يوجد تاريخ دقيق يُجَلِّي ابتداء تصنيفه "السنن"، ومما يذكر قول الخطيب: ويقال: إنه صنفه قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده، واستحسنه (٢). ثم بعد أن أنهى تأليف "السنن" أقبل على تدريسها بحضور تلاميذه لاسيما عند استيطانه البصرة، وواظب على إقرائها إلى أن وافاه الأجل سنة (٢٧٥ هـ). قال أبو الحسن بن العبد: سمعت كتاب "السنن" من أبي داود ست مرار، بَقِيَتْ من المرة السادسة بقية لم يتمه بالبصرة سنة إحدى، واثنتين، وثلاث، وأربع، وخمس وسبعين ومئتين، وفيها مات (٣). وقال أبو علي اللؤلؤي بعد حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رؤي على جبهته، وعلى أرنبته أثر طين .. الحديث. قال اللؤلؤي: هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة (٤). المطلب الرابع: عدد أحاديثه: أعرب أبو داود ﵀ عن عدد الأحاديث التي أودعها في "سننه" وأفصح عنها قائلا: ولعل في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمان

стр. 120

مئة حديث، ونحو ست مئة من المراسيل (١). وقد عزز هذا ما جاء عن تلميذه ابن داسه حيث قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب -يعني: كتاب "السنن"- جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث .. (٢). إلا أنه قد وجد ما يخالف هذا .. فلقد روى أبو الحسن بن العبد قال: كتاب أبي داود ستة آلاف حديث منها أربعة آلاف أصل، وألفان مكرر (٣). وبلغ عدد أحاديث "السنن" على حسب ما هو مطبوع ومتداول (٥٢٧٤) في طبعة محمد محيي الدين والدعاس وغيرهما، و (٥٢٣٢) في طبعة عوامة. ولعل تفسير هذا الاختلاف مرده إلى عدة أسباب: الأول: أن أبا داود لم يخرج الكتاب مرة واحدة على وجه واحد، بل مكث يزيد فيه وينقص بحسب ما يظهر له في الأسانيد أو المتون. الثاني: اختلاف الروايات، وأن بعضها ينقص عن بعض، فرواية ابن داسه تفوق رواية اللؤلؤي من حيث العدد، كما ثبت أن لبعضهم فَوْتا كرواية ابن الأعرابي مثلا. الثالث: اختلاف المحققين للسنن والناشرين لها، فبعضهم يدخل المتابعات، أو الموقوفات، أو المكررات ويعدها حديثًا مستقلًّا.

стр. 121

المبحث الثاني: منهج أبي داود في "السنن " وفيه خمس مطالب: المطلب الأول: شرط أبي داود في "السنن ": وضح الإمام أبو داود في "رسالته إلى أهل مكة" الشروط التي اشترطها في أحاديث "السنن"، ومن ذلك: أنه يذكر أصح ما في الباب. وقال أيضا: وأنه ليس في كتاب "السنن" الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء. وقال: وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر. وقال: وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد بينته. وقال: وإن من الأحاديث في كتاب "السنن" ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل. وقال: وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض (١). وروى عنه ابن داسه أنه قال: ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه (٢). - ويمكن تلخيص هذِه الشروط في النقاط التالية: ١ - أن ما أورده في "السنن" هو أصح ما عرفه في ذلك الباب. ٢ - عدم الرواية عن المتروكين. ٣ - بيان الحديث المنكر وما كان فيه وهن شديد.

стр. 122

٤ - أن ما سكت عنه فهو صالح. ٥ - إخراجه للحديث المرسل إذا لم يكن في الباب غيره. ٦ - إخراجه لأنواع الحديث المقبول مثل الصحيح لذاته والصحيح لغيره، والحسن. ٧ - إخراجه للأحاديث المشهورة وترك الأحاديث الغريبة. ٨ - محاولته استيعاب أحاديث الأحكام. المطلب الثاني: سكوت أبي داود عن الحديث: قال أبو داود: وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. واختلف العلماء في معنى قوله: صالح. على قولين: الأول: قال به ابن الصلاح، واحتج به كثير من المتأخرين في مصنفاتهم أنه من الحسن، قال ابن الصلاح: ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن عَرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود (١). وقد أخذ بعض المتأخرين بمذهب ابن الصلاح، ومالوا إلى تفسير قول أبي داود: صالح. بأنه من الحسن عثده، مثل النووي (٢)، والعلائي (٣) وغيرهما، واعتمدوا ذلك في تخريجاتهم (٤).

стр. 123

الثاني: قال به العراقي (١)، وابن حجر (٢)، وزكريا الأنصاري (٣)، وغيرهم، أنه بمعنى صالح للاحتجاج. قال ابن حجر: وهو الظاهر (٤). ومال بعض من الأئمة إلى هذا التأويل، واعتمدوه في تخريجاتهم (٥). المطلب الثالث: درجة أحاديث "السنن ": عَدَّ العلماءُ كتابَ "السنن" من مَظانِّ الحديثِ الحسن من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل، فقد قسم الإمامُ الذهبيُّ أحاديثَ "سنن أبي داود" إلى درجات، بقوله: فكتابُ أبي داود: ١ - أعلى ما فيه من الثابت: ما أخرجه الشيخان، وذلك نحوٌ من شطر الكتاب (٦). ٢ - ثم يليه: ما أخرجَه أحدُ الشيخَين، ورَغِبَ عنه الآخر (٧). ٣ - ثم يليه: ما رغبا عنه، وكان إسنادُه جيِّدًا، سالِفا من علةٍ وشُذوذ. ٤ - ثم يليه: ما كان إسنادُه صالِحًا، وقَبِلَه العلماءُ لمجيئِه من وَجهَين لَيِّنَين فصاعدًا، يَعضُدُ كلُّ إسنادٍ منهما الآخر.

стр. 124

٥ - ثم يليه: ما ضُعِّفَ إسنادُه لنقصِ حِفظِ راوِيه، فمثلُ هذا يُمَشِّيه أبو داود، ويَسكُتُ عنه غالبًا. ٦ - ثم يليه: ما كان بَيِّنَ الضعفِ من جهةِ راويه، فهذا لا يَسكتُ عنه، بل يُوهِنه غالبًا، وقد يَسكتُ عنه بحسب شُهرتِه ونَكارَتِه، والله أعلم (١). المطلب الرابع: طبقاتُ رواة "السنن" من حيث العدالة والضبط: مثَّلَ لهم الإمامُ أبو بكر محمدُ بنُ موسى الحازميُّ (ت ٥٨٤ هـ) في شروطه بمثالٍ، وهو: أن نعلمَ أن أصحاب الإمام محمد بن شهاب الزهري على طبقاتٍ خمس، ولكل طبقة منها مزيَّةٌ على التي تليها وتفاوُت: أما من كان في الطبقة الأولى: فهو الغايةُ في الصحة، وهو غايةُ مقصد البخاري. والطبقةُ الثانية: شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم من يُزامله في السفر، ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تُلازِم الزهريَّ إلا مدةً يسيرة، فلم تُمارِس حديثَه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرطُ الإمام مسلم. الطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنه لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي. الطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والعديل، وتَفَرَّدوا بقِلَّةِ ممارسَتِهم لحديث الزهري لأنهم لم يُصاحبوا الزهريَّ كثيرًا.

стр. 125

وهم شرط أبي عيسى الترمذي. الطبقة الخامسة: نَفَرٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يُخَرّج حديثُهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين: فلا (١). مما سبق يتبين أن الإمام أبا داود يخرج أحاديث الطبقة الأولى والثانية على سبيل الاستيعاب، فلذلك اعتبر الذهبي أن ما كان على شرط الشيخين أو أحدهما أكثر من شطر الكتاب. وكذلك ينزل إلى الطبقة الثالثة فيحتج بأحاديث أصحابها ممن ترجح عنده قبول روايته، وهذا شرطه. وقد ينزل إلى الطبقة الرابعة، فيحتج -كذلك- بمن ترجح لديه قبول روايته. أما الطبقة الخامسة: فلا يحتج بها، ولا يخرج أحاديث أصحابها إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد. أما الرواة المتروكون: فلا يخرج أحاديثهم؛ لا احتجاجًا ولا اعتبارًا، كما نص في "رسالته إلى أهل مكة" أنه لا يخرج في "سننه" عن رجل متروك الحديث شيئًا. وقال ابن منده: إن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث قوم لم يجمع على تركهم (٢).

стр. 126

المطلب الخامس: لماذا أورد أبو داود الضعيف في كتابه ؟ تساءل البعضُ عن سبب إخراج أبي داود عن مثل هؤلاء الضعفاء، ولماذا أخرج الأحاديث الضعيفة في "سننه"؟ وأجابوا عن ذلك بعدة أجوبة، وهي (١): ١ - لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكامًا فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء. ٢ - لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف فهو أقوى من رأي الرجال ومن القياس. ٣ - أما إذا كان الحديث شديد الضعف، فإنما يورده لبيان ضعفه، وكأنه بذلك يرد على من استدل به قائلًا: لا يستقيم لكم الاستدلال بهذا الحديث؛ لكونه شديد الضعف. ومثاله: عقد أبو داود بابًا بعنوان: "باب النهي عن التلقين" ثم أورد حديثًا من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي، لا تفتح على الإمام في الصلاة". ثم قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. اهـ (٢). ولم يورد في الباب غيره، مما يدل على أنه إنما أورده لبيان ضعفه والرد على من استدل به (٣).

стр. 127

المبحث الثالث: مكانة "السنن" وثناء العلماء عليه يأتي كتاب "السنن" لأبي داود في المنزلة الثالثة بعد الصحيحين، فقد عوَّل كثير من أهل العلم على ما دونه فيه من أحاديث وآثار، وقد تميزت "سنن أبي داود" عن باقي "السنن" بثلاث ميزات رئيسية: الأولى: علو إسناده؛ فقد لحق أبو داود الكبار، وشارك البخاري ومسلما في كثير من شيوخهما، وبعد الترمذي، والنسائي (١) من تلاميذه، بل إن الإمام أحمد روى عنه حديثا واحدًا (٢) كما سبق بيانه في مبحث الشيوخ والتلاميذ. الثانية: كونه عُني بالمسائل الفقهية وتتبعها مستدلا لها بالأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين. قال الخطابي: وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه ورد ومنه شرب (٣). وقال أيضا: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه، ولا متأخرا لحقه فيه (٤). الثالثة: كون أسانيده نظيفة في الجملة، فقد خلا من كثير من الرواة المتهمين الذين وجدوا في كتب "السنن" الأخرى، قال الذهبي: انحطت

стр. 128

رتبة "جامع الترمذي" عن "سنن أبي داود"، والنسائي لإخراجه حديث المصلوب، والكلبي، وأمثالهما (١). وقال أيضا عن كتاب الترمذي (٢): وهو أحد أصول الإسلام لولا ما كدره بأحاديث واهية بعضها موضوع، وكثير منه في الفضائل. وقد أثنى عليه كثير من العلماء لاسيما في جانبه الفقهي، واختصاصه بأحاديث الأحكام، وسنذكر هنا شيئًا من ثناء العلماء عليه: قال ابن الأعرابي: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة (٣). وقال الخطابي: اعلموا رحمكم الله أن كتاب "السنن" لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مِثْلُه، وقد رزق القبول من الناس كافة، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على أختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد، ومنه شرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض، فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفا، وأكثر فقها، وكتاب أبي عيسى أيضًا كتاب حسن (٤). وقال زكريا بن يحيى الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب "السنن" لأبي داود عهد الإسلام (٥).

стр. 129

وقال الحافظ محمد بن مخلد الدُّوري العطار: كان أبو داود يفي بمذاكرة مئة ألف حديث، فلما صنف كتاب "السنن" وقرأه على الناس، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له أهلُ زمانه بالحفظ والتقدم فيه (١). وقال الحافظ أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم الأزدي الأندلسي، وقد سُئِل: أيهما أحبُّ إليك كتاب البخاري أو كتاب أبي داود؟ قال: كتاب أبي داود أحسنُهما وأملحهما (٢). وقال الحافظ محمد بن إبراهيم بن سعيد المعروف بابن أبي القراميد: خير كتابٍ ألف في "السنن" كتاب أبي داود السجستاني (٣). وقال الإمام الغزالي: كتاب أبي داود كافٍ للمجتهد (٤). وقال الحافظ أبو طاهر السِّلَفي: وكتاب أبي داود أحدُ الكتب الخمسة التي اتفق أهلُ الحل والعقد من الفقهاء والحفاظ على قبولها والحكم بصحة أصولها. وقال: وكتابُ "السنن" له صِيت في الآفاق، ولا يُرى مثلُه على الإطلاق (٥). وقال الحافظ المنذري: كتاب "السنن" للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني أحدُ الكتب المشهورة في الأقطار، وحفظُ مُصنِّفه

стр. 130

وإتقانُه، وتقدُّمُه محفوظٌ عن حفاظ الأمصار، وثناءُ الأئمة على هذا الكتاب وعلى مصنفه مأثورٌ عن رواة الآثار (١). وقال الإمام النووي: وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ "سنن أبي داود" بمعرفته التامة، فإن معظم الأحاديث التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه (٢). وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره (٣). وقال الإمام القاسم بن يوسف التجيبي: وهذا الكتابُ هو كتابُ الفقهاء أصحاب المسائل، لأنهم يجدون فيه ما يحتاجون إليه في كل باب من أبواب الفقه، مما يشهد لهم بصحة ما ذهبوا إليه، وليس يوجد في كتب السنة مثله في هذا الفن، وقد احتوى من أحاديث الأحكام على أربعة آلافٍ وثمان مئة على الأصح، انتقاها من حديث كثير (٤). وقال الإمام ابن قيم الجوزية: ولما كان كتاب "السنن" لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ﵀ من الإسلام بالموضع الذي خصَّه الله به، بحيث صار حكمًا بين أهلِ الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن

стр. 131

نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطِّراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء (١). وقيل: إن الإمام أبا داود قد صنف كتابه قديمًا، وعرضه على الإمام أحمد فاستجاده واستحسنه (٢). وأثنى عليه الحافظ ابن حجر ضمن قصيدة مدح فيها النبي ﷺ قال: مثل البخاري، ثم مسلم الذي ... يتلوه في العليا أبو داودا فاق التصانيف الكبار بجمعه الـ ... أحكام فيها يبذل المجهودا قد كان أقوى ما رأى في بابه ... يأتي به ويحرر التجويدا فجزاه عنا الله أفضل ما جزى ... من في الديانة أبطل الترديدا ثم الصلاة على النبي وآله ... أبدًا إلى يوم الجزا أبيدا (٣)

стр. 132

المبحث الرابع: رواة "السنن " وفيه مطلبان: المطلب الأول: ذكر رواة "السنن" مع ترجمة مختصرة لهم روى "السنن" عن أبي داود جماعة كثر، وبين كلٍّ خلاف ما بين زيادة ونقصان أو تقديم وتأخير أو سقط وإثبات. قال ابن كثير: الروايات عن أبي داود بكتابه "السنن" كثيرة جدًّا، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى (١). لكن الذين أشتهروا برواية "السنن" عنه خمسة، وهم: (اللؤلؤي - ابن داسه - ابن الأعرابي - الرملي - ابن العبد) ترجمة اللؤلؤي: وهو الإمام المحدث محمد بن أحمد بن عمرو البصري، أبو علي اللؤلؤي نسبة إلى بيع اللؤلؤ والاتجار به (ت ٣٣٣ هـ). سمع من أبي داود، ويوسف بن يعقوب القلوسي، والقاسم بن نصر، وعلي بن عبد الحميد القزويني. وعنه: القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، ومحمد بن أحمد بن جميع، والحسن بن علي الجبلي. روى ابن نقطة عن أبي عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: كان أبو علي اللؤلؤي قد قرأ هذا الكتاب على أبي داود عشرين سنة، وكان يسمَّى وراقه، والوراق عندهم القارئ، وكان هو القارئ لكل قوم

стр. 133

يسمعونه (١). وقد روى عن اللؤلؤي هذِه "السنن": القاسم بن جعفر الهاشمي (ت ٤١٤ هـ) وهو من شيوخ الخطيب، قال الخطيب عنه: كان ثقة أمينًا، ولي القضاء بالبصرة، وسمعت منه بها "سنن أبي داود" (٢). وقد شاركه في الرواية عن اللؤلؤي: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن بكر الوزان الهراس البصري (٣). ترجمة ابن داسه: هو الشيخ الثقة العالم محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسه التمار، أبو بكر البصري. وداسه: بفتح الدال المهملة وبعدها ألف وسين مهملة، واختلف في ضبط السين، فقيل: بفتح السين وتخفيفها، نص عليه القاضي أبو محمد بن حوط الله، وقيل: بفتح السين وتشديدها. وداسه: هو اسم لبعض البصريين أو لقب. حدث عن أبي داود بـ "السنن" وهو آخر من حدث بها من التلاميذ كاملة، كما روى عن إبراهيم بن فهد الساجي، وأبي رويق عبد الرحمن بن خلف. وعنه: أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، وأبو سليمان الخطابي، وعبد الله بن محمد بن عبد المؤمن شيخ ابن عبد البر الأندلسي. توفي ابن داسه سنة (٣٤٦ هـ) (٤).

стр. 134

وقد اشتهرت رواية ابن داسه في بلاد الأندلس من طريق أبي محمد عبد الله بن محمد الزيات، وبِقلة من طريق أبي حفص عمر بن عبد الملك الخولاني (١). وأما في المشرق فقد راجت سلفًا من طريق أبي علي الحسين بن محمد الروذباري الفقيه كما هي عند البيهقي، والمحب الطبري، وبقلة من طريق أبي محمد بشار السابوري عنه (٢). فطريق ابن داسه يرويه أهل الأندلس عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن الزيات، وهو قرطبي رحل إلى المشرق رحلتين دخل فيهما العراق، ولقي ابن داسه بالبصرة وروى عنه، وأجاز بعد عودته أهلَ الأندلس، منهم الإمام المشهور ابن عبد البر الذي ملأ كتابه "التمهيد" بالرواية من هذا الطريق، وقد توفي أبو محمد الزيات سنة (٣٩٠ هـ). وللأندلسيين رواية عنه أيضا من طريق أبي حفص عمر بن عبد الملك الخولاني وهو أندلسي قرطبي أيضا دخل العراق وسمع بالبصرة من ابن داسه "السنن"، ثم قدم الأندلس فحدث، وتوفي سنة (٣٥٦ هـ). ترجمة ابن الأعرابي هو الإمام القدوة الحافظ أحمد بن محمد بن زياد البصري، المعروف بابن الأعرابي، شيخ الحرم. حمل "السنن" عن أبي داود، وسمع: عباس بن محمد الدوري، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وخرَّج لمشايخه معجمًا.

стр. 135

روى عنه: أبو بكر ابن المقرئ، وأبو عبد الله بن منده، ومحمد بن أحمد بن جميع الصيداوي، توفي سنة (٣٤١ هـ). ويعد هذا العلم كسابقيه ممن أخذوا "السنن" عن الإمام أبي داود، وبعد وفاة هذا الأخير تبوأ ابن الأعرابي مكة رعاها الله تعالى وألقى فيها عصى التسيار، وعاش بها مفيدًا ومربيًا، وتوفي بها، ولما كانت مكة -حرسها الله تعالى- موئلا للقاصدين حاجين وزائرين، ويتفيأ ظلالها المجاورون، فقد تكاثر الطلبة على ابن الأعرابي، ووجدت أن روايته لـ"السنن" قد بلغت ستة طرق هي: ١ - أحمد بن سعيد بن حزم أبو عمر الصدفي. ٢ - إبراهيم بن علي التمار أبو إسحاق. ٣ - أحمد بن عون الله أبو جعفر. ٤ - أحمد بن إبراهيم أبو بكر المروزي، ثم المكي. ٥ - عمر بن عبد الملك أبو حفص الخولاني. ٦ - عبد الرحمن بن عمر بن النحاس أبو محمد. ومثل سابقتها، فقد أشتهرت هذِه الرواية أيضا بالأندلس، وكانت لهم عناية بها لدخولها مبكرا إلى ذلك الإقليم، وربما كان لاستيطان ابن الأعرابي الحرم المكي وسهولة الوصول إليه سبب في ذلك أيضا، والله أعلم. وعلى كل فقد رواها أهل الأندلس عن ثلاثة من الأئمة سمعوا من ابن الأعرابي وشافهوه هم: ١ - أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي القرطبي رحل إلى مكة، وسمع من: أبي سعيد بن الأعرابي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي بكر ابن

стр. 136

المنذر، وغيرهم، ثم انصرف إلى الأندلس فأخذ عنه أهلها. توفي سنة (٣٥٠ هـ). ٢ - أحمد بن عون الله بن حدير القرطبي رحل إلى مكة وسمع من: ابن الأعرابي، وابن فراس، ومحمد بن جبريل، وغيرهم. توفي سنة (٣٧٨ هـ). ٣ - عمر بن عبد الملك الخولاني القرطبي، وقد مضى القول بأنه من الذين رحلوا، وأخذ عن ابن الأعرابي، وابن داسه جميعا. ترجمة الرملي: هو الإمام الثقة إسحاق بن موسى بن سعيد أبو عيسى الرملي، وراق أبي داود. روى عن: أبي داود السجستاني، وعباس بن الوليد البيروتي، ومحمد بن عوف الحمصي، وعنه أبو حفص بن شاهين، وأبو العباس عبد الله بن موسى الهاشمي، والحسين بن حمزة بن دينار. وثقه الدارقطني، وقال ابن قانع: إن أبا عيسى الرملي مات سنة (٣٢٠ هـ) (١). ذكر الخطيب أن أبا عيسى الرملي كان عنده كتاب "السنن" عن أبي داود، وجاء في بعض فهارس الأندلسيين أنهم رووه من طريق أبي عمر أحمد بن دُحَيم بن خليل عنه، وهذا الأخير قرطبي رحل إلى العراق وسمع من: عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، وابن صاعد،

стр. 137

وإسحاق بن موسى الرملي سنة (٣١٧ هـ). ترجمة ابن العبد: هو علي بن الحسن بن العبد، أبو الحسن الوراق. سمع: أبا داود السجستاني، وعثمان الأنطاكي. وعنه: الدارقطني، والحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، وابن الثلاج. توفي سنة (٣٢٨ هـ) (١). وقد أدرجه ضمن رواة "السنن": المزي، والذهبي، والسبكي (٢) وغيرهم. وكان ابن العبد يقول: سمعت كتاب "السنن" من أبي داود ست مرار، بقيت من المرة السادسة بقية، لم يتمه بالبصرة، سنة إحدى، واثنتين، وثلاث، وأربع، وخمس وست ومئتين وفيها مات (٣).

стр. 138

المطلب الثاني: الاختلاف بين رواياتهم: اختلفت أنظار العلماء في روايات "السنن" سواء من حيث أصحها أو أكملها، وقبل أن نسوق أوجه الاختلاف يجدر بنا سوق بعض أقوال الأئمة في ذلك: قال ابن عطية في "فهرسته" (ص ٨٠): فأما رواية أبي بكر محمد بن بكر بن داسه البصري التمار، فحدثنا بها عن أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري قراءة منه عليه، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن الزيات، عن أبي بكر بن داسه عنه. وأما رواية أبي عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراق أبي داود، وهي أقرب الروايات إلى رواية أبي بكر بن داسه، وسقط من رواية ابن الأعرابي كتاب الفتن والملاحم والحروب والخاتم، وسقط عليه من كتاب اللباس نحو من نصفه، وفاته من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة. ثم قال ابن عطية: الذي أعتمد عليه من هذِه الروايات: رواية أبي بكر بن داسه فهي أكمل الروايات وأحسنها. وقال ابن رشيد الفهري المالكي (ت ٧٢١) في كتابه "ملء العيبة" ٥/ ٢٤١: ورواية اللؤلؤي أصح الروايات وهي آخر ما أملى أبو داود وعليه مات. وقال الذهبي في "السير" ١٥/ ٣٠٨: قال أبو عمر الهاشمي: كان أبو علي اللؤلؤي، قد قرأ كتاب "السنن" على أبي داود عشرين سنة، وكان يدعى وراق أبي داود. والوراق في لغة أهل البصرة: القارئ للناس.

стр. 139

قال: والزيادات التي في رواية ابن داسه حذفها أبو داود آخرًا لأمرٍ رابه في الإسناد. اهـ وقال ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٤٤١: إن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر. وقال السيوطي في "التدريب" ١/ ١٨٦: عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وهو روايات، أتمها رواية أبي بكر بن داسه، والمتصلة الآن بالسماع رواية أبي علي اللؤلؤي. وقال السيوطي في "مرقاة الصعود" ١/ ٦٢: قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير في "برنامجه" روى هذا الكتاب عن أبي داود ممن اتصلت أسانيدنا به أربعة رجال: أبو بكر بن محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار البصري، المعروف بابن داسه -بفتح السين وتخفيفها، نص عليه القاضي أبو محمد بن حوط الله، وألفيته في أصل القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المالكي من كتاب "الغنية" مشددًا، وكذا وجدته في بعضها ما قيدته عن شيخنا أبي الحسن الغافقي شكلًا من غير تنصيص- وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي، وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري، وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراق أبي داود، ولم تتشعب طرقه كما اتفق في الصحيحين، إلا أن رواية ابن الأعرابي يسقط منها كتاب الفتن والملاحم والحروف والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضا من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة، ورواية ابن داسه أكمل الروايات، ورواية الرملي تقاربها، ورواية اللؤلؤي من أصح الروايات؛

стр. 140

لأنها من آخر ما أملى أبو داود وعليها مات. وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي في "بستان المحدثين" (ص ٧٨): اشتهرت رواية اللؤلؤي في بلاد المشرق، ورواية ابن داسه في المغرب، وهما روايتان متقاربتان، إلا بعض الخلاف اليسير في التقديم والتأخير لا في الزيادة والنقصان، إلا أن في رواية ابن الأعرابي نقصانا ليس في الأوليين. وقال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في آخر كتابه "عون المعبود" ١٤/ ٢٠٢: وما قاله -أي: عبد العزيز الدهلوي- من ذكر الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير فهو أمر صحيح؛ لأن في رواية ابن داسه كتاب الجنائز واقع بعد كتاب الصلاة وقبل كتاب الزكاة، وفي رواية اللؤلؤي كتاب الجنائز بعد كتاب الخراج والإمارة، وفي رواية ابن داسه كتاب الزكاة ثم اللقطة ثم الصيام ثم المناسك ثم الضحايا ثم الجهاد ثم الإمارة ثم البيوع ثم كتاب النكاح، وفي رواية اللؤلؤى كتاب الزكاة ثم اللقطة ثم النكاح والطلاق ثم الصيام ثم الجهاد ثم الضحايا والصيد ثم الوصايا ثم الفرائض ثم الخراج والإمارة ثم الجنائز ثم الأيمان والنذور ثم كتاب البيوع، وقس على هذا غير ذلك من الكتب الباقية. وأما قوله ﵀: دون الزيادة والنقصان. فهو مسامحة وسهو من العلامة الدهلوي ﵀؛ لأن كثيرًا من الروايات موجود في رواية ابن داسه وليس هو في رواية اللؤلؤي، كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح، وشرح الإمام الحافظ أبي سليمان الخطابي المسمى بـ "معالم السنن" على رواية ابن داسه وهو تلميذ لابن داسه يروي "سنن أبي داود" بواسطة ابن داسه كما صرح بذلك في مقدمة شرحه، والله أعلم.

стр. 141

قلت: مع نقصانها، ففي هذِه النسخة أيضًا بعض الأحاديث الذي ليس في رواية اللؤلؤي، ويذكر الحافظ المزي روايته في الأطراف. والنسخة الرابعة رواية ابن العبد وهي موجودة في أطراف المزي، ويذكر روايته أيضًا الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، ولم يذكر هذِه الرواية النووي في "تهذيب الأسماء". إلى أن قال ١٤/ ٢٠٥: والخامس: إني ظفرت على إحدى عشرة نسخة من "سنن أبي داود" كلها من رواية اللؤلؤي، إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسه فجعلت نسخة واحدة صحيحة عتيقة من هذِه النسخ أصلا وأمًّا، وباقي النسخ عليها معروضة. ووقعت مقابلة النسخ ومعارضتها مع جماعة من أهل العلم فوجدت المخالفة بين النسخ أربعة أنواع: الأول: الاختلاف في بعض ألفاظ المتون والأسانيد. والثاني: المخالفة في عنوان التبويب، ففي بعضها بلفظ، وفي أخرى بلفظ آخر موافقًا في المعنى مغايرًا في اللفظ، ومع الزيادة والنقصان أيضًا، ففي بعضها الأحاديث المتعددة تحت باب واحد، وفي بعضها تلك الأحاديث تحت الأبواب. والثالث: المخالفة في محل الكتب والأبواب بالتقديم والتأخير. والرابع: المخالفة في زيادة الأحاديث ونقصانها، فوجد بعض الحديث في بعض النسخ وأخرى خالية منه، وفي بعضها أحاديث كثيرة ليست في غيرها، فتحيرت لأجل هذا الاختلاف وتعسر عليَّ امتياز رواية اللؤلؤي عن غيرها، فراجعت كتب الأئمة المتقدمين كـ "تحفة الأشراف" للحافظ المزي، و"مختصر السنن" للحافظ المنذري، و"جامع الأصول" للحافظ

стр. 142

ابن الأثير، و"معالم السنن" للخطابي، و"معرفة "السنن" والآثار" للبيهقي، و"المنتقى" للإمام ابن تيمية، وكتاب "الأحكام" للحافظ عبد الحق الإشبيلي، و"نصب الراية" للعلامة الزيلعي، و"حاشية السنن" لابن القيم، و"تلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر، و"الاستيعاب" للحافظ ابن عبد البر، و"أسد الغابة" لابن الأثير، و"تجريد أسماء الصحابة" للذهبي، و"الإصابة" لابن حجر، وغير ذلك من الكتب الكثيرة المعتمدة المعتبرة التي يطول بذكرها المقام، فزال بحمد الله تعالى إشكالي، وميزت رواية اللؤلؤي عن غيرها، وعلمت أن نساخ "السنن" خلطوا رواية اللؤلؤي برواية غيرها والتبس عليهم الأمر، فعلى قدر الامتزاج والاختلاط اختلفت النسخ بينها. انتهى ومما سبق يتبين لنا: ١ - رواية اللؤلؤي هي آخر ما أملاه أبو داود، وهي أصح الروايات، وهي المشهورة في بلاد المشرق والحجاز والهند بل أكثر البلاد، وهي المفهومة من "السنن" لأبي داود عند الإطلاق. ٢ - رواية ابن داسه أكمل من رواية اللؤلوي -وهذِه الزيادات التي في رواية ابن داسه حذفها أبو داود آخرًا لأمر رابه في الإسناد-، وهي أحسن الروايات في نظر الإمام ابن عطية، وهي الرواية المشهورة في بلاد الأندلس بسبب سبق دخولها إليهم. ٣ - رواية ابن الأعرابي سقط منها كتاب الفتن والملاحم والحروب والخاتم، وسقط من كتاب اللباس نحو من نصفه، وفاته من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة، بيد أن له أيضًا زيادات في المتن والسند.

стр. 143

٤ - رواية الرملي أقرب الروايات إلى رواية ابن داسه. ٥ - رواية ابن العبد حوت كلام أبي داود في الرجال جرحا وتعديلا. ٦ - الخلاف بين النسخ يقع على أربعة أضرب: الأول: الاختلاف في بعض ألفاظ المتون والأسانيد. والثاني: المخالفة في عنوان التبويب، ففي بعضها بلفظ، وفي أخرى بلفظ آخر موافق في المعنى، ومع الزيادة والنقصان أيضًا، ففي بعضها الأحاديث المتعددة تحت باب واحد وفي بعضها تلك الأحاديث تحت الأبواب. والثالث: المخالفة في محل الكتب والأبواب بالتقديم والتأخير. والرابع: المخالفة في زيادة الأحاديث ونقصانها، فوجد بعض الحديث في بعض النسخ وأخرى خالية منه، وفي بعضها أحاديث كثيرة ليست في غيرها.

стр. 144

المبحث الخامس: أهم شروح "السنن " ١ - " معالم السنن" لأبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٠ هـ) بدأ شرحه بخطبة لكتابه بيّن فيها أنّ تأليفه لهذا الكتاب كان بطلب من بعض إخوانه، وهو أقدم من اعتنى بـ "سنن أبي داود"، واعتمد رواية ابن داسه، وهو يذكر بعض الأحاديث في الباب ويشرحها، فإذا كان مآلها واحدا شرح منها واحدا، وكأنه بذلك شرح الباب فهو بمثابة الاختصار، وقد يشرح أكثر من واحد على حسب ما يتراءى له، وكلامه في التبويب يشير إلى ذلك، حيث يقول: من باب كذا. ولم يتكلّم على رجال الإسناد إلا نادرًا، وقلما ينقل أقوال أئمة الحديث في تصحيح الحديث أو تضعيفه، وقد يحكم على الحديث بنفسه. ويهتم بشرح المفردات الغريبة شرحا لغويا واسعًا، وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة عن العرب، ويهتم بالتوفيق بين الحديث وبين ما روي على وجه قد يُظنُّ أن فيه خلافًا، ويتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذِه الآراء، ويذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب. والكتاب مطبوع، ومن أشهر طبعاته: ط. راغب الطباخ، حلب (١٣٥٢ هـ)، وطبع أيضًا مع "مختصر المنذري" بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي، القاهرة (١٣٦٧ هـ). ٢ - "مختصر سنن أبي داود" لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت ٦٥٦ هـ) اختصر فيه "السنن"، وهو مختصر وشرح في وقت واحد، حذف كثيرًا

стр. 145

من تعليقات أبي داود، وحذف الأسانيد واكتفى بذكر الصحابي، وخرج الأحاديث من بقية الكتب الستة. والكتاب مطبوع بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي، القاهرة (١٣٦٧ هـ). ٣ - "الإيجاز في شرح سنن أبي داود" للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ). شرح منه قطعه يسيرة إلى باب: الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها. ابتدأه بمقدمة وجيزة تحدث فيها عن شرط أبي داود، وفضائل "السنن"، والتعريف بالإمام أبي داود. والشرح في مجمله سهل العبارة، وجيز الإشارة، كثير الفوائد، اهتم فيه بالإشارة إلى اختلاف النسخ والترجيح بينها، وتكلم باختصار على الأحاديث من حيث الصحة والضعف، وضبط أسماء الرواة وأنسابهم، ونقل بعض كلام الأئمة على الرواة جرحًا وتعديلًا، ويشير إلى دقائق الأسانيد ولطائفها. ويتكلم على لغات الحديث وغريب ألفاظه، وينقل عن أئمة اللغة، ويذكر ما يستفاد من الحديث من الأحكام والفوائد، ويذكر مذاهب العلماء في الأحكام الفقهية، ويرجح بينها، وفيه فوائد كثيرة أصولية وحديثية. وهذِه القطعة مطبوعة بتحقيق الشيخ/ حسين عكاشة، دار الكيان، الرياض (١٤٢٧ هـ). ٤ - "تهذيب سنن أبي داود" لابن القيم (ت ٧٥١ هـ) هو تهذيب و"مختصر المنذري" وزاد عليه من الكلام على علل الحديث، وفيه فوائد حديثيّة مهمّة في التصحيح والتضعيف، وتعقب المنذري في كثير من القضايا الحديثيّة، فتارة يردُّ على إعلال المنذري حديثًا، ويُجيب عن ذلك مبيّنًا ثبوت الحديث، وعدم ثبوت ما أعلّ به، وتارة يُعلّ المنذري حديثًا،
следующие страницы →