← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

بصاعقة (١)؛ لأنه كان جيد الحفظ، شيخ البخاري (المعنى) بالسند المتقدم (عن جابر ﵁ أن رجلًا زنى بامرأة فلم يعلم بإحصانه فرجم) (٢) بالحجارة، لأنه تبين أنه محصن، كما لو زنى وهو بكر فلم يحد حتى زنى وهو محصن، فإنه يجلد ثم يرجم بالحجارة. * * *

стр. 11482

٢٥ - باب المَرْأَةِ التي أَمَرَ النَّبي ﷺ بِرَجْمِها مِنْ جُهَيْنَةَ ٤٤٤٠ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْن إِبْراهِيمَ أَنَّ هِشامًا الدَّسْتَوائي وَأَبانَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثاهُمُ - المَعْنَى- عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ أَبي المُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً -قالَ: في حَدِيثِ أَبانَ مِنْ جُهَيْنَةَ- أَتَتِ النَّبي ﷺ فقالَتْ: إِنَّها زَنَتْ وَهي حُبْلَى. فَدَعا النَّبي ﷺ وَليّا لَها فَقالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أَحْسِنْ إِلَيْها فَإِذا وَضَعَتْ فَجِئْ بِها". فَلَمّا أَنْ وَضَعَتْ جاءَ بِها فَأَمَرَ بِها النَّبي ﷺ فشُكَّتْ عَلَيْها ثِيابُها ثُمَّ أَمَرَ بِها فَرُجِمَتْ، ثُمَّ أَمَرَهمْ فَصَلَّوْا عَلَيْها فَقالَ عُمَر: يا رَسولَ اللَّهِ تُصَلّي عَلَيْها وَقَدْ زَنَتْ قالَ: "والَّذي نفْسي بِيَدِهِ لَقَدْ تابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جادَتْ بِنَفْسِها؟ ". لَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبانَ فَشُكَّتْ عَلَيْها ثِيابُها (١). ٤٤٤١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن الوَزِيرِ الدِّمَشْقيّ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزاعي قالَ: فَشُكَّتْ عَلَيْها ثِيابُها. يَعْني فَشُدَّتْ (٢). ٤٤٤٢ - حَدَّثَنا إِبْراهِيم بْنُ مُوسَى الرّازي، أَخْبَرَنا عِيسَى بْنُ يُونسَ، عَنْ بَشِيرِ ابْنِ المُهاجِرِ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً -يَعْني: مِنْ غامِدَ- أَتَتِ النَّبي ﷺ فَقالَتْ: إِنّي قَدْ فَجَرْتُ. فَقالَ: "ارْجِعَي". فَرَجَعَتْ فَلَمّا كانَ الغَدُ أَتَتْهُ فَقالَتْ: لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّني كَما رَدَدْتَ ماعِزَ بْنَ مالِكٍ فَواللَّهِ إِنّي لحُبْلَى. فَقالَ لَها: "ارْجِعَي". فَرَجَعَتْ فَلَمّا كانَ الغَدُ أَتَتْهُ فَقالَ لَها: "ارْجِعي حَتَّى تَلِدِي". فَرَجَعَتْ فَلَمّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبي فَقالَتْ: هذا قَدْ وَلَدْتُهُ. فَقالَ لَها: "ارْجِعي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ". فَجاءَتْ بِهِ وَقَدْ فَطَمَتْهُ وَفي يَدِهِ شَيء يَأْكُلُهُ فَأَمَرَ بِالصَّبي فَدُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِها فَحُفِرَ لَها وَأَمَرَ بِها فَرُجِمَتْ وَكانَ خالِدٌ فِيمَنْ

стр. 11483

يَرجُمُها فَرَجَمَها بِحَجَرٍ فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِها عَلَى وَجْنَتِهِ فَسَبَّها فَقالَ لَهُ النَّبي ﷺ : "مَهْلًا يا خالِدُ، فَوالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَقَدْ تابَتْ تَوْبَةً لَوْ تابَها صاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ". وَأَمَرَ بِها فَصُلِّيَ عَلَيْها فَدُفِنَتْ (١). ٤٤٤٣ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ زَكَرِيّا أَبي عِمْرانَ قالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ عَنِ ابن أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبي ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً فَحُفِرَ لَها إِلَى الثَّنْدُوَةِ. قالَ أَبو داوُدَ: أَفْهَمَني رَجُلٍ عَنْ عُثْمانَ. قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ الغَسّاني جُهَيْنَةُ وَغامِدٌ وَبارِقٌ واحِدٌ (٢). ٤٤٤٤ - قالَ أَبُو داوُدَ: حُدِّثْتُ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ، قالَ: حَدَّثَنا زَكَرِيّا بْنُ سُلَيْمٍ، بإسْنادِهِ نَحْوَهُ، زادَ: ثُمَّ رَماها بِحَصاةٍ مِثْلَ الحُمّصَةِ ثُمَّ قالَ: "ارْمُوا واتَّقُوا الوَجْهَ". فَلَمّا طَفِئَتْ أَخْرَجَها فَصَلَّى عَلَيْها وقالَ في التَّوْبَةِ نَحْوَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (٣). ٤٤٤٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنيِّ أَنَّهُما أَخْبَراهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ أخْتَصَما إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أَحَدُهُما: يا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنا بِكتابِ اللَّهِ. وقالَ الآخَرُ وَكانَ أَفْقَهَهُما: أَجَلْ يا رَسولَ اللَّهِ فاقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ اللَّهِ وائْذَنْ لي أَنْ أَتَكَلَّمَ. قالَ: "تَكَلَّمْ". قالَ إِنَّ ابني كانَ عَسِيفًا عَلَى هذا -والعَسِيفُ الأَجَيرُ- فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُوني أَنَّما عَلَى ابني الرَّجْمَ فافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شاةٍ وَبِجارِيَةٍ لي ثُمَّ إِنّي سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبروني أَنَّما عَلَى ابني جَلْدُ مِائَةٍ

стр. 11484

وَتَغْرِيبُ عامٍ، وإنَّما الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَما والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُما بِكِتابِ اللَّهِ، أَمّا غَنَمُكَ وَجارِيَتُكَ فَرَدٌّ إِلَيْكَ". وَجَلَدَ ابنهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عامًا وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأَسْلَميَّ أَنْ يَأْتي امْرَأَةَ الآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها فاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَها (١). * * * باب في المرأة التي أمر النبي ﷺ برجمها من جهينة [٤٤٤٠] (ثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي شيخ البخاري (أن هشامًا) هو ابن أبي عبد اللَّه (الدستوائي) كان يبيع الثياب الدستوائية، ودستوا من الأهواز (٢) (وأبان بن يزيد حدثاهم المعنى) حدثاهم (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي قلابة عن أبي المهلب) عمرو بن معاوية (٣) الجرمي. (عن عمران بن حصين: أن امرأة، قال في حديث أبان) بن يزيد (من جهينة) سيأتي أنها من غامد، والجمع بينهما سيأتي قريبًا. (أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إنها زنت، وهي حبلى) من الزنا، اعتراف منها من غير تكرار تطلب منها دليل على عدم اشتراطه كما تقدم (فدعا رسول اللَّه ﷺ ) ولم يستفصلها كما استفصل ماعزًا؛ لأنها لم يظهر عليها ما يوجب ارتيابا في قولها، ولا شكًّا في حالها بخلاف

стр. 11485

حال ماعز، فإنه ظهر ما يشبه الجنون، فلذلك استفصله النبي ﷺ ، ليستثبت أمره، كما تقدم، قاله القرطبي (١). (وليًّا لها، فقال له: أحسن إليها) هذا الإحسان له سببان: أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيرًا لهم من ذلك، والثاني: أمر به رحمة لها؛ إذ قد تابت، وحرض بالإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك. (فإذا وضعت فجئ بها) هو كالتعريض في أنها تسلمها منه فيردها إليه كما تسلمها، فهي كالأمانة تحت يده. (فلما أن (٢) وضعت) حملها (جاء بها) إلى النبي ﷺ (فأمر النبي ﷺ بها فشكت) بضم الشين وتشديد الكاف (عليها ثيابها) أي: جمع بعضها إلى بعض بشوك أو خيوط، ومنه الشك، وهي: الإبرة العظيمة، وشككت الصيد بالرمح أي: خرقته وانتظمته به، قال النووي: وفي بعضها: فشدت، فهي بالدال بدل الكاف، وهي بمعنى الأول، وفي هذا استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرر اضطرابها (٣). (ثم أمر بها فرجمت) فيه دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمهم الحضور (ثم

стр. 11486

أمرهم فصلوا عليها) فيه حجة لمالك على أن الإمام لا يصلي على المقتول حدًّا، وحجة الشافعي، رواية مسلم: ثم أمر بها فصلى (١). قال القاضي عياض: بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة مسلم (٢). (فقال عمر: يا رسول اللَّه تصلي عليها) أصله: أتصلي عليها. بهمزة الاستفهام، كما في رواية مسلم ثم حذفت (وقد زنت؟ فقال: والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم) فيه أن الزنا توبته تأخذ الجرمية، ولهذا مدح توبتها وتضاعف أجرها، وهذا هو الصحيح عند الإمام (٣) والبغوي (٤) والرافعي (٥) وغيرهم، وهو الجديد من مذهب الشافعي (٦) أنه لو تابت بعد الزنا لم يسقط عنها (٧) الحد بالتوبة، وبه قال أبو حنيفة (٨)؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحدود وإبطال الزواجر، ويدل عليه الحديث: "من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه حد اللَّه تعالى" (٩) وأما ما ورد في بعض رواية ماعز: "هلا رددتموه؛ لعله يتوب" فهو محمول على الرجوع عن الإقرار بالزنا، بخلاف ما ثبت بالشهادة

стр. 11487

عليه (وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها) للَّه تعالى؟ ! فيه: أن من صدر منه الزنا فاعترف به، وأحد منه الحد أفضل من غيره (لم يقل) في روايته (عن أبان) بن يزيد (فشكت عليها ثيابها) وذكر باقي الحديث. [٤٤٤١] (ثنا محمد بن الوزير) بن الحكم (الدمشقي) وثقه أبو حاتم والدارقطني (١) (قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي قال: فشكت عليها ثيابها، يعني: فشدت) عليها ثيابها كما تقدم. [٤٤٤٢] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا عيسى، عن بشير بن المهاجر) الغنوي (عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب (أن امرأة يعني: من غامد) بالغين المعجمة، وهو: عمرو بن كعب بن الحارث. قال الطبري: سمي غامدًا؛ لأنه كان بين قوم شيء فأصلح بينهم، ويعتمد كل ما كان من ذلك، وتقدم قريبًا أن المرأة من جهينة، ولا تباعد بين ذلك، فإن غامدًا قبيلة من جهينة، قاله عياض (٢). وجهينة من الأزد، وبهذا تتفق الروايات. (أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني فجرت) أي: زنيت، وأصل الفجور: الميل، كما تقدم (فقال: ارجعي، فرجعت) إلى منزلها (فلما كان الغد) بكسر الدال وضمها، كما تقدم (أتته، فقالت: لعلك تردني، كما رددت ماعز بن مالك) الأسلمي (فواللَّه إني لحبلى) من الزنا (فقال لها: ارجعي، فرجعت، فلما كان الغد أتته، فقال لها) أيضًا (ارجعي حتى تلدي، فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبي).

стр. 11488

وفي قوله: (حتى تلدي) دليل على أن الجنين وإن كان من زنا له حرمة، وأن الحامل لا تحد حتى تضع حملها، وهذا مما لا خلاف فيه، إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلاف عنه فيه (١). وإذا قلنا: فهل تحبس؟ ظاهر الحديث أنها لا تحبس؛ لأن النبي ﷺ لم يحبسها. وفصَّل الإمام في ذلك فقال: إن ثبت زناها بالإقرار احتمل أن تحبس كما يحبس المريض إلى البرء (٢)؛ لأنها إن كانت لا تستسلم فصعب عليها الرجوع كما في الحديث، ويحتمل أن يقال: تحبس، فإن رجعت عن الإقرار خلينا سبيلها، وجزم البغوي (٣) بالأول، وقياس هذا إن ثبت الزنا بالبينة حبست (فقالت: قد ولدته، فقال: ارجعي، فأرضعيه) بفتح الهمزة وكسر الضاد (حتى تفطميه) بفتح التاء وكسر الطاء، فيه أن الأم إذا وضعت لا يقتص منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبأ، ويستغني عنها بلبن غيرها، وفيه أن الحمل يعرف ويحكم به، وهذا هو الصحيح في مذهبنا (٤). وقد اختلف العلماء فيما إذا سقته اللبأ، واستغنى عنها بلبن غيرها، فقال أبو حنيفة (٥) ومالك (٦): لا ينتظر بها إلى أن تكفل ولدها. قال

стр. 11489

القرطبي: وهذا قول من لم (١) تبلغه هذِه الرواية، يعني: الصحيحة في مسلم وغيره التي فيها تأخير الغامدية إلى أن فطمت ولدها، وقد روي عن مالك أنها لا ترجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرضاع، قال: وهو مشهور قول مالك (٢). قال النووي: والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد ومذهب مالك أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه، فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت (٣). وهذا الحديث محمول على أنه وجد من يرضعه ويكفله كما سيأتي. (فجاءت به وقد فطمته) قال أهل اللغة: الفطام: قطع الإرضاع؛ لاستغناء الولد عنه (وفي يده شيء يأكله) وفي رواية لمسلم: فلما فطمته أتت بالصبي في يده كسرة خبز (٤) (فأمر بالصبي، فدفع إلى رجل من المسلمين) يكفله فكفله هذا الرجل. مصلحة ورفقًا بها ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحد، لما رأى من حرصها التام على تعجيل ذلك (فأمر بها فحفر لها). وقد اختلف أصحاب الشافعي في الحفر للمرأة، فقالت طائفة: يحفر لها مطلقًا لهذا الحديث؛ لأن الغامدية كانت معترفة، وعلى ذلك جرى الشيخ أبو إسحاق (٥) والبغوي (٦)، وقال آخرون: الأمر فيه إلى خيرة

стр. 11490

الإمام، إن شاء حفر، وإن شاء لم يحفر، سواء قتلت بالبينة أو بالإقرار، قاله القاضي أبو الطيب؛ لأن النبي ﷺ حفر للغامدية، ولم يحفر للجهنية، وكان الزنا ثبت عليهما بإقرارهما، ولم يذكر أبو الطيب دليلًا على التخيير في التي ثبت زناها بالبينة، وكأن دليله القياس على من ثبت زناها بالإقرار، والذي صححه النووي (١) تبعًا للرافعي (٢): إن ثبت زناها بالبينة استحب أن يحفر لها، وإن ثبت بالإقرار فلا يمكنها الهرب، وإن رجعت في قولها (٣) الأشبه -وهو المنسوب للشيخ أبي حامد- هذا التفصيل. قال البلقيني: ولا يحمل بمجرد ما يقول الرافعي الأشبه أن يخالف السنة الصحيحة عن النبي ﷺ بمجرد توجيه لا بيان له، قال الرافعي: وجه استحباب الحفر إذا ثبت بالبينة بقوله: (لئلا تنكشف). وهذا المعنى يعم صورة الإقرار أيضًا. ثم قال: والأصح عندنا استحباب الحفر للمرأة، سواء ثبت ذلك بإقرارها أو بالبينة. قال: وأما قضية الجهنية، فإنه لم يجئ فيها أنه لم يحفر لها، وإنما جاء أنها رجمت، ولا يلزم من ذلك أنه لم يحفر لها. (وأمر بها فرجمت فكان خالد) بن الوليد (فيمن رجمها) يدل على تعدد الراجمين. قال أصحابنا: يستحب أن يستوفى الحد بحضرة

стр. 11491

جماعة أقلهم أربعة؛ لأنه أعظم في التنكيل (فرجمها بحجر) تقدم أن الماوردي قال: الاختيار أن يكون الحجر ملء الكف (١). (فوقعت قطرة من دمها) يدل على شدة بأس خالد ﵁، وقوة رميته، كما كانت شدته في قتال الكفار (على وجنته) يدل على أنه لم يكن بعيدًا منها. قال أصحابنا: يستحب أن يكون موقف الرامي (٢) بحيث لا يبعد عن المرجوم فتخطئه رميته، ولا يدنو منه فتؤلمه (٣). ورواية مسلم: فتنضح الدم على وجه خالد (٤). أي: تطاير متفرقًا، لكن لم يصب خالدًا منها غير قطرة. (فسبها) أي: شتمها (فقال له النبي ﷺ : مهلًا يا خالد) أي: كف عن سبها، ففيه دليل على أن من أقيم عليه الحد لا يسب ولا يؤذى بتقريع كلام ونحوه، فيجمع بين التعذيب الجسماني والروحاني، بل يقال: إن التعذيب بالسب والتقريع عند كثير من الناس أعظم من عقوبة الجسم. (فوالذي نفسي بيده) فيه الحلف بهذِه اليمين (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْسٍ) وهو الذي يؤخذ من الناس مما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر، ولا شك في أنه من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإشاعة للمنكر، وعمل به ودوام عليه (لغفر له) الظاهر أن هذا من باب

стр. 11492

المبالغة في قبول توبتها وعظم ثوابها، وإلا فالمكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات وانتهاكه لحرمة اللَّه تعالى، وأخذ أموال الناس بغير حقها ودفعها لمن لا يستحقها، بل ليستعين بها على المعاصي، ويتجرأ على مظالم الناس، ومثل هذا لا يصح منه التوبة إلا برد المظالم إلى أربابها، وهو بعيد الخلاص منه؛ لكثرة الحقوق، وانتشارها في الناس، وعدم معرفة المظلومين، لكن الكرم واسع والقبول لا مانع منه ولا دافع. (وأمر بها فصلي عليها) قال القاضي عياض: هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة "صحيح مسلم". قال: وعند الطبري بضم الصاد، وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود. قال: ولم يذكر مسلم صلاته ﷺ على ماعز، وذكرها البخاري (١). (ودفنت) فيه أن المقتول في الحد أو القصاص يدفن في مقابر المسلمين بلا طمس، إلا إذا كان في بلاد الكفار فإنه يطمس لئلا يؤذى. [٤٤٤٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن زكريا أبي عمران) بن سليم، بصري صدوق. (قال: سمعت شيخًا يحدث عن) عبد الرحمن (ابن أبي بكرة، عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث. (أن رسول اللَّه ﷺ رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة) بثاء مثلثة، وإسكان النون، وضم الدال، هو: الثدي.

стр. 11493

قال ابن السكيت: هو اللحم الذي حول الثدي (١). قال الجوهري: الثندؤة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة، فإذا ضممت أوله همزت بعد الدال فيكون فعللة، وإذا فتحته لم تهمز فيكون فعولة، مثل: ترقوة (٢). (قال أبو داود: أفهمني رجلٌ ابن) بالنصب، أي: أفهمني ذكر ابن أبي بكرة، و (رجل) بالرفع: فاعل (أفهمني) (عن عثمان) بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم (٣). [٤٤٤٤] (قال أبو داود: حدثت عن عبد الصمد بن عبد الوارث) التنوري، حافظ حجة (قال: ثنا زكريا بن سليم) البصري (بإسناده) المتقدم (نحوه) و (زاد) في روايته (ثم رماها بحصاة مثل الحمصة) بكسر الحاء (٤)، وكسر البصريون ميمه، وفتحها الكوفيون. قال المبرد: بالكسر، وثعلب: بالفتح، ومعلوم أن المبرد إمام البصريين في زمنه، وثعلب إمام الكوفيين. قوله: (مثل الحمصة) مخالف لما قاله الإمام في "النهاية" وتبعه الرافعي والنووي، ومن بعدهما: أن الرمي يكون بحجارة معتدلة، فإن مقتضاه أنه لا يجوز الرمي بصخرة كبيرة فتقتله لما فيه من فوات التنكيل، ولا يجوز أن يطول عليه بحصيات خفيفة؛ لأن فيه زيادة تعذيب. قال شيخنا البلقيني: هذا الذي ذكر الإمام ممنوع، بل يرمي

стр. 11494

بالخفيف والثقيل على حسب ما وجد. وتقدم في رواية رواها مسلم: فرميناه بجلاميد الحرة (١). وهي: الحجارة الكبار بحسب ما وجدوا، وجاء في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج: أن ماعزًا لم يقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله (٢). وفي رواية للبيهقي: أنَّ عبد اللَّه بن أنيس رماه بوظيف حمار (٣). وكل هذا بحسب ما يجده الرامي كما تقدم، وعلى هذا فيحمل كلام الأصحاب: لا يجوز الرمي بصخرة كبيرة على أنه لا يبتدأ بالصخرة الكبيرة ولا يستمر على الحصيات الصغار وحدها. (ثم قال: ارموا واتقوا الوجه) أي: ارموا إلى جميع البدن فإنه محل الرجم، واتقوا الوجه يعني: ما استطعتم، (فلما طفئت) بهمزة بعد الفاء، أي: خرجت روحها (أخرجها) من الحفرة (وصلى عليها) هو وأصحابه، وفيه الصلاة على المحدود (وقال في) ذكر (التوبة) "لقد تابت توبة لو تابها" إلى آخره (نحو حديث بريدة) المتقدم. [٤٤٤٥] (ثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن) محمد (ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود) الهذلي أحد الفقهاء السبعة (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني) من جهينة بن زيد، الصحابي (٤). (أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال أحدهما: يا

стр. 11495

رسول اللَّه ﷺ اقض بيننا بكتاب اللَّه) يراد به حكم اللَّه إن كانت هذِه القضية وقعت بعد نسخ تلاوة الرجم، كما تقدم، وإن كانت قبل ذلك فكتاب اللَّه محمول على حقيقته، وفيه أنه يجوز للخصم أن يقول للإمام العادل: احكم بيننا بالحق؛ لأنه علم أن النبي ﷺ لا يقضي إلا بما أمره اللَّه في كتابه، ولم ينكر ذلك عليه. (وقال الآخر وكان أفقههما) إنما كان أفقههما؛ لأنه ترفق ولم يستعجل وتلطف بالاستئذان في القول، بخلاف الأول قال: (أجل) بفتح الجيم وسكون اللام، جواب مثل نعم، إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام (يا رسول اللَّه ﷺ ، فاقض بيننا بكتاب اللَّه، وأذن لي أن أتكلم) فيه حسن الأدب بطلب الإذن قبل الكلام. (قال: تكلم. قال: إنَّ ابني كلان عسيفًا) أي: أجيرًا (على هذا) الرجل، أي: أجيرًا عنده (والعسيف: الأجير) جمعه عسفاء كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء (فزنى بامرأته) لم يكن هذا من الأب قذفًا لابنه ولا للمرأة لاعترافهما بالزنا على أنفسهما، زاد مسلم: (فأخبروني أن) ما (على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة) عن الرجم الذي أخبروني أنه عليه (وجارية) زاد البخاري: بمئة شاة ووليدة (١). (لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني) فيه أن العالم قد يفتي في مصر وفيه من هو أعلم منه، ألا ترى أنه سأل أهل العلم ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرهم، وكذلك كان الصحابة يفتون في زمن النبي ﷺ ، وفي سؤاله

стр. 11496

أهل العلم ورجوعه إلى النبي ﷺ دليل على أنه يجوز للرجل ألا يقتصر على قول واحد من العلماء. (أنما على ابني جلد مئة وتغريب عام) لأنه لم يحصن (وأنما الرجم على امرأته) لأنها محصنة، فيه استماع الحكم من أحد الخصمين وصاحبه غائب، ألا ترى أن المرأة لم تحضر سؤاله، وفيه الفتوى دون خصمه، ألا ترى أنّ رسول اللَّه ﷺ قد أفتاهما والمرأة غائبة، وكانت إحدى الخصمين. (فقال رسول اللَّه ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب اللَّه) قال النووي: يحتمل أن المراد: بحكم اللَّه، وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ وفسَّر النبي ﷺ السبيل بالرجم في حق المحصن كما تقدم، وقيل: هو إشارة إلى آية: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، فقد سبق أنه مما نسخت تلاوته وبقي حكمه (١) (أما غنمك وخادمتك فردّ عليك) (٢) أي: مردودة عليك، أي: يجب ردها إليك، وفي هذا أن الصلح الفاسد يرد، وأن أخذ المال فيه باطل يجب رده، وأن الحدود لا تقبل الفداء. (وجلد ابنه مئة) جلدة (وغربه عامًا) وهو محمول على أن الابن كان بكرًا، وعلى أنه اعترف، وإلا فإقرار الأب عليه لا يقبل، أو يكون هذا إفتاء جواب لاستفتائه، أي: إن كان ابنك زنى وهو بكر فعليه الجلد والتغريب (وأمر أنيسًا) مصغرًا لأنس، وهو: ابن الضحاك (الأسلمي)

стр. 11497

على الأصح. (أن يأتي امرأة الآخر) ويسألها (فإن اعترفت (١) رجمها) بالزنا فارجمها، أي: إن (٢) شهدت على نفسها بالزنا، وهذا مبني على أنَّ أنيسًا كان حاكمًا أو كان (٣) رسولًا لها ليستفصلها، ويدل على هذا قوله في آخر الحديث (فاعترفت، فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت) وهذا يدل على أن أنيسًا إنما سمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم إنما كان من النبي ﷺ . (فاعترفت فرجمها) بأمر رسول اللَّه ﷺ . * * *

стр. 11498

٢٦ - باب فِي رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ ٤٤٤٦ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قالَ: قَرَأْتُ عَلَى مالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ قالَ إِنَّ اليَهودَ جاءُوا إِلَى النَّبي ﷺ فَذَكُروا له أنَّ منْهُمْ وامْرَأَةً زَنَيا فَقالَ لَهُم رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ في شَأْنٍ الزِّنا؟ ". فَقالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْن سَلامٍ كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيها الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْراةِ فَنَشَرُوها، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمُّ جَعَلَ يَقْرَأُ ما قَبْلَها وَما بَعْدَها فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْن سَلامٍ ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَها فَإِذا فِيها آيَة الرَّجْمِ، فَقالُوا صَدَقَ يا مُحَمَّدُ فِيها آيَة الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِما. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْني عَلَى المَرأَةِ يَقِيها الحِجارَةَ (١). ٤٤٤٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ بْن زِيادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُرَّةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: مَرُّوا عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودي قَدْ حُمِّمَ وَجْهُهُ وَهُوَ يُطافُ بِهِ فَناشَدَهمْ ما حَدُّ الزّاني في كِتابِهِمْ؟ قالَ: فَأَحالُوهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَنَشَدَهُ النَّبي ﷺ : "ما حَدُّ الزّاني في كِتابِكُمْ؟ ". فَقالَ: الرَّجْمُ ولكن ظَهَرَ الزِّنا في أَشْرافِنا فَكَرِهْنا أَنْ يُتْرَكَ الشَّرِيفُ وَيُقامَ عَلَى مَنْ دُونَهُ فَوَضَعْنا هذا عَنّا. فَأَمَرَ بِهِ رَسول اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ، ثُمَّ قالَ: "اللَّهُمَّ إِنّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيا ما أَماتُوا مِنْ كِتابِكَ" (٢). ٤٤٤٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن العَلاءِ، حَدَّثَنا أَبو مُعاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُرَّةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: مرَّ عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ يَهُوديٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ، فَدَعاهُمْ فَقالَ: "هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانَي؟ ". فَقالُوا: نَعَمْ. فَدَعا رَجُلًا مِنْ عُلَمائِهِمْ قالَ لَهُ: "نَشَدْتُكَ باللَّهِ الذي أَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى هَكَذا تَجِدُونَ

стр. 11499

حَدَّ الزّاني في كِتابِكُمْ؟ ". فَقالَ اللَّهمَّ لا وَلَوْلا أنَّكَ نَشَدْتَني بهذا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزّاني في كِتابِنا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ في أَشْرافِنا فَكُنّا إِذا أَخَذْنا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ تَرَكْناهُ وَإذا أَخَذْنا الرَّجُلَ الضَّعِيفَ أَقَمْنا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقُلْنا: تَعالَوْا فَنَجْتَمِعَ عَلَى شَيء نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، فاجْتَمَعْنا عَلَى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ وَتَرَكْنا الرَّجْمَ. فَقالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيا أَمْرَكَ إِذْ أَماتُوهُ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَأَنْزَلَ اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ في اليَهودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ في اليَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قالَ: هي في الكُفّارِ كُلُّها يَعْني هذِه الآيَةَ (١). ٤٤٤٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن سَعِيدٍ الهَمْداني، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَني هِشامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ يَهُودَ فَدَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى القُفِّ فَأَتاهُمْ في بَيْتِ المِدْراسِ، فَقالوا يا أَبا القاسِمِ إِنَّ رَجُلًا مِنّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ فَوَضَعوِا لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ وِسادَةً فَجَلَسَ عَلَيْها ثمَّ قالَ: "ائْتُوني بِالتَّوْراةِ". فَأُتي بِها، نَزَعَ الوِسادَةَ مِنْ تَحْتِهِ فَوَضَعَ التَّوْراةَ عَلَيْها ثمَّ قالَ: "آمنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ". ثُمَّ قالَ: "ائْتُوني بِأَعْلَمِكُمْ". فَأُتي بِفَتًى شابٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ (٢). ٤٤٥٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري قالَ: حَدَّثَنا رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، ح وَحَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنا يُونُسُ، قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَمِعْتْ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ يَتَّبعُ العِلْمَ وَيَعِيهِ -ثمَّ اتَّفَقا- وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ فَحَدَّثَنا عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -وهذا حَدِيثُ

стр. 11500

مَعْمَرٍ، وَهوَ أَتَمُّ- قالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ وامْرَأَةٌ فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنا إِلَى هذا النَّبي فَإِنَّهُ نَبي بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتانا بِفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْناها واحْتَجَجْنا بِها عِنْدَ اللَّهِ قُلْنا فُتْيا نَبي مِنْ أَنْبِيائِكَ، قالَ: فَأَتَوُا النَّبي ﷺ وَهُوَ جالِسٌ في المَسْجِدِ في أَصْحابِهِ فَقالوا يا أَبا القاسِمِ ما تَرى في رَجُلٍ وامْرَأَةٍ زَنَيا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْراسِهِمْ فَقامَ عَلَى البابِ فَقالَ: "أَنْشُدُكُمْ باللَّهِ الذي أَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذا أُحْصِنَ". قالوا يُجَمَّمُ وَيُجَبَّهُ وَيُجلَدُ - والتَّجْبِيَة أَنْ يُحْمَلَ الزّانِيانِ عَلَى حِمارٍ وَتُقابَلَ أَقْفِيَتُهُما وَيُطافَ بِهِما قالَ: وَسَكَتَ شابٌّ مِنْهُمْ فَلَمّا رَآهُ النَّبي ﷺ سَكَتَ أَلظَّ بِهِ النِّشْدَةَ فَقالَ اللَّهمَّ إِذْ نَشَدْتَنا فَإنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ الرَّجْمَ. فَقالَ النَّبي ﷺ : "فَما أَوَّلُ ما ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ". قالَ: زَنَى ذُو قَرابَةٍ مَعَ مَلِكٍ مِنْ ملُوكِنا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ ثُمَّ زَنَى رَجُلٍ في أُسْرَةٍ مِنَ النّاسِ فَأَرادَ رَجْمَهُ فَحالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقالُوا لا يُرْجَمُ صاحِبنا حَتَّى تَجَيءَ بِصاحِبِكَ فَتَرجُمَهُ فاصْطَلَحُوا عَلَى هذِه العقُوبَةِ بَيْنَهُمْ. فَقالَ النَّبي ﷺ : "فَإنّي أَحْكُمُ بِما في التَّوْراةِ". فَأَمَرَ بِهِما فَرُجِما. قالَ الزُّهْري: فَبَلَغَنا أَنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ كانَ النَّبي ﷺ مِنْهُمْ (١). ٤٤٥١ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبو الأَصْبَغِ الحَرّاني، قالَ: حَدَّثَني مُحَمَّدٌ -يَعْني ابن سَلَمَةَ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنِ الزُّهْري قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: زَنَى رَجُلٌ وامْرَأَةٌ مِنَ اليَهُودِ وَقَدْ أُحْصِنا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَقَدْ كانَ الرَّجْم مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ فَتَرَكُوهُ وَأَخَذوا بِالتَّجْبِيَةِ يُضْرَبُ مِائَةً بِحَبْلٍ مَطْلي بِقارٍ وَيُحْمَل عَلَى حِمارٍ وَجْهُهُ مِمّا يَلي دُبُرَ الحِمارِ فاجْتَمَعَ أَحْبارٌ مِنْ أَحْبارِهِمْ فَبَعَثُوا قَوْمًا آخَرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 11501

فَقالوا: سَلُوهُ، عَنْ حَدِّ الزّاني. وَساقَ الحَدِيثَ قالَ: فِيهِ قالَ: وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَخُيِّرَ في ذَلِكَ قالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١). ٤٤٥٢ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْن موسَى البَلْخي، حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ قالَ: مُجالِدٌ أَخْبَرَنا، عَنْ عامِرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَتِ اليَهُودُ بِرَجُلٍ وامْرَأَةٍ مِنْهمْ زَنَيا، فَقالَ: "ائْتُوني بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ" فَأَتَوْهُ بِابْنَى صُورِيا، فَنَشَدَهما: "كَيْفَ تَجِدانِ أَمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْراةِ". قالا: نَجِدُ في التَّوْراةِ إِذا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِها مِثْلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ رُجِما. قالَ: "فَما يَمْنَعُكُما أَنْ تَرْجُمُوهُما؟ ". قالا: ذَهَبَ سُلْطانُنا فَكَرِهْنا القَتْلَ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجاءُوا بِأَرْبَعةٍ فَشَهِدوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِها مِثْلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ فَأَمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِما (٢). ٤٤٥٣ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْن بَقِيَّةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْراهِيمَ والشَّعْبي عَنِ النَّبي ﷺ نَحْوَهُ لَمْ يَذْكُرْ فَدَعا بِالشُّهُودِ فَشَهِدُوا (٣). ٤٤٥٤ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ ابن شُبْرُمَةَ، عَنِ الشَّعْبي بِنَحْوٍ مِنْهُ (٤). ٤٤٥٥ - حَدَّثَنا إِبْراهِيم بْنُ حَسَنٍ المِصِّيصيُّ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْن مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبا الزُّبَيْرِ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَجَمَ النَّبي ﷺ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ وامْرَأَةً زَنَيا (٥).

стр. 11502

باب رجم اليهوديَّين [٤٤٤٦] (ثنا عبد اللَّه بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا وامرأة منهم زنيا، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الزنا؟ ) قال العلماء: هذا السؤال لهم ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعله ﷺ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم ولم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف عليه ذلك (١) حين أنكروه (فقالوا: نفضحهم) على رؤوس الناس كما سيأتي (ويجلدون) مبني للمفعول، أي: مئة جلدة. (فقال عبد اللَّه بن سلام) بتخفيف اللام ابن الحارث، من بني قينقاع الإسرائيلي، من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وكان اسمه الحُصين، فسماه النبي ﷺ : عبد اللَّه، وهو أحد الأحبار (كذبتم، إن فيها الرجم) لا ما زعمتم يا معشر اليهود (فأتوا) بفتح الهمزة والتاء، أي: جاؤوا بها (بالتوراة) وهذِه أعظم محاجة أن يؤمروا بإحضار كتابهم الذي فيه شريعتهم، فإنه ليس فيه ما ادعوه، بل هو مصدق لما أخبر به النبي ﷺ من الرجم، ويروى أنهم لم يتجاسروا أولًا على الإتيان بالتوراة لظهور افتضاحهم بإتيانها، بل بهتوا، وذلك لعادتهم في

стр. 11503

كثير من أحوالهم لما ألزموا بإتيانها أتوا بها على أن (١) يستروا ما يكذبهم منها، وفي استدعاء التوراة منهم وتلاوتها الحجة الواضحة على صدق رسول اللَّه ﷺ في نبوته، إذ كان أميًّا لم يقرأ الكتب ولا يعرف أخبار الأمم السالفة، ثم شرع يحاجهم ويستشهد عليهم بما في كتابهم، ولا يجدون من إنكاره محيصًا. (فنشروها) أي: فتحوها وبسطوها (وقرؤوها، حتى إذا أتوا على آية الرجم فجعل أحدهم) يعني: الفتى الذي كان يقرأ، وهو عبد اللَّه بن صوريا (٢). (يضع يده على آية الرجم، ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفع يدك) فيه الاستعانة في كل أمر بمن هو خبير به، لقوله: "استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها" (٣) أو كما قال (فرفعها، فإذا فيها) أي: في التوراة في الموضع الذي كان تحت يده (الرجم، فقالوا: صدق) عبد اللَّه بن سلام. (يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ ، فرجما) قد يحتج بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحد على الزناة من أهل الذمة، وهو قول أبي حنيفة (٤)، وأحد قولي الشافعي (٥)، وقال

стр. 11504

مالك (١): لا يتعرض لهم الإمام ويردهم إلى أهل دينهم، إلا أن يظهر ذلك منهم بين المسلمين فيمنعوا من ذلك. قال القرطبي: ولا حجة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث؛ لأنهم حكموا النبي ﷺ ، فحكم بما خبره اللَّه تعالى فيه (٢). (قال عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب (فرأيت الرجل يحنو) قال القرطبي: حكي بعض مشايخنا [أن صوابها: يجنأ] (٣) بفتح الياء وسكون الجيم وهمزة، وحكاها عن أبي عبيد -أظنه: القاسم بن سلام (٤) - قال: والذي رأيته في "الغريبين" للهروي: يُجنئ عليها. بياء مضمومة، وسكون الجيم، وكسر النون، وهمزة بعدها، قال: أي: يكب عليها يقال: أجنأ عليه يجنئ إذا أكب عليه يقيه شيئًا (٥). ثم قال: وتحصل من حكاية أبي عبيد والجوهري أنه يقال: جنأ مهموزًا ثلاثيًّا ورباعيًّا (٦). قال: وقد وقع هذا اللفظ في "الموطأ": فرأيت الرجل يُجنئ على المرأة يقيها الحجارة (٧). رويناه: يحنى. بياء مفتوحة وبحاء مهملة من

стр. 11505

الحنو (١). قال: وهو الصواب (٢). (على المرأة) ثم فسره أي: (يقيها الحجارة) وفيه دليل لوجوب حد الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه؛ لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم. وفيه أنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. [٤٤٤٨] (ثنا محمد بن العلاء قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء، روى له الجماعة. (عن البراء بن عازب ﵄ قال: مُرَّ) (٣) بضم الميم مبني للمفعول. (على رسول اللَّه ﷺ بيهودي محمم) بضم الميم وفتح الحاء المهملة، أي: مسود وجهه، والحميم: الفحم، واحدته حميمة، وفي رواية لمسلم: نسود وجوههما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما (٤). (فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزنا (٥)؟ ! فقالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، قال: نشدتك باللَّه) ولابن ماجه: "أنشدك باللَّه" (٦) (الذي أنزل التوراة على موسى) لأنهم يعتقدون صحتها وتعظيمها، فيه تحليف

стр. 11506

الكافر بما يعتقد تعظيمه. (أهكذا تجدون حد الزنا) (١) زاد أحمد: "في كتابكم" (٢) ليس هذا استفهامًا حقيقيًّا ليصدقهم بما قالوا، بل ليقيم الحجة عليهم. (فقال: اللهم لا) واللَّه (ولولا أنك نشدتني بهذا) القسم (لم أخبرك) بأننا نجد في كتابنا (نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر) الزنا (في أشرافنا) ورواية البزار والطبراني: وإنا كنا (٣) قومًا شببة، وكان نساؤنا حسنة وجوهها، وإن ذلك كثر فينا، فلم نقم له (٤). (فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركلناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد) ولعل مثل هذا أن يقع في هذِه الأمة. (فقلنا: تعالوا) قرأ الحسن وأبو السمال بضم اللام، ووجهه أن أصله: تعاليوا. كما تقول: تجادلوا، نقلت الضمة من الياء التي أصلها الواو إلى اللام قبلها بعد حذف فتحتها فبقيت الياء ساكنة، وواو الضمير ساكنة، فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وهذا تعليل شذوذ (فيجتمع) بنصب العين جواب الأمر، رواية ابن ماجه: تعالوا حتى نجتمع (٥). رواية أحمد: تعالوا حتى نجعل شيئًا (٦).

стр. 11507

(على شيء نقيمه على الشريف) منا (والوضيع. فاجتمعنا على التحميم) وهو تسويد الوجه (والجلد، وتركنا الرجم) الذي فيه إزهاق النفس. (فقال النبي ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك) فيه فضيلة من أحيا حكمًا من أحكام اللَّه تعالى كان قد أميت وترك، أو سنة من سنن الشريعة قد اندرست (إذ أماتوه) [فيه التحذير من التسبب في تغيير حكم من أحكام الشريعة أو إبطاله والملازمة على تركه أو إهماله] (١). (فأمر به فرجم) استدل به الشافعي على أنَّ الكافر إذا وطئ في نكاح صحيح عندهم كان محصنًا؛ لأنه لم يرجمه إلا وهو محصن (٢)، وقال النخعي والحسن البصري: لا يكونان محصنين حتى يجامعها في الإسلام (٣). وهو قول مالك (٤) والكوفيين (٥)، قالوا: الإسلام من شروط الإحصان. قالوا: وإنما رجم اليهودي الزاني بحكم التوراة [حين سأل الأحبار عن ذلك، وربما كان ذلك بسبب تنفيذ (٦) الحكم عليهم بكتابهم التوراة] (٧) وكان أول دخوله المدينة، ثم نسخ بعد ذلك حكمه، وبقي حكمه بالرجم.

стр. 11508

(فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾) استدل به على أن الحديث سبب لنزول هذِه الآية، وهذا قول ابن عباس وجماعة، وفي الآية أقاويل كثيرة غير هذا، موضعها كتب التفسير (﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾ أي: لا تهتم لمسارعة اليهود بإظهار ما يلوح منهم من آثار الكفر، ومسارعتهم في الكفر وقوعهم وتهافتهم فيه (﴿فِي﴾) إظهار (﴿الْكُفْرِ﴾) (إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾) إشارة إلى التحميم والجلد في الزنا اللذين اجتمعوا على فعله، والفاعل المحذوف في ﴿أُوتِيتُمْ﴾ هو الرسول أي: إن أتاكم الرسول بهذا (﴿فَخُذُوهُ﴾) واعلموا أنه الحق واعملوا به (﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾) أي: وإن أتاكم محمد بخلافه (﴿فَاحْذَرُوا﴾) وإياكم من قبوله، فهو الباطل، وقيل: فاحذروا أن تسألوه بعد هذا، والظاهر الأول؛ لأنه مقابل لقوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ فالمعنئ: وإن لم تؤتوه وأتاكم بغيره فاحذروا قبوله. (إلى قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾) سياق الآية أنه خطاب لليهود، وفيهم أنزلت، وليس في الإسلام منها شيء، وذهب ابن مسعود (١) وغيره إلى أنها عامة في اليهود وغيرهم، ولكن كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، فظلم المسلم ليس مثل ظلم الكافر، وكذا كفره وفسقه، واحتجت الخوارج بهذِه الآية على أن كل من عصى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل اللَّه فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل اللَّه فوجب أن

стр. 11509

يكون كافرًا، وأجيبوا بأنها نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم كما في الحديث، وضُعِّف بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾) نزلت (في اليهود) أيضًا، وناسب ذكر الظلم هنا للباء في القصاص، وعدم التسوية في القصاص، وإشارة إلى ما كانوا قروره من عدم التساوي بين بني النضير وبني قريظة بخلاف الآيات التي قبلها التي ذكر بعدها ﴿الْكَافِرُونَ﴾؛ لأنها جاءت عقب قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (١) ففي ذلك إشارة إلى أنه لا يحكم بجميعها، بل يخالف رأينا (٢)؛ ولهذا جاء: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فناسب ذكر الكافرين عقب ذلك (إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) ناسب هنا ذكر الفسق؛ لأنه خروج من أمر اللَّه إذ تقدم قبله قوله (٣): ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ وهو أمر كما قال: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٤) أي: خرج من طاعة أمره (٥) (قال: هي في الكفار كلها) ليست في المسلمين منها شيء، قال القفال: هي لموصوف واحد، كما تقول: من أطاع اللَّه فهو المسلم، ومن أطاع اللَّه فهو المؤمن، ومن أطاع اللَّه فهو المتقي (يعني: هذِه الآية) في مؤمن واحد.

стр. 11510

[٤٤٤٩] (ثنا أحمد بن سعيد الهمداني) بإسكان الميم، أبو جعفر المصري، قال النسائي: ليس بالقوي (١). (قال: ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب قال: حدثني هشام بن سعد) روى له مسلم، وهو مولى لآل أبي لهب بن عبد المطلب (أنَّ زيد (٢) بن أسلم) الفقيه العمري (حدثه عن ابن عمر ﵄ قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول اللَّه ﷺ إلى القُفِّ) بضم القاف وتشديد الفاء: ما غلظ من الأرض في ارتفاع، وهو أيضًا: البناء حول فم البئر قاله الجوهري (٣) وغيره، وقيل: واد من أودية المدينة عليه ماء. (فأتاهم في بيت المدراس) بكسر الميم موضع الدرس والقراءة، اضطربت الرواية في هذا الحديث، ففي رواية البراء المتقدمة: أنه مر على رسول اللَّه ﷺ ، فدعاهم (٤). وفي هذا الحديث: أنهم أتوا إليه فدعوه. وقال هنا: (أتاهم في بيت المدراس) وفي الحديث الذي بعده: أتوه وهو جالس في المسجد (٥). وهي متقاربة في المعنى، ولا بعد في ذلك؛ لأنَّ ذلك كله حكاية عن قضية وقعت، فعبَّر كل واحد منهم بما تيسر له، والكل صحيح، فيجمع بين الروايات بأنه كان في المسجد أولًا وجاؤوا إليه وهو فيه، ثم بعد ذلك مشى معهم إلى بيت المدراس بعد أن سألوه عن ذلك على ما رواه ابن عمر.

стр. 11511

(فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلًا منا زنى بامرأة، فاحكم) (١) قال ابن عطية: الأمة مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بينهم أي: إذا جاؤوا إليه في التظالم، وأما نوازل الأحكام التي لا تظالم فيها فهي التي يتخير فيها الحاكم (٢). (فوضعوا لرسول اللَّه ﷺ وسادة) ليجلس عليها (فجلس عليها) فيه أن من أكرم بالوسادة لا يردها ولو كانت من كافر، وفي الحديث: "ثلاثة لا ترد: [الوسائد] (٣) " (٤) (ثم قال: ائتوا (٥) بالتوراة) فيه الدليل على المطالبة بإقامة الحجج على الأحكام الشرعية (فأتي بها، فنزع الوسادة) قد يحتج به من لا يرى القيام بكتب اللَّه المنزلة [(من تحته فوضع التوراة عليها) فيه: تعظيم كتب اللَّه المنزلة] (٦). (ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك) امتثالًا لأمر اللَّه تعالى في غير آية من الآيات الدالات على الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، لكن لمؤمن أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما [في أيديهم] (٧)

стр. 11512

مفصلًا، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا كما جاء في "الصحيح": "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وأنزل إليكم" (١). (ثم قال: ائتوني بأعلمكم) وفي الرواية الآتية: "ائتوني بأعلم رجلين منكم" (فأتي بفتى شاب) وفي رواية الطبراني: فأتي بشاب فصيح (٢). كما سيأتي (ثم ذكر قصة الرجم) على (نحو حديث مالك، عن نافع). [٤٤٥٠] (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد اللَّه الذهلي شيخ البخاري (قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري قال: ثنا رجل من مزينة، وحدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة قال: ثنا يونس قال محمد بن مسلم: ) الزهري (سمعت رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم) أي: أهل العلم فيحفظه (ويعيه) سبق في الأقضية في باب: كيف يحلف الذمي (٣). (ثم اتفقا و) قال كل منهما: (نحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ وهذا حديث معمر، وهو أتم، قال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا (٤) النبي) الذي بعث (فإنه نبي (٥) بعث بالتخفيف) والتيسير؛ لقوله: "يسروا ولا تعسروا" (٦).

стр. 11513

(فإن أفتانا بفتيا) يقال: فتوى وفتيا بالضم في الأولى، والفتح في الثانية (دون الرجم) الذي فيه إزهاق النفس (قبلناها واحتججنا بها عند اللَّه) فيه ذم من كانت بينه وبين شخص خصومة في مالٍ أو دم وذهب إلى العالم ليسأله؛ لعل أن يكون عنده حيلة يبطل بها حق من بينه وبينه الخصومة، فإن دله على حيلة أخذ منه فتواه بذلك؛ ليدفع بها خصمه عند الحاكم إذا ادعى عليه، ويقول: هذِه فتيا فلان العالم. كما في الحديث (قلنا: ) هذِه (فتيا (١) نبي من أنبيائك) الذي أرسلته إلينا. (قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد) فيه فضيلة ملازمة المساجد وكثرة الجلوس فيها والتردد إليها، وفيه الجلوس في المسجد للإفتاء والتعليم، وأما القضاء في المسجد فقال بعض أصحابنا: لا يكره الجلوس في المسجد له، كما لا يكره للإفتاء والتعليم. والصحيح أنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم؛ لأنه ينزه عن رفع الأصوات وحضور الحيَّض والكفار والمجانين. (في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم) فيه جواز دخول الكفار المسجد إذا أذن له (ما ترى في رجل وامرأة) منهم (زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة) في المسجد (حتى أتى بيت مدراسهم) بكسر الميم كما تقدم (فقام على الباب) ولم يدخل (فقال: أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين، أي: أسألكم (باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى) وفي رواية أبي بكر عبد اللَّه بن الزبير الحميدي في "مسنده": "أنشدكم بالذي فلق البحر لبني

стр. 11514

إسرائيل، وظلل علكيم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل" (١) (ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ ) بضم الهمزة وكسر الصاد، وبفتح الهمزة والصاد قراءتان، وهي قراءة أكثر القراء السبعة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٢) وفيه دلالة لمذهب الشافعي على الإحصان في الكفر خلافًا للمالكية كما تقدم. (قالوا: يحمم) بضم الياء (ويجبه) بفتح الجيم وتشديد الباء المكسورة (ويجلد) بكسر اللام (والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل) بضم الياء المثناة تحت أوله وفتح الموحدة قبل اللام (أقفيتهما) يوضحه رواية مسلم: ويخالف بين وجوههما (٣). (ويطاف بهما) وهيئة هذا الفعل إنما كان مما اخترعه اليهود وابتدعوه وجعلوه عوضًا عن حكم الرجم، وذلك لم يقل به أحد في أهل الإسلام في الزنا، وإنما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يسود وجهه ويجلد ويحلق رأسه ويطاف به. قال القرطبي: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب (٤)، وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة، ولم يره مالك ﵀ (٥). (قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي ﷺ ) قد (سكت ألظَّ) بفتح

стр. 11515

الهمزة واللام وبالظاء المعجمة المشددة، أي: ألزمه القسم وألح عليه، ومنه الحديث: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" (١) أي: الزموه وأكثروا من قوله، يقال: هو ملظ بفلان. أي: لا يفارقه. وقيل: الإلظاظ: الإلحاح (به النشدة) بكسر النون وسكون الشين المعجمة، أي: السؤال، من نشدته باللَّه أنشده إذا سألته باللَّه، كأنك ذكرته باللَّه ليرجع إليه، والنشدة بالكسر يراد به الهيئة التي أنشده عليها، فإن فِعلة يستعمل للهيئة والحال، بخلاف فَعلة بفتح الفاء، فإنه يراد بها المرة الواحدة. قال أبو حيان: فإن كان المصدر قد وضع على فِعلة بكسر الفاء، نحو: نشدتُ الضالة نشدة، بكسر النون إذا طلبتها، فإن فِعلة لا تدل على الهيئة منه بفعلة، بل يفهم ذلك من قرينة حال أو من نعت ينعت به. (فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم) فيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ؛ لأنه أمي لا يقرأ أخبار الأمم المتقدمة، ومع ذلك حاجهم على ما في كتابهم واعترفوا بما أخبر به. (فقال النبي ﷺ : فما أول ما ارتخصتم) بفتح الخاء المعجمة وإسكان الصاد المهملة (به) افتعلتم، من الرخصة، بمعنى: اتخذها، نحو: استوى: اتخذ سواء، ومنه: اطبخ واذبح واكتال واتزن، و (ما) الداخلة

стр. 11516

على (ارتخصتم) يحتمل أن تكون زمانية أي: ما أول زمان اتخذتم فيه هذِه الرخصة التي تركتم فيها (أمر اللَّه تعالى قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر) بفتح الهمزة والخاء الملك (عنه) أي: عن قرابته (الرجم، ثم زنى رجل في أسرة) بضم الهمزة، وسكون السين المهملة. (من الناس) ليس له قرابة من الملك. قال ابن الأثير: أسرة الرجل: قومه الذي يتقوى بهم، من الأسر، وهو القوة (١). قال المبرد: الأسر: القوى كلها، وأصله عند العرب القد الذي يشد به الأقتاب. يقال: شد اللَّه أسيرة فلان أي: قوته، قال اللَّه تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ (٢) (فأراد رجمه) لعدم قرابته منه (فحال قومه) الذين يتقوى بهم (دونه (٣)، وقالوا: لا يرجم (٤) صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصلحوا على (٥) هذِه العقوبة (٦) بينهم) وهي: التحميم والتجبيه. (فقال النبي ﷺ : فإني أحكم بما في التوراة) فيه دليل لما ذهب إليه مالك أن النبي ﷺ حكم بالرجم عملًا بالتوراة (٧) (فأمر بهما فرجما) فيه أن الصلح الذي أحل حرامًا أو حرم حلالًا غير جائز، ولهذا أبطل النبي ﷺ ما كانوا اصطلحوا، فأمر بهما فرجما الذكر والأنثى، فيه

стр. 11517

دليل على رجم الفاعل والمفعول. (قال الزهري: فبلغنا أن هذِه الآية أنزلت (١) فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾) قال قتادة: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول لما نزلت هذِه الآية: "نحن اليوم نحكم على اليهود، وعلى من سواهم من أهل الأديان" (٢). وفي الآية ترغيب لليهود أن يكونوا كمتقدمتهم من مسلمي أحبارهم، وتنبيه للمنكرين لوجوب الرجم. (﴿فِيهَا هُدًى وَنُور﴾) قال جماعة: الهدى والنور سواء وكرر للتأكيد. وقال قوم: ليسا سواء، فالهدى محمول على بيان الأحكام، والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد (﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾) ظاهر قوله: (﴿النَّبِيُّونَ﴾) الجمع. قالوا: وهم من لدن موسى إلى عيسى. وقال الحسن والسدي: هو محمد ﷺ (٣)، وذلك حين حكم على اليهود بالرجم، وذكره بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٤) (﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾) ونبه بهذا الوصف على أن اليهود والنصارى بعداء من هذا الوصف الذي هو الإسلام، وإن كان دين الأنبياء كلهم قديمًا وحديثًا (كان النبي ﷺ منهم) من هذِه الأنبياء الذين أسلموا.

стр. 11518

[٤٤٥١] (ثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبع) (١) بالعين المهملة (الحراني) ثقة، توفي سنة (٢٣٥) (قال: حدثني [محمد بن] (٢) سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: سمعت رجلًا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أحصنا) بفتح الهمزة والصاد أي: وطئا في عقد صحيح عندهم. (حين قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، وكان الرجم مكتوبًا عليهم في التوراة فتركوه) لما تقدم (وأخذوا بالتجبية) يحتمل أن يكون أصله الهمز كما قال الخطابي (٣)، من جبأته عن الأمر كععت، فانجبأ أي: كع عنه وانزجر، والتجبيه أن (يضرب مئة) ضربة (بحبل مطلي) أصله مطلوي، فالتقى الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما سكونًا عند عارض، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت إحداهما في الأخرى، كما في هين وميت، الأصل: هيون وميوت (بقار) نوع من الزفت، قيل: هو القطران. (ويحمل على حمار، ووجهه مما يلي دبر الحمار) تقدم أنَّ هذا مما اخترعته اليهود فيما بينهم (فاجتمع أحبار من أحبارهم) أي: علماء من علمائهم. (فبعثوا قومًا آخرين) منهم (إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سلوه) واسألوه لغتان، والثانية هي الأصل (عن حد الزنا، وساق الحديث) المتقدم، وزاد

стр. 11519

فيه (قال فيه: وقال: ولم يكونوا من أهل دينه، فيحكم) بشريعته (بينهم، فخير في ذلك، وقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: يتحاكمون إليك (﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾) ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما وافق هواهم. قال ابن عباس وجماعة: هي منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١). [٤٤٥٢] (ثنا يحيى بن موسى البلخي) السختياني شيخ البخاري (قال: ثنا أبو أسامة، أنا مجالد) بن سعيد الهمداني (عن عامر) الشعبي (عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا) ذكر الطبري وغيره أنَّ الزانيين كانا من فدك وخيبر، وكانوا حربًا لرسول اللَّه ﷺ واسم المرأة الزانية: بسرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبي ﷺ ، فقال لهم: سلوا. وكذا رواه أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير الحميدي في "مسنده" عن جابر بن عبد اللَّه، ثم قالوا: سلوا محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوا عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه. فسألوه (٢) (فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم) فيه أن البلد إذا تعدد فيها المفتون (٣) يسأل أعلمهم وأكثرهم صلاحًا وزهدًا.

стр. 11520

(فأتوه بابن صوريا) رواية الحميدي: فجاؤوا برجل أعور يقال له: ابن صوريا (١). وفي رواية الطبراني عن ابن عباس: فأتوه برجلين أحدهما شاب فصيح والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه حتى يرفعهما بعصابة (٢). (فنشدهما كيف يجدان أمر هذين في التوراة؟ ) رواية البزار: في توراة اللَّه تعالى (٣). (قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة) أي: أربعة رجال (أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة) كذا رواه البزار من طريق مجالد أيضًا (٤)، وصححهما ابن عدي (رجما) رواية البزار: رجموه (٥). (قال: "فما يمنعكما أن ترجموهما؟ ". قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل) لئلا تذهب قوتنا (فدعا رسول اللَّه ﷺ بالشهود) الأربعة (فجاؤوا أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة) بضم الميم والحاء، فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إنه يشترط في شهود الزنا أن يذكروا مفسرًا، فيقولون: رأيناه أدخل ذكره أو قدر الحشفة في فرج فلانة على سبيل الزنا. ولا يكفي إطلاق الزنا، فقد يظنون المفاخذة زنا، وقد تكون الموطوءة جارية ابنه أو مشتركة بينه وبين غيره، بخلاف ما لو ادعت وطء شبهة وطلبت المهر، فإنه يكفي
следующие страницы →